البوعزيزي “حين انقطعت شعرة معاوية”

بروفايلات, قضايا

23  ديسمبر  2017

أحبك

يا دوحة خضراء في أفريقيا

وأحب فيك الشعب حين

ينهض متمرداً

كانت ولاتزال تلك هي الصورة المتجذرة في أذهاننا جميعاً عن تونس، شعب يثور ويغضب، تواق للحرية، هذا الصخب المتصاعد في الأنحاء، يُنذر بطاريء أوشك على الحدوث، سودان يُقسم لشمال وجنوب، قبضة أمنية تطوق أرض مصر، صحوة مخابراتية تُحوِّط الأراضي السورية، اجتماعات طارئة للجامعة العربية، خِطابات رنانة حول القضية الفلسطينية، وزعماء يشجبون على استحياء، ويطبِعّون مع مغتصبي الأرض، علنًا دون حرج.

تونس الوقود الحيوي للثورة:

بدت لي صورة هذا الشاب المحترق” محمد البوعزيزي”، بعد أن أشعل جسده بالنار، مجرد صورة حزينة، لحادث أليم، لم أكن أدرك، أنها نيراناً ستحصد الأخضر واليابس، في الشوارع، الميادين، المدن، الأرواح والنفوس التي سأمت هذا الظلم، ظلم احتد عندما صُفع وجهه الشاب، دون وجه حق، تساءلت، كيف يصبح إحراق النفس شيئًا هينًا على أحدهم؟، كيف يتجرد شخص من ذاتيته، ليتحول إلى قاتل نفسه، يعذبها بل ويحرقها، دون أن يشعر بتعاطف تجاهها، ملاءني شعوراً أن هذا لم يأت من فراغ، ليس وليد اللحظة، إنما شعرة معاوية قد انقطعت، وأشعلت جمراً يرقدُ فوقه الشباب العربي، منذ عقود.

لم تكن ناراً اشتعلت في جسد شاب، بعد أن فاض القلب بظلم كبير، ولكنها ثورة انقلبت على كل حكام العرب، الذين ظلوا يغضون الطرف عن الشباب الثائر، وظلت احتجاجاتهم تُقمع، وترُوّد بشيء من السياسة، والتسويف، استطاعت نيران البوعزيزي تحريك الجموع، وانتقلت عدوى الثورة إلى مصر وباقي الأقطار العربية، شُعلة “البوعزيزي”، فجرت الغضب الكامن  في النفوس، واستطاعت حشد الجماهير، استطاع الشباب الثائر الذين نزلوا إلى الميادين والساحات، واكتظت بهم، أن يحولوا الغضب الجماهيري الكامن في النفوس إلى قوة سياسية فاعلة وضاغطة، استطاعت ان تحرك عجلة التغيير في بعض الاقطار العربية، وأجبرت بعض الانظمة الدكتاتورية على التنحي عن السلطة والتخلي عن مناصبهم، كما اوصلت رسالة بالغة الوضوح إلى العديد من الانظمة العربية الاخرى، مؤداها أن بادروا في الاصلاحات المرجوة قبل أن يجرفكم طوفان الثورة القادم ويصبح مصيرهم كمصير نظرائهم.

حين قامت الثورة التونسية، التي بدأت كمجرد احتجاج على ما حدث لـ “البوعزيزي”، وتصاعدت الإحتجاجات لاحقًا، ونشبت تظاهرات في كل البلاد، لم يكن لتلك التظاهرات قائد على رأسها، يقود الجموع ويوجههم، كل ما دفعهم للحراك كان تلك الجثة المحترقة لشاب في مقتبل العمر، يحاول كسب رزقه، بعد أن تخلت الدولة عنه كما الكثير من الشباب، حتى أصبح مايقرب 15 % من الشباب التونسي عاطلين عن العمل، كان البوعزيزي الصرخة التي فجرت ما طال السكوت عنه، وهو ماميز الثورة التونسية والثورات العربية بشكل عام، التي لم تسير خلف أحد الرموز، كما الثورة الإيرانية مثلاً،  بل اعتمدت على الحشود الشعبية، التي اتخذت المسار السلمي في التعبير عن الإحتجاج، هذا ماجعل لها قابلية اجتماعية، فانضم إليها الشعب بسهولة، حيث عبرت الثورة عن تطلعاتهم، وهتافات الشباب عن مشكلاتهم، لقد اصبح الثوار الشباب في العالم العربي بإبداعاتهم الثورية ووعيهم وحواراتهم المستمرة، بمثابة الفلاسفة والمنظرين والقادة الموجهين الذين قادوا ونظروا للثورات التاريخية الكبرى التي حدثت في التاريخ الغابر، وفي أكثر من مكان، فبرهنت الثورات العربية على أن قابلية معظم الشعوب للتعايش مع الانظمة الاستبدادية التي ذاقت منها الأمرين قد نفدت إو إنها في طريقها للنفاد، يظهر ان شعوب المنطقة وصلت إلى قناعة مؤداها: أنه لا خيار مع تلك الانظمة لإصلاح الأوضاع إلا الاطاحة بها، واستبدالها بنظم سياسية ديمقراطية أخرى وإن الطريق الامثل والأنجح والأقصر إلى تحقيق ذلك الحلم، صار في نظرهم هو خيار “الثورات السلمية المدنية”، إن الثورات لا تنتهي، ولم تذهب نيران الـ بوعزيزي هباءاً، ولم يُنثر رماده فوق أرض الوطن، إلا ليضيء شمس حرية حقيقية، انتزعها الشعب التونسي، وعض عليها بالنواجز، امتناناً لهذ الثائر الذي رحل قبل أن يقطف ثمرة الحرية، ولم يعرف أنه سيحرر شعوبًا بأكملها من الخوف، ويهدم عروشًا لم يكن ليراود خواطرنا أن تزول. 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟ هل يمكن إسقاط النظام من دون إسقاط الدولة معه؟ وبكلام آخر، هل "النظام" حالة متميّزة عن "الدولة" ومنفصلة عنها، أم تربط بينهما علاقة عضوية تجعل من إسقاط الأول حدثًا لا يمكن حصوله بلا انفراط عقد الثانية؟

جلبير الأشقر

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1) الإرادة الثورية تُفرض من الشارع وليس من خلال مؤسسات الدولة التي قامت الثورة في مواجهتها، أيا ما كان شكلها. حق الاقتراع العام انتُزِع في الشارع، والحقوق النقابية تم انتزاعها في المصانع والشوارع وكذا حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية أو العرقية.

هاني شكر الله

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله