البوعزيزي: درس الاقتصاد من بائع متجول

بروفايلات, قضايا

22  ديسمبر  2017

في يوم الثالث والعشرين من يناير 2011 كان لي الحظ أن ألتقي بنائب المدير الأقليمي لصندوق النقد السيدة راتنا ساهاي، لم يكن لقاء مرتبا ولكنني تطفلت عليها مثل أي محرر تحركه غريزة الصحافة ولاحقتها بسؤال سريع بعد أن ألقت كلمة قصيرة في المركز المصري للدراسات الاقتصادية.

كان السؤال عن تعليقها على من أطلقوا على ثورة تونس “مظاهرات صندوق النقد”، وكان المقصود بهذه التسمية أن السياسات النيوليبرالية التي كان الصندوق يدفع إليها ديكتاتور تونس زين العابدين بن علي ساهمت في إفقار قطاعات من المجتمع وهي المسئولة عن انفجار الغضب الذي بدأ بواقعة بوعزيزي ثم امتد إلى مشهد خلع بن علي.

وفاجأني رد السيدة التي قالت “اذا رجعتم إلى تقارير السنوات السابقة ستجدون أننا كما كنا نسلط الضوء على النمو الاقتصادي المتحقق في تونس كنا أيضا نحذر من معدلات البطالة وليست مسئوليتنا أن المسئولين هناك ركزوا على الجانب الإيجابي أكثر فنحن لا نملك إجبارهم على تطبيق السياسات التي نقترحها” بدت لي السيدة وكأنها ومؤسستها ينفضون أياديهم من المسئولية عن الغضب المتصاعد من المغرب العربي والذي يزحف بسرعة مبهرة إلى مصر.

أذكر هذه الندوة جيدا كنا في غرفة ضيقة بدور علوي في أحد المباني الزجاجية المطلة على النيل، وتستطيع أن تشم رائحة القلق أو الترقب في أنفاس هذه النخبة المتزاحمة في الغرفة من رجال الأعمال أو الاقتصاديين، تلك الأجواء التي كنت تستشعرها في كل الأوساط الرسمية آنذاك، والفضل في تحريك هذا الماء الراكد والتشكيك في العقيدة الاقتصادية لصندوق النقد كان للثورة التونسية بلا أدنى شك.

وفي تلك الفترة، أعني قبل أيام من يوم مجدنا الكبير في الثامن والعشرين من يناير، طغى على المناقشات هوس المقارنة بين حال مصر وتونس، وعندما طرحت هذا النقاش على السيدة ساهاي حاولت إقناعي بأن الوضع في مصر ليس سيئا للغاية، فهي نجحت في تحقيق معدل مرتفع من الوظائف في الفترة من 2005 إلى 2007 ولا ترتبط بقوة بالسوق الأوروبي المنكوب بالأزمة المالية مثل تونس.

ورفع الكثير من الكارهين للثورة شعار “مصر ليست تونس” وبدأ البعض من أصحاب نظرية “لسنا جاهزين للديمقراطية” يرددون مقولات عن أن الشعب التونسي لديه مستوى تعليمي أفضل وبالتالي هو أقدر على تنظيم تظاهرات بهذا الحجم.

لكن سرعان ماجاء رد الجماهير على مقولات الاقتصاديين وأعداء الديمقراطية، والتقطوا شعلة بوعزيزي ليضيئوا شوارع القاهرة بهذا الغضب النبيل.

المفاجئة بعد الثورة هو أن نستمع من أعلى مسئول في صندوق النقد آنذاك أن المؤشرات الاقتصادية الجيدة ليست كل شيء وأن النمو يجب أن يكون عادلا، نعم هكذا تحدث السيد دومينيك شتراوس في أبريل 2011 قائلا إن دولا مثل ” مصر وتونس كان أداؤهما الاقتصادي جيد نسبيا علي مستوي الاقتصاد الكلي خلال السنوات الاخيرة، ولكن النمو القوي شابه مشكلات عدم العدالة، وعدم العدالة قد يقود الي عدم الاستقرار، والذي يقود إلىمشكلات في الاقتصاد الكلي، لذلك يجب أن يعطي صندوق النقد المزيد من الاهتمام إلى عملية توزيع الدخل وليس فقط نتائج الحصاد الاقتصادي”.

هكذا سارت الأمور .. عندما تحدث رجل الشارع وعبر عن غضبه انهارت كل هراءات الاقتصاديين وتراجعت الأنوف المتعالية وسكت حديث الأرقام والبيانات والمقارنات الجوفاء عن النمو ومعدلات جذب الاستثمار ثم انحنت رؤوس النخب احتراما لغضب الناس .. قصة يجب أن نرويها مرارا، فهناك أجيال لم تعشها وأجيال أخرى قد لا تصدق من الأساس أن ذلك جرى إذا ما ولدت في سنوات الانهزام.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (3) لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يضعف المجال السياسي ويهمشه ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود.

هاني شكر الله