أحمد شفيق..اوراق الضغط.. وسؤال الأزمة

قراءات, قضايا

20  ديسمبر  2017

إذا كان التاريخ لا يقبل استخدام كلمة “لو” واستدعاء الماضي في محاولة لتصحيحه، فإن الحاضر يمنح المساحة الكافية أمام طرح الفرضيات المختلفة، لاختبار مدى تحققها ومآلاها في المستقبل، وذلك على ضوء وقدر وسياق التفاعلات الخاصة بكل سيناريو محتمل.

في مطلع عام 2010 أجرى الكاتب الصحفي محمود مسلم حوارًا صحفيًا في جريدة المصري اليوم مع الدكتور مصطفى الفقي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب وقتذاك، حول الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في العام التالي. وقد أثار تصريح الفقي صخبًا ولغطًا في الأوساط السياسية الرسمية والنخبوية إذ قال بأن: “الرئيس القادم لمصر لن يأتي وعليه فيتو أمريكي ولا حتى اعتراض إسرائيلي”. واستدرك الفقي في جوابه على سؤال آخر حول مدى نفوذ هاتين الدولتين في فرض مرشح بعينه، فأجاب: ” لن يشاركوا، ولكن سيفتحون الأبواب أو يغلقونها”.

عرفت مصر التجربة الحزبية منذ أمد بعيد، وبالرغم من ذلك لا تستطيع أن تلتقط لها طرفًا متصلاً في المشهد السياسي عبر تلك السنوات التي تجاوزت المائة، سواء قبل ثورة 23 يوليو أو مع تجربة المنابر في عهد السادات، وحتى خلال فترة حكم مبارك، التي شهدت تأسيس الأحزاب بأحكام قضائية، وصولاً للفترة التي أعقبت الربيع العربي والتي بلغ فيها عدد الأحزاب ما يقارب المائة، ولكن بدون حاضنة شعبية واجتماعية حقيقية وتفاعل في أوساط الجماهير، بالرغم من كونها نتاج زخم سياسي شهدته البلاد خلال أحداث يناير 2011 وما تلاها من معطيات سياسية.

من العبث أن يتصور أحد أن دولة ما في العالم يمكن أن تبقى بمعزل عن مجمل التفاعلات الإقليمية والدولية المحيطة بها، أو أن تملك القدرة على تفادي الضغوط التي تمارس عليها، أو أن كل دولة في محيطها الجغرافي والسياسي تملك ما يؤهلها للضغط على دول أخرى، كل بحسب أهدافه وأولويات سياساتها الخارجية؛ إذ أن ذلك الهامش بين الوضع الداخلي والسياسة الخارجية للأوطان، قد تلاشى إلى حد بعيد وأمسى كالخيط الرفيع الذي تصعب رؤيته.

أدلى المصريون بأصواتهم يومي 23 و24 من مايو 2012، في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية بعد ثورة 25 يناير، التي شارك فيها ثلاثة عشر مرشحًا، فجاءت نتائجهالتعلن عن انحسار المنافسة بين الفريق أحمد شفيق ومرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي، ليحسمها الأخير في جولة الإعادة.

اللحظة التي أعلن فيها المستشار فاروق سلطان، رئيس اللجنة العليا للانتخابات ورئيس المحكمة الدستورية، عن نجاح محمد مرسي بحصوله على نسبه 51.73% من أصوات الناخبين، كانت بمثابة مشهد مكثف تعددت خيوطه وتفاصيله، التقت فيه أصوات الناخبين مع التفاعلات الإقليمية والدولية مع ثورة يناير، وكأنها حصاد جماعة الاخوان منذ لحظة الميلاد في عام 1928، الأمر الذي كرسه مرسي وجماعته طيلة شهور حكمه التي لم تتجاوز العام، فصدعت التناقضات الداخلية بنية نظامه،الذي احتشدت الجماهير ضده في 30 يونيو بغية عزله. إضافة الى ذفك كان هناك الدور المؤثر للمؤسسة العسكرية ووزير الدفاع، آنذاك، عبدالفتاح السيسي، وسط ارتياح ودعم من بعض القوى الإقليمية في المنطقة، خاصة محور الرياض-أبوظبي.

الفراغ السياسي، الذي عانت منه المنطقة العربية جراء ثورات أسقطت نظمًا طال استقرارها في تونس وليبيا واليمن وسوريا، ومن قبلهم العراق، استدعى للمنطقة قوى إقليميه ودولية تبحث عن مصالحها وتحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية، وتعمل على تطويع المستجدات بصورة دائمة، لاستقطاب القوى الأكثر توافقًا مع مصالحها. خلال كل ذلك كانت دول الخليج العربي تراقب الأحداث وتتفاعل معها وتضطلع بأدوار داخلها حسب رؤاها ومصالحها وأهدافها.

استطاعت جماعة الاخوان المسلمين، منذ ثلاثينات القرن الماضي، أن تحقق انتشارًا كثيفًا في عدد من الدول العربية، ولا سيما الخليج العربي، ومُنحت من الدعم المالي والسياسي ما سمح لها بالانتشار والديمومة، وجعلها رقمًا في أي معادلة سياسيةفي عدد من الدول، يخضع دومًا لعوامل الجذب والطرد.
داخل منطقة الخليج العربي ثمة موقفان يتنازعان التوجهات والانحياز عند التعاطي مع تنظيم الإخوان، الذي اعتلى السلطة في مصر بعد عام2011، مثل قطر التي قدمت الدعم لمرسي وجماعته مرة اقتصاديًا، وأخرى إعلاميًا، عبر منصة الجزيرة القطرية، التي انفردت بتغطية مؤثرة لانتفاضات وثورات الشعوب العربية في 2011. بينما يقف على الجانب الآخر محور الرياض/ أبوظبي، الذي تعامل مع محمد مرسي وجماعته باعتبارهم خطرًا ومصدر قلق على أمن واستقرار نظم الحكم في الخليج العربي.
غادر أحمد شفيق القاهرة عقب خسارته الانتخابات الرئاسية إلى دولة الإمارات عبر طيران الاتحاد، وذلك بعد فتح جهات التحقيق قضايا بشأن إهداره المال العام خلال توليه وزارة الطيران المدني في عهد الرئيس الأسبق مبارك، وجاءت أجواء خروجه من القاهرة في إطار من السرية والمراوغة تجنبًا لمصير الحبس جراء اتهامه في تلك القضايا.
فاض الماء عن الإناء، وخرجت الجماهير الغاضبة في القاهرة ضد حكم مرسي وجماعته، وتوافقت تلك اللحظة أيضًا، مع مواقف إقليمية في الرياض وأبوظبي دعما للقاهرة اقتصاديًا وسياسيًا وإعلاميًا.

المرشح الثالث الحائز على أعلى الأصوات في انتخابات 2012، السيد حمدين صباحي، اختار أن ينافس المرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسيفي انتخابات الرئاسة عام 2014، لكنه لم يستطع أن يحوز ثقة الناخبين، وحصل على أقل من ثمانية في المائةمن جملة الأصوات، وقال في مؤتمر صحفي بثه التليفزيون الرسمي: “نقبل ارادة شعبنا في كل الاحوال وكل الاحترام لهذا الشعب”.
شهور قليله وتنقضي السنوات الأربع لعبدالفتاح السيسي، ويضحى على موعد مع استحقاق انتخابي جديد، يدلف منه رئيس إلى سدة الحكم في مصر. حتى اللحظة لم يعلن عن خوض المشاركة سوى نفر قليل، أحدهم خالد علي المحامي الحقوقي، وهو صاحب تجربة سابقة. وقد برر خوضه لمعركة الانتخابات، رغم علمه بصعوبتهافي هذه الأجواء، بأنه الآن يواجه رئيسًا مدنيًا، وليس مشيرًا مرتديًا بزة عسكرية، مشددًا على أن مشاركة المواطنين هيالضمانة الرئيسية التي تحول دون تزييف إرادتهم، وأضاف في مؤتمر صحفي تم عقده بحزب الدستور أن مصر تعاني من أزمة سياسية شاملة، وأن الغالبية العظمى من المصريين تعيش إفقارًا متزايدًا وانهيارا مستمرًا في مستويات المعيشة.

“لجأ إلى الإمارات هاربًا من مصر إثر إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، في عام 2012، وقدمنا له كل التسهيلات وواجبات الضيافة”، كان ذلك تصريح أنور قرقاش، وزير الدولة الاماراتي للشؤون الخارجية، ردًا على تصريحات أحمد شفيق، التي اتهم فيها الإمارات بمنعه من السفر، عبر شريط متلفز بثته قناة الجزيرة، والذي فتح ضده جبهات عديدة بما تضمنه حديثه من كون الإمارات تمنعه من السفرـ وأنه يرفض تدخلها في شؤون مصر، عبر حرمانه من ممارسة حقة الدستوري في الترشح، فضلاً عن بث البيان من خلال شاشة الجزيرة القطرية المناهضة للحلف الإقليمي القاهرة وأبو ظبي.

سافر أحمد شفيق في طائرة أقلعت خصيصًا من الإمارات للقاهرة،واستقرت إقامته بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة.ثم جاء ظهوره الأول من خلال فضائية دريم مع وائل الابراشي، ليصرح بأن الفيلم المذاع عبر الجزيرة تم سرقته، ولم تكن النسخة الأصلية المقرر إذاعتها في تلك اللحظة، حيث كانت مؤجلة ومرهون إذاعتها تبعًا لمعطيات قد تأتي بجديد على أرض الواقع، وأنه يعتذر عن إذاعة الفيلم عبر الجزيرة، لكنه لا يعتذر عن المضمون.

أعلن بوتين يوم الأربعاء الأول من ديسمبر 2017، عن عزمه خوض الانتخابات الرئاسية في 2018، وقالإنه “يثق أن كل شيء سيكون على ما يرام”. وقد نجح بوتين في أن يعيد روسيا الاتحادية إلى العالم طرفا مؤثرًافي المشهد السياسي، فقد فرضت رؤيتها وتصوراتها في الملف السوري، متجاوزةالرغبة والأهداف الأمريكية، وكذا أهداف الدول المتحالفة معها في الشرق الاوسط، وخاصة الرياض/ أبوظبي اللتين تخشيان تمدد النفوذ الإيراني، خاصة وقد صرح بوتين أن روسيا ستواصل المضي قدمًا إلى الأمام ولن يوقفها أحد أبدًا.
المشهد اليمني المتفجر منذ عام 2011، والذى مر بمنعطفات حادة، تشكل على إثرها التحالف العربي الاسلامي لمواجهة الحوثيين في اليمن، هذا المشهد تعقد أكثر باغتيال علي عبدالله صالح، الذى فض تحالفه مع الحوثيين قبل أيام من مقتله، مما أحدث فراغًا سياسيًا، وأثر بشدة على أهداف ورغبات الرياض/أبو ظبي، فاتحًا الباب أمام احتمالات التصعيد العسكري، وطارحا التساؤلات بشأن مدى قناعة دول التحالف بحتمية الحل السياسي امام العمل العسكري الشامل والمباشر في مواجهة إيران.

دأب السيسي على تأكيده أن مصر على أتم الاستعداد للدفاع عن أشقائها في الخليجفي حال تعرضهم لتهديد مباشر، وأن الجيش المصري سيكون “مسافة السكة”، في حال لزم الأمر، ذلك لأن الجيش المصري هو جيش لكل العرب.

بالرغم من وجود بعض التناقضات والاختلافات في الرؤى والأهداف بين الرياض وأبوظبي، حول الأوضاع في اليمن ومستقبله، إلا أن ثمة توافق فيما بينهما حول خطر النفوذ والتمدد الإيراني، واعتبار طهران مصدر تهديد وقلق دائمين؛ وهو ما انعكس في تشكيل مجموعة اقتصادية عسكرية جديدة فيما بينهما، على هامش مجلس التعاون الخليجي، الذيعقد دورته الأخيرة بالكويت بأقل تمثيل على مستوى الرؤساء، وفشلت فيه المساعي الكويتية في إتمام المصالحة مع الدوحة.
قررت الحكومة المصرية والسيسي وقف انهيار العملة الرسميةعبر إجراءات اقتصاديه عنيفة شملت قرار تحرير سعر الصرف، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوقفي أسعار السلع والمواد البترولية والخدمات، الأمر الذي ساهم في مضاعفة الأعباء والضغوط على المواطنين؛ وفي ظل هذه الأوضاع الاقتصادية المتردية يدخل السيسي الانتخابات الرئاسية المقبلة، وسط غياب وتغييب عمدي لأي عمل سياسي جاد أو مرشح حقيقي يواجه الرئيس.
يفصح ظهور شفيق منذ لحظة بيانه الأول الذي يقرر فيه عزمه على الترشح لمنصب الرئيس، ثم ظهوره الأخير (الغريب!) مع الابراشي، الذي صرح فيه أنه بصدد مراجعة موقفه وقياس مدى تقبل الشارع لأمر ترشحه، يفصح عن أوراق ضغط عديدة داخليًا وخارجيًا، تمتد عبر شفيق بغية العبث بمسألة ترشحه.

الرياض وأبوظبي عازمتان على المضي قدمًا في اليمن بلا هوادة، ويصران على مشاركة القاهرة بقواتها البرية بعد أن اقتصرت مشاركتها على قوات بحرية وجوية، ويطمحان معًا إلى استدراج القاهرة إلى ذلك المستنقع طوعًا أو كرهًا. في حالتين لم ترض الرياض عن قرارات القاهرة، مرة في الحالة السورية، وأخرى أثناء أزمة لبنان، عندما صرح السيسي بضرورة تهدئة الأمور وعدم جدوى الحرب مع إيران وحزب الله.
لكن الرياض وأبوظبي لن تتركا ورقة ضغط على القاهرة، إلا وسوف تستخدمانها حتى يكتمل مثلث القاهرة-الرياض-أبوظبي في الشرق الاوسط، كحلف إقليمي يسعى لتصفية نفوذ إيران الذي يهدد أمن واستقرار الخليج، كما أعلنت السعوديةمرارًا.

في ظل الأعباء والضغوط التي تثقل كاهل القاهرة لن يكون التأميم السياسي السائد في مصر مفيدا بأي حال من الأحوال وسط حالة الاضطراب الذي تموج به المنطقة، ولا يمكن التعويل عليه للوصول إلى حالة من الاستقرار في دولة بحجم مصر. كذلك، من غير المتوقع أن يظهر في الأفق من يقدر على منافسة حقيقية أمام السيسي في انتخابات العام المقبل، وتكون لديه فرص نجاح كبيرة. لكن هذه الحالة ليست أبدية، ذلك أن الدستور المصري ينهي فرص السيسي بعد الولاية الجديدة مباشرة، والتي ستمتد حتى عام 2022. ومن ثم، هناك ضرورة ملحة ومتعاظمة لفتح نوافذ المجال العام والسياسيبما يؤهل لتداول السلطة.
لن يكون هناك فائز في الصراع الدائر فيالمنطقة بين دول التحالف بقيادة الرياض وأبوظبي ومن ورائهما واشنطن من ناحية، وبين إيران ومن خلفها موسكو من ناحية أخرى. كما أن أحمد شفيق، القادم من الماضي، لن يستطيع بأي حال من الاحوال، أن يصيغ جديدا للمستقبل.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الفصل التاسع من كتاب (الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين) يستعرض هذا الفصل أهم الدراسات والبيانات التي تعطي صورة أفضل عن شرائح أغنى الأغنياء في مصر. كما يعرض لأهم السياسات التي تبنتها الحكومات المصرية خلال القرن الحادي والعشرين (ومن قبل ذلك أحيانا)، والتي عادة ما تؤدي من ناحية إلى تزايد تركز الدخل والثروة في يد أقلية من المواطنين، ومن ناحية أخرى إلى دفع المزيد من المواطنين إلى ما دون خط الفقر. أي زيادة حدة اللا مساواة.

سلمى حسين

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله

الانتخابات لماذا؟

هاني شكر الله

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (3) مما لا شك فيه هو أن "النخبة" هي الابنة الشرعية بامتياز للعهد المباركي، أي العهد الأكثر ركودا وبؤسا وخواءً سياسيا وفكريا في تاريخ مصر الحديث.

هاني شكر الله