مسألة القدس واختبار الذوات الطائعة

قضايا

19  ديسمبر  2017

نشر في موقع : إتجاه

أعادتني الأحداث الأخيرة حول مدينة القدس إلى التفكير مرَّة أخرى في الذوات الطائعة، تلك الذوات التي تتماهى مع أسباب اضطهادها، وتتماشى مع ما يراد لها لا ما تريد.

بشغفٍ كنتُ وبعض الأصدقاء ننتظر خطاب الرئيس السطلة محمود عباس الذي سيرد فيه على قرار الرئيس الأمريكي ترمب، “الذي قضى بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس”، كنّا نمني النفس أن يحل السلطة، أن يفعل أي شيء، أن يتخذ أي اجراء تصعيدي تجاه الوضع الراهن، وكنّا نفكر ماذا عساه أن يفعل غير ذلك؟ ولكن سرعان ما أحبط الرجل توقعاتنا، وتحول السؤال من ماذا عساه أن يفعل إلى ماذا عسانا أن نفعل.

يا إلهي كم نحن مبرمجون على الطاعة، على الغضب، على الأشياء التي تراد لنا. لقد حولتنا الطاعة وفعل الصمت إلى قبول الصدمات، إلى التفاعل معها بشكلٍ يجعلها عادية.

 لماذا كنت وأصدقائي “وأعتقد غيرنا الكثير” ننتظر قرارا من أحد لنفعل شيء ما، لنغير الوضع التعيس، لنثور على أنفسنا، لنلفظ سكوتنا. يقول جورج أوريل في رواية 1984 أن الجماهير لا تثور من تلقاء ذاتها مطلقا، كما أنها لا تثور لمجرد تعرضها للاضطهاد، وما لم تتاح لها أمكانية المقارنة بين أوضاعها الراهنة وبين أوضاع أخرى فإنها لن تدرك أبدا حقيقة كونها مضطهدة.

ولكن، نحن ندرك تماما أننا مضطهدون، وندرك أيضا أن الأشياء التي سنضحي بها أو سنخسرها لقاء أي فعل ثوري لن تمثل شيئا أمام الأشياء التي خسرنها، فلماذا إذا تتمسك القيادة الفلسطينية بالسلطة، ولماذا حتى اللحظة تتمسك باتفاقية أوسلو علما أن اسرائيل تخلت عنها منذ زمن.

لنفرض جدلا أن ما تبقى من فلسطين دولة بالمعنى السياسي، أو دولة كما عرَّفتها لنا القيادة الفلسطينية، هل من الطبيعي أن تقوم هذه الدولة بحماية اتفاقياتها مع الاحتلال ولكنها في الوقت نفسه تعجز عن حماية مواطنيها وأرضها من ذات المحتل؟

نحن ضحايا التنسيق الأمني، هذا التنسيق الذي يصادر كرامتنا يوميا. تنسيق ذو طابع أمني لكنه اقتصادي في جوهره، على مبدأ “كل شيء له ثمن”، بدءا من مصادرة البيوت في الخليل والقدس، مرورا بتفشي المستوطنات بالضفة الغربية، انتهاءً بالاعتقالات اليومية التي ينفذها الاحتلال بحق الفلسطينيين.

أمني لمن؟ للفئة القليلة من “البرجوازية الاقتصادية والوطنية” المنتفعة من الوضع القائم؟ أم للشريحة الواسعة من المواطنين المغلوب على أمرهم؟ ثُمَّ ما غاية التنسيق الأمني إن لم يمنع اعتقال الفلسطينيين بلا سبب أو تهمة؟ حتى وإن كانت هنالك تهمة، بأي حق يتم اختطاف الفلسطينيين في ظل سيادة الأجهزة الأمنية، هل حماية الفلسطيني من الفلسطيني واجب بينما حماية الفلسطيني من الاسرائيلي ليست واجب؟

لقد أثار الشاعر السوري نزار قباني العديد من الأسئلة تعقيبا على إتفاقية أوسلو، وذلك قبل عشرين عاما من الآن، والمثير أن هذه الأسئلة تعيد ذاتها حتى اليوم بلا مجيب: “لم يعد ثمة أطلال نبكي عليها، كيف تبكي أمةً أخذوا منها المدامع؟ من ترى يسألهم عن سلام الجبناء، لا سلام الأقوياء القادرين، من ترى يسألهم عن سلام البيع بالتقسيط والتأجير بالتقسيط والصفقات والتجار والمستثمرين؟ من ترى يسألهم عن سلام الميتين؟ أسكتوا الشارع واغتالوا جميع الأسئلة وجميع السائلين.”

فلسطين، أو ما تبقى منها أصبحت مؤسسة ربحية لفئة قليلة من المنتفعين، ونحن لسنى سوى موظفين بأجر يومي، موظفين في مؤسسة لا قانون يحكمها، لا سيادة لنا فيها، هذا إذا كانت السيادة بتعريفها الحالي مستمدة من الشعب أصلا.

لم نعد مواطنين، بالكاد نحن موظفين، موظفين بأجر يومي كالعبيد، ومن يترافع عن نفسه يتم اقصاءه باسم الأمن والمصلحة العامة، ولكن مرة أخرى مصلحة من على من؟

 لم يمض سوى شهور على استشهاد باسل الأعرج الذي رفض أن يكون طيّع في هذه المنظومة الهشة. لقد أدرك تماما أننا ماضون نحو الهاوية، مثلما نحن ندرك، لكنه أتخذ قراره وطريقه بملء ارادته، رفض أن يكون ضيعا لما يراد له، للأمر الواقع. ورغم ذلك، تفاعُلِنا مع خياره، وهو ذاته خيارنا، لم يكن بحجم الفعل الثوري الذي قام به، لم يكن بحجم الفعل الذي يحوّلنا من طائعين إلى غاضبين بملء ارادتنا.

ولم تقف السلطة مكتوفة الأيدي تجاه ذلك الحدث، وسابقا قامت بإعتقال رفاق باسل الثلاثة باسم الأمن، وحققت معهم باسم الأمن، ولكن أمن من؟ إنها ببساطة تريد التأكد من عدم خروجهم عن المنظمومة، وإذا ما فعلوا ذلك، وهم فعلوا، فإنها ستسعى عبر اجراءاتها إلى اعادة ضبطهم بما يتناسب مع منظومة الطاعة.

يقول جورج أوريل أن الطاعة وحدها ليست كافية، وما لم يعان الإنسان الألم كيف يمكنك التحقق من أنه ينصاع لإرادتك لا إرادته هو، إن السلطة هي اذلاله وإنزال الألم به، وهي أيضا تمزيق العقول البشرية إلى أشلاء، ثم حملها ثانية وصياغتها في قوالب جديدة من اختيارنا، أي اختيار السلطة. ويضيف في مكان آخر واصفا السلطة، “إننا لا نحطم الضّال الذي خرج علينا عندما قاومنا، بل إننا لا نقوم بتدميره طالما أنه يقاومنا، وإنما نسعى لأن نغيره ونقيض عقله الباطن فنصوغه في قالب جديد”.

هذا ما جنته علينا الطاعة، فماذا عسانا اليوم أن نفعل؟ أحدهم قال لي وبشكل ساخر: “نحن حقا نقاوم، فالأشياء التي نبكي عليها اليوم، ستقلل فرص بكاء أبناءنا وأحفادنا غدا”، وهو يقصد بذلك أنه في المستقبل لن يكون لأبنائنا وأحفادنا شيئا من فلسطين ليبكوا عليه.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله

هاني شكر الله

علم النفس السياسي البرجوازي: نقد العقل القمعي وميتافيزيقا الجلاد… ضد أحمد عكاشة يعد التأسيس لعلم النفس السياسي من الضرورات العلمية والثورية نظرا لأهمية هذا الحقل المعرفي في تفسير الظواهر السياسية المركبة والمعقدة سيما تلك المرتبطة بتشريح بنى الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني وكيفية ممارسة الأيديولوجيا البرجوازية في مجال نوعي، وفهم سيكولوجيا الجماهير الكادحة لتهيئتها للإطاحة به.

سعيد العليمي