البوعزيزي الذي اختار السفر

بروفايلات, قضايا

19  ديسمبر  2017

مسافر يا أمي، سامحيني، ما يفيد ملام، ضايع في طريق ماهو بإيديا، سامحيني إن كان عصيت كلام لأمي، لومي على الزمان ما تلومي عليّ، رايح من غير رجوع، يزي ما بكيت وما سالت من عيني دموع، ما عاد يفيد ملام على زمان غدّار في بلاد الناس، أنا عييت و مشى من بالي كل اللي راح، مسافر و نسأل زعمة السفر باش ينسّي ‎محمد بو عزيزي.

(محمد البوعزيزي، في آخر رسالة على الفيس بوك قبل وفاته)

قبل ان يضرم محمد البوعزيزي النار في جسده احتجاجا على السحق الطبقي الذي كان يمارسه نظام بن علي في تونس كانت الأنظمة الديكتاتورية العربية قد وصلت إلى مرحلة من الكهولة تنبئ باحتضار وشيك،لكن قبل حادثة البوعزيزي لم يكن احد يتصور بدقة كيف سيكون شكل هذا الإحتضار الحتمي، وأصبح من المستحيل التوفيق بين الطبقات الحاكمة فى البلدان العربية وبين الطبقات المحكومة، فاقترب شكل البناء الإقتصادي لتلك الدول من الإقطاع المقنع بأقنعة حديثة تحميه بقوة السلاح، وتغذيه وتدعمه القوى الرجعية فى المنطقة بمساعدة القوى الإمبريالية العالمية المستفيدة من هذا الوضع لكى يستمر احتلالها ونهبها للشعوب.

وكلما زادت التناقضات الطبقية وتطورت، ازداد تسلح الطبقات الحاكمة وازدادت شراسة سعار جهازها الأمني الذي يحميها. إن مشهد حرق محمد البوعزيزي لنفسه إحتجاجا على اوضاعه الحياتية وإحتجاجا على قمع شرطة نظام بن علي لم يكن مشهدا جديدا على وعي الطبقات المسحوقة فى الشعوب التي قامت فيها ثورات الربيع العربي. فلقد ايقنت تلك الشعوب أن طبقاتها وأنظمتها الحاكمة تحرقها حية بالسحق الطبقي والاستبداد والقمع منذ سنوات عديدة. لكن الجديد هو أن تلك التناقضات الطبقية قد حان وقت ذروتها. لقد اعتادت تلك الأنظمة قبل عام 2011 على ابتكار أساليب لامتصاص غضب الشعوب المقهورة وتخديرها وأحيانا تهديدها بجماعات دينية راديكالية وإرهابية ساعدت هي نفسها فى صناعتها أو فى ترسيخ وجودها لتكون رئة لوجود الأنظمة القمعية بحجة الحفاظ على الأمن الزائف. لكن ما حدث فى 2011 ان هذه الأساليب قد وصلت إلى مرحلتها الاخيرة من الاستهلاك وأصبحت هي نفسها فى تناقض قائم مع السلطات الحامية للأنظمة القائمة.

16 ديسمبر 2010 :

القاهرة

هنا موت ما قبل العاصفة والغرق فى المخاض الرمادي

نحن أولاد وبنات ثمانينات القرن الماضي

ولدنا وكبرنا هكذا

ونحن نقرأ عن الثورات فى الروايات والكتب.

نشاهد نضال الشعوب فى الأفلام السينمائية و يسلسلنا الخوف فى مقاعدنا،

بعض الآباء والأخوة الكبار يخدروننا ويقولون لا مفر، ستموتون على هذا الشكل، تماثيل محبوسة في أقفاص الراحة المرتجفة والتمني العليل والتكرار الدميم والأمن الكاذب،

وُلِدنا تحت أقدام مصانع لخلق الحاجات والدوائر المغلقة والأسواط متعددة الأقنعة

نجلس ونتحدث بفخر عن وداعة أقفاصنا،

كنا نكرر كلام الأسياد حين يقولون: هكذا هي الأمور وستظل إلى أن نموت.

نلعب الدومينو على المقاهي دون أن نعرف ماهية مصفوفة الدومينو،

لم نكن نمارس الإعتراض سوى على مسارح الماريونيت،

لكن الحق يقال،صوت ما في عقولنا كان يخبرنابأننا من المستحيل أن نموت هكذا.. مستحيل أن تظل الأمور هكذا،،،،،

الحق يقال..

لم نمت بعد

17ديسمبر 2011 :
سيدي بوزيد _تونس
القهر الوحشي يتمدد في انتظار قطرة لتفيض الكأس،

مشهد لعربة فاكهة صغيرة في منتصف مدينة سيدي بوزيد التونسية يجرها محمد البوعزيزي، ،تلك العربة المسؤولة عن إطعام عائلة كبيرة والمسئولة عن إيقاظنا،حين قطعت طريقها عصبة من ضباع نظام بن علي.. قطيع من الضباع المسيطرة على الغابة في مواجهة فريسة هزيلة وفقيرة. الشرطية فادية حمدي تنتزع بمخالبها سلة الفاكهة من عربة البوعزيزي

محمد البوعزيزي وفاكهته هنا ليؤكلون فقط.. ينازع لينجو بعربته وفاكهته من بين مخالب الضباع.. الهراوات تنهال مطرا على جسده الجاف.. صفعة على وجهه

خمسون فريسة أخرى يشاهدون ويرتجفون فاغرين الأفواه
– لماذا تفعلين هذا بي؟! أنا إنسان بسيط لا اريد سوى أن اعمل!! سوف أشعل النار في جسدي.. سوف أشعل النار في جسدي.. سوف أشعل النار في جسدي…………………….

مازالت الفرائس فاغرة الأفواه

هذه الغابة تورطت مع ذاتها في تناقض لا يمكن حله إلا بإشعال فتيل البركان

ثميشتعل جسد محمد البوعزيزي

من 18 ديسمبر 2010 إلى 14 يناير 2011
القاهرة

جدار الصمت يرتجف

النار في جسد البوعزيزي تنير رأسي وتهمس بصوت هامس: لن نموت هكذا

لن نموت كتماثيل

وهناك فى تونس

الأرض مشبعة بالصرخات احتجاجا على ارتفاع نسب البطالة، وغضبا من مشهد جسد البوعزيزي المحروق

وكلنا فاغري الأفواه نشاهد ما قرأناهفي الكتب يحدث،ومازلنا نلعب الدومينو على المقاهي دون أن نعرف الماهية الملموسة لمصفوفة الدومينو حين تلمسها بطرف أصبعك المحروق،،،،

الكل يسبح فى ماء المخاض.. بينما يهتف الياسمين للشمس:

شغل،

كرامة،

حرية،

التشغيل استحقاق يا عصابات السراق
أوفياء أوفياء لدماء الشهداء
يا بوليس عار عار، في بوزيد شعلة نار
الشعب يريد إسقاط النظام

ثم

ثم هرب الديكتاتور……….. تاركا عرشه جاثما فوق الصدور

15 يناير 2011 : 

القاهرة

نسينا أن نرسمك أيها الطوفان

هذا أنا

وقد تحول إدراكي للعالم من المتلقي إلى الفاعل

من العدمي إلى الجدلي

من حبيس للمحال إلى طفل ولد من جديد يستنشق الحياة لأول مرة

من قارئ إلى كاتب

ترابط الوعي مع الممارسة

سقط هذا الوهم الصنمي بأننا ولدنا متيبسين…..

21 يناير 2011 :

القاهرة

أمام التلفاز

أكتب

قصيدة : (يا البوعزيزي أنا بردان)

أتقلب في سريري

وأحلم من جديد

بحياة لا نوم فيها

يا البوعزيزي

أنا بردان

وأنت مشتعل

هاهم

أستيقظوا

من إعادة تدوير الموت

واحد تلو الآخر

أنت الآن هناك

دعني اتحدث إليك

عبر نقطة الضوء التي اشعلها جسدك

سينفذ الرصاص

وتبقى

المجنزرات صدءة

يالبوعزيزي

رحلت

تاركا

خانات لتملأ

حيث لا وجود لانطفاء

وغدا.

(لن يكون بوسع التاريخ أن يدرك أننا سوف نضطر إلى العيش مجددا في هذه الظلمات،بعدما كانت الأنوار قد سطعت ذات مرة)

كاستيليو 1562

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة