“نيوم” القرن.. نظرية ملء الفراغ في المنطقة

أفكار, قضايا

08  ديسمبر  2017

بعد حرب السويس عام 1956، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتحرك في منطقة الشرق الأوسط لترث بريطانيا، ومن خلال ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي مبدأ أيزنهاور لملء الفراغ عبر سياسات ورؤى عديدة كان من أبرزها حلف بغداد.

ولما كانت القاهرة، قلب الشرق الأوسط، تشهد غمار ثورة 23 يوليو 1952، واستطاع جمال عبدالناصر أن يزيح جماعة الاخوان المسلمين بعد حادث المنشية، واحتجاز محمد نحيب قيد الإقامة الجبرية وذلك خلال نهاية 1954 في فيلا زينب الوكيل، فانفرد بحكم القاهره وسط إعلان واشنطن آنذاك بأن ذلك مجرد شأن داخلي، فيما كان عبدالناصر يرفض كل محاولات وسبل الانضمام لحلف بغداد، ويهاجم الأردن والعراق عبر إذاعة صوت العرب.

الإتحاد السوفيتي في عقد الخمسينات كان يمثل تهديدًا مباشرًا لطموح واشنطن فى قيادة العالم، كما ظل مبدأ أيزنهاور يتحرك على الأرض لمحاصرة نفوذ موسكو، في الشرق الاوسط. وفي المقابل، كانت القاهره لها الثقل الأكبر في حسم تلك المعادلة، حيث تصدت بلا هوادة فكرة الانضمام للأحلاف العسكرية والتي كانت ضمن مسائل الخلاف مع واشنطن الأخرى، من بينها تمويل السد العالي والتسليح، فيما كان رفض واشنطن تمويل السد العالي ممرًا ذهبيًا لتوطيد العلاقات المصرية السوفيتية إلى أقصى درجات التعاون وسمحت للقاهرة أن تنطلق فى دوائر أمنها القومي، العربي والافريقي والاسلامي، وأن تواجه تمدد النفوذ الأمريكي بدعم سوفيتي.

الفراغ فى الشأن السياسي أمر غير مقبول وخطر حقيقي فى السياسة الخارجية، لا يقبل إقليميًا ولا دوليًا، وتتحرك القوى العالمية دومًا من خلال سد ذلك الفراغ، عبر سياسات عديدة وقوى إقليمية تتحالف معها متوافقة مع أهدافها.

بعد أيام من حرب أكتوبر 1973، أبدا وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنرى كسينجر رغبة الرئيس الراحل السادات نحو صياغة رؤية لإنهاء وتصفية الصراع العربي الإسرائيلي، منفردًا، والتي مرت عبر فصول عديدة ومراحل ملتبسة، حتى أعلن السادات عن زيارته الشهيرة للقدس واتمام معاهدة كامب ديفيد، التى واجهها العرب بعزل القاهرة من الجامعة العربية ومقاطعتها سياسيًا ودبلوماسيًا، وفقدت على إثر ذلك القاهره معطيات قيادة المنطقة لحساب قوى إقليمية أخرى فى المنطقة.

عبر شهور متتابعة من ديسمبر 2010 وحتى منتصف عام 2011، سقطت عواصم عربية فى خريف أنظمة استقرت لعقود طويلة أمام طوفان ثورات الربيع العربي، التي بدأت بتونس ثم القاهرة وانتقلت إلى دمشق مرورًا بليبا وصنعاء، بينما كانت بغداد ما تزال تغوص فى مستنقع الحرب الأهلية تدفع كلفة باهظة لتاريخ مرير بعد مغامرات صدام حسين فى إيران والكويت، ومن ثم، احتلال واشنطن للعراق، مما أدى لخروج قوة عسكرية وسياسية مهمة فى بقعة جيوسياسية معقدة بالمنطقة، فاكتملت بذلك جوانب الأزمة فى الشرق الاوسط وأضحى الفراغ السياسي فى منطقة الهلال الخصيب بسقوط دمشق فى الحرب الأهلية وسقوط نظام مبارك فى القاهره وبن علي في تونس والقذافي بليبيا وصالح فى اليمن، كاشفًا عن حجم التحديات والمخاطر السياسية.

تعاملت بريطانيا فى مصر والهند منذ 1882 استنادا لعوامل عديدة، جاء على رأسها استغلال وتوظيف الدين الإسلامي في المعطى السياسي، وتحركت فى إطار ذلك لدعم آل سعود فى الحجاز وانتبهت للاخوان المسلمين في القاهرة، كحاضنة سياسية ومجتمعية يمكن ضمها في ذلك المشروع، وتعاونا معًا وتجاذبا اللقاءات للاستفادة من نفوذ الإخوان المتنامي ونشاطهم المتضخم، خلال عقود القرن العشرين، وتوطدت علاقتهما بعد اندلاع ثورة 23 يوليو 1952، كما دخلت واشنطن على خط تلك العلاقة فيما التقى مسؤولون غربيون مع قادة الجماعة ممن تمكنوا من الخروج من مصر، حيث كشفت الوثائق المفرج عنها عن خطط استخدام الاسلام السياسي والمنظمات الدينية، التى دعمتها الرياض إقليميًا، في مجابهة طموح جمال عبدالناصر فى المنطقة العربية.

فى الحادي عشر من فبراير 1979، اندلعت الثورة الإسلامية فى إيران التى أطاحت بالنظام الملكي المقرب من واشنطن- نظام الشاه، وشكلت تلك الثورة تحولًا سياسيًا إقليميًا وحدثًا تاريخيًا واستراتيجيًا في الشرق الاوسط.

مع اندلاع ثورات الربيع العربي بدت الرؤية الأمريكية تذهب نحو تتويج تركيا على المنطقة وأن يجري استعادة فكرة الخلافة وتمريرها في الخطاب السياسي، وتضحى الحليف الأمريكي الأكثر نفوذًا فى الشرق الاوسط، بجانب الحليف القطرى، خاصة، بعد تولي محمد مرسي الحكم في مصر، وأن يشرعوا معًا وتحت قيادة أردوغان صياغة علاقات الحكم فى المنطقة، لا سيما مناطق التوتر فيها (طرابلس ودمشق وتونس)، الأمر الذي أزعج الرياض كثيرًا حيث كان بمثابة تصفية الرأسمال الرمزي الديني، من الرياض لحساب أنقره وسحب النفوذ من خادم الحرمين للخليفة الجديد رجب طيب أردوغان.

في مطلع عام 2015 تولى الملك سلمان الحكم في الرياض بعد وفاة شقيقه الملك عبدالله، وجاءت أولى قرارات الملك لصالح ابنه بتعيينه وزيرًا للدفاع، وفي نهاية مارس من نفس العام، تولى الأمير الشاب محمد بن سلمان قيادة تحالف عسكري فى اليمن أطلق عليه عاصفة الحزم.

فى يونيه 2017 راحت التكهنات وأضحت واقعًا فقد أصدر الملك سلمان أمرًا ملكيًا قضى بإعفاء الأمير محمد بن نايف من ولاية العهد، وتعيين نجله بدلاً منه، مع استمراره وزيرًا للدفاع.

يحرص محمد بن سلمان طيلة الشهور الماضية على تقديم رسائل عديدة عبر منصات إعلامية، صحفية وتليفزيونية، تحمل مضامين سياسية وإقتصادية وإجتماعية تغازل الغرب وتدعم خططه ومشاريعه الطموحة فى الشرق الاوسط. ففى حوار مع صحيفة الجارديان البريطانية، كشف محمد بن سلمان عن نيته إعادة الرياض إلى الإسلام المعتدل، كما وصفها، وأنها كانت تحمل الوجه النقيض المتشدد والمتطرف كذلك طيلة الثلاثين عامًا الماضية، مرجعًا الأمر إلى الثورة الإسلامية فى إيران 1979، بغية تجميل وجه المملكة وتقديمه للغرب وواشنطن على هذا النحو الجديد والمغاير للرؤية التقليدية عنها.

أفصح محمد بن سلمان عن رؤيته لقيادة المملكة عبر مشروع “نيوم”، الذى يعكس رغبة الأمير فى نقل اقتصاد الرياض الذي يعتمد على عائدات النفط إلى تنويع الموارد وتعزيز التعاون مع الاقتصاديات العملاقة، فيما تكشف الجغرافيا الوجه السياسي للمشروع، إذ يقع فى شمال غرب المملكة ويشتمل على أراض داخل الحدود المصرية والأردنية، والتي تتاخم الحدود الاسرائيلية مما نستطيع من خلاله أن نلتقط المستقبل القريب فى العلاقه بين الرياض وتل أبيب ورغبه بن سلمان أن تحوز الرياض مركزًا متقدمًا فى التطبيع العربي الإسرائيلي، وأن تضطلع بالمسؤوليات والترتيبات الأمنية والسياسية للمنطقة وتصيغ مستقبل فلسطين القادم، خاصة مع ظهور رئيس أركان الجيش الاسرائيلى أيزنكوت مع صحيفة إيلاف السعودية، وكشفه خلال المقابلة عن الأولويات المشتركة بينهما في مختلف الملفات ومناطق الصراع، في إيران وسوريا ولبنان والعراق وغزة.

المعطيات السياسية والاستراتيجية فى المشهد السورى تكشف وبوضوح أن الجانب التركي يتحرك الآن بهدف تأمين حدوده المشتركة مع سوريا من خطر الأكراد وتقويض نفوذهم، وأن تستجيب واشنطن لوعودها بوقف المد العسكري لهم، وهو ما صرحت به أنقرة بأنها ترحب بوعود ترامب بوقف تسليح الأكراد فى سوريا، ودعت الأخير بتطبيق هذا الوعد على أرض الواقع فى أسرع وقت ممكن، الأمر الذي يكشف عن تحول الموقف التركي في سوريا وانتقاله من الصفوف الأولى، فى المشهد السوري، إلى صفوف تالية ولكنه في زاوية أخرى تصطف بجانب موسكو وطهران، مع تلويح واشنطن بين الحين والآخر إلى دراسة أمر الدعم المسلح للأكراد بسوريا دون التطرق لوقف تدعيم القوات بالأسلحة بالكامل.

فى الوقت الذى أكد فيه كريستوف فورد المستشار الخاص للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن إيران التزمت بالإطارات المحددة للاتفاق النووي، بينما تتحرك واشنطن بالاتفاق مع تصريحات الرئيس ترامب فى وقت سابق، بأن البيت الأبيض سيعمل مع الكونجرس حول ما أسماه بالقصور الخطير فى الاتفاق الدولي الذي تم التوصل إليه مع إيران، وأنه في حال فشلت تلك الجهود الأمريكية لتحسين الإتفاق، فإن واشنطن ستنسحب منه .

وفى الوقت الذى تدخل فيه إيران على نفس الخط وتحذر على لسان وزير خارجيتها لافروف من خطر انهيار اتفاق إيران النووي وقلق موسكو من توتر العلاقات بين العرب وايران، يبدو ثمة تنافس بين واشنطن وموسكو معلن وواضح عبر ملفات عديدة فى الشرق الاوسط، وتتموضع المنطقة العربية بين تلك المؤثرات الأمريكية والروسية.

إزاء خريف العلاقات المصرية الأمريكية في ولاية أوباما، تحرك السيسى باتجاه موسكو مرة حين كان وزيرًا للدفاع فى فبراير 2014، ووصف تلك الزيارة بمثابة إنطلاقة جديدة، وفى أغسطس من ذات العام كانت زيارته الجديدة والأولى منذ توليه الرئاسة وكررها فى مايو 2015، لحضور احتفالات الجانب الروسي بالذكرى السبعين للحرب العالمية الثانية، ولكن مجريات الأمور تباينت عبر منعطفين رئيسيين؛ جاء أولهما بدخول ترامب البيت الأبيض الذي صرح بأن ثمة كيمياء جمعت بينه وبين الرئيس المصري، وجاء الأمر الثاني عبر سقوط طائرة روسية فوق سيناء، مما أدى بالجانب الروسي إلى حظر سفر السياح الروس إلى جنوب سيناء ودخلت علاقات القاهرة موسكو فى موجة جمود.

فى زيارة مفاجئة هبطت طائرة الملك سلمان بموسكو كأول زيارة لعاهل سعودى لروسياـ وأبرمت صفقات عديدة بين الجانبين ودارت المفاوضات حول العديد من الملفات الملحة فى الشرق الاوسط.

تتحرك الأحداث الساخنة فى المناطق الملتهبة بالشرق الأوسط، وسط توقعات بإنتظار انتقال الحكم في السعودية إلى الأمير الشاب محمد بن سلمان، إيذانًا بانطلاق قطار الرياض المحمل بالأفكار والرؤى الجديدة والطموح اللامحدود للملك القادم.

تبدو السياسة الخارجية للسيسي، الذى يقترب من نهاية ولايته الأولى، ويستعد لخوض ولايته الثانية، مع إعلان الفريق أحمد شفيق استعداده للترشح أمامه، من الإمارات حليف القاهرة القوي، قبل ترحيله إليها، وكأنها تتحرك بصورة برجماتية، ووفق مبدأ الأولويات والملفات الأكثر ضغطًا؛ وأتاحت الإمارات التي تتحرك بالدعم داخل الحدود الليبية محيط حركة للجانب المصري سياسيًا وعسكريًا، وبدأ التدخل المصري فى الحالة الليبية واضحًا لما تمثله من تهديد للقاهرة عبر حدودها الغربية، وتسلل عناصر مسلحة لتنفيذ عمليات إرهابية داخل.

عاصفة الحزم التي انطلقت بقيادة الرياض فى اليمن، لم تلبِ فيها القاهرة رغبات الرياض بشكل كامل، فلم تشارك بقوات برية واحتفظت لنفسها بقرار المشاركة بقوات بحرية، عبر باب المندب فقط، بينما جاءت رغبات الرياض على عكس القاهره، فى المشهد السوري، الأمر الذي يكشفه تواجد منصة للمعارضة السورية بالرياض، وأخرى بالقاهرة وتصريح السيسي بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضى السورية.

انتظمت القاهرة داخل الحلف الاسلامي العسكري الذي شكلته الرياض، وترأسه محمد بن سلمان فى الحرب على الإرهاب، ذلك الحلف الذي يحشد قرابة أربعين دولة من آسيا وإفريقيا تبدو فصلاً جديدًا يضيفه بن سلمان إلى خطابه المستمر للغرب وواشنطن، بأنه قادر على حمل لواء واشنطن فى المنطقة ومصالحها وخططها المباشرة، وجعل الرياض بقعة استراتيجية ومحطة إقتصادية، عبر مشروع “نيوم” والانفتاح الرأسمالي، وحشد دعايته الأيديولوجية بـتدشين مفهوم “الإسلام المعتدل”، ونفي صبغة الإرهاب والتشدد عن وجه الرياض كما كان الحال في عهد أوباما.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. حسام محمد شكرى

    مع تحياتى …………تحليل يحتاج للنقاس

موضوعات ذات صلة

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

القانون وشيزوفرانيا الحكم في مصر ثلاث مسائل كانت وما زالت تلح على مصر كدولة ومجتمع، قبل الثورة وبعدها: 1) تشكيل سلطة قوية مصحوبة بآليات قانونية، 2) التحديث (وهنا تحديداً المقصود هو تطوير آليات الحكم ومزيد من كفاءة مأسستها)، 3) مجتمع صاحب مسؤولية سياسية وجنائية ومدنية عن أفعاله.

علي الرجال

أيام يوليو

دانيل جايدو