قصة ثورة فبراير

100 عام على الثورة الروسية, خبرات

03  ديسمبر  2017

في يوم المرأة العالمي عام 1917 بدأ العمال الروس إضرابا عن العمل وانتهى بهم الأمر وقد أطاحوا بالقيصرية.

لم يكن من قبيل المصادفة أن يبدأ أهم إضراب في تاريخ العالم بعاملات النسيج في بتروغراد في اليوم العالمي للمرأة 1917 (23 فبراير في التقويم اليوليوسي القديم). في الوقت الذي كان فيه أزواجهن وأبناءهن على الجبهة كانت هؤلاء النساء يعملن لما يصل إلى ثلاثة عشر ساعة في اليوم وقد أصبحن بمفردهن مسئولات عن إعالة أسرهن والوقوف لساعات في درجة حرارة تحت الصفر على أمل الحصول على الخبز. وكما ذكر “تسويوشي هاسيغاوا” في دراسته الدقيقة لثورة فبراير، “لم تكن هناك حاجة للدعاية لتحريض هؤلاء النساء على الفعل”.

نبعت الأزمة الاجتماعية العميقة في روسيا من فشل النظام القيصري في إجراء أي إصلاحات ذات مغزى ومن الفجوة الاقتصادية الضخمة بين الأغنياء وباقي المجتمع الروسي. كان روسيا يحكمها مستبد، هو القيصر “نيكولاس الثاني”، الذي رفض مرارا مجلس الدوما، وهو هيئة انتخابية عاجزة التي يهيمن عليها الأثرياء بالقانون.

عشية الحرب، كان تواتر الإضرابات ينافس ذاك الذي شاهدته ثورة 1905، كما أقام العمال المتاريس في شوارع العاصمة. منحت الحرب القيصر مهلة مؤقتة، ولكن الهزائم العسكرية المتزايدة وحوالي سبعة ملايين حالة إصابة جلبت اتهامات لم يسبق لها مثيل، من كل قطاع تقريبا من المجتمع، بفساد النظام. كان العفن على درجة من العمق حتى أن رئيس الوزراء لاحقا، الأمير”لافوف” قاد مؤامرة – دون أن يتورط في تنفيذها – من أجل ترحيل القيصر واحتجاز زوجته في دير. كما اغتيل “راسبوتين“، الراهب الدجال،  الذي كان قد اكتسب نفوذا هائلا في القصر، ليس من قبل الفوضويين ولكن من قبل الملكيين في ديسمبر 1916.

على اليسار، كان البلاشفة هم القوة المهيمنة في وسط أوسع من الثوريين الذين كانوا يقودون أكبر موجة إضراب في تاريخ العالم (كانت القطاعات المؤيدة للحرب من الاشتراكيين المعتدلين في كثير من الأحيان تمتنع عن المشاركة في الإضراب).

لسنوات ناضلوا ضد القيصرية. حيث أُطلق نحو ثلاثين إضرابا سياسيا خلال نصف العقد منذ مذبحة “لينا غولدفيلد في عام 1912” حيث قُتل 270 عاملا، وظلوا صامدين بعد جولة تلو الأخرى من اعتقالات الشرطة السرية القيصرية (أوكرانا). كما أن تصنيف الثوار المعتقلين في عامي 1915 و 1916 يسجل القوة النسبية لليسار في بتروغراد: البلاشفة 743، غير الحزبيين 553، الثوريون الاشتراكيون 98، المناشفة 79، ومزريونستي (الحزب الاشتراكي الديمقراطي في بطرسبرج)51، الفوضويون 39. ومع وجود حوالي ستمائة من أعضاء البلاشفة في مصانع المعادن والهندسة والمنسوجات في فايبورغ، كان الحي إلى حد بعيد أكثر الأحياء صمودا خلال الحرب.

يوم 9 يناير 1917، الذكرى الثانية عشرة لمذبحة الأحد الدامية التي أشعلت ثورة 1905، أضرب 142 ألف عامل. وعندما افتتح مجلس الدوما يوم 14 فبراير خرج 84 ألف عامل آخرون، في خطوة قادها المناشفة المؤيدون للحرب.

دفع تزايد النقص في الغذاء الحكومة إلى شراء الحبوب في الريف. ومع إغلاق مخابز بتروغراد وتضاؤل الإمدادات إلى عدة أسابيع، تفاقمت الأزمة حين ادعت السلطات القيصرية عدم وجود نقص. وأبلغت الشرطة السياسية عن وقوع صدامات عديدة بين الشرطة والنساء العاملات على خطوط خبز بتروغراد. الأمهات “اللاتي يراقبن أطفالهن الذين يعانون من الجوع والمرض هم أقرب إلى الثورة من السيدات ميليوكوف وروديتشيف وشركاه وهم بالطبع أكثر خطورة بكثير”.

وفي 22 فبراير، تحدث البلشفي “كايوروف” إلى اجتماع للنساء في فيبورغ، حاثا النساء على عدم الإضراب في اليوم العالمي للمرأة والاستماع إلى “تعليمات الحزب”. وقد خاب أمل “كايوروف” حين أضربت خمسة مصانع للنسيج في صباح اليوم التالي، فكتب لاحقا أنه كان “ساخطا” أن تجاهلت النساء البلشفيات توجيهات الحزب.

هتفت النساء المحرضات على الإضراب في مصنع نسيج نيفا “إلى الشوارع! يكفي! لقد استكفينا!” ثم فتحن البوابات وقدن مئات النساء إلى معامل المعادن والأعمال الهندسية القريبة. وإذ قذفن مصنع نوبل للهندسة بكرات الثلج، نجت النساء في إقناع العمال هناك بالانضمام وهم يلوحن ويهتفن: “اخرجوا! أوقفوا العمل!”. كذلك سارت النساء إلى مصنع إريكسون، حيث التقى “كايوروف” وغيره من البلاشفة لفترة وجيزة مع الثوريين الاشتراكيين  والمناشفة، وقرروا بالإجماع إقناع العمال الآخرين بالانضمام.

أبلغت الشرطة عن حشود من النساء والعمال الشباب يطالبون “بالخبز” وينشدون أغان ثورية. انتزعت النساء لافتات حمراء من الرجال خلال المسيرة وهتفن: “إنها عطلتنا. سوف نحمل اللافتات “. عند جسر ليتينيي، على الرغم من الهجمات المتكررة من المتظاهرين، منعتهم الشرطة من السير إلى وسط المدينة. وبحلول وقت متأخر من بعد الظهيرة، عبر مئات العمال الجليد، وتمت مهاجمتهم من قبل الشرطة. في المركز، وصل “ألف متظاهر، معظمهم من النساء والشباب” إلى نيفسكي بروسبكت ولكن تم تفريقهم. وأوضح البوليس السياسي أن المظاهرات كانت على قدر كبير من الاستفزاز حتى أصبح “من الضروري تعزيز وجود الشرطة في كل مكان”.

كان ستون ألفا من المضربين، البالغ عددهم 78 ألفا، من منطقة فيبورغ. وعلى الرغم من رفع شعارات مناهضة للحرب والقيصر، كان الخبز هو أبرز المطالب. لقد اعتبرت السلطات القيصرية هذه المظاهرات مجرد شغب آخر من أجل الخبز، على الرغم من قلقهم من تردد قوات القوزاق الموثوق بهم في الهجوم على المتظاهرين. في تلك الليلة، اجتمع بلاشفة فيبورغ وصوتوا لصالح تنظيم إضراب عام لمدة ثلاثة أيام يتوجه لنيفسكي.

في اليوم التالي تضاعفت حركة الإضراب إلى 158 ألفا من العمال مما جعلها أكبر ضربة سياسية للحرب. أضرب خمسة وسبعون ألف عامل في فيبورغ، وكذلك عشرون ألفا في كل من مناطق بتروغراد وفاسيليفسكي وموسكو، بالإضافة إلى تسعة آلاف من نارفا. وقد أخذ مقاتلو الشوارع من شباب الطبقة العاملة زمام المبادرة، وقاتلوا الشرطة والقوات على الجسور ومن أجل السيطرة على نيفسكي في وسط المدينة.

وفي مصنع أفياز، دعا متحدثون من المناشفة والثوريين الاشتراكيين إلى إسقاط الحكومة، وناشدوا العمال عدم الانخراط في أعمال غير مسئولة، وحثوهم على السير إلى قصر توريد، حيث حاول أعضاء الدوما محاولات يائسة في إقناع القيصر بتقديم تنازلات. وفي إريكسون ناشد البلاشفة العمال السير إلى ساحة كازان وتسليح أنفسهم بالسكاكين والأدوات الثقيلة والجليد تحضيرا للمعارك الوشيكة مع الشرطة.

اشتبك نحو أربعين ألفا من المتظاهرين مع الشرطة والجنود على جسر ليتيني، ولكن مرة أخرى تم صدهم. ووجه نحو 2500 عامل من إريكسون من قبل القوزاق في سامبسونيفسكي بروسبكت. هجم الضباط على الحشد، يتبعهم بحذر القوزاق من خلال الممر الذي فتحه الضباط. يقول “كايوروف”: “بعضهم كان يبتسم وآخر غمز للعمال غمزة جيدة “. في العديد من الأماكن أخذت النساء زمام المبادرة:” لدينا أزواج وآباء وإخوة على الجبهة. . . أنتم أيضا لديكم  أمهات وزوجات وأخوات وأطفال. نحن نطالب بالخبز ونهاية الحرب “.

لم يبذل المتظاهرون أي محاولة للتآخي مع الشرطة المكروهة. أوقف الشباب السيارات في الشوارع، وغنوا الأغاني الثورية، وألقوا الجليد والبراغي على الشرطة. بعد أن عبر عدة آلاف من العمال عبر الجليد، اندلعت معارك ضارية بين المتظاهرين والشرطة للسيطرة على نيفسكي. وفي الوقت نفسه، تمكن العمال من عقد مسيرات في المواقع الثورية التقليدية في كازان وعند تمثال “فرس النهر” الشهير لألكسندر الثالث في ساحة زنامنسكايا. وأصبحت المطالب أكثر تسييسا حيث لم يكتفي المتحدثون بالمطالبة بالخبز، بل نددوا أيضا بالحرب والاستبداد.

يوم 25، أصبح الإضراب عاما، شمل أكثر من 240 ألف عاملا، انضم إليهم الموظفون والمدرسون والعاملون في المطاعم وطلاب الجامعة وحتى طلاب المدارس الثانوية. وأقسم سائقو التاكسيات أنهم لن ينقلوا سوى “قادة” التمرد.

مرة أخرى بدأ العمال بالاحتجاج في مصانعهم. وفي اجتماع صاخب في مصنع بارفيانن في فيبورغ، حث المتحدثون البلاشفة والمناشفة والثوريون الاشتراكيون العمال على السير إلى نيفسكي. وختم أحد المتحدثين ته بالجملة الثورية: “ابعد عن الطريق، أيها العالم الذي عفا عليه الزمن، فاسد من القمة إلى القاعدة. روسيا الشابة تسير”!

اشتبك المتظاهرون في سبعة عشر صداما عنيفا مع الشرطة، وتمكن الجنود والعمال من تحرير عدد من الرفاق كانت الشرطة ألق القبض عليهم. أصبح للمتمردين اليد العليا، حيث أرهبوا قوات القيصر على العديد من الجسور أو خلال عبور الجليد في اتجاه المركز. بعد السيطرة على نيفسكي، تجمع المتظاهرون مرة أخرى في زنامنسكايا. وكانت الشرطة والقوزاق يجلدون الحشد، ولكن عندما هجم عليهم رئيس الشرطة، أوقفه أحد القوزاق بسيفه. ولعبت العاملات مرة أخرى دورا حاسما، حين هتفوا مناشدين: “ضعوا حرابكم. انضموا إلينا.”

بحلول المساء، كان المتمردون يسيطرون على جبهة فيبورغ. وكان المتظاهرون قد اقتحموا مراكز الشرطة، واستولوا على المسدسات وسيوف الحرس القيصري، وأجبروا رجال الشرطة والدرك على الفرار.

دفع التمرد القيصر “نيكولاس الثاني” إلى حافة الهاوية. وقال “إنني آمر أن تنتهي الاضطرابات في العاصمة غدا”، كما أمر “خابالوف” قائد حامية بتروغراد، بتفريق الحشود بإطلاق النار. كان “خابالوف” متشككا (“كيف يمكن وقفها في اليوم التالي؟”)، لكنه قبلت التكليف. وفى قاعة المدينة، حث وزير الداخلية “بروتوبوبوف” المدافعين عن النظام المستبد على قمع الاضطرابات، قائلا: “صلوا وتمنوا النصر”. وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي، نشرت إعلانات تحظر المظاهرات وتحذر من أن المرسوم سوف يطبق بالسلاح.

في وقت مبكر من يوم الأحد 26، اعتقلت الشرطة قلب لجنة البلاشفة في بطرسبورغ واشتراكيين آخرين. أُغلقت المصانع، ورُفعت الجسور، وتحول وسط المدينة إلى معسكر مسلح. وأرسل “خابالوف” برقية للقيادة قال فيها “أن الهدوء يسود المدينة منذ الصباح”. بعد فترة وجيزة من هذا البلاغ عبر آلاف العمال عبر الجليد وظهروا في نيفسكي ينشدون الأغاني الثورية ويهتفون الشعارات، لكن الجنود أطلقوا النار عليهم بشكل منهجي.

كُلِفت قوات من كتيبة فولينسكي بمنع التجمعات في ميدان زنامنسكايا. وقامت الدوريات المتنقلة بجلد الحشود، لكنها فشلت في تفريقها. ثم أمر القائد القوات بإطلاق النار. وبالرغم من أن بعض الجنود أطلقوا النار في الهواء، إلا أن خمسين متظاهرا لقوا مصرعهم فى زنامنسكايا وحولها، واختبأ العمال المتفرقون داخل المنازل وهرعوا إلى المقاهي. وقد قام بتنفيذ الجزء الأكبر من هذه المذبحة بواسطة قوات موالية منشقة المستخدمة سابقا في تدريب ضباط الصف.

إلا أن إراقة الدماء لم تقض على الثورة.

هكذا وصف أحد تقارير الشرطة مستوى الصمود والتضحية المذهل لدى المتمردين:

في سياق الاضطرابات لوحظ بشكل عام، أن الغوغاء المشاغبين أظهروا تحديا شديدا تجاه الدوريات العسكرية، وألقوا عليهم الحجارة وقطع الجليد حين حاولوا تفريقهم. عندما أطلقت الطلقات الأولية في الهواء، لم يمتنع الحشد عن التفرق فحسب بل رد على هذه الطلقات بالضحك. فقط حين أُطلق الخرطوش وسط الحشد، أصبح من الممكن تفريق الحشد.. ولجأ المشاركون إلى  ساحات المنازل القريبة، وبمجرد أن توقف إطلاق النار خرجوا مرة أخرى إلى الشارع.

ناشد العمال الجنود إلقاء السلاح في محاولة لتغيير مواقفهم من خلال مخاطبة مباشرة لقلب الجنود. وكما أشار تروتسكي فان الاتصالات “بين الرجال والنساء العاملات والجنود في ظل القصف المستمر للبنادق والرشاشات كان يتحدد مصير الحكومة والحرب والبلاد”.

في مساء يوم 26، التقى قادة البلاشفة في  فيبورغ في حديقة خضراء على مشارف المدينة. واقترح الكثيرون أن الوقت قد حان لإنهاء التمرد، إلا أن الاقتراح لم يتم التصويت عليه بالموافقة. وقد اتضح في وقت لاحق أن أكثر المدافعين إصرارا على استمرار المعركة كان أحد أفراد الشرطة السرية. من وجهة نظر عسكرية، كان يجب أن تتوقف الثورة بعد يوم 26. لكن الشرطة لم تتمكن من سحق التمرد دون دعم الآلاف من الجنود.

في ظهيرة اليوم السابق توجه العمال إلى ثكنات بافلوفسكي: “أخبروا رفاقكم أن بافلوفسكي أيضا يطلقون النار علينا – رأينا جنود يرتدون نفس زيكم في نيفسكي”. كان الجنود “يبدون محبطين وباهتين”. تردد صدى مناشدات شبيهة في ثكنات أخرى. في ذلك المساء، أصبح جنود بافلوفسكي أول من ينضم إلى المتمردين (على الرغم من إدراكهم أنهم عزلوا، عادوا إلى ثكناتهم وألقي القبض على تسعة وثلاثين من قادتهم على وجه السرعة).

في باكورة يوم 27، وصلت الثورة إلى كتيبة فولينسكي، الذي كان فيلق التدريب بها قد أطلق النار على المتظاهرين في ساحة زنامنسكايا. تمرد 400 من جنودها وقالوا لقائدهم: “نحن لن نطلق النار، كما لا نرغب في سفك دماء أخينا عبثا”. حين أجابهم بقراءة أمر القيصر لقمع التمرد، أُطلق عليه النار. انضم جنود آخرون من فولينسكي إلى التمرد ثم انتقلوا إلى ثكنات بريوبرازنسكي والليتوانيين القريبة التي تمردت أيضا.

في وقت لاحق وصف أحد المشاركين المشهد كالتالي: “شاحنة محملة بالجنود، ممسكين بالبنادق، قسمت المتظاهرين وأسرعت في اتجاه سامبسونيفسكي. كانت الأعلام الحمراء ترفرف من حراب البنادق، وهو شيء لم يسبق له مثيل من قبل. . . أما الأخبار التي جاءت بها الشاحنة بشأن تمرد القوات فقد انتشرت مثل النار في الهشيم..” وعلى حين ظلت كتيبة عقابية بقيادة الجنرال “كوتيبوف” تطلق النار بلا هوادة على المتظاهرين والشاحنات المليئة بالعمال – في المساء، كتب “كوتيبوف” “قطاع كبير من قواتي انضم إلى الحشود.”

في ذلك الصباح، كان الجنرال “خابالوف” يتجول بين ثكنات المدينة مهددا الجنود بعقوبة الإعدام إذا ما تمردوا. وفي ذلك المساء، قام الجنرال “ايفانوف”، الذي كانت قواته في طريقها لدعم موالين للقيصر، بالتواصل برقيا مع “خابالوف” لتقييم الوضع.

إيفانوف: في أي أجزاء من المدينة يسود النظام؟

خابالوف: المدينة بأكملها في يد الثوار

ايفانوف: هل تعمل كل الوزارات كما ينبغي؟

خابالوف: لقد ألقى الثوار القبض على الوزراء

ايفانوف: ما هي قوات الشرطة تحت تصرفكم في الوقت الحاضر ؟

خابالوف: لا شيء على الإطلاق

ايفانوف: ما هي المؤسسات التقنية والإمدادات التابعة لوزارة الحرب هي الآن تحت سيطرتك؟

خابالوف: ليس لدي شيء

وإذ أصيب الجنرال ايفانوف بالهلع فقد قرر الانسحاب. هكذا انتهت المرحلة العسكرية من الثورة.

كانت مفارقة ثورة فبراير في أنها رغم إطاحتها بالقيصرية، إلا أنها أحلت محلها حكومة من الليبراليين غير المنتخبين الذين فزعوا من الثورة نفسها التي جاءت بهم إلى السلطة. يوم 27 “سُمعت تنهدات. . . لقد حدثت، أو في الواقع تعبيرات صريحة عن الخوف على الحياة”، كتب نائب الدوما الليبرالي. وقد توقف هذا الخوف لوهلة وجيزة جراء أنباء مبهجة، وإن كانت غير دقيقة، “بأن الاضطرابات سوف تُقمع قريبا”. وأشار مراقب آخر إلى أنهم “كانوا مرعوبين، كانوا يرتعدون، ويشعرون بأنهم أسرى في أيدي عناصر معادية، مسافرين في طريق مجهول”.

أثناء الثورة، “كان موقف البرجوازية واضحا تماما. من ناحية كانت في وضعية يسمح لهم بالحفاظ على مسافة من الثورة وخيانتها مع القيصر، ومن ناحية أخرى استغلالها لأغراضها الخاصة “. وكان ذلك هو تقدير “سوخانوف”، أحد قادة سوفييت بتروغراد الذي كان متعاطفا مع المناشفة، وسوف يلعب دورا حاسما في تسليم السلطة إلى الليبراليين.

سوف يحصل على الكثير من المساعدة من الاشتراكيين أكثر اعتدالا. اقترب زعيم المناشفة “سكوبيليف” من “رودزيانكو” رئيس مجلس الدوما الرابع لتأمين مساحة له في قصر توريد. وكان هدفه تنظيم سوفييت لنواب العمال، من أجل الحفاظ على النظام. هدأ “كيرنسكي” من مخاوف “رودزيانكو” من أن السوفييت قد يكون خطرا، وقال له: “يجب على شخص ما أن يتولى مسؤولية العمال”.

وخلافا لسوفييت العمال في عام 1905 التي برزت كأداة للصراع الطبقي، تأسس السوفييت الذي تم تشكيله في 27 فبراير بعد الثورة، وكان الأعضاء البارزون في لجنته التنفيذية تقريبا جميعهم من المثقفين الذين لم يشاركوا بنشاط في الثورة.

كانت هناك أوجه قصور أخرى أيضا: كان ممثلو الجنود البالغ عددهم 150 ألف جندي في بتروغراد ممثلين تمثيلا زائدا بدرجة كبيرة في سوفيتات العمال والجنود. وكان الغالبية العظمى من الرجال، وكان تمثيل النساء قليلا جدا بين الـ 1200 مندوب (وصلوا فيما بعد إلى ما يقرب من 3000) ممثلة تمثيلا ناقصا بائسة. بل أن السوفيت لم يناقش حتى مظاهرة يوم 19 مارس النسائية من أجل حق الاقتراع والتي شارك فيها 25 ألفا بينهم آلاف النساء العاملات.

وافق سوفيت بتروغراد على الأمر رقم 1 الشهير – الذي مكن الجنود من انتخاب لجانهم الخاصة لإدارة وحداتهم وإطاعة الضباط والحكومة المؤقتة فقط إذا كانت الأوامر لا تتعارض مع أوامر السوفيتات – وقد تم تطبيق هذا الأمر بمبادرة من الجنود الراديكاليين أنفسهم.

ومع ذلك، أجبر تشكيل السوفييت الليبراليين وحليفهم الثوري الاشتراكي “كرينسكي” على الفعل. طرح “رودزيانكو” أنه “إن لم نستول على السلطة، فإن الآخرين سوف يفعلون”، لأنه قد تم بالفعل “انتخاب بعض الأوغاد في المصانع”. “ما لم نشكل حكومة مؤقتة فورا”، كتب “كيرنسكي”، “سوف تعلن السوفييت نفسها السلطة العليا للثورة “. وبموجب هذه الخطة، سوف تعمل مجموعة اختارت نفسها وأطلقت على نفسها اسم اللجنة المؤقتة على مواجهة السوفييت. لكن المتآمرين لم يكونوا واثقين تماما من خطتهم الخاصة. فسمحوا للقادة المناشفة والثوريين الاشتراكيين بأن يقوموا بأعمالهم القذرة.

معادلة المناشفة للثورة تستدعي “أن تكون الحكومة البديلة للقيصرية برجوازية تماما” كتب “سوخانوف”.  وعلى آلية الدولة بأكملها. . . لن تطيع سوى “ميليوكوف” “.

جرت المفاوضات بين السلطة التنفيذية السوفييتية والقادة الليبراليين غير المنتخبين يوم 1 مارس. قال “سوخانوف”: “ميليوكوف” أدرك تماما أن اللجنة التنفيذية في وضع مثالي إما لإعطاء السلطة للحكومة البرجوازية أو عدم إعطائها”، ولكنه أضاف ” السلطة المنوط بها استبدال القيصرية يجب أن تكون سلطة برجوازية فقط.. علينا أن نسترشد بهذا المبدأ. وإلا فان الانتفاضة لن تنجح والثورة سوف تنهار “.

كان قادة السوفييت على استعداد لإسقاط حتى برنامج “الحيتان الثلاثة” للحد الأدنى الذي وافقت عليه جميع الجماعات الثورية (يوم عمل لثمان ساعات، ومصادرة الأراضي المهدرة، وجمهورية ديمقراطية) لو أن الليبراليون وافقوا على أخذ السلطة. خوفا من احتمال أن يضطر أن يحكم، أصر “ميليوكوف” بعناد على عمل محاولة أخيرة لإنقاذ القيصرية.

المذهل في الأمر أن وافق الاشتراكيون وسمحوا لشقيق القيصر، مايكل، أن يقرر لنفسه ما إذا كان ينبغي أن يحكم. وحيث انه لم يحصل على أي ضمانات للحفاظ على أمانه الشخصي، اعتذر الدوق العظيم بأدب. وكانت جميع هذه المفاوضات تجري، بالطبع، في غرف مغلقة دون علم العمال والجنود.

وسوف يستمر نظام “السلطة المزدوجة” هذا المنبثق عن هذه المناقشات – السوفيتات من جهة والحكومة المؤقتة غير المنتخبة من جهة أخرى – لمدة ثمانية أشهر.

وصفت “زيفا جاليلي” هذه المفاوضات بأنها “أدق ساعات المناشفة”. وقد شبهها تروتسكي بمسرحية هزلية مقسمة إلى نصفين: “في أحدهما، كان الثوريون يترجون الليبراليين أن ينقذوا الثورة؛ وفي المقابل، كان الليبراليون يترجون النظام الملكي لإنقاذ الليبرالية “.

لماذا كان العمال والجنود الذين قاتلوا ببراعة لإسقاط القيصرية، ليسمحوا للسوفييت بتسليم السلطة إلى حكومة جديدة تمثل الملاك؟ من ناحية، كان على معظم العمال أن يتعرفوا أولا على سياسات مختلف الأحزاب الاشتراكية. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن البلاشفة أنفسهم متأكدين تماما مما يقاتلون من أجله، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنهم احتفظوا بفهم (عفا عليه الزمن) للثورة كديمقراطية برجوازية، حيث تحكم فيها حكومة ثورية مؤقتة. أما معنى ذلك عمليا، ولاسيما بعد تشكيل الحكومة المؤقتة، فقد كان مطروحا للعديد من التفسيرات.

على الرغم من أن المناضلين البلاشفة لعبوا دورا حاسما طوال الأيام الثورية، إلا أنهم غالبا ما فعلوا ذلك على الرغم من قادتهم. لقد أضربت عاملات النسيج العضوات في فبراير رغم اعتراض قادة الحزب الذين اعتبروا أن الوقت “لم يحن بعد” لمثل هذا الفعل النضالي.

كما كان هناك أيضا قصور في قيادة المكتب السياسي للبلاشفة (شليابنيكوف، مولوتوف، زالوتسكي). وحتى بعد إضراب 23 فبراير، قال”شليابنيكوف” إنه من السابق لأوانه الدعوة إلى إضراب عام. وعجز المكتب عن إنتاج منشور يوزع على القوات ورفض مطالب بتسليح العمال استعدادا لمعارك وشيكة.

جاءت معظم المبادرة من لجنة حي فيبورغ، التي عملت كقيادة فعلية لتنظيم لجنة الحزب في المدينة، أو من الأعضاء القاعديين، وخاصة في اليوم الأول، عندما تجاهلت النساء قادة الأحزاب ولعبن دورا حاسما في إشعال حركة الإضراب.

وطوال شهر مارس، اجتاح الانشقاق والارتباك صفوف البلاشفة. وحين قام سوفييت بتروغراد بتسليم السلطة السياسية للبرجوازية يوم 1 مارس، لم يعترض واحد من الأعضاء البلاشفة الإحدى عشر في اللجنة التنفيذية. وحين تقدم مندوبو البلاشفة اليساريين في السوفييت اقتراحا بأن يقوم السوفييت بتشكيل الحكومة، لم يحصل الاقتراح سوى على 19 صوتا في حين صوت ضده الكثير من البلاشفة. يوم 5 مارس، أيدت لجنة بطرسبرج دعوة السوفييت للعمال بالعودة إلى وظائفهم، على الرغم من أن مطلب ثمان ساعات ليوم العمل، وهو أحد المطالب الرئيسية للحركة الثورية، لم يكن قد طُبق بعد.

اقترب مكتب الحزب تحت قيادة “شليابنيكوف” أكثر من الراديكاليين في فيبورغ، الذين كانوا يطالبون بأن يحكم السوفييت. ولكن عندما عاد “كامينيف” و”ستالين” و”مورانوف” من المنفى في سيبيريا واستولوا على المكتب يوم 12 مارس، انحرفت سياسات الحزب بشكل حاد إلى اليمين – بترحيب كبير من قادة المناشفة والثوريين الاشتراكيين، وغضب المناضلين الحزبيين في المصانع، وطالب بعضهم بسرعة طرد السلطة الثلاثية الجديدة.

كان لينين من بين الغاضبين. يوم 7 مارس كتب من سويسرا “هذه الحكومة الجديدة مكبلة بالفعل من اليد والقدم برأس المال الإمبريالي، وبسياسة الحرب والنهب الامبريالية.” على النقيض من ذلك، كتب “كامينيف” في برافدا يوم 15 مارس أن “الأحرار” سوف “يقفون بحزم في مواقعهم، وسيجيبون الرصاصة برصاصة، والقذيفة بقذيفة”. وفي أواخر مارس، تكلم ستالين لصالح الوحدة مع المناشفة، وحاجج بأن الحكومة المؤقتة “قد لعبت دور الداعم لانجازات الثورة.”

كان لينين قلقا للغاية من انحراف القيادة إلى المين حتى أنه كتب يوم 30 مارس أنه يفضل “الانشقاق الفوري عن أي شخص في حزبنا، أيا كان، عن تقديم تنازلات لقومية “كيرنسكي” الاجتماعية وشركاه”. لم تكن هناك حاجة لمحام لتوضيح ما كتبه لينين أو لتوضيح من يقصد بكلماته. “على “كامينيف” أن يدرك انه يتحمل مسؤولية تاريخية “.

شدد جوهر اللينينية منذ عام 1905 على عدم الثقة الكاملة في الليبرالية كقوة معادية للثورة والنقد حاد لهؤلاء الاشتراكيين العازمين بكل إصرار على محاولة استرضائها. ومع ذلك، فإن طرح لينين عام 1905 الذي دعى إلى تشكيل حكومة ثورية مؤقتة للقيام بثورة برجوازية كانت مناقضة لما أسماه “أفكار سخيفة وشبه فوضوية” لتروتسكي تدعو إلى “ثورة اشتراكية”. لينين نفسه انتقل في تلك اللحظة في اتجاه تلك الفكرة السخيفة من أجل الاشتراكية، في حين اتهمه قدامى البلاشفة المحافظون “بالتروتسكية”.

كان الانقلاب الذي وقع في أوائل شهر مارس في جوانب كثيرة منه نموذجا لانقلابات أخرى خلال القرن الماضي-  زمرة صغيرة غير منتخبة تستولي على السلطة لأغراض طبقتها الخاصة على حساب حركة أوصلتها  الى السلطة. ومع ذلك، كان هناك اختلافان رئيسيان. أحدهما أنه كان هناك حزب من جماهير الطبقة العاملة مستعد للنضال بلا هوادة دفاعا عن مصالحها. وثانيا، كانت هناك سوفيتات.

كانت الثورة الروسية لتوها قد بدأت.

عن المؤلف:

يعمل كيفين مورفي بتدريس التاريخ الروسي في جامعة مساتشوستس، بوسطن. وقد حصل كتابه “الثورة والثورة المضادة: النضال الطبقي في مصنع موسطو للمعادن” على جائزة دويتشر التذكارية عام 2005

وفقا لإتفاق بين بالأحمر وموقع جاكوبين، يشترك الموقعان في إحياء مئوية ثورة أكتوبر، بحيث يقوم بالأحمر بترجمة نصوص كتبت خصيصا في هذه المناسبة إلى اللغة العربية على أن تنشر في كل من بالأحمر والأرشيف العالمي للماركسية  The Marxists Internet Archive

 

اضافة تعليق جديد