100 عام على ثورة أكتوبر

ثورة عادية

100 عام على الثورة الروسية

03  ديسمبر  2017

وفقا لإتفاق بين بالأحمر وموقع جاكوبين، يشترك الموقعان في إحياء مئوية ثورة أكتوبر، بحيث يقوم بالأحمر بترجمة نصوص كتبت خصيصا في هذه المناسبة إلى اللغة العربية على أن تنشر في كل من بالأحمر والأرشيف العالمي للماركسية  The Marxists Internet Archive

 

عندما عرضوا تماثيل ماركس ولينين المحطمة، وقت انهيار الاتحاد السوفيتي، كان الإعلام البرجوازي يهلل: سقطت الماركسية واللينينية. أما الاشتراكيون فكانوا يقولون أن الستالينية هي التي سقطت، فماركس ولينين لم يصنعا لأنفسهما تماثيل، الذي صنعها هو ستالين. والستالينية هي التي حولت الماركسية إلى أيقونة مقدسة، والثورة إلى حدثا استثنائيا.

منذ اندلعت الثورة قبل مائة عام جرت العادة على الحديث عنها كواحدة من أبرز العلامات في تاريخ الإنسانية، ومن بعض وجهات النظر تعتبر أهم أحداث القرن العشرين. وهي بحق ـ على الأقل من وجهة نظر الاشتراكيين والمتعاطفين معهم ـ لعبت ولا زالت دورا محوريا في صنع ما مضى من التاريخ الحديث وما سيأتي منه. لذا فدائما ما يتم تمجيد أحداثها ورموزها، وفي بعض الحالات يصل الأمر إلى حد تقديسها. والحقيقة أن ثورة أكتوبر بقدر ما تستحق من تقدير وإعجاب، إلا أن المبالغة في هذا الأمر دائما ما كان لها أثرا سلبيا. فهي ترسخ انطباعا عاما بأنها حدثا شاذا في التاريخ، وأن من قاموا بها أشخاص استثنائيون، وبالتالي يصعب تكرارها.

فهل كانت ثورة أكتوبر العظيمة هي ثورة المتميزين والعباقرة والاستثنائيين في التاريخ، أم أنها ثورة البشر العاديين؟ المؤكد أنهم كانوا من البشر العاديين: هؤلاء الذين تتلاعب بهم أهوائهم، ويقدر أعدائهم على خداعهم والتأثير عليهم؛ هؤلاء الذين يتملكهم الغضب أحيانا، والخوف كثيرا، ودائما ما يرتكبون أخطاء فادحة؛ هؤلاء الذين تدفعهم تجربتهم المحدودة إلى النظرة ضيقة الأفق، وتتسع نظرتهم كلما صقلتهم التجربة؛ هؤلاء الذين تفزعهم المخاطر، ويميلون إلى الحذر والحيطة، ويفضلون الحياة الهادئة؛ هؤلاء الذين تلهيهم ضرورات حياتهم اليومية عن الشأن العام، ويمكن الوقيعة بينهم، ودفعهم إلى الصراع ضد بعضهم البعض. هؤلاء البشر العاديين هم من صنعوا ثورة أكتوبر العظيمة.

فمثلا جموع العمال والفلاحين الروس، الذين انتفضوا وثاروا وأسقطوا حكم القيصر في فبراير 1917، هم أنفسهم كانوا من أيدوه ودعموا نشوب الحرب العالمية الأولى منخدعين بدعاية الحرب قبل ذلك بثلاثة سنوات فقط عام 1914. في ذلك الوقت انفضت الجماهير من حول الاشتراكيين ـ ليس فقط في روسيا، لكن في العديد من البلدان الأوروبية ـ وتراجعت بشدة الحركات العمالية. بل أن الاشتراكيين أنفسهم على مستوى العالم انقسموا بين داعمين ومؤيدين للحرب، وبين معارضين لها وداعين إلى الثورة عليها. أدى ذلك إلى انقسامات حادة في صفوف الاشتراكيين، واعتبر البعض وقتها أن ما يحدث هو نهاية الاشتراكية. ولم يتبق من المناضلين الاشتراكيين المناهضين للحرب، والمتمسكين بالمبادئ الثورية، إلا مجموعات صغيرة محدودة ومتناثرة في بعض الدول من ضمنهم البلاشفة. هؤلاء كانوا، في بداية الحرب، على حالة من العزلة والإحباط الشديدين، ويتعرضون لقمع واضطهاد مستمر. كانت الناس تنظر ساعتها لمن يتحدثون عن ثورة قادمة، على أنهم مخبولين أو ممثلين هزليين في كوميديا سوداء!! وبعد ثلاثة سنوات لم تعد الثورة مجرد حديثا، إنما واقع حي يعيشه الثوريون مع الجماهير

أما الحزب البلشفي، الذي قاد ثورة أكتوبر إلى الانتصار، فكان هو الآخر أمره عجبا!! لم يكن ـ كما يتصور البعض ـ له أي نفوذ جماهيري (مثلا على غرار الأحزاب الإصلاحية في الغرب، والحركات الإسلامية في بلادنا) في غير لحظات المد الثوري. في عام 1903 (وقت الانقسام ما بين البلاشفة والمناشفة، عندما دارت السجالات السياسية الشهيرة بينهم، وكتب لينين كراساته الشهيرة أيضا: بم نبدأ، وما العمل؟، ..إلخ) كان مجمل الاشتراكيين الديموقراطيين الروس (البلاشفة والمناشفة معا) في كل عموم روسيا والمنفى أقل من أربعمائة شخص!! بعد ذلك بعامين مع اندلاع ثورة 1905 تضاعف عددهم في متوالية هندسية، ليصل البلاشفة وحدهم إلى حوالي ثمانية آلاف شخص في عام 1907. ومع تراجع الصراع الطبقي تدهورت عضويتهم بشكل حاد، ليصل حجمهم عام 1914 وقت نشوب الحرب إلى عدة مئات قليلة في حالة عزلة شديدة. ومع تصاعد الصراع الطبقي من جديد مع تدهور الأحوال بسبب الحرب، عادت أعدادهم إلى التضاعف، ليصلوا إلى عدة آلاف عشية ثورة فبراير 1917. وعلى امتداد الشهور من فبراير إلى أكتوبر عام 1917 تضاعفوا، ليصل عددهم إلى ما يقرب من مائة ألف عشية ثورة أكتوبر. وفي الشهور الأولى من الثورة أصبحوا يقدرون بمئات الآلاف. وبالطبع صاحبت هذه الانعطافات الحادة انعطافات حادة أخرى على مستوى الاستراتيجية والتكتيك، والوقوع في أخطاء كارثية، ثم نقد الأخطاء وتصحيحها عبر صراعات مريرة، وإعادة البناء من الصفر أكثر من مرة.

وعندما انطلقت الثورة في فبراير 1917 اتخذ البلاشفة موقف نقدي في البداية من السوفيتات التي تشكلت بطريقة عفوية، والتي كان يسيطر عليها الإصلاحيون والفوضويون وتضم جمهور واسع من البسطاء الغير مسيسين. وظلوا لفترة مترددين في الانضمام إليها إلى أن اكتشفوا خطأهم، بعدها انخرطوا فيها بشكل واسع لتصبح هي مرتكزهم ومحور دعايتهم.

قادة الثورة أنفسهم عمرت سيرتهم السياسية بالعديد من الأخطاء والانحرافات. أكبر وأهم الأمثلة على ذلك هو لينين، الذي بنى الحزب البلشفي وقاده في خضم الثورة ورأس أول حكومة عمالية ثورية. غير لينين بشكل حاد سياسته في بناء الحزب أكثر من مرة، ولم تكن جميعا بسبب التغيرات التي حدثت في الصراع الطبقي، فالكثير منها كان بسبب التغير في تقديراته وآراءه عبر التجربة. وسنجده كثيرا يدافع بحدة عن أساليب في العمل كان منذ سنوات قليلة يرفضها بضراوة شديدة، والعكس صحيح. أما أهم أخطاؤه، التي نقدها بشدة بعد ذلك، فكان تحليله لطبيعة الثورة المقبلة في روسيا. فلقد تبنى ودافع على امتداد سنوات نضاله عن فكرة أن الثورة المقبلة ستكون بقيادة الطبقة العاملة والفلاحين لكنها ستقتصر فقط على تحقيق المطالب الوطنية الديموقراطية (الديموقراطية السياسية والإصلاح الزراعي والتنمية الرأسمالية) وأن الثورة الاشتراكية ستكون مرحلة تالية على ذلك بسبب الطبيعة المتخلفة لروسيا. ولعب دورا رئيسيا في خلق التماسك داخل الحزب البلشفي حول هذه الاستراتيجية، إلى أن اندلعت الثورة في فبراير 1917. فمع تشكل السوفيتات اكتشف لينين خطأه الفادح، وقام بنقد هذا الخط في إبريل 1917 في كراسته الشهيرة “موضوعات نيسان” (كانت في الأصل تقرير مقدم إلى مؤتمر الحزب) التي دافع فيها عن الأفكار التي طرحها تروتسكي قبل ذلك بعدة سنوات، عن الثورة الدائمة وحالية الثورة الاشتراكية.

وعندما رفضت اللجنة المركزية السياسة الجديدة، انسحب منها وعمل على تعبئة قواعد الحزب على مدى شهور، حتى نجح في تغيير خطه السياسي وحرسه القديم.

أما تروتسكي مؤسس الجيش الأحمر وقائده، وأحد أهم المنظرين الاشتراكيين الروس، والرئيس المنتخب لسوفيت سان بطرسبرج (العاصمة وقتها) فحدث عن أخطائه ولا حرج. فهو تورط ولعب أدوارا سلبية في الانقسامات التي حدثت وسط الاشتراكيين الديموقراطيين الروس منذ مطلع القرن. وخاض صراعا نظريا حادا ضد لينين والبلاشفة على مدى سنوات، وظل معاديا لأفكار لينين حول التنظيم ومشروع الحزب البلشفي نفسه. ولم يتراجع إلا بعد أن قامت الثورة في فبراير 1917 واكتشف ضرورة وأهمية الحزب اللينيني في انتصار الثورة، بعدها انضم للبلاشفة وأصبح أحد أهم قادتهم.

كامنييف وزينوفييف، وهما من أهم قادة البلاشفة بعد لينين وتروتسكي، أصابهما الذعر بعد أن أقرت اللجنة المركزية الانتفاضة المسلحة ضد حكومة كيرنيسكي في أكتوبر 1917 ودعوة السوفيتات للاستيلاء على السلطة. وسارعا بنشر الخبر في الصحافة، في محاولة للتعبئة من أجل التراجع عن القرار. هذا الأمر الذي اعتبر كشف لأسرار حزبية وتعريض الثورة للخطر. وهكذا، على هذا الحال، من التردد والوقوع في الأخطاء، سنجد جميع القادة البلاشفة. كما أن الحزب البلشفي في العموم لم يكن معقما ولا معصوما، فلقد أظهرت وثائق الأجهزة الأمنية القيصرية التي تم الكشف عنها بعد الثورة، أن الحزب كان يعج بعملاء الأمن، وأنه كان مخترقا حتى في أعلى مستوياته بما فيها لجنته المركزية.

حسنا، هكذا هم الثوريون: هؤلاء البشر الذين يفعلون الصواب بعد الوقوع في أخطاء فادحة؛ الذين يحسمون أمورهم بعد الكثير من التردد؛ الذين يندفعون بجرأة بعد الانهيار فزعا؛ الذين يضحون بأنفسهم بعد التعنت لذواتهم ومصالحهم؛ الذين يملؤهم التفاؤل بعد طول إحباط. وكثيرا ما تنفض الجماهير من حول راية الاشتراكية كما حدث عام 1914، ثم تعود لترفعها وتلتف حولها كما حدث عام 1917.

“إن الأحداث الكبرى في التاريخ قام بها أناس يتصفون بكل صفات البشر”، هكذا يلخص تروتسكي القضية في كتابه “تاريخ الثورة الروسية”. وهذا ما تعلمه لنا ثورة أكتوبر: الثورة ممكنة، ولا تحتاج إلى العظماء أو القديسين، هي فقط تحتاج إلى البشر العاديين الموجودين في الواقع الحي. تحاج إلى هؤلاء الذين التفوا حول راية “العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية”، ثم انفضوا ليلتفوا مجددا حول رايات زائفة. تحتاج لهؤلاء الذين افترشوا الأرصفة من أجل زيادة المرتبات، واصطفوا أما صناديق الانتخاب آملين في مستقبل أفضل. ثورة أكتوبر كانت ثورة عظيمة بالفعل، وأعظم ما فيها أنها لم تكن حدثا استثنائيا، بل هي قابلة للتكرار وبصورة أفضل لأن الثوريين تعلموا منها وبعدها الكثير. وعندما ينؤ كاهلنا اليوم بما نعانيه من قمع واضطهاد واستغلال وضياع للثورة، لا يسعنا إلا أن نتذكر ن دورس ثورة أكتوبر، وكل الثورات التي انتصرت بعد هزائم متتالية، وأن ثورات أخرى قادرة أن تنفض هزائمها وتستعيد انتصارها مجددا.

لهذا وبالتعاون مع جاكوبين نعيد في بالأحمر قراءة تاريخ الثورة الروسية بعد مرور مئة عام في محاولة للتعلم من خبرات الماضي لا تمجيدا للماضي الذي يستحق التمجيد والاحتفاء دون شك، ولكن الأهم من أجل الحاضر والمستقبل.

بالأحمر 

قصة ثورة فبراير

من محطة قطار فنلندا

من الحلول الوسط إلى السلطة

جرامشي والثورة الروسية

اضافة تعليق جديد