قرار التقسيم بعد سبعين عاما: هل «أصاب» المؤيدون له؟

أفكار, خبرات, قضايا

29  نوفمبر  2017

نشر المقال في موقع القدس العربي 

تصادف يوم صدور هذا المقال الذكرى السبعين لقرار تقسيم فلسطين الذي تبنّته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947. وجدير بالتذكير أن الأمم المتحدة في ذلك الحين كانت مغايرة جداً لما صارت إليه بعد إنجاز القسم الأعظم من نزع الاستعمار خلال العقدين اللاحقين. فقد كانت عضوية الجمعية العامة عند التصويت على قرار التقسيم تقتصر على 57 دولة (مقابل 193 حالياً)، بينها اثنتا عشرة دولة آسيوية فقط وأربع دول افريقية لا غير (وبين الأخيرة دولة جنوب افريقيا العنصرية). وكانت للولايات المتحدة الأمريكية اليد العليا في المنظمة الدولية، يليها في المكانة الاتحاد السوفييتي، الظافر الآخر في الحرب العالمية الثانية. ولما كانت واشنطن وموسكو مؤيدتين لتقسيم فلسطين، كان محتماً أن يحصل القرار على أغلبية، تشكلت من ثلاث وثلاثين دولة (مقابل ثلاث عشرة دولة رافضة وعشر دول ممتنعة ودولة واحدة غير مشاركة في التصويت).

وقد أجمعت الدول العربية على رفض قرار التقسيم، بما فيها الدول العربية الست التي كانت تنتمي إلى الأمم المتحدة (مصر والعراق وسوريا والمملكة السعودية واليمن ولبنان)، كما رفضته الحركة الوطنية الفلسطينية وشتى الفصائل الوطنية العربية.

أما الأحزاب الشيوعية العربية التابعة لموسكو، فقد انقلبت من معاداة الصهيونية إلى تأييد تحقيق مشروعها. وقد بقي موقفها هذا وصمة عار على جبينها، لا سيما وأنه اقترن بقيام موسكو بدور حاسم في تسليح الحركة الصهيونية في قتالها ضد الشعب الفلسطيني والجيوش العربية.

هذا الواقع الأخير غاب عن برنامج تلفزيوني مكرّس للكاتب أميل حبيبي، بثّته قناة «الميادين» قبل أسبوعين ونيّف تحت عنوان «السياسة في هوامش الأدب»، وقد دار قسم هام منه حول تأييد الشيوعيين لقرار التقسيم. كان ملفتاً أن قناة محسوبة على محور «الممانعة» فسحت مجالاً واسعاً أمام «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» كي يبرّر موقفه التاريخي، بل يدّعي أن ذاك كان هو القرار الحكيم! ويبدو أن تأييد الحزب المذكور للنظام السوري قد فتح أمامه أبواب أجهزة إعلام «ممانِعة» تلتقي معه في هذا التأييد، منها «الميادين» ومنها صحيفة «الأخبار» اللبنانية.

أما حجة الذين دافعوا عن قرار التقسيم في برنامج «الميادين»، فهي تقوم بصورة أساسية على تصوير «البقاء» في فلسطين، ولا سيما الأراضي الفلسطينية التي منحتها الأمم المتحدة للدولة «اليهودية»، وكأنه مرتهن بقبول القرار. ولهذا الافتراض قرينتان منطقيتان، اثنتاهما منافيتان للواقع بجلاء هو بغنى عن البرهان: القرينة الأولى أن جميع الذين بقوا في الأراضي التي استولت عليها الحركة الصهيونية عام 1948 كانوا من مؤيدي التقسيم (والحقيقة أن الشيوعيين كانوا أقلية ضئيلة)، والقرينة الثانية أن جميع الذين غادروا تلك الأراضي إنما فعلوا ذلك طوعاً من جرّاء رفضهم للتقسيم (وهذا ادّعاء الرواية الصهيونية بامتياز).

أما الحقيقة فهي أن القبول بقرار التقسيم لم يكن فاصلاً بين البقاء والمغادرة، بل كان فاصلاً بالأحرى بين نوعين من البقاء: بقاءٌ مقاوم متشبّث بالأرض حيث كان الأمر ممكناً، إذ لا يجوز لأحد أن يلوم الجماهير الفلسطينية التي نزحت من ساحات المعركة، كأي جماهير مدنية إزاء ظروف حربية، وهي تعتقد أنها سوف تتمكن من العودة بعد حين، بل أنها سوف تعود وقد اندحر الصهاينة. أما النوع الآخر فهو بقاءٌ بالثناء على الصهيونية، تلازم مع الانخراط في جوقتها التي أطلقت على حرب الاستيلاء على فلسطين وتأسيس الدولة الصهيونية تسمية «حرب الاستقلال». وهذا الموقف الأخير هو عين الذي تبنّاه قبل سبعين عاماً «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» بمن فيه أعضاؤه من الفلسطينيين العرب.

وهل يُعقل لشعب، أياً يكن، أن يقبل بأن تُمنح لثلث سكان بلاده (33 في المئة) معظم أراضيها (56 في المئة)، لا سيما عندما تكون الغالبية العظمى من الثلث المذكور مؤلفة من مهاجرين وفدوا إلى البلاد حديثاً، خلال السنوات الخمس عشرة السابقة، بل وفدوا من أوروبا تؤطّرهم حركة استيطانية استعمارية وبدعوة من الدولة الأوروبية الاستعمارية التي سيطرت على البلاد بالبطش والتعسّف؟ والحال أن تلك هي حقيقة قرار التقسيم الذي قد يكون أكثر القرارات إجحافاً وظلماً في تاريخ الأمم المتحدة.

أما أن يدّعي أحد بعد مرور سبعين عاماً أن القبول بذلك القرار كان موقفاً وطنياً صحيحاً وشريفاً بدل الاعتراف بأن القبول به ضربَ بالمصلحة والكرامة الوطنيتين العربيتين الفلسطينيتين عرض الحائط وضحّى بهما انصياعاً لموسكو التي أملت الموقف، إنما هو أمر مذهل حقاً.

لا يجوز إنكار الدور الهام الذي لعبه الحزب الشيوعي داخل الدولة الصهيونية في صيانة الشخصية الوطنية الفلسطينية، وعلى الأخص في الحقل الثقافي من خلال أدباء أمثال أميل حبيبي وتوفيق زيّاد وسميح القاسم، دون نسيان الشاعر العظيم محمود درويش الذي ترعرع في الحزب في أولى مراحل حياته. لكنّ استمرار الحزب حتى يومنا هذا في تبرير الموقف الذي اتخذه قبل سبعين عاماً، لا بل افتخاره به، بدل القيام بنقد ذاتي لموقف نبع بالدرجة الأولى من تبعية للاتحاد السوفييتي مُشينة وعمياء، فهو ضربٌ من الهراء الشيخوخي.

اضافة تعليق جديد