مولد إنسان: مخاض جوركي

فنون, قراءات

28  نوفمبر  2017

يقول جورج لوكاش عن مكسيم جوركى  “إن جوركى أمين على الدوام للحقيقة بالمعنى الكبير والعميق للكلمة”.

فى مطلع عام 1988 أعادت دار رادوجا للنشر إصدار المؤلفات المختارة لسارد الواقعية الإشتراكية الأعظم مكسيم جوركى “1868- 1936” فى ستة مجلدات،

ضم المجلد الرابع منها مجموعة أقاصيص “فى أرجاء روسيا” ترجمها الشاعر والمترجم والمحامى السورى الألمعى سهيل أيوب وجاءت أقصوصة مولد إنسان كافتتاحية لهذه المجموعة القصصية الخالدة.

أقصوصة “مولد إنسان” مقسمة إلى ثلاثة اقسام:

أولا: التماهي الصوفي مع الطبيعة البكر “الذي يعكس ولع جوركي القديم بالصوفية”.

ثانيا: المجاعة وتشريد الفلاحين .

ثالثا: ولد إنسان جديد وهو القسم المركزي لهذه القصة.

تبدأ أقصوصة مولد إنسان بلوحة تجريدية للطبيعة ذات طابع تأملي وجداني بعيدة عن التجريدية البرجوازية والواقعية الطبيعية، التى تقدمها السوسيولوجيا المبتذلة والمرتبطة بالنزعات الفردية فى نظرتها للطبيعة والمجتمع، بل بالعكس يرسم قلم جوركى الجنة البكر الواقعة على ضفاف نهر الكودور والأراضى الممتدة بين سوخوم و أوتشمشيرى فى أبخازيا.

حيث عام المجاعة 1898 والجوع الذى طرد ملايين الفلاحيين من قرى الفولجا، والمحافظات الوسطى فى روسيا، فساروا عائلات وقرى كاملة على الطرقات والدروب متوجهيين إلى الجنوب، لم يكن جوركى وقتها كاتبا معروفا بل كان واحد من الجائعين، يرتحل معهم إلى أوكرانيا ثم القرم ثم القوقاز، تسجنه الشرطة أحيانا كشخص شريد مشبوه، فتنمو داخله أحاسيس الإحتجاج والتمرد.

يرسم قلم جوركى بلسان الذات الساردة فى مطلع أقصوصته لوحات عشوائية للطبيعة، كاشفا الوظائف الخفية للطبيعة في تماهيها مع النفس البشرية حيث تنحل جميع التناقضات التى تبعث فينا الوهن واليأس، ويتجلى المطلق بلغة شعرية منفكة عن الرومانسية الجوفاء، فليس السارد هنا هو الناطق، بل هو المطلق والمتماهى مع الطبيعة الكل، مطلق لا ينقطع ولا يكرر ذاته، بل يرسم بحروفه سلسلة من الموجودات المتجددة، فهو يتلقي الحياة نغما متغيرا، نقيا ومحتجا يمتد وينكفئ، كما سيعبر عن ذلك فى مشهد الميلاد كما عبر عنه فى رسم الطبيعة البكر فيقول:

“كان الزمن خريفا وأوراق شجر الغار الصغيرة الصفراء تضطرب هنا وهناك فوق زبد نهر الكودور الأبيض، أشبه ما تكون بسمك سليمان الرشيق – كانت أغصان الشبور المترامية على طول الضفة الثانية، معراة تماما ومعلقة فى الهواء ……. كما لو حبس فيها نقار خشب جبلي يجمع لونه بين حمرة زاهية وصفرة براقة، كان صاحبنا يقفز جذلان على أطراف الفروع ينقض بمنقاره الأسود الفاحم فيصطاد بعض الحشرات الهائمة، حشرات كانت فى الوقت ذاته صيدا هينا في فم طيور انحدرت من اقصي الشمال. شرعت سحب سود تكلل قمة الجبل قمة الجبل بمطر غزير وهى تلقي ظلالا طويلة تنزلق على طول بعض المنحدرات، حيث يستطيع المرء ان يجد فى أجواف الزان العجوز كثيرا من العسل الشهي ……….. إلخ”.

إن مشهد إصطياد نقار الخشب الجبلي للحشرات الهائمة الشريدة التى جائت له هربا من إصطياد طيور الشمال لها، إنما هو مشهد رمزي للفلاحيين المشرديين الذين شردهم الفقر والاستغلال وافتراس الأغنياء لهم واضطرارهم للهرب جنوبا.

ثم يطرز جوركى لوحته بحلم سريالى للذات الساردة. يحلم به بينما هو جالس على إحدى صخور هذه الجنة البكر، فيكتب:

“ورأيت فيما يرى الحالم، مشهدا يمثل عمالقة طويلي اللحى، واسعي العيون، أشبه بأطفال سعداء ينحدرون من الجبال، ويجملون الأرض، ويبذرون كنوزهم متعددة الألوان بإسراف، ويغطون قمم الجبال بطبقات كثيفة من الفضة ………”

ولا تنفى هذه التداخلات البنائية والشكلية فى جسد النص إنتماء القصة للمدرسة الواقعية ولنتذكر قول هنري لوفافر : “إن تدخل العنصر التطوري هو أحد الوجوه التي تميز الواقعية عن المدرسة الطبيعية (أو أى مدارس اخرى) فالكاتب ذو النزعة الطبيعية كان يميل إلى استبعاد العنصر التطورى لأن ما هو واقعي فى نظره يستبعد التطور ولأن التطور يخرج عن نطاق الواقع فى نظره، وهكذا يبقى ذلك الكاتب على سطح الواقع”، وهو ما لم يفعله جوركى على الإطلاق بل فعل عكسه تماما، فلقد وضع جوركى التطور المستمر والميلاد المستمر للإنسانية المتجددة دائما كطبيعة كلية للوجود والواقع.

ثم ترسم الذات الساردة لوحة عن حياة شاقة باردة وجائعة لمجموعة من الريفيين الفقراء ومعهم فلاحة حامل، كانوا قد أجلاهم الفقر عن أرضهم وجاء بهم إلى سوخوم للعمل حيث التربة والمناخ الخصب ،كانت إمرأة منهم قد أصيبت بالحمى وأضطروا إلى نقلها إلى المدينة.

وبقيت المرأة الحامل بينما يسير بطل القصة كما لو أنه يسبح فى الهواء فيفاجئه مشهد للمرأة الحامل وقد اقتعدت الأرض ورأسها يتدلى على كتفها وأنتفخت عيناها والتوى فمها وتئن فى وهن. إنها المعاناة الإنسانية لاستمرارية الوجود

فهى تلد وحدها ولا يوجد غيرها هى والشجرة التى تستند إليها وراوى القصة، وعليهأان يقوم بعملية الولادة وهنا كان المشهد المركزى للقصة.

المرأة الحولاء وأغنيتها :تلك الشخصية التي تكاد تظهر عابرة على القصة لكنها شخصية مهمة جدا فى جسد النص السردي تعكس معاناة وبؤس الفلاحين المشردين في ملامحها (حولاء – صدرها مسطح – عيناها مثقلتين سوداوين كالفحم)

وأغنيتها التي تغنيها بغضب للأم الحامل ذات الوشاح الأصفر تلك الاغنية التي تجسد الأبعاد الداخلية لبؤس الفلاحيين المشرديين وعطشهم للخلاص وتكشف مضمون تلك الأبعاد بنسيج شعري عذب:

فى تلك المقبرة البيضاء “

وراء الأدغال الخضراء

ما بين الرمل المصفر

القيت بشالي المحمر

وجلست أعد الساعات

فحبيبي قال :أنه آتي”.

فترد عليها الأم الحامل بأغنية أخرى ترسم ما بداخلها:

 “هبط الليل كئيبا فادن مني، يا حبيبي، فأنا وحدي أبكي فى دجي الليل الكئيب”.

ذلك الديالوج الغنائي والمناجاة الشعرية التى يتناجون بها هو بمثابة جسر لوعي المتلقي ينقله إلى التجربة، كما عاشتاها تلك المرأتين، ذلك الديالوج الغنائي الذي يحمل كثيرا من اللوحات والمؤثرات التشكيلية إنما هو نقل شعري وحسي للمتلقي إلى داخل التجربة، فبجانب الغنائية استعان جوركى بالمؤثرات البصرية فى كلمات الأغنيتين لينقل المتلقي بسلاسة إلى بيئة النص وإلى الحرمان العاطفي والجفاء والجفاف الحسي الذي تعاني منه الشخصيتان.

مشهد الميلاد: هذا المشهد الذى يجمع دلالات الوجود فى ذاته وبأوجهه الكثيرة أبرزها تصوير معاناة وعذابات الأم الفقيرة (الطبقة العاملة) ليبعث منها الإنسان الجديد الغاضب المحتج المجاهد، الذي سيخلص تلك الطبقة من عذاباتها ويحررها من خوفها من آلات الإستغلال والإستعباد والقهر، حيث استمرارية الخلق و النمو للطبقة الكادحة حتى تعي قوتها، إنه مشهد التحرر من الإنسان الآلة إلى الإنسان العام المجرد، الطبيعى المولود من رحم الطبيعة الأم الصبورة الصامدة، إنه مشهد تطهير الإنسان من كل ما لحق به من تشيؤ ومشهد الإيمان بعظمة الإنسان المقبلة وتعزيز الثقة باستمرارية الحياة وتغيرها واستمرارية إرادة الكفاح من أجل الإستمرار والتطور وأن المخاض والولادة هم محرك رمزي لحركة التاريخ، بل تسطع دلالة التنبؤ الرمزى بالثورة الروسية القادمة 1905 أو العاصفة كما يسميها جوركى دائما.

فيكتب جوركى:

“راحت المرأة تتلوى كقشرة شجرة بتولا يلقى بها فى لهب النار، اخذت تضرب الأرض حولها براحتي يديها وتمزق مقادير كبيرة من العشب الجاف، تنثر التراب على وجهها المرتعب القاسي بعينيه الواسعتين. وأخيرا، هذا مخلوق بشري واهن يتكئ على ذراعى، أحمر اللون كرأس الشوندرة. انهمرت العبرات من عينى، ولكننى شاهدت من خلالها ذلك المخلوق الأحمر الضعيف غير راضى عن الوجود، فهو يرفس بقدميه ويجاهد وينوح مع أنه لم يزل مربوطا بأمه”.

لم يحصر جوركى شخصياته ولم يسطحها فى تعبيرات الحياة اليومية الوسطية على نحو مبالغ فيه بل أبرز جوهر فكرته “الحركة الدائمة للحياة والتنبؤ بالثورة القادمة”، وجعلها تعبر عن نفسها تعبيرا حرا داخل عقل المتلقى، بل هيأ وعى المتلقى لتلقي الفكرة عبر نمو مصاغ بحرفية عالية، وتضاد بين أول الأقصوصة ونهايتها حيث بدأت الأقصوصة بحالة تماهي وذوبان صوفي مع الطبيعة البكر، زالت فيها كل التناقضات ومن ثم وصل إلى عرض هولات المجاعة وتشريد الفلاحيين عبر عرض سريع لهم، إلى ان نصل إلى مشهد الميلاد الصادم بشفافيته وحقيقته وجوهريته، بل أننى أستطيع أن أقول أننا يمكننا أن نقرأ قصة مولد إنسان من نهايتها إلى بدايتها وسنستقي الفكرة كما طرحها جوركى بنفس وحدة السياق والحياة والحركة، وسنمر بكل مراحل تهيئة الوعي التى صاغها جوركى ببراعة، إلى أن نصل إلى أن الإنسانية لا تقهر أبدا، بالإضافة إلى أن الظواهر الجمالية فى هذه القطعة السردية تتركز فى المواقف السريعة التى ترسمها الأحداث وتطوراتها، كما تنبع من تلك اللوحات التعبيرية التى ترسمها الشخصية الرئيسية لباقي الشخصيات “الأم الحامل بآلامها وصبرها وخصوبتها المماثلة لخصوبة الطبيعة – الريفيون المشردون والعرض السريع لحكايتهم – المرأة الحولاء وأغنيتها التي تغنيها تحت الشجرة”.

لقد نجح جوركي في هذه القصة فى تصدير الوظيفة الإستباقية التنبؤية للأدب عبر خلق شخصيات وأحداث تمثل مخاض وتنبؤ بالثورة الروسية 1905 وما تلاها من أحداث.

وقد فعل هذا فى صياغة ونسج العديد من أبطال رواياته وقصصه ومسرحياته الأخرى هؤلاء الأبطال الذين استبقوا تنبؤيا سلسلة من النماذج لم تفصح عن جوهرها إلا بعد كتابتها بسنوات عديدة.

إننا نستطيع أن نصف أدب مكسيم جوركي وأدب المدرسة الواقعية الإجتماعية العظيم بأنه ذلك الأدب الذي يصيغ صياغة عميقة وصادقة ميول الواقع الموضوعي الحية نحو التطور والتحول والحركة الدائمة وإدراك هذا التطور واتجاهاته وصفاته، فإن هذه هى المهمة التاريخية الكبري للطليعة الأدبية على مر العصور.

ويأتي التتويج الأعذب لهذه القصة بأن نتذكر هذا السطر الذي كتبه جوركي : “إنها لوظيفة إستثنائية فائقة ان تكون إنسانا على الأرض”.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

لينين يكذب أحيانا، ونصوص أخرى لينين كان كاذباً للغاية حينما تحدث عن أن الأمور لابد أن تزداد سوءا كي تنصلح لاحقاً!

أحمد عبد الحميد حسين

الأب الصامت، ونصوص أخرى

أحمد عبد الحميد حسين

الانتخابات لماذا؟

هاني شكر الله