العِميان

أفكار

26  نوفمبر  2017

النظر نِعمة. أداةٌ مِن أدوات الفهم والإدراك المُتَعدِّدة التي نملِكها. يفتح الإنسان جفنيه فيبصر ما حوله، ويدرك ما يحيط به، ويحاول فهم ما يرى. يسعى منذ البداية إلى تكوين معنى للأشياء؛ جامعًا تفاصيلها، صانعًا منها حكاية شيقة، مُدليًا فيها بوجهة ”نظر“. المعنى هو ما يُهِم، وما يسعى الناسُ صَوبَه في العادة، بوعي أو بغير وعي؛ إذ لا تستقيم الحياة دون مَعاني، ولا تنتظم بغير مَنطق.

يعتمد العقلُ في استكشاف مفردات عالمه، وإعداد وجهة نظر ما، على مدخلات لا حصر لها؛ بيانات وقياسات وألوان وإحصاءات وغيرها. لا تتسنى دراسة ما هو غائب تمامًا، وما لا توجد عليه شواهد، ولا تظهر لوجوده انعكاساتٌ، ولا تتبدى آثارٌ يُستَدَلُّ بها عليه. لا يتأتى الإلمامُ بما هو مَخفيّ.

مٌقدِّمةٌ مُطلقة، فيها مِن التفَلسُف ما لا يُسمِن العِجاف، ولا يُغنِي مِن جوع إلى وقائع حقيقة تسطُع على وجه الأرض، مع ذلك لا مَفرَّ؛ إذ هي كلماتٌ تصاغُ ضمنَ سياق، تعمدُ فيه السُلطة إلى خلقِ مَناخٍ مِن التعمية التامة الكاملة؛ إزاء أمور عامة لا يجوز إخفاؤها عن الناس.

الحقُّ أننا نعدم الشفافيةَ التي نسمع عنها في بِلدان أخرى، وندهشُ لها كأنها عجيبة مِن أعاجيب الزمان؛ فداخل حدودنا الجغرافية، لا تصلُ إلينا سوى نصفُ المعلومات، ولا تقع تحت أنظارنا إلا ثُلث التفاصيل، وثُمن الحقائق، ونُتفة من الوثائق والمُستندات. لا نتحصَّل في غالبية الأحوال على الصورة الكاملة؛ سواء لما يمسّنا عن طريق غير مباشرة، أو لما نحن فيه طرفٌ أصيل، ومِن ثمّ تبقى عقولنا قاصرة عن فهم ما يجري هنا وهناك، تاركًا بصماته العميقة على حيواتنا.

يقولون إن ”العمى حشمة“، لكنه ليس كذلك قطعًا فيما يتعلق بمنظومَة الحُكم، وبالعلاقة بين الحُكّام والمَحكومين، قد يكون ”حشمة“ في سياقاتٍ مُناوِئة وأُطُر مُختلِفة، أما هنا فالعمى مَهانةٌ  وأزمة.

 أتابع رسائلَ عدة، تتوالى مِن أصدقاء مُقربين، تكاد حروفها تصرخ بعالي الصوت؛ غضبًا وحنقًا وضيقًا، فثمّة مشروع لقانون جديد، هو قيد الإعداد والتفعيل، ينظِّم أهمَّ ما يملِك الناسَ وأثمنه، أو ربما ما لا يملِك بعضهم غيره؛ الصّحة. يتكتّم المسؤولون هذه الآونة مشروع قانون التأمين الصحيّ، يضربون حوله سياجًا مِن السرّية والتعتيم، يُشرِكون فيه المُختارين، ويرفضون المرة تلو الأخرى طلب نقابة الأطباء الاطلاع عليه؛ تطلب النقابةُ نسخةً مِنه، فتُقابَل بالتسويف والمُمَاطلة،  وتُواجَه بمُحاولات الإقصاء والتهميش.

إبقاُء الناس في حالٍ من العَمى المَقصود أمرٌ مُعتاد ومُتكرر، خاصة فيما يتعلق بصكِّ القوانين؛ مَسلَكٌ يلوذ به المُستبدون، تُمارسه حكومةٌ تلو أخرى، ويستطيبه نظامٌ بعد نظام، لا شيء يتغير، ولا احترام يُولى للجماهير التي تستحق المَعرفةَ والمُشاركةَ والمُشاورة. يكفلُ العمى العام قدرًا أقل مِن النقاش والجَدل، ويُجَنِّب السُلطة المُساءَلة غير المَرغوبة، ويقضي على أية إمكانية لإعلان موقف رافضٍ، أو رغبة في تعديلٍ أو تغيير. العمى يحمي الحاكمين، ويوفر لهم مساحةً عريضةً يتحركون فيها بما يُشبِعهم ويُرضيهم، في حين يوقع الضَيمَ بالمواطنين.

لم يُتَح للعاملين في مجال الصحّة بالمُجتمَع المدنيّ على اتساعه، أن يتداولوا القانونَ المُزمَع تمريره، أو أن يلقوا عليه ولو نظرةً عابرةً. باتوا يطمحون إلى تلقي معلومة واحدة موثوق بها، يمكن لهم الانطلاقُ منها وخلقُ حوار، حتى وإن جاء مِن جانب واحد. لم يُتَح للناسِ أن ترى، وتسمَع، وتُبدي الرأي، ولو على المقاهي أو داخل البيوت، بينما القانون يمَسُّهم مسًّا مُباشرًا، ويؤثر في معيشتهم ومستقبل أولادهم. التعاطي مع أمر دون رؤيته أو لمسه، أو تعريضه لأية حاسة مِن الحواس، لموقف عسير؛ انحدارٌ مِن فضاء الموضوعيٍّة، إلى فضاءات التخمين والتنجيم.

على كل حال، هذا زمنٌ لا يعترف بالكتمان، والمُصطَلح الذي يجوب العالم الآن، ويخشاه أصحابُ النفوذ، وتبحث عنه الجماهيرُ العريضة على الشبكة العنكبوتية، هو ”التسريبات“. تسريباتٌ مِن فم هذا أو ذاك، كلمةٌ مِن هنا وكلمةٌ مِن هناك، صورةٌ يلتقطها مَحمولٌ ويبثُّها في لحظات إلى الآلاف، حوارٌ تسجِّله ضغطةُ زرٍّ خفيفة، وضغطةٌ أخرى تُذيعه على الملايين في أرجاء المعمورة.

عادةً ما نعطفُ على البصرِ؛ ”البصيرةَ“، بل ونقدِّمها عليه مَنزِلةً، فالبصيرة أرفع شأنًا وأعمقُ جانبًا، لا تستلزم وجودَ العينين السليمتين أو البصر الحاد، ولا تتوقف عند الرؤية بمعناها الماديّ بل تتجاوزها وتتخطاها بمسافات واسعة. بغياب هذا وتلك عن أصحاب القرار، يغدو المسار معوجًا والسائرون مُتخَبّطين، فلا ردٌ يُؤمَل ولا جوابٌ يُرجَى، إلا أن تتواصل الضغوطُ، وأن يزداد المُطالبون بحقِّ المَعرفة وحَتميّة المُكاشفة، الرافضون لأن يجعلهم النظام عِميانًا رغم أنهم مُبصرون.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشيطان يعظ يقولون لك "وكيف نطلب أن يكون هناك سياسي في ظل نظام مستبد وقامع مثل هذا؟! السياسة ابنة المجال الحر". تقبل منطقهم وترد عليه "اذن اكسروا مثل هذا النظام، ثوروا عليه.” سيصرخون في وجهك "مزايدة!”.

محمد علاء الدين

تجربة محمد منير بين انتفاضتي (يناير “1977 و2011”) ما قدمه منير من أغنيات يمكن وصفها بالحب التقدمي أو واقعة تحت سيطرة حالة شجن رهيبة ظلت تصل ما ساد بعد نكسة يونية، هي نتاج موهبة شعراء وملحنين مثلما حدث مع عبد الحليم حافظ في تجربته، ولكن هذه المرة ممزوجة بطعم الشعور بالمرارة والإحباط حتى لو كانت تتوق للحلم والآتي.

أيمن عبد المعطي

قراءات في ثورة يناير 2011: تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها.

علي الرجال

معترك جديد

أحمد ماهر