الراشدون في الغرفة.. قراءة في مذكرات رجل اليونان المهم

خبرات, قراءات

24  نوفمبر  2017

توطئة :

فى اعتقادي أن ما كشفته أزمة الديون السيادية الأخيرة فى اليونان ليس فقط فشل اليسار الراديكالي فى أن يطرح تصورا راديكاليا فى مواجهة مؤسسات الرأسمالية العميقة ولكن أيضا مدى الحاجة لمراجعة الأفكار المتعلقة بحدود تعريف الراديكالي فى كل مرة يطرح فيها هذا المفهوم. وفي السعي لتعريف الراديكالي -بحسب فاروفاكس- فإن الرجل يرى أن على اليسار الراديكالي اليوم أن يدير معركته من موقع يسار الوسط بسبب هذا الفراغ الذي أنتجه انزياح اليمين نحو النيوليبرالية الشعبوية. جاءت أزمة اليونان فى القلب من صعود اليمين الشعبوي وإن كانت سابقة عليها ،وتأتي أهمية فاروفاكس بوصفة ليس فقط أكاديمي كان أحد أهم الفاعلين فى وقت الأزمة لكن أيضا بوصفه بالمفهوم النيوليبرالي ( تكنوقراط ) جاء ليصلح ما أفسده أهل السياسة. ويبدو تهافت الخطاب النيوليبرالي المتعلق بالتكنوقراط واضحا فى كتاب فاروفاكس الأخير والمعنون ب ” راشدون فى الغرفة : معركتي مع المؤسسات الأوروبية العميقة  ” – ” Adults in the Room: My Battle With Europe’s Deep Establishment “، والذي يعترف فيه فاروفاكس بالتناقض الذي أنتجته المفاوضات حيث تم تنحية خطاب ” التكنوقراط” لصالح خطابات السياسة والانحيازات الأيدلوجية .

لا يعد الكتاب بمثابة شهادة شخصية حول الأزمة ولا محاولة من فاروفاكس ليبرر موقف خروجة من حكومة سيريزا ولا يعكس بالطبع موقفا تطهريا تجاه مآلات الأزمة بقدر ما يكشف عن علاقات القوى التي شكلت مسار المفاوضات بين اليونان والاتحاد الأوروبي  .

والنص التالي هو مراجعة للكتاب كتبها البروفيسور أدم توز “Adam Tooze” وهو مؤرخ بريطاني يعمل حاليا كأستاذ للتاريخ بجامعة كولومبيا .

المترجم

النص :-

هذا الكتاب – راشدون في الغرفة – هو كتاب ينبغي أن  يقرأه كل مهتم بالتاريخ الحديث للسياسة الأوروبية، ولا ينبغي حصر أهمية الكتاب بوصفه  فقط  “مذكرات” شخص كان في القلب من أزمة الديون الأخيرة في منطقة اليورو ـ  فهذا يعد تقليلا من شأنه. الكتاب بمثابة رؤية حالية حول أوروبا، ورؤية ثاقبة حول ما يمكن أن تعنيه “السياسة الإصلاحية “؛ ما حدود تلك السياسة؟ ولماذا تنتصر في النهاية ؟ يمثل هذا الكتاب وثيقة معقدة لأسباب كثيرة، منها النزعة الاعترافية العالية التي ضمنها فاروفكيس لتلك المذكرات حول التاريخ الأوروبي القريب. يحاول  فاروفاكس وضع نفسه كمؤرخ موضوعي للتاريخ، وبذائقة جمالية كما كتاب السيرة الذاتية يكتب الرجل مذكراته، ومن ثم يُحيد فاروفاكس الغرور الذي وسمته به وسائل الإعلام العالمية،  ‏( كانت صحيفة  الجارديان البريطانية على سبيل المثال فى أحد تقاريرها قد وصفت الرجل بنجم الروك – المترجم)  ‏والذي كثيرا ما عرضه لانتقادات عديدة.

ما يميز فاروفاكس هو أنه أكاديمي واسع الاطلاع ومثقف ذو اهتمامات واسعة حول النظرية السياسية، النظرية الاجتماعية، والاقتصاد، كما أنه ناشط سياسى في حركة “DIEM 25″، وتنعكس الاهتمامات والنشاطات السابقة بالطبع على الكتاب ولكل منهم الحق في أن يتم توسيع النقاش حوله في قادم الأيام، لكنني في المقالة سوف أركز على المحاور الأساسية في الكتاب.

المنطق المعقد للمعركة

علي عكس ما يقترحه أحد المقتطفات على ظهر الغلاف فإن الكتاب ليس كشف حساب لكيف يمكن أن ينتصر رأس المال على المنافع المشتركة ( الصالح العام ). فرؤية فاروفاكس لأزمة الديون السيادية في اليونان 2015 لا تُسيد منطق المعركة بين الديمقراطية والدائنون ( حراس السندات ).  ولا يمكن تسييد هذا المنطق  ببساطة لأن الحكومة اليونانية في 2015 كانت مدينة بقدر قليل من المال  للبنوك، وصناديق التحوط، وشركات التأمين حيث تم  تسديد الكثير من تلك الديون الحكومية في عملية إعادة الهيكلة في 2012  أو تم إلغاؤها أو نقلها.  85 % من الدين اليوناني كان لمؤسسات أوروبية رسمية وحكومات، 15 % فقط كانت ديون للبنوك ومستثمري القطاع الخاص، ولقد بدأ فاروفاكس مفاوضات الدين بطمأنة القطاع الخاص بأن مصالحهم في أمان تام.  كانت المعركة بالفعل مع الحكومات الأوروبية، مؤسسات الترويكا: المفوضية الأوروبية، البنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي. ولو كانت هذه معركة مع الرأسمالية، فإنها معركة مع وسطاء، حاول فيها فاروفاكس أن يستخدم السوق والناطقين باسمه في صراعه ضد تعنت المجموعة الأوروبية ووزراء ماليتها. كان رهان فاروفاكس على أن يلعب بورقة عقلانية السوق في مواجهة  “أيدلوجيا” الدائنين .

كان لهذا تأثير ملحوظ على روايته عن تعامله مع لندن وواشنطن، وهو ما سوف نتحدث عنه أكثر في جزء لاحق من المقال، كما كان له أثر واضح على تعاملاته مع صندوق النقد الدولي. قاومت حكومة سيريزا بإصرار عضوية الصندوق في الترويكا وحاولت التقليل من سلطة هؤلاء الموظفون الدوليون علي أعضاء حكومة سيريزا المنتخبون. لكن في نفس الوقت حاول فاروفاكس وفريقه كسب صندوق النقد إلى جانبهم بوصفه ممثلا للسياسات الكلية الاقتصادية وصاحب سياسة ” التطبيق الأمثل”.

وبما أن المشكلة الأساسية كانت مشكلة استدامة الدين فقد لعب اليونان على ضمير الصندوق المثقل  باتفاق غير قابل للاستمرار تبناه صندوق النقد  الدولي في 2010 ثم أعاد تبنيه في 2012. فمن خلال تبنيه هذا الاتفاق انتهك الصندوق الكود الداخلي الخاص بالتدخل، والذي يمنعه  من بعد أزمة الأرجنتين من إقراض الدول المتعثرة بالأساس في تسديد الديون. ما كان يريده فاروفاكس  أكثر من أي شيء هو أن يخلع الصندوق يده ويرفض المشاركة في أي مفاوضات حول دين غير مستدام، أي اتفاق لا يتضمن تخفيض كبير جدا للدين؛ إلا أن أمل الرجل قد خاب.

موقف فاروفاكس بتعبير جويف مان في كتابه الأخير هو جوهر الكينزية الليبرالية، وأنا أوافقه على هذا الرأي. فالبنسبة لفاروفاكس لم تكن تجنب أزمة الدين في 2015 ضرورة، بل كانت بالتعبير الكينزي عبارة عن ” فوضى” يمكن لأشخاص يفكرون بشكل واضح ويمتلكون نية طيبة أن يكونوا قادرين على تنظيفها، بشرط أن يمتلكوا نوعية القادة السياسيين القادرين على تقديم التضحيات السياسية الشجاعة والكريمة ( يميز فاروفاكس مفهوم التضحية السياسية بوصفة القدرة على اتخاذ القرارات التي من شأنها أن تجعل خسارة حزب ما للانتخابات أمرا واردا بسبب خياراته الاقتصادية الصحيحة – المترجم)

في رواية فاروفاكس للأحداث بدأت” الفوضى “حينما تصرف السياسيون الأوروبيون بفزع شديد عندما عادت أزمة الديون البنكية إلى السطح بسبب الأزمة اليونانية في عام 2010 بعد أن ظنوا أنهم دفنوه في 2008-2009. السبب وراء “الفوضى”  أنه وبمنطق “المواءمة السياسية” قرر السياسيون في مايو 2010 أن يخفوا خطة إنقاذ البنوك الألمانية والفرنسية  الثانية وكأنها ” مساعدة لليونان “.  لماذا ؟ كان هذا في صالح البنوك بالطبع، ولكن هذا لم يكن السبب الرئيسي. كان السبب الرئيسي هو خوف هؤلاء السياسيون من العقاب الانتخابي إذا أعلنوا عن خطة إنقاذ أخرى للبنوك والتي كانت لتكون ضرورية لو أن الديون اليونانية جرى شطبها، وبدلا عن ذلك طلبوا أموالا من أجل إقراض اليونان ولاحقا دفعت تلك الأموال للبنوك بطرق مباشرة وغير مباشرة. نتيجة لذلك أصبحت اليونان تدين الكثير من المال ليس للبنوك بل للحكومات ودافعي الضرائب في الدول الأوروبية المقرضة لها .

وبمجرد تشكيل الترويكا في 2010، صعد منطق جديد للواجهة، وهو أيضا منطق ” القوة “، “التكنوقراطية ” ولكن ليس منطق رأس المال بأي حال من الأحوال. أنشأت الترويكا كجهاز لمراقبة الديون وأصبح للجهاز والعاملين فيه وجودا مستقلا واضحا. والكثير من غضب سيريزا وفارو فكيس في 2015 كان موجها  صوب المواكب المهينة للتكنوقراط غير المنتخبين الذين ينزلون علي أثينا  “بقوافلهم من سيارات المرسيدس والبى أم”.

في رؤية فاروفاكس لليسار ( يسارية فاروفاكس ) فإن مسائل مثل  التقدير، السيادة الوطنية، الكرامة والندية هي مسائل أساسية. فالفقر يطحن البشر ولكنه وقبل أي شيء مهين، والترويكا وفقا لهذا المنطق لا تتعامل مع اليونان بوصفها مستعمرة يجب استغلالها ولكن كسجن يجب على سيريزا أن يقودوا الهروب منه .

ولكن بعيدا عن التعامل مع الترويكا بمنطق أنها مجموعة من التكنوقراط تحاول الحفاظ على سلطتها وسيطرتها، وعن فكرة أن السياسيين أرادوا التغطية على ما فعلوه، ما هو الهدف من إنشاء جهاز المراقبة هذا وما الهدف الذي يخدمه؟ لا يبدو ذلك واضحا.

بالنسبة لفاروفاكس  لم يكن برنامج الترويكا يمتلك أي منطق اقتصادي، بالنسبة للرجل ورؤيته الكينزية فإن كل شيء سوف يكون أسوأ في ظل التقشف. كبار رجال الأعمال في اليونان لم يتضرروا ولكن من الصعب القول أنه تضرروا من التقشف، وتم إنقاذ البنوك اليونانية ماليا لكنها بقيت على الحافة. لا يدعي فاروفاكس أن السياسات التخريبية التى تبنتها الترويكا كانت في صالح المصالح الاقتصادية الألمانية بالرغم من كونها كانت مرضية لبعض البنوك الألمانية على المدى القصير .

يخبرنا فاروفاكس أن الهدف الأساسي من مراقبة وتأديب  اليونان كان تحذير الفرنسيين من عواقب عدم الانضباط المالي. بعبارة أخرى فإن الهدف الأساسي من الترويكا وسياساتها هو توسيع نطاق التأديب ومداه الزمني. ولكن هذا التفسير يجعل المشكلة سياسية أكثر من كونها مشكلة إقتصادية. أرادت برلين أن تتجنب نطاق أوسع من سياسات الانقاذ وتوزيع الأعباء المالية في القارة الأوروبية، وكان الامساك بلجام اليونان هو الطريقة لتلجيم الآخرين وعدم الانقياد  نحو كارثة سياسية كبيرة بالنسبة للحزب الديمقراطي المسيحي ( CDU) وحلفاؤه الانتخابيين.

ولم توضح الكاتب المصالح الاقتصادية المحددة التي تخدمها هذه الاستراتيجية أو منطق الاقتصاد الكلي الذي تنطلق منه، وهو أمر غامض في الواقع.

فاروفاكس وأي خبير اقتصادي عاقل آخر يجب أن يخلص بوضوح إلى أن أوروبا ككل، بما في ذلك ألمانيا، ستكون أكثر ازدهارا في ظل نظام أكثر اتساعا في كل مكان، وإذا استدعى الأمر خفضا حادا لديون اليونان في 2010، 2011، 2012 أو في أي وقت آخر، لتحقيق ذلك، فليكن.

ولا  يشير فاروفاكس سوى مرة واحدة وبشكل عابر لمنطق استراتيجي أوسع. ففى حواره مع وزير المالية الألماني وولفجانج شويبله ( Wolfgang Schaeuble ) كشف الأخير خيبة أمل مع ضغوط العولمة والتعديلات الضرورية التي يجب على أوروبا أن تقوم بها على دولة الرفاهة الاجتماعية، وكما نعلم  فإن هذا القلق موجود أيضا لدى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وبالأخذ في الاعتبار تلك الرؤية تصبح اليونان مرة أخرى وسيلة لتحقيق غاية فهي الدولة الأولى التي ستبدأ فيها عملية التراجع الشامل عن دولة الرفاهية الاجتماعية في أوروبا.

هل هذا التوصيف المفصل توصيف مقنع تماما لأسباب الأزمة؟ يمكن تأجيل الإجابة على هذا السؤال لوقت لاحق، ولكن هذا التوصيف هو الذي سمح لفاروفاكس أن يقدم نفسه كجراح بصير يستطيع بتدخله القاطع أن يحل الصراع، وسيتم الاعتراف بأن الأزمة بلا حل، وستجد اليونان مخرجا من حالة الجمود الاقتصادي الكارثية التي تعيشها، وستحل أزمة اليونان الإنسانية.  ولكن المكاسب تتجاوز الأزمة الاجتماعية. وبمعنى أعم، سمعة أوروبا، فإن “الحضارة الأوروبية” ستستعيد – الكرامة والصدق وقيم الحضارات القديمة.. إلخ. لا يمكن للمرء أن يفكر في نموذج أكثر كلاسيكية للتفكير الكينزي من ذلك.

جنون المؤسسات العميقة في أوروبا

لم يتوقف فاروفاكس عند عرض السمات العامة للفوضى ( الأزمة اليونانية )، لكن التفاصيل التي يرويها حول عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي صادمة، فهو يقدم تشريحا صادما لجهاز متمسك بمنطقه السيء ومصر على استبعاد كافة البدائل.

تشغل تلك العبثية الكافكاوية في مفاوضات بروكسل معظم صفحات الكتاب، لكن وفي صفحات قليلة نسبيا يقدم فاروفاكس أهم المعوقات التى وضعها الأوروبيون أمام سيريزا :-

1- مماطلة الأوروبيون، في اجتماعات المجموعة الأوروبية يمتلك الألمان دائما اليد العليا، وعندما تتحدث مع “شويبله ” يحيلك مباشرة للمؤسسات ( المؤسسات الأوروبية )، وعندما تتحدث للمفوضية الأوروبية المؤسسية الرئيسية بالاتحاد الأوروبي يبتسم هؤلاء، يهزون رؤوسهم ثم وفى اجتماعات المجموعة الأوروبية يخسر هؤلاء في مواجهة تصويت الدول الأعضاء تحت تأثير ونفوذ ألمانيا ومن ثم يعود كل شيء للمربع الأول .

2-المقترحات البناءة  دائما ما تقابل بالصمت، ,في المجموعة الأوروبية على وجه التحديد  يعتبر طرح جدول مقترحات معينة على الطاولة أو ارسالها للجميع على البريد الإلكتروني يعتبر خرقا للبروتوكول لأن أي مقترحات يجب أن تطرح على البرلمانات لمناقشتها، وهذا لم يكن يحدث بالطبع، كان الهدف الأساسي من الاجتماعات هو صياغة البيان الرسمي الختامي له وفقط .

3- أصبحت طلبات البيانات والمعلومات الخارجية ليست فقط وسيلة لتأكيد السيطرة ( سيطرة ألمانيا بالذات على المفاوضات – المترجم) ولكن أيضا لتأخير صدور القرارات .

4- لي عنق الحقيقة ،حيث يتم اتهام اليونان دائما بعدم الجدية وإهدار الوقت في الوقت التي تظهر فيها “الترويكا” كملاك يؤكد على ضرورة وجود خطة شاملة رغم أنهم دائما ما يستبعدون الإجابة على السؤال الأساسي للمفاوضات وهو إعادة هيكلة الديون .

5-لوم الضحية ،حيث عمد البنك المركزي الأوروبي  لمنع البنوك اليونانية من شراء أذون الخزانة لأنها بتعبيرهم كانت ” غير آمنة “، وبالتالي انخفضت القيمة السوقية لتلك الاذون كثيرا جراء هذا التحذير الذي أطلقه الأوروبيون بدون أن يلزموا بنوكهم به .

6-مطالبة اليونان المتكررة أن تتفحص كل الطرق للخروج من الأزمة كسياسات الإصلاح الإقتصادي (التقشف) والخصخصة وجذب الاستثمارات ولكن من وراء الكواليس كانت تمارس ضغوطا لضمان بقاء المستثمرين الخارجيين المحتملين مثل الصينيين بعيدا.

بالطبع ما يقوله فاروفاكس هو جانب واحد من الرواية، لكنها في نفس الوقت توضح كيف كانت تلك العملية مؤلمة من وجهة نظر أثينا. ويبذل فاروفاكس جهدا كبيرا ليشرح كيف أنه حاول فرض حلا عقلانيا للأزمة. لم يكن الرجل عضوا في سيريزا يوما ما، وبالعكس فهو يصف نفسه على أنه قادر على تجاوز تلك “اليسارية التاريخية الفقيرة ايدلوجيا” في الحزب، ويؤكد أجزاء كثيرة الكتاب على اتفاقه العميق مع شويبله.، حتى أصبحنا أمام دوامة سخيفة يرى فاروفاكس فيها كلا من اليونان وألمانيا ضحايا.

اتفق الاثنان ( شويبله وفاروفاكس ) على أن الأزمة لا يمكن حلها بمثل تلك الطريقة، كلاهما لم يكن يريد الاستمرار في الادعاء بإمكانية الحل، وكلاهما أيضا لم يكن مخولا بالبحث في إجراءات إعادة هيكلة الديون أو خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي. ونضيف إلى ذلك أن موقف رؤسائهم، ميركل وتسيبراس لم يكن واضحا. ولم يرد شويبله أن يضع ميركل في موقف يستدعي منها اقتراح الخروج من الاتحاد الأوروبي على تسيبراس طلب لأن أثينا سوف تسرب هذا للصحافة وتستخدمها ضد ألمانيا، لذا طلب شويبله من فاروفاكس أن تقول لتسيبراس أن يفتح الباب أمام الحديث حول الموضوع  بأن يطلب من ميركل نفي الشائعات التي تقول بأن وزير ماليتها يفضل خروج اليونان. وعلى هذا الأساس يمكن أن يبدأ الاثنان محادثات جديدة بدون أن يكون أي منهما قد طرح الموضوع للنقاش. لكن تلك الحيلة لم تفلح، فلم ترد ميركل أن تناقش فكرة شويبله عن خروج اليونان وعندما طرحها تسيبراس في الاجتماع أغلقت المحادثات تاركة الاثنين في حيرة من أمرهما. في النهاية فالبنسبة لفاروفكيس بدأ شويبله كشخصية تراجيدية محاصر بمنطق سياسي ينكر تماما ما يراه هو صحيحا وبالتالي ينتج حلولا وهمية للأزمة.

وفي مقابل الجنون الداخلي في الاتحاد الأوروبي فإنه من المدهش فعلا كيف يتحدث فاروفاكس بإيجابية عن تعاملاته مع العالم الناطق بالإنجليزية، فمستشاريه الأقرب كانوا أمريكيين ( جيمي جالبيرث ،جيف ساتشز ). ويبدأ الكتاب بوصف تفصيلي للقاء بين فاروفاكس ولاري سمرز والذي  يبذل فاروفكيس جهدا في تقديمه كمعلم أمين لحكومة سيريزا، وإن كان متشككا. هل يمكن أن يكون الأمر “فجا” و”قديما” لو أدرك فاروفاكس حقيقة سمرز؟ !  يبدو فاروفاكس أكثر مرونة في تقبل هؤلاء.  وزير الخزانة المحافظ في التسعينات نورمان لامونت كان صديقا له، ويستمتع مثلا بالحديث مع جورج أوزبورن. يبدو أن تلك الصداقات تؤثر على فاروفاكس نفسه ووجهة نظره تجاه القضية كما أنهم يؤثرون أيضا على طرحه وأسلوب روايته في الكتاب. يقدم فاروفاكس الصورة وكأن أوروبا قد وقعت في شرك مأساوي أعماهم عن رؤية تناقضاتها. وهؤلاء الذين لم يسقطوا في هذا الشرك لأنهم يراقبون من الخارج – الاقتصاديين البريطانيين والأمريكيين ـ يستطيعون أن يروا بشكل أكثر وضوحا أسباب الجمود وأن يتخيلوا كيف يمكن الخروج منها، وبالتالي كانوا يتعاطفون مع فاروفاكس.

يقتنع فاروفاكس في خلفية عقله بأنه لا مفر من وجود مهيمن. ولسوء الحظ كان فاروفاكس يستهين بتواطؤ إدارة أوباما ووزير خزانته تيموثي جيتنرفي تشييد هذا “السجن” الذي  يجب أن تهرب منه سيريزا. في 2010 أعلنت إدراة أوباما أنه لا ينبغي أن يكون هناك لحظة ليمان أوروبية ( يقصد بها المشهد الشهير لانهيار بنك lehman brothers فى 2008– المترجم )، فاستبعدت واشنطن إعادة الهيكلة ودفعت صندوق النقد الدولي إلى المضي وحده في خطة الإنقاذ الأولى. ما لا يريد فاروفاكس الاعتراف به هو أن أسلوب أوروبا في “المماطلة وشراء الوقت” صنع في واشنطن بقدر ما صنع في بروكسل وباريس وفرانكفورت.

الخروج من المأزق 

بالنسبة لفاروفكيس كانت أزمة اليونان فى 2015 هي أزمة توازن قوي، ولو أرادت اليونان الهروب من هذا المأزق فإن عليها أن تجعل موازين القوى تميل تجاهها ومن ثم تبني استراتيجية مختلفة تجاه الأزمة. كيف حاول فاروفاكس فعل ذلك هو الكشف الحقيقي للكتاب. يبدو الكتاب وكأنه قنبلة موقوتة حيث لم تناقش معظم الأفكار التي طرحها فاروفاكس على نطاق واسع حتى اﻵن .

والرؤية الأكثر شيوعا هو أن فاروفاكس كان مجرد اكاديمي مثقف دخل أرضا لا علاقة له بها وإن كان بمثابة من دخل معركة بالأسلحة النارية مسلحا بسكين المنطق فقط. ما يكشفه الكتاب أو على الأقل ما يحاول أن يجعلنا نصدقه هو أن فاروفاكس لم يكن بمثل تلك السذاجة فقد فهم لعبة القوة الذي وقع فيها،  لكنه منع من استخدام أسلحته الثقيلة فى المعركة بسبب انقسام حكومة سيريزا وانزلاق تسيبراس نفسه نحو المهادنة.

كانت تلك الأسلحة السرية التي يستعد فاروفاكس لاطلاقها، والتي أصبحت معروفة الآن، هي خطته لتغيير نظام العملة اليوناني وفك الارتباط مع اليورو إذا بلغ الأمر لطريق مسدود. واتهم فاروفاكس بالخيانة بسبب تلك الخطة. لكن كانت خطة العملة تلك ماهي إلا إجراء دفاعي وضرورة هيكلية للاقتصاد فى حالة الخروج. كان  السلاح الأكثر خطورة هو الذي استعد فاروفاكس أن يطلقه في وجه البنك المركزي الأوروبي .

كان البنك المركزي الأوروبي مركزيا لأنه يتحكم فى تمويل البنوك اليونانية كلها، كانت البنوك فى غاية الأهمية لكبار رجال الأعمال اليونانيين كما كانت مهمة بالطبع للاقتصاد اليوناني والمجتمع اليوناني ككل. يمكن للمركزي الأوروبي أن يغلق تلك البنوك فى أي لحظة عبر ممثليه المحليين، رئيس البنك المركزي اليوناني ستورناراس.  كان فاروفاكس مقتنعا أنه رغم أن قبضة الحزب الديموقراطي الجديد (المحافظ)  على السلطة قد خفت في 2014، إلا أن وضعا جديدا كان قيد التشكل، يتضمن هذا الوضع وجود ستورناراس صاحب النزعات اليمينية على رأس البنك المركزي اليوناني حيث مازال موجودا حتى الآن.  ولكن قبضة البنك المركزي لم تكن على النظام المصرفي اليوناني فقط بل تجاوزها للنظام البنكي في منطقة اليورو كلها.

قبل ثلاثة أيام من انتخاب سيريزا فى يناير 2015 أعلن دراغي( Mario Draghi)- محافظ البنك المركزي الأوروبي- أن سياسة جديدة للتيسير الكمي سوف تدخل حيز التطبيق فى منطقة اليورو .كان هذا هو الملاذ الأخير من أجل تجنب تقليل قيمة العملة ( اليورو). ولكن كأثر جانبي لتلك السياسة انقلبت الموازين بشكل جوهري في المعركة مع سيريزا. فمن خلال شراء السندات الحكومية من دول اليورو المحيطة (  أسبانيا- إيرلندا – البرتغال – المترجم )، حاول المركزي الأوروبي حصر العدوى اليونانية عنهم من خلال تثبيت أسواق الدين الخاصة بتلك الدول. لا تتمتع سياسات التيسير الكمي بشعبية كبيرة فى اوساط المحافظين وخاصة فى ألمانيا، ولكن كانت استراتيجية دراغي الدفاعية تعتمد عليها حيث يمكنه من خلالها أن يحاصر اليونان ويمنع انتقال عدوى عدم الاستقرار للدول الأخري. كانت الأولوية هي الوقوف فى وجه تلك العدوى السياسية وعدم القلق من العدوى المالية أو الاقتصادية.

كيف ردت حكومة سيريزا ؟هل كانت هناك طريقة ما للوقوف ضد سياسات التيسير الكمي ؟  لم تكن اليونان مدرجة ضمن قوائم شراء السندات الحكومية. لم تقدر اليونان علي الوقوف فى وجه دراغي. كان رد اليونان ( فاروفاكس ) ميكافيليا بالدرجة الأولى. حاولت اليونان استغلال الانقسامات بين الخصوم ،خاصة بين المحافظين الألمان الذين عارضوا سياسات التيسير الكمي وأرادوا اليونان أن تخرج من منطقة اليورو .عندما قدم دراغي خطة شراء السندات واجه الكثير من الصعوبات القانونية في ألمانيا، فالمحكمة الدستورية الألمانية أحالت القضية فى فبراير   2014 إلى محكمة العدل الأوروبية. لاحقا أعطت المحكمة حكمها بصحة الاجراءات لكن تحت شروط معينة، كان طريق أثينا من أجل التحايل على سياسات التيسير الكمي هو من خلال استهداف تلك الشروط.  اقترح فاروفاكس أن تقوم أثينا بإسقاط ديون السندات التي اشتراها المركزي الأوروبي فى 2010 -2011 من جانب واحد. كانت تلك السندات تخضع للقانون اليوناني وقيمتها الاسمية تتعدى 33 مليار دولار، ولوكانت  اليونان قد نجحت فى فرض هذا الإجراء فإن وضعها فى المفاوضات كان سيتحسن، وبالتأكيد سوف يترك ذلك أثرا كبيرا علي المركزي الأوروبي وهو ما سوف يجبره على إعادة تقييم وضع الديون السيادية فى منطقة اليورو كلها، وسوف يترك هذا الباب مفتوحا من أجل معركة قانونية أخرى ضد سياسات التيسير الكمي من الجناح اليميني فى ألمانيا، كانت اليونان ستعرقل كل الإجراءات اللاحقة لو أنها نجحت فى هذا .

للغرابة لم يهتم أي من عروض الكتاب بدلالات هذه الخطة غير العادية.  بالطبع كان قلق الناس الرئيسي فى ذلك الوقت هو خروج اليونان  من الاتحاد الأوروبي بشكل غير منظم، لكن النقاش حول الأمر ظل محصورا فى إطار العدوى التي سوف ينشرها هذا الخروج، والتي بالمناسبة ما كانت لتؤثر كثيرا طالما استمرت عمليات بيع وشراء السندات الحكومية اليونانية .

لقد قرأت كثيرا فى تلك الفترة التغطيات الصحفية حول الأمر لكنني أيضا لم ألحظ أي تركيز حول الأطر السياسية والقانونية التي يمكن بها إسقاط سياسات التيسير الكمي التي تبناها دراغي ،الصحفي البريطاني في الجارديان بول ماسون القريب من فاروفاكس وسيريزا  أشار لتلك الفكرة الرئيسية فى أحد تقاريره عن الأمر حيث وصفها “ ب”الزر النووي “لكنه لم يوضح كيف يمكن أن يؤثر ذلك على منطقة اليورو ككل وكيف يمكن استخدامها فى إسقاط سياسات التيسير الكمي، ولو أن أحدا يملك أي كتابات عن تلك الفكرة في وقتها أتمنى أن يرشدني إليها .

على كل حال كانت الفكرة عبقرية، وبالتأكيد كانت ستقلب موازين الأمور. وتنفي تلك الفكرة إحتمالية سذاجة فاروفاكس التي يدفع بها البعض. تبين كيف كان ” تخاذل اليونان ” واضحا، تدحض أيضا تلك الفكرة الانتقاد الرئيسي الموجه لفاروفاكس.

هل فكر فاروفاكس في هذا الأمر بأثر رجعي (أي بعد خروجه من السلطة)؟ يخبرنا فاروفاكس أنه وجه تحذيرا لكل من كويير ودراغي حول هذه الخطة وكلاهما تعاملا بحذر شديد مع هذا التحذير. وقد سألت بالفعل مصادر مطلعة مقربة من فاروفاكس عن الأمر وأكدوا لي أن الرجل كان يملك السلطة القانونية من أجل إصدار أمر مثل هذا (الامتناع عن سداد أقساط السندات اليونانية المملوكة للبنك المركزي الأوروبي  – المترجم) ” تمت صياغة مسودة القرار”، لكن الجناح داخل حكومة تسيبراس الذي أراد تجنب الصدام كان الأقوى. لم يسمح أحد لفاروفاكس أن يعلن عن تهديده في الوقت المناسب وتم الدفع  باليونان نحو مساومة مذلة دون السماح لها باستخدام أي سلاح للردع.

  كانت خطة درامية، لكن المدهش أن فاروفاكس لم يناقش فكرة إنعكاس تلك الخطة على المدينين الآخرين من الدول الأوروبية المجاورة -البرتغال، أسبانيا، إيطاليا- والذين رأوا فى الأزمة اليونانية خطر حقيقي يتهددهم. وبالتأكيد لم يكن غرض فاروفاكس هو وضع تلك الدول فى خطر لكن دفع دراغي والألمان للوراء قليلا. إلى أي مدى كانت ستؤول  الانعكاسات السياسية لهذا القرار حال تطبيقه ؟ ما تأثيره على اليسار فى البرتغال وأسبانيا؟ لم يضع فاروفاكس تلك الأسئلة فى الحسبان .

بالتالي فحديث بول ماسون عن أن هذا الخيار كان سيكون بمثابة قنبلة نووية ليس خاطئا، ولكن بوضع اليونان فى وضعها الحقيقي  كبلد ثانوي فى الاتحاد الأوروبي، فإن تلك القنبلة كانت لتكون قنبلة قذرة بدلا من صاروخ باليستي. كان غرض فاروفاكس هو تقديم حل لنزع سياسات التيسير الكمي من خلال اللعب على التناقضات السياسية والقانونية فى منطقة اليورو بأكملها. ورغم أن حكومة تسيبراس قد خشيت من تنفيذ هذا الخيار، يبقى طرح فاروفاكس كاشفا عن مدى تناقض المنطق الحاكم فى الأزمة الأوروبية، حيث أضحى تسييس ” السياسات الاقتصادية ” قادرا على خلق أشكالا  أكثر جذرية،و شمولا، وعالمية .

نشر المقال للمرة الأولى باللغة الانجليزية في يانيس فاروفاكس

اضافة تعليق جديد