نصر بوتين في سوريا وبراعة الماكيافيلية الروسية

أفكار, قضايا

22  نوفمبر  2017

نشر في موقع القدس العربي

بقياس تأثير الأحداث في سياسة الشرق الأوسط، فإن أقلها أهمية هذا الأربعاء في 22 تشرين الثاني/نوفمبر، المصادف ذكرى ما سمي بمبالغة أصلية «استقلال» لبنان، إنما هو عودة سعد الحريري إلى بيروت. فهذه العودة بمثابة «لا حدث» أي أنها مجرد مشهد في مسرحية كُتبت حبكتها في الرياض وهي قائمة على تصعيد المواجهة السعودية لإيران. والحال أن يوم الأربعاء هذا ذاته يشهد اجتماعين أكثر أهمية ليس للمنطقة بأسرها فحسب بل حتى للبنان ذاته إذ يندرجان في المساعي إلى تحرير وإخراج السيناريو الختامي للحرب الدائرة في سوريا منذ ستة أعوام.
الحدث الأول هو قمة سوتشي التي من المقرر أن تجمع في روسيا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الرسمي الإيراني حسن روحاني تحت رعاية ووصاية قيصر الإمبراطورية الروسية الجديد فلاديمير بوتين. وقد حرص هذا الأخير على أن يُشرِك في قمة سوتشي بصورة غير مباشرة الرئيس السوري بشّار الأسد، الذي كادت سيادته الحقيقية تقتصر على مساحة ما سمّي (من باب السخرية بالتأكيد) «قصر الشعب»، على قمة جبل المزة في دمشق.
فأتى به الرئيس الروسي إلى موسكو يوم الإثنين، قبل القمة بيومين، ولهذا الغرض بالتحديد، مبيّناً هكذا تمسّكه باستمرار الأسد في منصب الرئاسة. وفي هذا الاستمرار خير رمز لانتصار العملية الروسية وخير برهان على قدرة موسكو على تعويم أنظمة الاستبداد، خلافاً لواشنطن التي أسهمت تاريخياً في زعزعة استقرار النظام الإقليمي سعياً وراء مصالحها وبأغبى الطرق. وفي هذا الفارق الفاقع بين دور العاصمتين ما حدا كافة الحكام السلطويين والاستبداديين في المنطقة على مغازلة موسكو، وعقد صفقة أسلحة معها بعد أخرى، حتى لو كانت ترساناتهم متّخمة بالعتاد الأمريكي.
أما الحدث الثاني فهو مؤتمر المعارضة السورية (بما فيها «المعارضة الموالية») في الرياض وتحت رعاية المملكة السعودية ووصايتها، والغاية الجليّة منه تركيب هيئة سورية عليا جديدة إلى المفاوضات الدولية حول مصير سوريا، تكون قابلةً باستمرار تربّع آل الأسد على قمة هرم الدولة السورية. وهو ما أدّى إلى استقالة رياض حجاب وآخرين من الهيئة العليا الحالية، استباقاً لإقالتهم من قِبَل الرياض.
والحدثان يقعان على خلفية حدث أهم منهما بكثير، ألا وهو الاتفاق حول سوريا بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ التي انعقدت في فيتنام. وقد صدر عن الرئيسين بيان جاء فيه أنهما اتفقا «على أن الصراع في سوريا ليس له حل عسكري.
وأكدا أن التوصل إلى تسوية سياسية نهائية للصراع يجب أن تكون في إطار عملية جنيف، وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254… بما في ذلك إصلاح دستوري وانتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة ووفقاً لأعلى المعايير الدولية للشفافية، تشمل جميع السوريين المؤهلين للمشاركة، بمن فيهم سوريو الشتات». وتأكيداً لاتفاق الرئيسين على مشاركة بشّار الأسد في هذا السيناريو «أشارا أيضاً إلى إعلان الرئيس الأسد مؤخراً عن التزامه بعملية جنيف، والإصلاح الدستوري والانتخابات».
هذا وقد «أكد الرئيسان التزامهما بسيادة سوريا ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها وطابعها غير الطائفي، كما هو محدد في القرار 2254، وحثّا جميع الأطراف السورية على المشاركة بنشاط في العملية السياسية في جنيف ودعم الجهود الرامية إلى ضمان نجاحها». وهذه الإشارة إلى وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة السورية عليها إنما هي تطمين لأنقرة، حليفة واشنطن وموسكو المشتركة، بأن الدولتين العظميين لن تسمحا باستقلال «الكانتونات» الكردية الواقعة على الحدود التركية، مثلما أسهمت واشنطن مؤخراً في إحباط مساعي مسعود البارزاني إلى تكريس استقلال إقليم كردستان العراق الموسّع.
أما الدولة التي لم تجد تطميناً لها في بيان الرئيسين، فهي إيران بالطبع، ولا يُعقل أن تنَل طهران تطميناً من جراء اتفاق بين واشنطن وموسكو عندما يكاد يكون الإجماع الوحيد على السياسة الخارجية في إدارة ترامب هو على تصعيد المواجهة إزاءها. وهو ما أدّى بواشنطن إلى دفع الرياض إلى تصعيد يتناسب مع نهجها الجديد، وينسجم مع رغبات بنيامين نتنياهو الذي كان قد خاصم إدارة باراك أوباما لتفضيلها المهادنة مع إيران. وقد أصبح السؤال الآن: ما الذي ينتظر طهران في سيناريو واشنطن وموسكو لإنهاء الحرب في سوريا. ربّما كمن الجواب في جدول أعمال مؤتمر «الحوار الوطني» المزمع عقده في سوتشي يوم الثاني من كانون الأول/ديسمبر القادم والذي تشير بعض الأنباء إلى أنه يتضمن ثلاث نقاط رئيسية هي بترتيبها الزمني: المصالحة الوطنية، وخروج القوات الأجنبية من سوريا، وإعادة الإعمار.
وربّما اندرج إعلان «حزب الله» اللبناني عن الانسحاب القادم لقواته من سوريا في هذا الإطار (ناهيكم عن تحقيق الشرط الرئيسي لإعادة تشكيل حكومة وفاق في لبنان)، بحيث يتم الإعداد لسحب كافة القوات التي دخلت سوريا بعد عام 2011، القوات الإيرانية وشتى حليفاتها والتركية والأمريكية، وتبقى وحدها سيدة الموقف القوات الروسية التي تربطها بالدولة السورية معاهدات قديمة. ويكون ترامب قد حقق بذلك نظرته لحلّ النزاع السوري التي أعرب عنها خلال حملته الانتخابية، وهي قائمة على الاتكال على روسيا وإبقاء بشَار الأسد الذي بات «أهون الشرور» (في نظر واشنطن وسائر العواصم الغربية)، على أن تنسحب أدوات إيران العسكرية بما يطمئن شتى أعدائها.

اضافة تعليق جديد