ألكساندر كولونتاي.. أيام من ثورة أكتوبر

خبرات, وثائق

22  نوفمبر  2017

بمناسبة مئوية الثورة الروسية ننشر فصلا من مذكرات ألكساندرا كولونتاي، التى كتبتها عام 1926، احتفاءاً بدور المرأة في صناعة الثورات

كم كانت ساحقة تلك السرعة في تلاحق الأحداث حتى أنني إلى اليوم لازلت لا أدري ما الذي يجب أن أصف أو أركز عليه: ماذا حققت، رغبت، أنجزت؟ هل كانت هناك إرادة فردية على الإطلاق في ذلك الوقت؟ ألم تكن فقط هبة الثورة العارمة، وقيادة المناضلين، وصحوة الجماهير التي حددت إرادتنا وفعلنا؟ هل هناك على الإطلاق إنسان فرد ما كان لينحني أمام تلك الإرادة العامة؟ لم يكن هناك سوى كتل من الجماهير، تربط ما بينها إرادة من اثنين، إما مع الثورة أو ضدها، إما مع أو ضد إنهاء الحرب، إما الانحياز مع أو ضد سلطة السوفيتيات.  بالنظر للوراء لن تجد سوى عملية وصراع ونضال هائل. في الحقيقة لم يكن هناك أبطال ولا قادة. بل كان الشعب، الشعب العامل، في ملابس عسكرية أو مدنية، يتحكم في الوضع ويسطر إرادته بحروف لا تمحى في تاريخ البلاد والإنسانية. كان صيفا شديد الحرارة، صيفا حاسما في المد الثوري في عام 1917. في البداية احتدمت العاصفة الاجتماعية في الريف فقط وأشعل الفلاحون النار في “أعشاش المرفهين”. أما الصراع الذي اندلع في المدن فكان بين الداعين لروسيا جمهورية-بورجوازية وبين الطموحات الاشتراكية للبلاشفة.

كما قلت سابقا كنت أنتمي إلى البلاشفة ومن ثم، ومنذ اليوم الأول وفورا وجدت كما هائلا من العمل في انتظاري. مرة أخرى تعلق الأمر بالنضال ضد الحرب، ضد التحالف مع البورجوازية الليبرالية ومن أجل سلطة مجالس العمال، السوفيتيات. كانت النتيجة الطبيعية لذلك أن وصمتني الجرائد بالبورجوازية باعتباري “أنثى بلشفية مجنونة”. إلا أن ذلك لم يضايقني بالمرة. فمجال نضالي كان هائلا وزملائي، عمال المصانع والمجندات، كانوا بالآلاف. في ذلك الوقت كانت لي شعبية كبيرة في الخطابة، في نفس الوقت الذي كرهتني الصحافة البورجوازية وهاجمتني بشدة. لذلك فقد كان من حظي أن كنت منشغلة بدرجة فيما أقوم به بحيث لم يتبق لي وقت لأقرأ الهجوم علي والتشهير بي. لقد تجاوز خطاب الكراهية ضدي كل الحدود مدعيا أنني أتلقى الأموال من القيصر الألماني بهدف إضعاف الجبهة الروسية.

كان أحد أهم الأمور المطروحة في ذلك الوقت هو ارتفاع تكلفة المعيشة والندرة الشديدة في ضرورات الحياة، ما وضع نساء الفئات الفقيرة إزاء مهام فائقة الصعوبة. هذا الوضع تحديدا هو ما مهد الطريق داخل الحزب “للعمل مع النساء” بحيث تمكننا في وقت قصير من تحقيق عمل مفيد. وبحلول مايو 2017 صدر العدد الأول من الجريدة الأسبوعية “العاملات”، وكتبت مناشدة للنساء ضد ارتفاع تكلفة العيش والحرب.

لقد كنا نحن، البلاشفة، من نظم أول لقاء جماهيري في روسيا في ظل الحكومة المؤقتة حضره الآلاف من الناس. لم يخف كيرينسكي ووزراءه كراهيتهم لي، “المحرضة على روح الفوضى” في الجيش. في أحد مقالاتي في جريدة “البرافدا” كتبت نيابة عن أسرى الحرب الألمان، ما تسبب في إطلاق عاصفة عاتية من  الغضب بين الدوائر ذات النزعة القومية. وحين ألقى لينين خطابه البرنامجي الشهير في اجتماع السوفيتيات، كنت الوحيدة من بين رفاق حزبه التي دعت الفقراء إلى دعم أطروحاته. أي كراهية أشعلها ذلك ضدي! في كثير من الأحوال كنت اضطر إلى القفز من سيارات الترام قبل أن يتعرف علي أحد. أصبحت موضوعا يثار يوميا، وفي أحيان كثيرة شهدت بنفسي على التشهير والأكاذيب غير المعقولة الموجهة لي. أود أن أطرح مثالا صغيرا يوضح كيف عمل العدو بقوة وإصرار على التشهير بي. في ذلك الوقت بدأت الجرائد المعادية لي تكتب عن “ثياب حفلات كولونتاي”،

الأمر الذي كان مضحكا، حيث أنني فقدت حقيبتي في الطريق إلى روسيا حينئذ، وكنت أرتدي نفس الثوب كل يوم. بل أن أغنية قصيرة تتحدث عني وعن لينين كانت تتداول في الشارع. لم يكن هناك أي أمر خارق للعادة في أن أحاط دائما بحماية وشجاعة أصدقائي ورفاقي في الحزب نظرا لما كنت أتلقاه من تهديدات من قبل جماعات غاضبة. ورغم ذلك فإنني لم أتأثر سوى قليلا جراء تلك الكراهية المحيطة بي، كما كان هناك دائما بالطبع أعداد كبيرة من الأصدقاء: العمال والبحارة والجنود المتضامنين معي تماما. كذلك، كان عدد المنضمين إلينا يرتفع من يوم إلى آخر. في شهر أبريل أصبحت عضوة في المكتب التنفيذي للسوفيتيات، الذي كان في الواقع هو الجهة السياسية القائدة في تلك اللحظة. لقد كنت المرأة الوحيدة به ولفترة طويلة. في مايو 1917 شاركت في إضراب النساء العاملات في المغاسل اللاتي طالبن بأن تصبح كل المغاسل تابعة للبلديات. استمر هذا النضال ستة أسابيع. إلا أن نظام كيرينسكي رفض الاستجابة للمطلب الأساسي لعاملات المغاسل.

في نهاية يونيو أرسلني حزبي إلى ستوكهولم موفدة لحضور مؤتمر تشاور أممي، قطعه وصول أنباء بانتفاضة يوليو ضد الحكومة المؤقتة وبالإجراءات شديدة القسوة التي اتخذتها الحكومة ضد البلاشفة. كان الكثيرون من رفاق الحزب القياديين قد ألقي القبض عليهم، على حين تمكن آخرون، بمن فيهم لينين، من الهروب والاختفاء. اتُهِم البلاشفة بالخيانة العظمى ووُصِموا بأنهم جواسيس للقيصر الألماني. قُمعت الانتفاضة وانتقم نظام التحالف من كل من عبر عن التعاطف مع البلاشفة. فورا قررت العودة إلى روسيا، رغم أن أصدقائي ورفاق حزبي اعتبروا أن في ذلك مخاطرة. لقد أرادوا أن أذهب إلى السويد وأتابع مجريات الأحداث من هناك.

ورغم ما وراء تلك النصائح من نوايا حسنة، ورغم إدراكي لاحقا أنهم كانوا على حق، إلا أنني لم أستمع لهم. ببساطة كان يجب أن أعود، وإلا بدا الأمر كخطوة جبانة للاستفادة من الميزة التي أصبحت أتمتع بها وهي كوني غير ملاحقة من الحكومة المؤقتة في الوقت الذي يقبع فيه عدد كبير من أصدقائي السياسيين في السجن. فيما بعد أدركت أنه كان يمكنني، ربما، أن أكون أكثر فائدة لقضيتنا لو أني ذهبت إلى السويد، لكنني كنت مدفوعة بأحداث اللحظة. بأوامر من نظام كيرينسكي ألقي القبض علي على حدود تورنيو وتعرضت لأسوأ معاملة باعتباري جاسوسة. لكن عملية القبض ذاتها حدثت بشكل مسرحي للغاية: عند تفتيش جواز سفري طُلب مني أن أتوجه إلى مكتب القائد. أدركت ما يعني ذلك. كان هناك عدد من الجنود يقفون في غرفة ضخمة، متراصين أحدهم بجوار الآخر. كذلك كان هناك ضابطان شابان، أحدهما كان شابا وسيما سبق له أن استقبلني بمودة قبل أربع شهور. صمت تام عم الغرفة. كشف التعبير على وجه الضابط الأول، الأمير ب، عن درجة عالية من التوتر. تماسكت تماما وانتظرت ما سوف يحدث بعد ذلك. “أنتي رهن الاعتقال” شرح لي الأمير ب.

“هكذا. هل انتصرت الثورة المضادة؟ هل عادت الملكية؟”

“لا” كانت إجابته الجافة.

“أنتي رهن الاعتقال بأمر من الحكومة الانتقالية.”

“كنت أتوقع ذلك. رجاء دعهم يأتون بحقيبتي، لا أريد أن أفقدها.”

“بالطبع. أيها الملازم، الحقيبة!”

رأيت كيف تنفس الضباط الصعداء وكيف ترك الجنود الغرفة واستياء كبير على وجوههم. علمت فيما بعد أن إلقاء القبض علي أثار احتجاجا بين الجنود الذين أصروا على أن يكونوا شهودا عليه. أما الضباط فقد خشوا من أن ألقي خطابا في الجنود. “في هذه الحالة كنا سنصبح في ورطة” قال لي أحدهم فيما بعد.

أُجبرت على انتظار مجرى التحريات، مثل باقي البلاشفة، في في عزلة تامة سجن بتروجراد. بقدر ما تصاعد عداء النظام للبلاشفة، بقدر ما زاد تأثيرهم. كما أن مسيرة الحنرال الأبيض كورنيلوف في بتروجراد عززت أكثر عناصر الثورة جذرية. طالب الشعب بإطلاق سراح البلاشفة المحتجزين. إلا أن كيرينسكي رفض إطلاق سراحي، ولم أخرج من السجن سوى بأمر من السوفييت وبعد دفع الكفالة. لكن في اليوم التالي أصدر كيرينسكي قرارا بوضعي تحت الإقامة الجبرية. ورغم ذلك مُنحت حرية الحركة كاملة قبل شهر من اللحظة الحاسمة، ثورة أكتوبر في عام 1917. مرة أخرى تراكم علي العمل. الآن يجب تمهيد الأرض لحركة منظمة من النساء العاملات. ودُعي لأول مؤتمر للعاملات، الذي انعقد في نفس وقت الإطاحة بالحكومة المؤقتة وتأسيس جمهورية السوفيتيات.

في ذلك الوقت كنت عضوة في أعلى هيئة حزبية، اللجنة المركزية، وصوتا لصالح الانتفاضة المسلحة. كما كنت أيضا مشاركة كممثلة للحزب في مختلف المجالس ومؤسسات الدولة (البرلمان الأولي، المؤتمر الديمقراطي، الخ). ثم بدأت الأيام العظيمة لثورة أكتوبر. ودخلت سمولني التاريخ. ليال بدون نوم، واجتماعات لا تنتهي. وأخيرا، التصريحات التي قلبت الموازين: “السلطة للسوفيتيات!” “السوفييت يناشدون شعوب العالم بوضع نهاية للحرب.” “تأميم الأرض وتمليكها للفلاحين”.

تشكلت الحكومة السوفيتية وعُينت مفوضة الشعب للرفاه الاجتماعي. كنت المرأة الوحيدة في الحكومة وأول امرأة في التاريخ يتم الاعتراف بها كعضو في الحكومة. حين أتذكر الشهور الأولى لحكومة العمال، تلك الشهور التي كانت شديدة الثراء بالأحلام الرائعة والخطط والمبادرات الحثيثة لتحسين الحياة، وتنظيم العالم من جديد، شهور من رومانسية الثورة الحقيقية، أشعر أنني أرغب في الكتابة عن كل ذلك باستثناء عن نفسي.

شغلت منصب وزيرة الرفاه الاجتماعي من أكتوبر 2017 إلى مارس 1918. لم يكن استقبالي بدون اعتراض من المسئولين السابقين في الوزارة، حيث سعى اغلبهم إلى التخريب بوضوح، فتوقفوا ببساطة عن الحضور للعمل. إلا أن هذا المكتب بالذات ما كان لينقطع عن العمل رغم كل شيء، حيث ان مهامه كانت في حد ذاتها شديدة التعقيد. فقد شملت كامل برنامج الرفاه لمعاقي الحرب، وبالتالي لمئات الآلاف من الجنود والضباط المعاقين، إضافة إلى نظام المعاشات، والسكن ودور المسنين والملاجئ والمستشفيات للمحتاجين وورش تصنيع الأطراف التعويضية وإدارة مصانع أوراق اللعب، (كانت صناعة أوراق اللعب محتكرة من قبل الدولة)، والنظام التعليمي، والمستشفيات للنساء. كذلك كانت هناك سلسلة ضخمة من المعاهد التعليمية للفتيات أيضا تحت إدارة الوزارة. يمكن للمرء بسهولة أن يتخيل حجم الجهد الذي تحتاجه تلك المهام من مجموعة صغيرة من البشر، كانوا، في نفس الوقت، حديثي العهد بإدارة الدولة. وإذ أدركت بوضوح كل تلك الصعوبات، أنشأت فورا مجلسا مساعدا ضم خبراء مثل الأطباء والقانونيين والتربويين جنبا إلى جنب مع العمال وصغار الموظفين في الوزارة.

وقد كانت التضحيات والطاقة التي تحمل بها صغار الموظفين هذه المهمة الصعبة مضربا للأمثال. لم يتعلق الأمر بالاستمرار في إدارة أعمال الوزارة فحسب، وإنما أبضا الشروع في الإصلاحات والتحسينات. حلت قوى جديدة محل مسئولي النظام القديم المخربين، وبدأت حياة جديدة تسري في مكاتب الوزارة التي كانت شديدة المحافظة في السابق. أيام من العمل المنهك! وفي الليل اجتماعات مفوضي الشعب في الوزارة برئاسة لينين. غرفة صغيرة متواضعة وسكرتيرة واحدة فقط تسجل القرارات التي غيرت الحياة في روسيا من جذورها. وكان قراري الأول كمفوض الشعب هو تعويض فلاح فقير عن حصانه، الأمر الذي لا يمت في الحقيقة بأي صلة لمهام وظيفتي. لكن الرجل كان مصرا على الحصول على تعويض عن حصانه. فقد سافر من قريته البعيدة حتى العاصمة، ليدق بكل صبر على أبواب كل الوزارات، ودائما دون نتيجة! ثم اندلعت الثورة البلشفية. وقد سمع الرجل أن البلاشفة يقفون في صف العمال والفلاحين، فتوجه إلى معهد سمولني، إلى لينين، الذي كان عليه أن يدفع له التعويض. لا أدري كيف دار الحديث بين لينين والفلاح الفقير. إلا انه نتيجة لذلك الحديث جاء الرجل إلى بورقة صغيرة نُزعت من دفتر لينين، عليها طلب موجه لي بأن أسوي الأمر بشكل ما، حيث أن مفوضية الشعب للرفاه الاجتماعي تملك في هذه اللحظة أكبر قدر متاح من السيولة النقدية. فحصل الفلاح الفقير على ما أراد من تعويض.

شملت مهامي كمفوض الشعب ما يلي: إصدار قرارات بتحسين أحوال مصابي الحرب، وإلغاء الإرشادات الدينية في مدارس صغار الفتيات التي كانت تخضع للوزارة (كان ذلك قبل قرار الفصل العام بين الكنيسة والدولة) ونقل القساوسة إلى الخدمة العامة وإدراج الحق في الإدارة الذاتية في مدارس الفتيات وإعادة تنظيم الملاجئ القديمة وتحويلها إلى دور أطفال حكومية (حيث لا تمييز بين الأطفال اليتامى وغيرهم)، وإنشاء أول دور للمحتاجين وأطفال الشوارع، وتشكيل لجنة مكونة من الأطباء فقط مهمتها توضيح نظام الصحة العامة المجانية لمجمل البلاد. لكنني أعتقد أن أهم انجاز لمفوضية الشعب كان التأسيس القانوني للمكتب المركزي لرعاية الأمومة والطفولة. لقد وقعت على مسودة قانون هذا المكتب المركزي في يناير 1918. جاء بعده قرار ثان بتحويل كل مستشفيات الولادة إلى دور مجانية لرعاية الأمومة والطفولة، تمهيدا لوضع نظام حكومي شامل للرعاية السابقة على الولادة. وقد ساعدني الدكتور كوروليف كثيرا في القيام بهذه المهام. كما خططنا أيضا لإنشاء “قصر رعاية ما قبل الولادة” كدار نموذجية، بها صالة عرض لعقد دورات للأمهات، إضافة إلى حضانات نموذجية، من بين أشياء أخرى كثيرة. كنا على وشك الانتهاء من التحضيرات لافتتاح هذا المكان في مقر مدرسة داخلية للفتيات، حيث كانت بنات النبلاء يتلقين تعليمهن والذي كان لا يزال تحت إدارة كونتيسة، حين شب حريق دمر عملنا الذي بالكاد بدأ.! هل كان حريقا متعمدا؟ …

أُيقِظت من نومي في منتصف الليل وأسرعت إلى مسرح الحريق؛ كانت صالة العرض الجميلة قد دمرت تماما، ومثلها باقي الغرف كلها. لم ينج من الحريق سوى يافطة كبيرة كتب عليها “قصر رعاية ما قبل الولادة” ظلت معلقة فوق المدخل.

أدت جهودي لتأميم رعاية الأمومة والطفولة إلى إشعال موجة جديدة من الهجوم المجنون علي. وبثت كل أنواع الأكاذيب حول “تأميم النساء”، وادعاءات بمقترحات تشريعية يتم إعدادها تسمح لفتيات في سن الثانية عشر أن يصبحن أمهات. واجتاح غضب خاص المريدين الدينيين للنظام القديم حين استخدمت سلطتي المنفردة في تحويل دير ألكسندر نيفسكي الشهير إلى دار لمصابي الحرب (وقد انتقدتني المفوضية فيما بعد لاتخاذي هذه الخطوة). قاوم الرهبان واندلعت معركة حاميةـ ومرة أخرى علا صوت الإعلام يهاجمني، ونظمت الكنيسة مظاهرات ضد ما اتخذته من إجراءات وصبت علي اللعنات.

وصلتني رسائل تهديد لا حصر لها، لكنني لم أطلب أبدا حماية عسكرية. كنت دائما أخرج وحدي، غير مسلحة، ودون أي حراسة شخصية. بل أنني في الواقع لم أشغل بالي بأي نوع من أنواع الخطر، حيث كنت منهمكة في أمور ذات طابع مختلف تماما. في فبراير 1918، توجه أول وفد رسمي سوفييتي إلى السويد لتوضيح عدة مسائل اقتصادية وسياسية. وقد ترأست هذا الوفد باعتباري مفوضة الشعب. إلا أن سفينتنا غرقت وأُنقذنا الوصول إلى جذر ألاند التابعة لفنلندا. في ذلك الوقت كان الصراع بين البيض والحمر في البلاد قد وصل إلى لحظة حاسمة وكان الجيش الألماني يستعد لشن الحرب ضد فنلندا.

احتلت القوات البيضاء جزر ألاند في نفس مساء غرق سفينتنا حين كنا نتناول طعام العشاء في مطعم في مدينة ماريهام، محتفلين بنجاتنا. تمكننا من الهروب بفضل درجة عالية من التصميم والدهاء، إلا أن أحد أفراد مجموعتنا، وهو شاب فنلندي، ألقي القبض عليه وقتل رميا بالرصاص.

عدنا إلى بتروجراد حيث كان إخلاء العاصمة يجري على قدم وساق: وكانت القوات الألمانية تقف بالفعل على أبواب المدينة.

عندها بدأت فترة سوداء من حياتي لا أستطيع أن أتناولها هنا لأن الأحداث لازالت حية في ذهني. لكن سوف يأتي يوم أروي فيه ما حدث.

كان هناك اختلاف في وجهات النظر داخل الحزب. استقلت من منصبي كمفوض الشعب بسبب اختلاف كامل مع سياسة الحزب حينها. وبالتدريج أُعفيت أيضا من كافة مهامي الأخرى، وأصبحت أحاضر وأدعو لأفكاري حول “المرأة الجديدة” و”الأخلاق الجديدة”. كانت الثورة في أوجها. وأصبح الصراع أكثر حدة ودموية؛ الكثير مما كان يحدث لم يتفق مع رؤيتي. ولكن رغم كل ذلك ظلت هناك المهمة التي لم تكتمل، ألا وهي تحرير النساء. كانت النساء بالطبع قد حصلن على كل حقوقهن، لكنهن في الممارسة كن لازلن يعشن القمع القديم: بدون سلطة في الحياة الأسرية، مستعبدات بآلاف المهام المنزلية التافهة، متحملات لكل عبء الأمومة، بل وأيضا الاحتياجات المادية، لأن الكثير من النساء أصبحن يواجهن الحياة وحدهن نتيجة الحرب وظروف أخرى.

في خريف 1916، حين وجهت كل طاقتي في وضع إرشادات منهجية لتحرير النساء العاملات في كافة المناطق، وجدت دعما قيما من أول رئيس سوفييتي، سفيردلوف، الذي لم يعد على قيد الحياة. ومن ثم تمكننا من الدعوة لأول مؤتمر للعاملات والفلاحات في نوفمبر 1918، الذي انعقد بحضور 1147 مندوبة. وهكذا وضعت أسس العمل المنهجي في كامل البلاد من أجل تحرر النساء في الطبقات العاملة والفلاحية. وأصبح هناك كم هائل من العمل في انتظاري. أصبحت المسألة هنا هي جذب النساء إلى المطابخ الشعبية وتثقيفهن بشأن توجيه طاقتهن لدور الأطفال ومراكز الرعاية النهارية، والنظام المدرسي، والإصلاحات الأسرية والكثير من الأمور الأخرى الملحة. كان الهدف الأساسي من كل ذلك العمل هو التطبيق الفعلي لمبدأ المساواة في الحقوق للنساء باعتبارهن قوى عاملة ضمن الاقتصاد الوطني ومواطنات في المجال السياسي وأيضا، بالطبع، باعتبار الأمومة وظيفة اجتماعية ومن ثم لابد أن تتلقى الحماية والدعم من الدولة.

وبتوجيه من الدكتور ليبيديفو، ازدهرت أيضا مؤسسات الدولة لرعاية ما قبل الولادة. وفي الوقت نفسه، عُين مسئولون في مختلف أنحاء البلاد لمعالجة الأمور والمهام المتصلة بتحرير المرأة وجذب النساء نحو الانخراط في العمل في السوفيتيات. .

جاءت الحرب الأهلية في عام 1919 بمهام جديدة. عندما حاولت القوات البيضاء التوجه شمالا من جنوب روسيا، أُرسلت مرة أخرى إلى أوكرانيا وإلى شبه جزيرة القرم حيث شغلت في البداية منصب رئيسة قسم التنوير في الجيش. في وقت لاحق، وحتى إجلاء الحكومة السوفياتية، عينت مفوض الشعب للتنوير والدعاية في الحكومة الأوكرانية، وتمكنت من إخلاء 400 امرأة شيوعية من المنطقة المهددة بالقرب من كييف في قطار خاص. وقدمت أفضل ما لدي لحركة العاملات الشيوعيات في أوكرانيا أيضا.

ثم أصابني مرض خطير أبعدني لشهور عن ذلك العمل المثير. وبالكاد تعافيت من المرض – كنت وقتها في موسكو – حتى توليت إدارة المكتب التنسيقي للعمل بين النساء، ومن ثم بدأت مرة أخرى مرحلة جديدة من العمل شديد الكثافة والإنهاك. تأسست جريدة نسائية شيوعية ونُظمت المؤتمرات واللقاءات للنساء العاملات. وكانت الأسس قد وضعت للعمل مع نساء الشرق (المسلمات). عقد مؤتمران للنساء الشيوعيات في موسكو، وصدر القانون الذي يسمح بالإجهاض، إضافة إلى عدد من اللوائح لصالح النساء وضعها مكتب التنسيق وصدرت بها قوانين. في ذلك الوقت كان علي أن أكتب وأن أتحدث أكثر من أي وقت مضى. وقد حصل عملنا على دعم كامل من لينين، وكذلك تروتسكي الذي كان دائما يرحب بحضور مؤتمراتنا رغم عبء مهامه العسكرية الضخمة. نساء فاعلات وموهوبات، توفت منهن اثنتان، ضحين ووهبن كل طاقاتهن لعمل المكتب التنسيقي.

في المؤتمر السوفييتي الثامن، وبصفتي واحدة من أعضاء المجلس التنفيذي (في ذلك الوقت كانت العديد من النساء قد انضممن إلى الهيئة)، اقترحت توصية بأن تساهم السوفيتيات في كافة المناطق في بناء الوعي بالمساواة في الحقوق للنساء وبالتالي إشراكهن في أعمال الدولة والمجتمع. وقد تمكنت من تمرير التوصية حتى تم قبولها، وإن كان ذلك لم يحدث دون مقاومة. كان الأمر عظيما. انتصار قابل للاستمرار.

اندلع جدال ساخن حين طرحت أطروحتي عن أخلاقيات جديدة. ذلك أن قانون الزواج السوفييتي، المنفصل قطعا عن الكنيسة، ليس أكثر تقدما من القوانين السارية في بلدان ديمقراطية وتقدمية أخرى. الزواج والزواج المدني، ورغم أن الطفل غير الشرعي كان له نفس الموقف القانوني مثل الطفل الشرعي، إلا انه على مستوى الممارسة لازال هناك قدر كبير من النفاق والظلم. حين يتحدث المرء عن “انعدام الأخلاق” الذي قيل أن البلاشفة يروجون له، كان يكفي أن نلقي نظرة فاحصة على قوانين الزواج، لندرك أننا في مسألة الطلاق نتساوى مع موقف أمريكا الشمالية، وفيما يتعلق بالطفل غير الشرعي لم نصل حتى إلى ما وصل إليه النرويجيون.

التف الجناح الأكثر جذرية في الحزب حول هذه المسألة. لقد تعرضت أطروحتي، آرائي الجنسية والأخلاقية، للهجوم من قبل الكثير من أعضاء الحزب من الجنسين، كان الاختلاف في الرأي داخل الحزب بشأن المبادئ الإرشادية السياسية مستمرا، ثم أضيفت إليه القضايا الشخصية والأسرية، ومن ثم مرت شهور من عام 1922 دون أي عمل مثمر. ثم في خريف 1922 جاء تعييني الرسمي في الوفد الممثل لروسيا السوفييتية في النرويج. لقد اعتقدت فعلا أن هذا التعيين لا يتجاوز كونه أمرا شكليا، وبالتالي سوف أجد وقتا لنفسي ولنشاطي الأدبي في النرويج.  إلا أن الأمور سارت إلى ما غير ذلك تماما. فمنذ التحاقي بوظيفتي في النرويج بدأت في نفس الوقت مسارا جديدا تماما من العمل في حياتي استنفذ كل طاقتي وبأعلى قدر. وبالتالي لم أكتب خلال عملي الدبلوماسي سوى مقالا واحدا بعنوان “أفسحوا الطريق لايروس المجنح” الذي أثار ردود فعل ضخمة. إضافة إلى ذلك كتبت ثلاث روايات قصيرة بعنوان “مسارات الحب” نشرتها دار ماليك للنشر في برلين. أما كتابي “الأخلاق الجديدة والطبقة العاملة” ودراستي المعنونة “أحوال النساء مع تطور الاقتصاد السياسي” فقد كتبتهما حين كنت لا أزال في روسيا.

اضافة تعليق جديد