تناقضات تولستوى

أفكار, فنون

21  نوفمبر  2017

قال مكسيم جوركى عن تولستوى :”كانت موضوعات أحاديثه المفضلة (الله _والفلاح _والمرأة ) وما أندر ما كان يتحدث عن الأدب وفى عبارات مقتضبة، فكأنه موضوع غريب بالنسبة إليه”
ما بين عامي 1897 _1898 نشرت صحيفة (قوبروس بسيكولوجى اى فيلوسفى)* مشكلات علم النفس والفلسفة مجموعة مقالات طويلة لليو تولستوى بعنوان (ما هو الفن ) حول العلاقة بين الفن والشعب العامل كان هذا الوقت هو وقت نضوج بذور الثورة الروسية الأولى 1905 ضد الطبقات العليا وثقافتها وفنها وطريقة حياتها.
بذل تولستوي مجهود كبير فى هذه المقالات لوضع رؤاه فيما يخص ماهية الفن واضعا نفسه فى موقع الفلاح الروسى ومتجنبا بحدة أى رؤى تبنتها الطبقات العليا، وامتلئت تلك المقالات بشعور مسبق بعاصفة الثورة الفلاحية المنتظرة بالرغم من انه لم يذكر كلمة واحدة عن الثورة ،لكن روح الثورة فرضت نفسها بقوة على تلك المقالات.
ناقش تولستوى الهوة العميقة التى تزداد اتساعا وحدة وخطورة بين فن الطبقات العليا بحسب وجودها الطبقى فقط وبين الشعب العامل وخصوصا الفلاحين، وقد تناسى ماهية الإنحياز الطبقى الغير مشروط بالوجود الطبقى لبعض فنانين هذا الزمن ،وهو اولهم إذ يعد تولستوى من اهم من ساعد فى بناء هذه المنظومة الثقافية قبل كتابة مجموعة المقالات بسنوات.
وقد كتب فى مقالة له بعنوان (حول ما يسمى بالفن ):
“لآلاف السنين ظلت الأعمال الفنية للطبقات العليا مع استثناءات قليلة جدا غير قابلة للفهم بالنسبة للشعب ،وعدم القابلية للفهم هذه أبعد ما تكون عن التناقض بل على العكس تتزايد باستمرار ،ففى كل الفنون تتزايد الاساليب تعقيدا باستمرار وفى البحث عن الجديد وغير المالوف يفقد الفن عموميته تدريجيا ،ويبدى الفن المعاصر إهتماما متناقضا بمطالب الجموع العاملة وكل ما ينتجه يستهدف السوبر مان .يستهدف إنسان الفراغ المهذب الراقى “
ويدرج تولستوى اعمال بوشكين وجوجول وتورجنيف وليرمنتوف لقائمة ما عرفه بفن الطبقات العليا بل يدرج كل اعماله هو شخصيا ضمن هذه القائمة مستثنيا عملين من أعماله وهما (الله يرى الحقيقة ) (سجين القوقاز ) ويعرف تلك الاعمال بأنها انحراف عن الجموع العاملة الحاملة الوحيدة للمبدأ الإنسانى .
إن هدف الفن فى رؤى تولستوى هو أن يؤثر بنشاط فى تطور المشاعر الإنسانية مستبدلا المشاعر المنحطة والغير ضرورية بالنسبة لرفاهية البشرية بالمشاعر الأفضل لهذه الرفاهية .
لكن المشكلة تكمن فى المعايير التى أرجع إليها تولستوى فصله بين الفن الصالح والفن الطالح
أولا : الإدراك الدينى 
يرى تولستوى ان المعايير التى يجب أن نحتكم إليها فى الحكم على اى عمل فنى لا توجد فى مجال وكينونة الفن ذاته إنما تكمن فى الإدراك الدينى لمفاهيم الخير والمحبة والإخاء بين البشر، فتولستوى يرى أن الإدراك الدينى لأى مجتمع هو مرآة لأرقى مستوى يمكن ان يبلغه البشر فى هذا المجتمع فهو يحدد الخير الأسمى لأى مجتمع،
فيكتب تولستوى ” يوجد فى كل مجتمع وكان يوجد دائما إدراك دينى وبمستوى هذا الإدراك الدينى نحكم على المشاعر التى ينقلها العمل الفنى”.
فالفن المسيحى الكاثولوكى المثالى فى نظره هو الذى يستطيع كل البشر أن يعايشوا المشاعر التى ينقلها اى كان وجودهم الطبقى أو معتقدهم الدينى أى أن يكون ملائما تماما لكافة البشر ، وينقل إدراك الإنسان الدينى فى علاقته مع الله وعلاقته مع اخوانه من البشر وما دون ذلك فهو يعتبره فنا رديئا لابد من حظره ورفضه واحتقاره
وهذا الرؤية التى تذكرنا بمحاكم التفتيش تتناقض مع طبيعة الفكر الدينى وسلطته ووظيفته الطبقية لحماية الطبقات الحاكمة وتخدير الطبقات الكادحة التى يدافع عنها تولستوى ، حتى وإن كان على النقيض يهاجم ويرفض وجود اى مؤسسات كنسية>
ثم يناقد نفسه مرة أخرى فى اعترافاته المنشورة فيقول:
إن العقائد الدينية لا تلعب دورا في الحياة أو في صلات الناس الاجتماعية ولا يحسب المرء لها حسابا في حياته الخاصة. فهي لا تتصل بالحياة ولا ترتبط بها. فإن صادفتك مرة صادفتك كظاهرة خارجية منفصلة عن الحياة تمام الانفصال.

ويقول مكسيم جوركى عن تولستوى فى هذا الشأن : ” من الواضح أن الفكرة التى تقلق ذهنه أكثر من اى شئ آخر هى فكرة الله ،ويلوح فى بعض الأحيان أن هذه ليست فكرة ،بل هى مقاومة عنيفة لشئ يشعر أنه محكوم به ”

ثانيا: الشعب العامل

على طول مجموعة مقالات (ما هو الفن ) يؤكد تولستوي أنه لا يعنى بالشعب العامل (عامل المدينة ) إنما يعنى العامل الريفى الحكيم المتعلم الذى لم تفسد حضارة المدينة خصاله الطبيعية ولم يضمر أحساسه بالفن، فذوق العامل الريفى الروسى الذى لم يفسد يتعامل معه تولستوى كمعيار عام للحكم على أصالة الفن والمشاعر الإنسانية ويطبق هذا المعيار على البشرية جمعاء باستبداد شديد حتى على العمال الريفيين الذين يضطرون إلى الذهاب للمدينة للعمل فى هذا الوقت فيفسد ذوقهم الفنى الذى يتحدث عنه تولستوى.
ويصل الأمر أن يضع قائمة مما يجب حظره ورفضه فى الفن والأدب أبرزها كل المشاعرة الناجمة عن الحب الجنسى البغيض كما يراه وضمت قائمته السوداء أيضا كافة الرسوم الشهوانية التى تصور العرى النسائى البغيض فى نظره ،ثم ضم إلى قائمته السوداء الرسوم الرمزية لأنها غير مفهومة على الأطلاق للغالبية العظمى من (الشعب العامل) حتى أن الامر قد وصل معه إلى العنصرية و بغض أمم بأكملها.
فقد كتب مكسيم جوركى أنه كان يجالس تولستوى هو وسولر وسأله سولر عن اعمال بيرانجيه فأجابه تولستوى : “الفرنسيون شهوانيون وحياة الروح ليست شيئا له قيمة عندهم كحياة الجسد .الشئ الأكثر شأنا بالنسبة للفرنسية هو المرأة .هم أمة مهترئة متدنية “.
بينما حكى جوركى أيضا أن تولستوى كان يتحدث معه عن النساء بمتعة وكثرة مثله مثل روائى فرنسى وهذا تناقض فج
ثم يضيف تولستوى لقائمة الفن الذى يجب أن يرفض كل أنواع الأوبرا كبيتهوفن وفاجنر وشوبان وغيرهم بادعاء غريب بأن هذه الموسيقى لا تصلح سوى للذين زرعوا داخل أنفسهم قلق وتوترات غير صحية بسبب هذه الموسيقى التى لا تصلح للعامل الريفى المثالى فى نظره.
إنه يدعو بشكل مباشر أو غير مباشر لرفض كل ما هو ليس قابلا للفهم للعامل الريفى المتعلم وقتها مستخدما ما يسمى بالأخلاق الريفية والقانون الأبوى الصارم متناسيا كل المجهود الإنسانى المبذول فى تلك الأعمال الفنية التى يدعوا لرفضها.

وهنا يجب أن نتأمل نظرة تولستوى للعمل فى العموم، فهو يلمح ان العمل الزراعى والعمل اليدوى لأن الجهد المبذول فيه أكبر من العمل الذهنى سواء فى العلم أو الفن فهو العمل الوحيد الجدير بأن يحمل كل القيم الثقافية والأخلاقية وهو الذى يستحق كل الثروة الثقافية، وتلك النظرة تدمر مبدأ العدالة في اساسها التى يدعو إليها تولستوي،
إنه يطالب الفن بمطالب تتعارض على طول الخط مع تلك التى يتبناها فى مفهومه عن العدالة بشكل عام مصرا أن يكون الفن صالحا للجميع دون جهد مبذول لتنمية الذائقة الفنية والثقافة الفنية، إنه ينفى عن الفن كونه نشاط بالغ التخصص او حتى نشاط منفصل تماما عن باقى النشاطات له طبيعته الخاصة وسيرورة تطوره الخاصة وعلى النقيض نجده يعترف بأهمية والتخصص فى الإنتاج الزراعى أو فى انتاج الخبز أو الأحذية وهكذا لكنه لا يعطى الفن أى صفة حرفية إنما الفن فى نظره مجرد وسيلة عفوية لنقل المشاعر، وبما أن تولستوى يضع الفلاح الروسى كنموذج مثالى للحساسية الفنية على وجه العموم واى عمل فنى غير مفهوم بالنسبة لهذا النموذج فهو عمل فاسد دون ان يطرح اى محفز حتى للحركة التطورية الطبقية و الإجتماعية.
إنه يقدم الفن بوصفه سلعة استهلاكية خالصة لا ترتبط ولا يجب ان ترتبط بأى نشاط إنتاجى ولا تتطلب حرفية أو قدرة إبداعية ،فلا ينطبق عليها اعتبار “قبل أن تستعمل شئ عليك أن تنتجه” فهو يتعامل مع الفن كهبة من الرب يجب ان تصل للجميع من السماء كجائزة مجانية للجميع وهذا هو اساس الفلسفة المثالية فى كل شئ،
إن كل التناقضات والمبالغات التى يطرحها تولستوى فى مجموعة مقالات.
(ما هو الفن ) إنما هى نابعة فى الأساس فى رؤيا العالم عند تولستوى وهى النتاج المنطقى لرؤيته عن العالم.

اضافة تعليق جديد