تواطؤ فرنسي في قمع العمال المصريين

في أحواض سفن شركة “نافال جروب” في الإسكندرية

قضايا

20  نوفمبر  2017

العمال مُهددون بالسجن لمدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين لاحتجاجهم، في عام 2016، ضد ظروف العمل التي يواجهها عمال ورشة التجميع المصرية الذين يعملون في ثلاث من أربع سفن من نوع كورفيت[الفرقاطة، الحراقة أو كورفيت (بالإنجليزية: Corvette)، سفينة حربية تمتاز بالسرعة والمناورة وتكون أصغر من الفرقاطة وأكبر حجمًا من الزوارق الدورية الساحلية. – المترجم] جويند Gowind  [الجويند هو كورفيت فرنسي الصنع- المترجم] اشترتها مصر من فرنسا في عام 2014.

ففي تلك الورشة لبناء السفن و الذي يشرف عليها خبراء “نافال جروب” الفرنسيون،  لم تتغير ظروف العمل كثيرا منذ ذلك الحين، بل تدهورت.

بدأ كل شيء في مايو 2016، عندما عبَّر العمال المصريين الذين يعملون في شركة الترسانة، وهي شركة مقاولة فرعية  مصرية للشركة الفرنسية “نافال جروب” (EX-DCNS)، عن غضبهم للإدارة، وطالبوا بزيادة أجورهم التي كانت تتراوح بين 800 جنيه (39 يورو) و2000 جنيه (97 يورو)، و بتأمين صحي، وعلاوات مخاطرة وصرف علاوة شهر رمضان.

وكان رد المدير، وهو الفريق الأول “عبد الحميد عصمت” في ذلك الوقت، هو: ” لن تحصلوا إلا على 75 جنيه [,75 3 يورو ] علاوة رمضان، مثل الجنود. لن تستطيعوا لوي ذراع الجيش”.

وقد اُرسلت الشرطة العسكرية الى مكان الحدث لمنع وصول 2000 من الموظفين المدنيين والمهندسين والفنيين والعمال إلى الورشة، والذين تم توقيفهم  جميعا عن العمل.

ثم أسندت إدارة الترسانة أعمال البناء إلى مجندى الجيش. ولكن بسبب نقص الكفاءات والتدريبات اللازمة، وبسبب ضغوط “نافال جروب”، أعادت الشركة، مُضطرة ، تعيين 60% من العمال المدنيين، ولكن بدون تلبية أي مطلب من مطالبهم. والأسوأ من ذلك، ” وقّع الموظفون الذين عادو إلى العمل على وثيقة تحظر عليهم الإضراب أو الاعتراض على ظروف عملهم”، و ذلك حسب شهادة عامل إحدى ورش تجميع سفن الكورفيت Gowind، والذي فضل أن لا يفصح عن هويته.

ولكن، لم تكن إعادة جزء من الموظفين المؤهلين إلى وظائفهم كافية لاستعادة الكفاءة الإنتاجية وتعويض التأخير في التسليم. لذلك، طلبت شركة “نفال جروب”، من ورشة الإسكندرية،  تسريع وتيرة العمل لبناء سفن الكورفيت الثلاثة في الزمن المحدد و المنصوص عليه في العقد. وكشف مصدر عسكري فرنسي مجهول أن: “هذا التوقف عن العمل في الورشة عرَّض للخطر إلتزامات “نافال جروب” التي كانت تريد تسليم ثلاث سُفن في الوقت المحدد”، وأشار أيضا ذلك المصدر إلى أن الشركة الفرنسية كانت ترزح  تحت تهديد عقوبات مالية.

و من أجل تسليم سُفن الكورفيت في الوقت المناسب، قررت شركة الترسانة أن تعيد تنظيم العمل وفقا للصيغة “3 X 8” [وهو نظام لتنظيم العمل على أساس تناوب ثلاث ورديات كل ثماني ساعات – المترجم]  وتوظيف طلاب من المدارس العسكرية، الذين يعملون براتب يصل إلى ٥٠٠ جينه (24 يورو)، “وتتراوح أعمارهم ما بين 17 و 18 عاما”، حسب ما صرح به عامل يشرف على نحو عشرين منهم في ورش تجميع السفن  Gowind.

في ديسمبر 2016، استبدل الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” الفريق الأول “عصمت” بأحد نظرائه، الفريق الأول “أسامة فتحي”، ولكن لم تتحسن ظروف العمل في الورشة، التي تُدار “مثلما تُدار ثكنة عسكرية”، وفقا لما صرَّح به  عامل أخر.

انضباط عسكري في العمل   

وفي نفس الوقت، و في أوائل ديسمبر 2016، قامت الشركة الفرنسية “نافال جروب” بإعادة هيكلة فريقها بالكامل والمتواجد في ورشة بناء السفن في الإسكندرية. فوفقا لموظفين مصريين: ” اتهمت “انفال جروب” الفريق السابق بالتعاطف مع الموظفين”. أما الخبراء الفرنسيون الجدد الذين تم تعيينهم بالورشة مكثوا بمكاتبهم متجنبين بذلك أي احتكاك بالموظفين المحليين. وكشف أحد العمال أن أولائك الخبراء: “يعطوننا التعليمات عن طريق الهاتف أو عن طريق مهندس مصري”.

وعلى الرغم من الطلبات المتكررة، فلم تُوفر شركة الترسانة لموظفيها مُعدات الوقاية الشخصية اللازمة لحمايتهم. ففي 21 مارس 2017، قُتل 3 عمال وأصيب 5 آخرون في الورشة نتيجة تسرب الغاز.

لقد اشترى الجيش شركة الترسانة في عام 2007 خلال موجة الخصخصة التي حدثت في العقد الأخير من عهد مبارك. وفي نظر العسكريين المصريين، العمال مُجبرون على العمل وفقا لإنضباط صارم بينما يُحرمون من أي حق في التعبير عن أي مطلب. ومن ثم، يُحاكَم 26 منهم أمام القضاء العسكري، ومن بينهم 14 للتحريض على الإضراب. ولكن بالنسبة ل”عاطف س.”(1)، وهو عامل في الخمسينات من العمر و ضمن المتهمين في القضية ، ليس لذلك الإتهام أي أساس من الصحة: “لقد قدمنا مطالبنا بطريقة سلمية للإدارة ولكن تم التعامل معنا مثل العساكر في ثكنة”.

من ناحية أخرى، استنكر “هيثم الحريري”، أحد نواب الشعب بالإسكندرية، محاكمة عمال ليسوا جنودا محاكمة عسكرية لعدم اختصاص المحكمة العسكرية في محاكمة المدنيين، و قال: “لا يجوز عرض العمال المدنيين أمام المحاكم العسكرية. تنظيم المظاهرات أو الإضرابات في مكان العمل حق  قانوني. ويضمن الدستور المصري هذه الحقوق. نحن نعيش في دولة وليس في ثكنة”.

موظفون محتقرون، وباريس غير مبالية   

ولكن، في نهاية المطاف، تسود قوانين الجيش. وقد أجل القضاء العسكري النطق بالحكم إلى شهر أكتوبر ٢٠١٦. وتم تأجيله 19 مرة. كما تم تأجيله مرة أخيرة يوم 14 نوفمبر 2017. وكانت المحكمة  العسكرية قد وافقت، في يوم 15 نوفمبر 2016، على إخلاء سبيل العمال بكفالة ومع شرط أن يُقدموا إستقالاتهم. ولم يحصلوا بعد ذلك على شهادة عمل أو وثيقة تتيح لهم العثور على وظيفة أخرى. ولتوفير حاجة عائلته، استطاع، “عاطف س.” – بعد ثمانية أشهر- العثور على وظيفة كعمال بالأجر اليومي في مطعم. وأجبِر “سامر إبراهيم”، أحد زملائه السابقين، على الطلاق بسبب عجزه عن تغطية نفقات منزله.

و لم يكن الأمر أسهل بالنسبة ل 750 إلى 800 عامل آخرين الذين لم يتم إعادتهم إلى عملهم: فلقد تم وقفهم عن العمل دون إعطائهم ورقة فصل رسمية، كما لم يتسلموا أي وثيقة تتيح لهم العثور على وظيفة أخرى. فقرر العشرات منهم رفع شكوى إلى محكمة الإسكندرية العسكرية. حاول رفاقهم الذين تم إعادتهم للعمل الوساطة نيابة عنهم مع الإدارة المصرية للورشة. ولكن رد عليهم باحتقار الفريق الأول “أسامة فتحي” قائلا “دعوا العدالة تساعدهم!”.

في 13 يوليو 2017، أي عشية اليوم الوطني الفرنسي، زار السفير الفرنسي الجديد في مصر “ستيفان روماتي” الإسكندرية. وبكل افتخار، استعرض مدير شركة الترسانة أمام السفير الفرنسي الجديد، التقدم الذي أحرزه في تجميع ال Gowind. وبقيامها بذلك، فإن فرنسا تحتضن واجهة كاذبة تغطي  حقيقة غير مشرفة ألا وهي أن فرنسا لا تكترث  بشروط  وظروف تنفيذ عقود التسليح التي تُبرمها مع الدول و الحكومات.

———————————————–

1- تم تغيير إسم العامل لعدم كشف هويته.  

نشر المقال باللغة الفرنسية في موقع أورينت 21 

 

اضافة تعليق جديد