الانتخابات – مشاركة أم مقاطعة

قراءات, قضايا

12  نوفمبر  2017

ما إن طرح خالد علي نفسه كمرشح لانتخابات الرئاسة 2018 حتى تحركت أمواج كثيرة متضاربة في الماء السياسي المصري الراكد بفعل الديكتاتورية العسكرية القائمة، ما بين مؤيد ومرتبك ومعارض.أما المعارضون فقد تنوعت وجهات نظرهم ما بين الهجوم الشخصي على خالد علي والهجوم السياسي على فكرة المشاركة.

بطبيعة الحال لن نتعرض للانحطاط الخاص بالهجوم الشخصي، ولسنا بمعرض رفض أو موافقة من النوع الانطباعي المجاني. من يقوده انفعاله أو حماسه في المعارك الهامة هو خاسر بالضرورة، معارك كتلك لا يتحدد الموقف منها بالانفعالات السياسية أو الامتعاض المجرد، فلكل معركة سياق سياسي يجب فهمه في البداية لتحديد الموقف الملائم تجاهها، ومن ثم يكون أي تعميم امر خاطئ،  ببساطة لأنه يغفل ما هو جوهري، أي السياق السياسي ومجمل الظروف المحيطة بكل انتخابات، وهو أمر يشبه مراقبة حركة نهر أثناء سيره، قوة الموج، سرعة الرياح، درجة الحرارة، دون الاكتفاء بجملة غبية وسطحية “أنه نفس النهر”. فالنهر يتغير طول الوقت، والمناخ المحيط  به والمؤثر في جريانه يتغير أيضا، دون الرصد الدقيق لتلك العوامل لن تتمكن أبدا من ملاحة آمنة.

إن من يضع أفكاره وشعاراته بالاستلهام المجرد من المبادئ، أو باستدعاء صورة نضالات الأمس، التي تغيرت تماما ولم تعد قائمة، هو شخص يفكر بحماسة برجوازي صغير لا يرى تحت قدميه، وليس كماركسي يحترم التحليل المادي الواقعي؛ شخص يبنى عالم من الشعارات، بدلا من أن يأخذ شعاراته من ظروف العالم الحى.

كل أصحاب الدعاوى التي تنطلق “الآن” من ظروف ثورة يناير، وتتجاهل كل ما تعرضت له الثورة من ضربات وتراجعات وهزائم، هم عميان بلا شك، أعمتهم شعارات مجردة، وحماسة انفعالية، وصور الماضي القريب التي لم تعد قائمة.

إنها أشبه برومانسية السائر في الصحراء، الذي يحلم أثناء سيره بقصور القرون الوسطى وحدائقها، بينما لا يوجد حوله حجر واحد أو جذع شجرة لبناء ولو كوخ صغير.

سيتلقف المناضل الحماسي الشعارات الفخمة ويرددها بإيمان وفخر، وكأنه سيقتحم بها الباستيل أو سجن العقرب.إن هذا النوع من التفكير أشبه  ببركة عفنة تغرق صاحبها في وحل عطن بينما يطلق الأناشيد الحماسية أثناء الغرق.

سنتعرض هنا لموقف دعاة المقاطعة ونقيس حججهم على ضوء شروط الواقع وما توفر لدينا من خبرات سياسية قدمتها تجارب الشعوب في مواقف مشابهة، وكذلك ما يجب استخدامه من مفاهيم سياسية ونظرية، هذا الاختيار بسبب أن دعاة المقاطعة بينهم ثوريين فعلا يجب مناقشتهم، كما أن قطاعاأو آخر من الجمهور أو المناضلين قد يتأثر بوجهات النظر هذه.

أولا – المقاطعة لماذا؟

يسوق دعاة المقاطعة الأسباب التالية.

1 – لسنا أمام نظام مدني ديموقراطي، نحن بصدد حكم عسكري ديكتاتوري. هذا الحكم يفقد شعبيته وشرعيته، والمشاركة ستنقذه من الانهيار وتعطيه الشرعية التي يفتقدها، سنسبغ شرعية على النظام العسكري، بينما المقاطعة ستعريه وستفقده الشرعية أو تنزعها عنه، الموقف الثوري الصحيح هو – لا انتخابات تحت حكم العسكر.

هذه على سبيل المثال فقرة كتبها أحد دعاة المقاطعة “إن الهدف السياسي للانتخابات هو الشرعية وغاية النظام منه هو إجبار الشعب على السير في المسار الشرعي وغلق أى تغييرات ثورية قد تنتجها الأوضاع غير القابلة للحل. إن الدخول في الانتخابات يعنى اختيار العمل تحت مظلة الدولة وفقا للمسار الشرعي الذي تحدده، مما ينتج عنه أن لا يُمَس وجود النظام وأن لا يكون إسقاطه مطروحاً…إن الدخول في الانتخابات يعنى الموافقة على نظام الدولة الاقتصادي وعلى أجهزتها القمعية والبيروقراطية الفاسدة”.

2 – يجب دعوة الجماهير إلى المقاطعة وإلى الثورة على النظام، فالجماهير غاضبة وتعانى من ارتفاع الأسعار الفادح والأزمة الاقتصادية بوجه عام. بمشاركتنا نعطل إمكانية الثورة على النظام لنحل محلها فكرة إصلاحية هي الانتخابات. يجب أن ندعو إلى الثورة وليس إلى الانتخابات.

تلك فقرة اخري من دعاوى المقاطعة “إن من لا يرى العمق الذى وصل إليه التناقض بين الجماهير والحكم من تضارب المصالح ولا يعمل على تعميق هذا التناقض وشرح أسبابه وطرق الخلاص منه للجماهير هو خادم للنظام بامتياز، مساوم لا مقاوم، يعتقد أن الثورات تحسم على الطاولات لا في الميادين، بالحيلة لا بالنضال”.

3 – الانتخابات لن تكون ديموقراطية، وسيتم تزويرها، ولا أمل لدينا في الفوز، لا توجد ضمانات شفافية أو نزاهة، سنخسر ويربح النظام، بالمشاركة نصور نجاحه على أنه تم ديمقراطيا ونساعده.

فقرة اخري للمقاطعة “إن أسوأ ما ستفعله حملة خالد عليهيأنها ستقدم البديل ممثلاً في شخص، لا في وثيقة شعبية تاريخية وآباء مؤسسيين يعملون على صياغة المبادئ والحقوق التاريخية للشعب في مؤسسات تحققها في الواقع وتسهر على صيانة سيرها والعمل الدائم على أن لا تنطفئ جذوتها في الأرواح والنفوس…
إنها ستقدم وسيلة مائعه للنضال تتجاهل الحقائق التي علمتها لنا التجربة المرة والوقائع، وتقطع الطريق على الاتجاه الصحيح لنيل الحقوق..”.

في اعتقادنا تلك هيأهم النقاط التي يرتكز عليها الداعون إلى المقاطعة.

علينا أولا أن نميز بين الظروف التاريخية التي مرت بها انتخابات 2014 التي أعادت العسكريين إلى السلطة، والظروف الراهنة.

 قبل 2014  كان هناك تناقضات مركبة ومتداخلة. الشعب الذي عانى من حكم الإخوان والمتخوف بشدة من حالة فرض حكم ديني التي كان يمهد لها الإخوان، والإخوان الذين لم يتورعوا عن التحالف مع العسكريين ضد الشعب وضد الثورة، ثم تنامت تطلعاتهم إلى الهيمنة وإلى السيطرة على كل مفاصل الدولة وزرع رجالهم في الإدارة والاقتصاد وباقي القطاعات، والعسكريون الذين تحالفوا – على مضض – مع الإخوان، ثم خططوا للتخلص منهم سريعا بعد أن ظهر ميل الإخوان لإحكام سيطرتهم المطلقة، وفي خلفية كل هذا كانت الجماهير لا زالت في حالة حيوية ثورية،يتجلى زخم نضالاتها في حشود  ضخمة وفى احتلال الميادين وفى الموجات الإضرابية التي لم تكن خبت بعد.

هكذا انطلقت موجات الاحتجاج القوية المتلاحقة ضد سلطة الإخوان وضد حليفها العسكري.كان الشعار هو لا إخوان ولا عسكر. ومع تطور تلك النضالات إلى نقاط حرجة في المواجهة بدل العسكريون تكتيكهم. وقفوا ضد ديكتاتورية الإخوان التي صارت هشة تحت ضغط الاحتجاجات الجماهيرية، ثم قاموا بانقلاب على سلطة الإخوان مستغلين الغضب الشعبي منهم. هكذا تقدموا كمخلصين للشعب وليس كخصوم له.

تحول العسكريون بعد ذلك إلى استخدام القوة والردع بحجة انهم يحافظون على الثورة من الإخوان وعلى الدولة من مؤامرات الإخوان والإرهاب، وحولوا كل معارض إلى إخواني أو إلى إخواني محتمل. نجح العسكريون في خداع الجماهير وتقدم السيسي كبطل مخلص إلى مسرح الأحداث. انزاحت التناقضات مع الفلول إلى خلفية المشهد، وتقدم الليبراليون والاصلاحيون للتحالف  مع العسكريين وتمهيد الأرض لحكمهم. اختتمت الموجة الثورية الاخيرة بصعود (رجل المرحلة) الذي كان واضحا أن نجاحه في الانتخابات أمر مفروغ منه، بعد  أن شارك العديدفي تمهيد الأرض له.

كان شعار المقاطعة وقتها خطأ أكيد، ليس لأن السيسي كان سينجح، ولكن لأنهاأخلت الأرض أكثر فأكثر للديكتاتورية العسكرية التي حلت محل الإخوان. إلا أن المنافس للسيسي لم يكن خصما جديا بل كان أحد داعميه من خلال جبهة الإنقاذ، ولم يجرؤ على القيام بتحدي حقيقي لنظامه، وإلى حد كبير كان ترشيحا ديكوريا وليس جديا.

ما بين 2014 و2017 جرت مياه – عفنة – كثيرة. الموجات الثورية انطفأت تماما، وترافق ذلك مع  تأييد جارف للحكم العسكري، اخذ يخفت لاحقا بفعل السياسية الاقتصادية للنظام، وإحكام السلطة قبضتها وفرض ديكتاتوريتها، وغرق أغلب قوى الثورة في موجات يأس أو هجرة أو عزوف سياسي، وتقلصت الجماعات والمنظمات السياسية الى أدنى درجة.

ومن ثم يُعد أمرا مضحكا – ربما سخيفا – أن ينطلق دعاة المقاطعة من أجواء المرحلة الأولى للنضال الجماهيري – سنوات 11 الى 14 – وكأن سنوات حقبة التراجع والهزيمة امتداد لها، وكأنه ستتمالإطاحة بالنظام هكذا ببساطة ان لم نشارك في الانتخابات، تقريبا بواسطة القوة السحرية للشعارات، وليس بواسطة قوة الجماهير التي لا تزال في حالة تراجع وانكماش.

إنهم كمن قدموا لزيارة مصر من كوكب خارجي ومن ثم لا يلمسون أو يفهمون ماجري من تحولات وانقطاع عنيف في مسار الثورة، وما صاحب ذلك من تراجع سياسي وجماهيري. ليس لديهم أدنى فكرة عن كل ذلك، ومن ثم يطرحون فورا شعارات لا معنى لها على الإطلاق إلا في ظروف انتفاضات جماهيرية وليس حتى نضالات عادية.

لا وجه على الإطلاق للمقارنة بين سنوات 2011 الى بدايات 2014 وسنوات 2014 إلى 2017. من حقبة النضال الجماهيري الواسع والمكشوف والحشود المليونية والإضرابات المتتالية والواسعة، وحقبة التراجعات والعزوف وإحكام سيطرة النظام.

يشير لينين الى ظروف مشابهة في 1905 حيث قاطع البلاشفة الانتخابات البرلمانية في وقت صعود الثورة، ثم هزيمة ثورة 1905 التي حتمت التراجع إلى”المشاركة”.

في أي ظروفنجاح المقاطعة…”إن شروط نجاح مقاطعة 1905 تمثلت في اندفاع ثوري واسع جدا وعام، قوي وسريع. علينا الآن أن نبحث، في المقام الأول، عن علاقة الاندفاع الثوري القوي للغاية بالمقاطعة، وفي المقام الثاني، السمات الخاصة والعلامات المميزة لاندفاع ثوري قوي للغاية”.

يستدعي نجاح المقاطعة إذن نضالا مباشرا ضد النظام القديم وانتفاضات وعصيانا جماهيريا في حالات عديدة “ويعد هكذا عصيان جماهيري أحد الشروط المهيئة للانتفاضة”. إن المقاطعة هي رفض الاعتراف بالنظام القديم، ليس بالأقوال بل بالأفعال طبعا، أي رفض لا يتجلى فقط في نداءات وشعارات المنظمات، بل في حركة للجماهير الشعبية تخرق منهجيا النظام القديم وتخلق مؤسسات جديدة غير شرعية لكنها ذات وجود فعلي، الخ. بديهية إذن علاقة المقاطعة بالزخم الثوري الواسع: المقاطعة هي وسيلة النضال الأكثر حسما ليس ضد أشكال مؤسسة معينة. فبدون زخم ثوري واسع وبدون هيجان جماهيري يتجاوز كل الشرعية القديمة، لا مجال لأي نجاح للمقاطعة.

يقدم لينين للثوريين درسا بالغ الأهمية، وعلى ضوء تجربة ثورة ضخمة وحزب ثوري من أشهر الأحزاب الثورية وأكثرها عمقا وخبرة. في رد على دعاوى المقاطعة، لا معنى للمقاطعة إلا إن كنت في حالة هجوم ثوري، والمقاطعة ليست استنكافا أو انفعالا، بل لها وظائف معينة،أن تمنع السلطة أو أحد مؤسساتها من التصرف أوالإدارة، وأن تكون قادرا على بناء بديل قاعدي حائز على ثقة الكتلة الأكبر من الجماهير ومستندا لها في الوقت ذاته. ذلك ما يطلق عليه (المقاطعة الإيجابية) وهى متصورة فقط في حالات مد كبرى، انتفاضات أو عصيان مدني، وضع ثوري حاشد لكتل ضخمة من الجماهير في حالة هجوم،أو حتى دفاع حاشد ايجابي وثوري.

إن كل من يدعو للمقاطعة في أوقات التراجع السياسي والجذر وانكماش الجماهير، في أوقات الثورات المضادة والهجوم الرجعي،إنما يدعو ببساطة لتأبيد هذا الوضع،أوفيأحسن الأحوال يراهن على معجزة من خارج النضال السياسي والاشتباك مع الجماهير في حالات تقدمها وتراجعها،أن يدعو إلى السكون وليس الحركة،إلى الشعار الفخم الاجوف وليس التحليل الموضوعي للظروف الراهنة،يستعيض عن الضعف الفعلي بالشعارات الرنانة.  بدون نشاط جماهيري قوي لا توجد أي قيمة أوأثر ايجابي للمقاطعة.

لا انتخابات تحت حكم العسكر

هذا الشعار السطحي يتعالى فعليا على شروط الصراع الفعلية، فالانتخابات ليست سوى صورة من صور الصراع السياسي بين ممثلي القوى الطبقية المختلفة، صحيح أنه صراع على أرضية النظام القائم، سواء عسكري أو مدنى أو أيا كانت صورته، لكنه أوسع مسرح دعاية ونضال أيديولوجي بين الطبقات والشرائح الاجتماعية،ويتيح أوسع فرصة لشن حملات تشهير على المستوى القومي،وأكبر مسرح دعاية سياسية يصعد فيها ممثل عن التيارات المختلفة غالى الخشبة متحدثا إلى الجماهير عارضا رؤى ومفاهيم بهدف جذب الجماهير إليها، وتطرحآلاف المؤتمرات الشعبية في كل الأحياءوالفري فرصة توزيع عشرات الالاف من المنشورات الدعائية بين الجماهير،واتصال مباشر بكتل متنوعة من الجماهير في أجواء استثنائية.

لا يتفوق على حالة الانتخابات وفرصها الا حالة الثورة أو العصيان العام.

في الأفلام فقط  يستطيع المخرج صنع أجواء الصراع التي يريدها. يكفي أن يطلب من السيناريست كتابة النص الملائم، ثم يتحكم به في كل تفاصيل المشهد.

اما في الواقع فلا تُتاح تلك الرفاهية. تلك النكتة التي تنتظر نظاما مدنيا وديمقراطياأولا، ثم تناضل سياسيا في كنفه بعد ذلك، هذا اختلال جسيم في التفكير وبعيد كليا عن أي منطق سياسي. هل سوف يشعر العسكر بالحرج مثلا فيتركون الحكم لتشارك أنتفي الانتخابات؟أمأن الدول الامبريالية ستترك مصالحها المشتركة مع عسكريين يوفرون لها أجّل الخدمات وتضغط عليهم ليتنحوا ويحل محلهم نظام ديمقراطيمدني.”هنا الوردة، فلترقص هنا”، هكذا صرخ ماركس مشيرا إلى.. أننا نحاول تغيير الواقع في ظل شروطه المعطاة سلفا، وليس وفق شروط نختارها فيأذهاننا.

الانتخابات تعطى العسكريين شرعية.

بعد حوالى 4 سنوات من فرض النظام لقوانينه وبسط  سلطته، تأسيسا على شعبية جارفة في لحظات صعوده، وقدرته على كسب اعتراف المحيط الدولي بشرقه وغربه، وصعوده عن طريق انتخابات عامة، يتحدث أصدقاءنا عن نظام يفتقر إلى الشرعية، وانه  يرغب في اجراء الانتخابات للحصول على الشرعية،وإذا دخلنا نحن تحديدا فيها سنقدم له تلك الشرعية.

بداية لا توجد أي قيمة للشرعية المستندة إلى الدستور أو القوانين. الشرعية الفعلية هي التي تستند الى القدرة على فرض سيادتك وحمايتها ولو بالقوة. النازية والفاشية كانتا نظم حكم شرعية رغم بربريتها الوحشية. الانقلابات العسكرية على مدى عقود في دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية استطاعت دائما فرض شرعيتها – المخالفة تماما للشرعية القانونية. حتى الاحتلال العسكري ما ان يفرض إرادته حتى يتحول الى واقع شرعي معترف به دوليا وقادر على السيطرة محليا. النضال العمالي والديمقراطي في أوقات صعوده كان يستطيع بسهولة أن يدوس علي القوانين الرجعية وعلى حظر الاضرابات والتظاهرات التي يفرضها النظام.

هذا من جهة. ومن جهة أخرى، ما يستطيع أن يسبب حرجا سياسيا للنظام ليس مجموعات صغيرة وضعيفة من المثقفين المعزولين جماهيريا، ولكن أحزابا جماهيرية كبيرة تضم عشرات الآلاففي عضويتها، ولها أنصار ومؤيدين بأعداد ضخمة، تستطيع بنفوذها الجماهيري أن تؤثر في موقف ملايين من الشعب، وأن تؤثر في مجري الأحداث السياسية، ومن ثم لن يكون لمقاطعتنا أي قيمة عملية، والأدهى انه لن يشعر بها احد.إنها نزعة تطهريه ليس أكثر.فأنت لا تملك خطة بديلة لها معنى، ولا تقدم أسبابا وجيهة لدعوتك، وتتحدث كأن ثورة مضادة لم تبسط سيطرتها،أوأن الجماهير على وشك احتلال الوزارات، ومن ثم ستمنع المشاركة تلك المسيرة الثورية من التقدم.

على العكس تماما، يمكن أن تقدم تلك المشاركة فرصة هامة للثوريين لتأكيد شرعية المعارضة لكسب تعاطف الجماهير معها. فالمعارضة صارت موصومة بتهمة كونها من الإخوان أو الإرهابيين بدرجة ما. اختلطت فعلا الأوراق لفترة من الوقت في السنوات الماضية، وبصعوبة يبدأ فك الاشتباك والخلط بين معارضة اليسار والديمقراطيين، ومعارضة الإخوانأو المتعاطفين معهم.أن تضع قدما وراية تميزك وتلتف حولها جماهير الاحياء الشعبية والقرىأو المحافظات.. ما يمكن كسبه عبر الدعاية في عدة سنوات خلال تلك الظروف، يمكن كسبه خلال شهور الانتخابات الاستثنائية. لا يهم النظام نقاشات الشرعية بل يهمه القدرة على فرض سيطرته. تلك هي الشرعية الفعلية، شرعية المنتصر، وبإغلاق المجال العام يحكم سيطرته. الانتخابات تُخِل – بسبب طبيعتها الجماهيرية – بتلك السيطرة الكلية، تفتح لوهلة المجال السياسي وحرية الدعاية بقدر ما، تلك هي الفرصة الممكنة للتشكيك في صلاحية النظام، كشف جرائمه في حق الشعب… الخ.

الانتخابات غيرديمقراطية، ستزور، لن نفوز، لا يوجد ضمانات

على نقيض الفكرة الثورية التي تقرر أن الحرية تنتزع ولا توهب، وأن الجماهير هي التي تفرض – تنتزع – الديمقراطية عبر نضالها، يصرخ أصحاب دعوة المقاطعة أن النظام لن يكون ديمقراطيا. لم يكن السادات ديمقراطيا، ولا مبارك، ولا المجلس العسكري بالقطع، ومع ذلك جرت انتخابات شارك فيها الملايين، ونجح أحيانا ممثلو المعارضة مما كان يضطر النظام لحل البرلمان للتخلص منهم. حتى في أمريكا لا توجد انتخابات ديمقراطية،بل تتحكم الشركات الكبرى في مسارها كليا. إن الديمقراطية معركة وليست نصا نظريا أو مادة في متن قانون، وليست منحة من حاكم.أن تشترط أن يكون النظام ديمقراطيا هو فعلا نكتة وليس فكرة.أن تطالب النظام بضمانات هو أيضاأمر مدهش. أي ضمانات؟ ولماذا وأنت على هذا القدر من الضعف والعزلة تتوقع بأي درجة ان تفرض عليه أن يقدم ضمانات؟إن العائلات الغنية تتحكم بدرجة كبيرة في اتجاه التصويت في الريف، والريف هو الكتلة الأكبر من الناخبين،والإعلام لا يتمتع بأي قدر من الحياد.إنه فيأغلبه إما إعلام السلطة أو إعلام كبار الرأسماليين. وبغض النظر عن جميع الضمانات الممكن تصورها تستطيع الشرطة التدخل دائما بذريعة أوأخرى، ولا يوجد قوى سياسية كبيرة منظمة تستطيع ان تفرض المساومة على النظام.

الشروط الديمقراطية

الانتخابات بالقطع لن تكون ديمقراطية، وأي ضمانات هي وهم صرف. فلا شرف في لعبة الصراع على الحكم، وكل شيء مشروع فيها.هي معركة وليست مفاوضة.إنأردت كسب ارض مجددا،اعرض دعايتك، ضم قدر أو آخر من الجماهير إلى صفوفك،أحدث صدع في حائط الاستبداد.إنها معركة عليك خوضها،أو استمر في طهرانية لا قيمة لها تريحك من عبء خوض تلك المعركة… لن تكون ديمقراطية.طبعا.. لا ضمانات.. لا معنى لأى ضمانات في الصراع على السلطة أصلا.

تلك الفقرة نسوقها للترويح والطرفة –”إن أسوأ ما ستفعله حملة خالد عليهيأنها سوف تقدم البديل ممثلاً في شخص، لا في وثيقة شعبية تاريخية وآباء مؤسسيين يعملون على صياغة المبادئ والحقوق التاريخية للشعب في مؤسسات تحققها في الواقع وتسهر على صيانة سيرها والعمل الدائم على ان لا تنطفئ جذوتها فيالأرواح والنفوس..”.

اعتذر عن عجزي عن الفهم.أليس المرشح في كل انتخابات الرئاسة، تحت أي نظام، فرد،أمأن هناك تجارب شهدت ترشحا جماعيا لهذا المنصب؟

وما معنى ان يكون البديل الثوري للمشاركة هو “وثيقة شعبية تاريخية”؟ هل المقصود مثلا وثيقة بها تسجيل موقف للتاريخ؟ أن يقوم المقاطعون بتقديم ورقة للتاريخ بدلا عن الاشتراك في المعركة السياسية الوشيكة.ومن هم “الآباء المؤسسين”؟ وماذا أسسوا بالتحديد؟ لن نستغرق في نقاشها فقد كانت طرفة.

يبقي أمر هام. على الجانب المقابل ثمة أوهام ضخمة لدى قطاع كبير من القائلين بضرورة المشاركة. هذا الرهان ليس فقط على الفوز، ولكن أيضا على إمكانية أن تكون وسيلة لتغيير واسع،إعادة العسكر للثكنات وفرض الديمقراطية واستعادة الجزر وإلغاء كامب ديفيد واستعادة المصانع الخ.

كأننا لم نتعلم شيئا من درس الصراع بين الرئيس الإخواني والدولة ورجال الأعمال وجنرالات الجيش.إن مركز القوة الحقيقة ليس مقعد الرئاسة، بل في القوة العسكرية والقوة المالية. طالما ظلت الشركات والبنوك بيد رأسمالين متحالفين بصور عديدة مع العسكريين، لن يتمكن أي رئيس إصلاحي من إحداث تغيرات ذات شأن.يمكن ذلك فقط في حالتين… أن يستند فورا الى قوة شعبية كبيرة بتحقيق إصلاحات هامة لصالحها، وان يشل يد الرأسماليين الكبار بنزع ملكياتهم وإحداث سيطرة فورية على الجهاز المالي برمته مع إغلاق البورصة وكافة وسائل تهريب الأموال. باختصار ان يشرع في شن هجوم طبقي يسانده الجماهير.

إليكم درس شافيز في فنزويلا…

تمكن  تشافيز من الوصول إلى السلطة  سنة 1999 بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي نظمت سنة 1998، وأعيد انتخابه سنة 2000 لولاية من ستة سنوات.

جاء تشافيز إلى السلطة ببرنامج  يتضمن إصلاحات  جذرية، لكنه تصور أنه يمكن أن يحقق تلك الإصلاحات دون صدام مع الرأسماليين. كان يتصور أن هناك ما يسمى ب (الطريق الثالث) الاشتراكي الديمقراطي، الذي يحقق مطالب الجماهير دون أن يصطدم بالرأسماليين أو بالنظام الرأسمالي، ودون مساس برأس المال الكبير والبنوك والمؤسسات المالية.

ما حدث بالفعل هو أن كبار الرأسماليين والشركات الكبرى شنوا حملة تخريب مخطط على الاقتصاد، جندوا الإعلام والمنظمات المدنية والشرطة وكل ما في أيديهم من ثروات ووسائل للإطاحة بنظام شافيز وحكومته،وقام جنرالات الجيش بالتحالف مع هؤلاء.

سنة 2002 تم تنظيم  انقلاب عسكري ضد شافيز واستولى العسكريون على السلطة. لكن لم يتاح لهم الوقت الكافي لتحويل فنزويلا إلى شيلي أخرىوإغراقها في بحار من الدم. فالعمال الذين دعموا شافيز واعتبروه نظاما مقبولا بادروا هم وفقراء المدن والريف للخروج في احتجاج يقارب ثورة من حيث الحجم والتصميم، وفى تحد شعبي مكشوف للانقلاب العسكري الذي بات معزولا ومحاصرا رغم الدعم الأمريكي والبرجوازي المحلى،أطاحوا بالانقلاب وأعادوا شافيز إلى الحكم.

شافيز لم يستوعب الدرس، لم يقم بتسليح الجماهير أو مصادرة أملاك كبار الملاك او السيطرة على المؤسسات المالية، فلجأ الرأسماليون إلى استخدام البزنس والشركات في ما سمي إضراب البزنس، وإبطاءالإنتاج،وإغلاق المصانع،وإخفاءالسلع،وتهريب رؤوسالأموال،وتنظيم مجموعات تخريب اقرب إلى ميلشيات مستأجرة، هذا غير حملات إعلامية واسعة تحمل شافيز المسئولية عن الخراب وتتهم حكومته… الخ.

هكذا انتهت تجربة شافيز على يد رأس المال الكبير والمؤسسات المالية لتعود فنزويلا مجددا الى الأوضاع المأساوية السابقة وتحكم الاحتكارات الدولية.

لا أظن أن خالد علييضع لمثل هذاإجراءات مضادة ضمن اعتباره، هو يفكر في إصلاحات محدودة نسبيا، وربما يحتاج أن يطمئن رأس المال الكبير، وقد تتكرر المأساة بصورة أو اخري إن لم تنقل الكرة فورا إلى ملعب الجماهير، وتسدد أهداف سريعة وقوية في مرمى الرأسماليين.

لذلك لا يجب الاستغراق في بناء أوهام ضخمة حول النجاح وما يمكن أن يحققه، لكن خوض هذه المعركة هام جدا في تلك الظروف، وحتى لو نجح سيكون ذلك هاما أيضا ومفيدا لبعض الوقت، وتتوقف النتائج النهائية على ما سيحدث فعلا، فنجاحه سيكون بداية لمعركة أشد قسوة وضراوة ضد تحالف رأس المال وبيروقراطية الدولة والجهاز العسكري. حتى الآن تقول التجربة التاريخية أن الوصول إلى السلطة عبر انتخابات هو تجربة محفوفة بالمخاطر، يمكن بسهولة أن يضحي فيها المرشح المعارض برأسه،ومالم تنحرف يسارا وبقوة ستتعرض لهزيمة دامية، وهو أمر سيتطلب حينها تجاوز حدود النظام الرأسمالي.

في الأخير – لم تترك لنا التجارب الثورية – مثل الكوميونة أو الثورة الروسية، تراثا في الانتخابات الرئاسية، فقد كان هناك ملك وهناك قيصر، ولم تكن الرئاسة مطروحة للانتخاب أساسا، ومن ثم كان على الثوريين ان يبدعوا في تجربة هذا الطريق دون إفراط في المراهنة على نتائجه، ودون تصور أنه قد يختصر طريق الثورة أو يحل محلها.إن منصب الرئيس هو منصب تمثيلي ومنصب إداري معا.. وحتى لا اطيل أكثر من ذلك قد يكون هناك كتابة أخرى حول تلك النقطة.

بقيت مسألةأخيرة تقال.. إن المشاركة ليست مبدأ عند الثوريين يلتزمون به في كل الأحوال، والمقاطعة أيضا نفس الشيء، يمكن الدفاع عن المشاركة اليوم، والهجوم عليها بشدة غدا، كل ذلك يتوقف على الظروف المعطاة وليس على فكرة “ثورية” مجردة أو مبدأ “مكتبي” لا يجوز التنازل عنه،إنها مجرد وسيلة من وسائل النضال السياسي،أن نلجأ إليها أو لا، أمر يتوقف تقريره على مجمل ظروف الوضع السياسي وحالة الصراع الاجتماعي وموازين القوى الطبقية.. الخ.

يمكن أن تكون المقاطعةفي أوقات التراجع وانعدام أو ضعف السبل الأخرى للدعاية والحركة بين الجماهير، بمثابة جريمة يرتكبها احمق يعتقد انه هكذا ثوري، وأيضا لو شرعت الجماهير المنتفضة في بناء مؤسساتها من أسفل وقت الانتفاضات، ستكون جريمة لو قبلنا مشاركة نظام صار ضعيفا ومعزولا أمام قوة الجماهير في انتخابات يلتقط أنفاسه فيها.

إن البلاشفة الذين بح صوتهم في الدعوة إلى جمعية تأسيسية، قاموا بأنفسهم بحل الجمعية التأسيسية، عندما صارت كل السلطة فعلا في يد السوفييتات. كل شيء يتوقف تقريره على الظروف الفعلية، وليس على مبادئ أو شعارات مجردة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشيطان يعظ يقولون لك "وكيف نطلب أن يكون هناك سياسي في ظل نظام مستبد وقامع مثل هذا؟! السياسة ابنة المجال الحر". تقبل منطقهم وترد عليه "اذن اكسروا مثل هذا النظام، ثوروا عليه.” سيصرخون في وجهك "مزايدة!”.

محمد علاء الدين