العبرة من احتفال تيريزا ماي بوعد بلفور

قراءات, قضايا

01  نوفمبر  2017

نشر في موقع: القدس العربي

مساء يوم غد الخميس تستضيف رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي نظيرها الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليحتفلا معاً وبحضور مئة وخمسين ضيفاً بالذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم. وهي بذلك تحقق ما أعلنته منذ عام تقريباً، عندما صرّحت أمام الجمهور المجتمع لمناسبة غداء الأعمال السنوي لجمعية «أصدقاء إسرائيل المحافظون» أن وعد بلفور «يؤكد دور بريطانيا الحيوي في خلق وطن للشعب اليهودي، وهي ذكرى سوف نحتفل بها بفخر».
كاتب هذه السطور ينتمي إلى جيل «النكسة»، أو بالأحرى النكبة الثانية، أي الجيل الذي شكلت هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران/يونيو 1967 أولى المحطات التاريخية الكبيرة في تجربته السياسية. ولا أتذكّر مثل هذه الصفاقة من قِبَل مسؤول بريطاني منذ ذلك الحين وحتى الآن. وقد أجريت بحثاً لمعرفة ما الذي حصل في لندن بمناسبة الذكرى الخمسين للوعد ذاته، فتبيّن لي أن احتفالاً أقيم يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر 1967 في أحد المسارح اللندنية حضره أبا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، وانضم إليه عدد من السياسيين البريطانيين من أصدقاء إسرائيل. لكنّه احتفال نظّمه «الاتحاد الصهيوني في بريطانيا» وليست الحكومة البريطانية، بل لم تشارك فيه هذه الأخيرة لا برئيسها ولا حتى بأحد وزرائها.
فلماذا تتجرّأ رئيسة الوزراء البريطانية اليوم على مشاعر الفلسطينيين والعرب بهذه الصفاقة التي تبلغ مستوى الشتيمة والاستفزاز، ولم يتجرّأ علينا أسلافها في حكومة جلالتها قبل نصف قرن؟ هل، يا تُرى، تبدّلت صورة إسرائيل في العالم لتُطابق «الديمقراطية المزدهرة ومنارة التسامح»، تلك التي عرّفت بها تيريزا ماي الدولة الصهيونية في خطابها المذكور أعلاه؟ ألم تتدهور صورة إسرائيل، على العكس تماماً، بعد خوضها جملة حروب عدوانية سافرة لا ينطلي على أحد تصويرها وكأنها حروب دفاعية، مثلما صوّرت إسرائيل حرب 1967؟ ألم تقم الدولة الصهيونية باعتداءات همجية مكشوفة على لبنان في عام 1982، ثم على شعب الأراضي المحتلة في زمن الانتفاضة الأولى، ثم عليهم مرة ثانية في زمن انتفاضة الأقصى، ثم على لبنان مجدّداً في عام 2006، ثم على غزّة مرّات متكررة وصلت إلى درجة من العنف الإجرامي أثارت اشمئزاز العالم؟ أولم تشهد إسرائيل بعد مرور عقد على احتلالها لما تبقّى من فلسطين حتى نهر الأردن، أي منذ عام 1977، بداية انزلاق نحو أقصى اليمين كاد لا يتوقف منذ أن فاز حزب الليكود بانتخابات الكنيست في تلك السنة، وهو الحزب الذي كان ينعته منافسوه في حزب العمل الصهيوني أنفسهم بالفاشية؟ أليست الحكومة الإسرائيلية الحالية أكثر الحكومات تطرّفاً إلى اليمين في تاريخ الحكم الصهيوني بحيث أنها أثارت ضدها معظم صانعي الرأي العام الغربي، وغدا من المعهود أن تنتقدها منابر الإعلام في بريطانيا وأوروبا، بل حتى في الولايات المتحدة؟
كل هذا صحيح، لكن المسألة في الحقيقة ليست في صورة إسرائيل، بل في صورتنا نحن. ففي عام 1967، وإن كانت الدول العربية قد أصيبت بأم الهزائم في حربها مع الدولة الصهيونية، كان الموقف العربي أقوى بما لا يُقاس مما صار إليه اليوم. أما السبب في ذلك، فهو أن ردّة فعل الشعوب العربية على «النكسة» جاءت بقوة وازنت وقع الهزيمة في إضعاف الموقف العربي في وجه إسرائيل. وقد بدأت ردة الفعل الشعبية بالتظاهرات العارمة التي عمّت مصر ردّاً على خطاب التنحي الذي ألقاه جمال عبد الناصر ليل التاسع من حزيران/يونيو 1967. واستمرت في تجذّر الحالة الشعبية في عموم المنطقة العربية، وكان أبرز وجوه ذلك التجذّر صعود الكفاح المسلح الفلسطيني الذي عُرف آنذاك بالمقاومة الفلسطينية، وذلك في الضفة الشرقية من نهر الأردن على الأخص.
وبحنين إلى ماضٍ بات يبدو غابراً، أتذكّر التظاهرة الضخمة التي سارت في شوارع بيروت في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1967، بمناسبة الذكرى الخمسين لوعد بلفور. وكانت الأعلام ترفرف فوق رؤوس آلاف المتظاهرين، من أعلام فلسطين إلى الأعلام الحمراء، وتتبارى تكتلات التظاهرة بين من يهتف «ناصر، ناصر» ومن يهتف «عاصفة، عاصفة» (إشارة إلى اسم الجناح المسلح لحركة فتح آنذاك). وكان أحد المواضيع البارزة في الشعارات موضوع فيتنام، التي كانت آنذاك رمز الصمود الشعبي الثوري أمام هجمة الإمبريالية الأمريكية والمثال الذي تطلّع إليه معظم المتظاهرين بوصفه بديلاً عن هزيمة الأنظمة العربية. كنّا ملء الثقة بأننا سوف نمحو عار الهزيمة ونبني غداً أفضل بإعادة تركيبنا للمنطقة العربية. ولم تضاهِ نشوة تلك المرحلة الثورية سوى نشوة «الربيع العربي»، لكن نشوة هذا الأخير سرعان ما انقلبت كآبة إزاء غرق المنطقة في معمعة صدام الهمجيات.
وها أن منطقتنا في أسوأ مراحل تاريخها وأضعف حالاتها، منطقة يسود فيها التناحر الأهلي والتصارع بين الدول، لا توجد أنظمة وطنية فيها وتكاد لا توجد حركة جماهيرية وطنية. ولا عجب بالتالي من أن رئيسة الوزراء البريطانية لم ترَ رادعاً من البصق في وجهنا بإعلان افتخارها بالوعد المشؤوم الذي أصدرته حكومة بلادها قبل مئة عام.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الفلاحون والثورة في مصر: فاعلون منسيون إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولا إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ18 يوما، وثانيا إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيرا إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري.

صقر النور

بيت صهيون إذا كان تشكيل حركة فلسطينية موحدة من أجل الديمقراطية شرط قيام دولة واحدة في المستقبل، فالعقبات التي تحول دون تشكيلها واضحة، ولا يمكن التغلب عليها في الوقت الحاضر. ولا تشمل فقط المقاومة من رجال الدرك والتعذيب في رام الله، والمتعصبين في غزة، والاستثمار في القدس والعداء للغرب وإسرائيل، لأن فرص تحرر فلسطين قليلة اليوم مثلما كانت في الماضي، من دون تحول ثوري في المشهد العربي المحيط به.

بيري أندرسون

مئوية سايكس بيكو.. الخرائط والتاريخ تلقي هذه المقالة نظرة نقدية تنقيحية إلى الحدث، بما هو مسار تاريخي، في إطاره من النزاع البريطاني ــ الفرنسي خلال وبُعيد الحرب العالمية الأولى لوراثة السلطنة العثمانية، نظرة تعيد الاعتبار للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الاستعمارية، وتقيم الصلة بين اتفاقية سايكس -بيكو ووعد بلفور.

فواز طرابلسي

إسرائيل تحتفل بمرور 50 عاما كدولة احتلال تعتزم إسرائيل إقامة احتفالات فخمة خلال الأسابيع المقبلة بمناسبة مرور 50 عاما على ما تُطلِق عليه الذكرى الـ 50 "لتحرير الضفة الغربية ومرتفعات الجولان"، وهو ما يصفه بقية العالم بميلاد الاحتلال.

جوناثان كوك