رحلة العلم (3/3)

قضايا

01  نوفمبر  2017

مع انتصار عصر العقل، صار من الرقي الاجتماعي أكثر فأكثر التهكم والسخرية من الخيمياء. عُرف الخيميائيون جيدا ببحثهم عن حجر الفلاسفة أو أكسير الحياة أو سر تحويل معادن قليلة القيمة إلى ذهب أو فضة. فقد بحثت الخيمياء فى الحد الفاصل بين المادة الحية والمادة الجامدة، بين الفوضى والترتيب، بين النظام والعشوائية، بين الحياة والموت!. وتعتبر نشأة الخيمياء غير معروفة بشكل كامل، وربما تكون سلفا للكيمياء التى بدأت بعمليات تجريبية مثل الصبغات ودبغ الجلود والدهانات والأدوية ومواد التجميل والتحنيط، كما كان لها دور فى صناعة الزجاج وبعض المعادن. ومثل الرياضيات المبكرة، اكتشفت العمليات الكيميائية وجرى تطبيقها دون فهم أساسى للعلم المرتبط بها. وفى عصر التنوير (القرن الثامن عشر) كانت الكيمياء بلا أساس علمى أو نظرية رئيسية. حدث أول أعظم الإكتشافات بين عامى 1770 و1800 باكتشاف طبيعة النار أو الاحتراق،ثم توالت الاكتشافات التى وضعت أسس الكيمياء الحديثة.

فى يوم 24 يونيو 1527 ألقى باراسيلزوس(1493-1541) فى النار بكتاب “القانون فى الطب” لإبن سينا، لاعتقاده أن المرضى ماكانوا ليشفوا بالنظريات لكن بالتجارب. كان باراسيلزوس فيلسوفا وخيميائيا وجراحا،وكان يداوى ويمارس خليطا من الطب والتصوف، حتى أنه كان يحاضر بالألمانية بدلا من اللاتينية التقليدية على عكس ماكان شائعا فى هذا الزمن. لم ترحب الكنيسة والملك بهؤلاء الذين يتحدون السلطة. (كان هذا بعد سنوات قليلة من قيام مارتن لوثر بتثبيت أطروحاته الخمسة والتسعين  بالمسامير على باب الكنيسة).كان باراسيلزوس أول من نظر للجسد البشرى من وجهة النظر الكيميائية، واعتبره مصنعا كيميائيا أو آلة ميكانيكية تدور وفقا لجواهر غير مادية. وبعده جاء الكيميائيون الطبيون، الذين حاولوا علاج الناس بالمواد الكيميائية، (فى إنجلترا مازال يطلق على الصيدلى إسم كيميائى). حقق باراسيلزوس القليل فى العلم والطب، لكن صوته كان صيحة يقظة أعطت دفعة معتبرة لدراسة الكيمياء بشكل علمي.

لم يكن روبرت بويل (1627 – 1691) مؤمنا بعناصر أرسطو ولا بمبادئ باراسيلزوس، وكان وفياً للنيوتنية ومؤمنا بعالم ميكانيكي مصنوع من جسيمات كروية. وقد لاحظ بويل العلاقة بين النار والهواء، واشتهر بإثباته للعلاقة بين حجم وضغط الغاز،حيث يتناسب حجم الغاز تناسبا عكسيا مع الضغط المبذول عليه.

فى حوالى عام 1670، افترض جيه جيه بيشر (1635 – 1682) أنه عند حرق شئ ما فإنه يفقد مادة يمكن الحصول عليها وقياسها، وأطلق على تلك المادة إسم “اللاهوب”. كان يفترض أن اللاهوب ينطلق عندما تحترق الأخشاب أو عندما تصدأ المعادن، كما يحمله الهواء بعيدا وتمتصه النباتات من الهواء. أصبحت دراسة الغازات مهمة فى القرن الثامن عشر، وفى عام 1756 قام جوزيف بلاك (1728 – 1799) بتوضيح أن مواد صلبة مثل كربونات الماغنسيوم وكربونات الكالسيوم (الحجر الجيرى) تفقد غازا مشتركا هو غاز ثانى أكسيد الكربون عند تسخينها. واكتشف هنرى كافنديش (1731 – 1810) أن عددا من المعادن يطلق غازا إذا تم غمرها فى الحامض، واكتشف أن هذا الغاز له وزن ويمكنه الاشتعال مع الهواء العادى مخلفا رطوبة، فاعتقد أنه إكتشف اللاهوب. وفى تجارب أكثر دقة فى عام 1783، قام بالإعلان الأكثر أهمية فى الكيمياء قبل لافوازييه ودالتون. فقد حدد أن الماء مصنوع من غازين هما الهواء اللاهوبى والهواء غير اللاهوبى  وانهما مختلطان بنسبة 2 : 1 من الحجم.

قام جوزيف بريستلى (1733 – 1804) بدراسة الغازات وأجرى تجارب على ثانى أكسيد الكربون والهيدروجين وأكسيد النيتريك وأكسيد النيتروز وحامض الهيدروليك وثانى أكسيد الكبريت وغازات أخرى، وكان أشهر أعماله هو اكتشاف الأكسجين عام 1774، (هناك بعض الجدل أن لافوازييه يستحق هذا الشرف). فقد إكتشف بريستلى أنه مع تسخين أكسيد الزئبق، فإن الغاز الناتج قد اشتعل بتوهج شديد، لكنه لم يثمن طبيعة اكتشافه هذا. وهو ما سيكتشفه أنتونى لافوزييه (1743 – 1794) الذى أعلن أن الهواء يحتوى على غاز غير لاهوبى (الأكسجين) يدعم الإحتراق والحياة، وغاز لاهوبى أطلق عليه إسم (الهيدروجين). وتوصل إلى أن احتراق المادة العضوية ينتج ثانى أكسيد الكربون، وكانت تلك أول خطوة لفهم الأيض، وإدراك أننا نحصل على طاقتنا الخاصة من حرق المادة العضوية، أى أننا آلات حرارية. أصبح لافوزييه يسمى “أبو الكيمياء الحديثة” وصارت هناك حاجة لنظام جديد وحديث من الأسماء الكيميائية ومجموعة مصطلحات للتخلص من علم الخيمياء الكاذب ولغته الميتة،فتم وضع نظام لتسمية المواد الكيميائية مانزال نستخدمه حتى اليوم.

كان جون دالتون (1776 – 1844) من اوائل الكيميائيين النظريين الذين استخدموا الميكانيكا النيوتنية ورؤيته الخاصة للواقع المادى، ولم يقتنع بأن التجريب هو كل شئ فى البحث العلمى. وبينما كان يفكر مليا فى الغلاف الجوى وتركيبته، سأل السؤال الكبير: هل كل الذرات لها نفس الحجم والوزن؟كانت تلك هى القفزة العلمية النظرية الكبرى، إنه الانفصال التام عن الذريين اليونانيين القدامى. افترض دالتون أن ذرات نفس العنصر متماثلة، لكن ذرات كل عنصر تختلف عن العنصر الآخر من حيث الحجم والوزن. ويتفق معظم المؤرخين على أن دالتون قد قدم نظريته الذرية فى عام 1803. لم يستطع دالتون بالطبع تحديد حجم أو وزن أى ذرة، لكنه استطاع أن يحدد الحجم والوزن النسبيين للذرات، وباختيار الهيدروجين، العنصر الأخف، واعطاءه اعتباطيا الرقم واحد، سيكون من الممكن حساب الوزن النسبى للأكسجين، أو أى عنصر آخر فى مركب ما. قانون النسب المحددة هذا قد أسس الكيمياء كعلم رياضى، وأثبت إلى حد كبير أن الطبيعة كانت رياضية كما رسخ ذلك جاليليو وكيبلر ونيوتن. ولكى يتم فهم عمل الكيمياء بشكل سليم، كانت هناك حاجة لمعرفة الأوزان النسبية للذرات وتركيبها بنسب صحيحة. ولأول مرة، طرحت على المجتمع العلمي نظرية منطقية عن هذا العالم الميكرسكوبى.

قام جيه جيه بيرزيليوس (1779 – 1848) بتحليل آلاف المركبات لإيجاد الأوزان النسبية الصحيحة. وابتكر رموزا عصرية للمركبات الكيميائية، نجم عنها فيما بعد علم جبر الكيمياء، الذى سمي علم قياس العناصر. كما سمح اختراع البطارية الكهربائية باكتشاف عناصر جديدة باستخدام التحليل الكهربى. (فى عام 1800 قام مهندس اسمه نيكولسون بكهربة المياه لإنتاج الهيدروجين والأكسجين)وعند إذابة أملاح مثل كلوريد الصوديوم وتمرير تيار كهربائى خلالها، كان المعدن يتجمع دائما عند القطب السالب (الكاثود) والعنصر الآخر عند القطب الموجب (الأنود). وقد استخلص بيرزيليوس أن القوى الكهربية تمت بصلة قرابة للكيمياء. ربما كان هذا الإستخلاص هو الفكرة الأكثر أهمية فى كيمياء القرن التاسع عشر، بعد ذرات دالتون.إعتقد بيرزيليوس أن كل ذرة لها شحنتين موجبة وسالبة، إحداها أكبر من الأخرى، والأكسجين فقط كان سالباً بشكل كامل، كما اعتقد أن تجاذب الذرات سببه أن الطرف السالب للذرة يجذب الطرف الموجب فى الذرة الأخرى.

فى عام 1859 قام الكيميائيان بونسن وكيرشوف بتطوير المطيا.فعند وضع العنصر فى النار وتقسيم الضوء الناتج بالمنشور، كانت تنتج خطوط طيف قليلة، وكانت تلك الخطوط هى بصمات العناصر. وهكذا تمكن بونسن وكيرشوف من تحديد أطياف العناصر المعروفة وقتها. نظر آخرون للنجوم واستطاعوا تحديد العناصر المكونة لها، وفيما بعد، فى ضوء الشمس، كان طيف الهيدروجين يُشاهد مع طيف جديد لعنصر لم يكن مكتشفا على الارض،فأدركوا أن الشمس تحتوى على عنصر غير معروف أسموه “هليوم” على اسم إله الشمس الإغريقى Helios.

خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، راحت الحجج تمضى وتجئ فيما يخص عدد الذرات الموجودة فى كل مركب. واقترح مدرس كيمياء مغمور يدعى أميديو أفوجادرو، مصطلح الجزىء، وافترض أن عدد الجزيئات فى حجم معين من الغاز، هو نفسه مهما كان هذا الغاز. وبحلول عام 1860، كان هناك جدل خاص بماهية النسب الأساسية للاوزان الذرية للعناصر، فاقترح ستانسلاو كانزارو (1826 – 1910) فى أحد المؤتمرات العلمية إعادة النظر فى فرضية أفوجادرو. وبنهاية المؤتمر تم التوصل لجدول خاص بالأوزان الذرية، وتم قبول مفهوم الجزئ وتوطيد مجموعة متسقة من الصيغ الكيميائية والأوزان الذرية فى النهاية. فى ذلك الوقت، كانت الكيمياء فى فوضى هائلة بسبب الآف المركبات التى اجتازت عشرات الآلاف من التفاعلات بلا منطق أو نظام. عندئذ، جاء ديمترى ماندليف (1834 – 1907) الذى لاحظ الطبيعة الدورية للعناصر، فبمجرد البدء بجدولة العناصر وفقا لترتيب أوزانها الذرية، تبدأ خصائصها فى التكرار بين الحين والآخر. وفى عام 1869، قام بتصميم جدول لتلك الفترات المتكررة، وعندما كان يجد عنصرا لا يتشابه فى خصائصه مع العنصر الأعلى منه، كان يتخطى موضعه، والنتيجة أن العناصر المتشابهة كانت تنتظم فى صفوف فوق بعضها البعض. وقد تنبأ ماندليف، بناء على جدوله، بأن هناك عناصر مجهولة سيتم اكتشافها فيما بعد، وهو ماحدث بالفعل. ويبقى اليوم لافوازييه ودالتون وبيرزيليوس وماندليف باعتبارهم الأسماء الأربعة الأعظم فى تطور الكيمياء كعلم.

ربما يكون سفانت أرينيوس (1859 – 1927) أول كيميائى فيزيائى، حيث قدم مقترحا لتطوير نظرية للتوصيل عبر السوائل، فالماء النقى لايوصل التيار الكهربائى كذلك ملح كلوريد الصوديوم. لكن الملح المذاب فى الماء يوصل الكهرباء بينما السكر المذاب لايفعل ذلك. كانت نظرية أرينيوس أن بعض الجزيئات تذوب فى الماء مكونة محلولا لديه جزيئات مشحونة أو أيونات، الأيونات الموجبة تسمى “كاتيونات” والأيونات السالبة “أنيونات”، وكانت تلك الأيونات هى التى تقوم بتوصيل التيار من قطب كهربى إلى آخر.

فى عام 1800، كانت الكيمياء العضوية بسيطة جدا. كان هناك عدد قليل من المركبات العضوية المعروفة مثل الشمع والدهون والزيوت والأسيتون والسكاكر واليوريا والكحول. ووفقا للنظرية الحيوية، فان المركبات العضوية تنتجها الطبيعة وتحتوى على روح حية ولا يمكن تصنيعها فى المعمل من قبل البشر، ووجد أن نسبة الهيدروجين إلى الأكسجين فى السكر والنشا والخشب والصمغ، كانت هى نفس نسبتهما فى الماء، وبالتحديد ذرتين هيدروجين لكل ذرة أكسجين، وكان الكربون هو المكون الرئيسى الآخر لتلك المركبات العضوية، ومن هنا اكتسبت اسم الكربوهيدرات. عمل فريدريش فوللر (1800 – 1882) على تصنيع المركبات العضوية فى المعمل، وفى عام 1828 ومع تسخين سيانات الامونيوم أنتج فوللر المنتج الطبيعى اليوريا، الذى تم استخراجه سابقا من البول. كتب فوللر الى بيرزيليوس قائلا “يمكننى تحضير اليوريا دون الحاجة الى “كلية” حيوان، سواء انسان او كلب”. زعم المؤيدون للنظرية الحيوية أن البولينا التى أنتجها فوللر كانت نوعا من المركب البينى وليست عضوية حقيقة، لكن الباب كان قد انفتح، وبحلول عام 1860 بدأ تصنيع بعض المركبات العضوية. (واليوم يجرى تصنيع الأحماض الأمينية والبروتينات).

اكتشف فريدريك كيكول (1819 -1896) فكرة الهيكل الكربونى لصنع المركبات العضوية، فالكربون له روابط  تتصل ببعضها أو بذرات أخرى لصنع جزيئات عضوية. وفيما بعد بعدة سنوات كان كيكول يغفو امام لهيب مدفأته حين راوده حلم ثعابين تأكل ذيول بعضها البعض، وحصل بتبصر على التركيب المدهش لجزئالبنزين.وجرى تصنيف جديد من المركبات العضوية سميت بالجزيئات العطرية.

على مدى مائة عام، من أواخر القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت الكيمياء علما وحققت تقدما ملحوظا. وعرف الجميع أنه يجب أن تكون هناك آلية للترابط الكيميائى، أى ما يجعل الذرات متماسكة سويا. فى نفس الوقت، سقط حاجز كونى عظيم آخر، وهو النظرية الحيوية التى فصلت الكيمياء العضوية عن غير العضوية، وهما مصطلحان ما زلنا نستخدمهما لليوم. كانت صناعة الكيمياء، بمثابة مهماز القرن التاسع عشر، حيث جرى التعرف على مئات الآلاف من المركبات الجديدة التى تم تخليقها فى المختبرات.

كان الأغريق بشكل عام، متميزين فى التشريح عامة، ولم يدركوا أهمية علم وظائف الاعضاء، بما يعنى أنهم كانوا معنيين بملاحظة ووصف التراكيب بشكل أفضل كثيرا من الوظائف الحيوية. لايمكننا تجاهل دور أبوقراط (460 – 370 ق.م.) فى محاولته تخليص الطب من هيمنة السحر والطقوس، بالاعتماد على المنهج العلمى فى ملاحظة أعراض المرض وتسجيل الحالات السريرية، وتدوين كل حقيقة من حقائق المرض وتصنيف الأمراض وتبويبها. فقد اعتمد أبوقراط على الخبرة والتجربة العملية، وسعى لجعل الطب علما موضوعيا، وهو أول مدون لكتب الطب وصاحب القسم الشهير المسمى باسمه والذى مازال يقسمه الأطباء قبل مزاولة مهنة الطب اليوم.

كما يعتبر جالين (129 – 200 م) أحد أعظم الأطباء اليونانيبن، ويعد إسهامه الأعظم هو دوره فى تطوير علم التشريح، حيث طرح تصوره بأن التشريح ضرورى لإكتساب المهارة والمعرفة الطبية. وقد كانت لديه مهارات تشريحية عظيمة، وترك وراءه عملا غزيرا ودقيقا بشكل كبير. وقد هيمن جالين على التشريح وعلم وظائف الأعضاء على مدى ألف وخمسمائة عام لأن نظامه كان صالحا فى الغالب. ولم تحدث أي مراجعة لنظام جالين إلا مع القرن القرن السادس عشر مع مجئ أندرياس فيساليوس (1514 – 1564) الذى يعتبر مؤسس علم التشريح الحديث، بعد أن قام بتصحيح تشريح جالين.

اكتشف هيرونيموس فابريسيوس (1537 – 1619) صمامات الاوردة الدموية التى تمنع الدم من السقوط فى الاطراف السفلية. وفى نفس الوقت تقريبا، إكتشف علماء التشريح الدورة الدموية الصغرى بين القلب والرئتين عن طريق تحديد الشريان الرئوى. ولاحظ ويليام هارفى (1578 – 1657) أن القلب كان يعمل بالحركة الميكانيكية للمضخة، مثل ضخ المياه خلال أنبوب. كانت وظيفة الصمامات فى الأوردة واضحة حيث يتم إرجاع الدم إلى القلب. وقدم هارفى  ثلاثة اسهامات، فقد طور الطب وعلم الحياة على أساس متين من الملاحظة والتجريب، كما قدم تفسيرا كميا لدراسة علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء. وكان اسهامه الأهم هو إكتشاف الجهاز الدورى. لقد تصور هارفى نظاما هيدروميكانيكيا للدورة الدموية العامة فى الجسم، ووصف الجهاز الدورى كنظام ميكانيكى كبير لأنابيب وصمامات موصولة بمضخة، وهى القلب. لكنه كان مازال لا يعرف شيئا عن الشعيرات الدموية، والتى لم تُكتشف إلى أن جاء مارسيللو مالبيجى (1628 – 1694) الذى اكتشفها عام 1666 بعد انتشار استخدام الميكروسكوب.

مع تطور الابحاث الطبية والتشريح تم اكتشاف جسم الانسان بالتفصيل، وانتقل الطب نهائيا من مرحلة العلاج بالسحر والتعاويذ والأعشاب الطبية، لأن يصبح علما تطبيقيا، يقوم على الدراسات العلمية الموثقة بالتجارب السريرية. وتأسست العلوم الطبية المتخصصة مثل علم الأمراض وعلم وظائف الأعضاء وعلم الأدوية وعلم الميكروبات. وراحت تتراكم المعارف الطبية فى تلك العلوم المتخصصة، وتحولت الجراحة من فن يقوم به الحلاقون، إلى حرفة تمارس وفقا لأسس علمية متفق عليها. ويعتبر جون هنتر (1728 – 1793) أبو الجراحة العلمية الحديثة. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر تغيرت الجراحة بشكل كبير مع اكتشاف مواد كيميائية مخدرة مثل الأثير والكلوروفورم، مما سمح بإجراء علميات جراحية أكثر تعقيدا داخل الجسم البشرى. وبناء على جهود وأبحاث لويس باستير (1822 – 1895) تم اكتشاف المطهرات والتعقيم والمضادات الحيوية ونشأ علم الصيدلة ليستقل علم الأدوية والعقاقير عن باقى علوم الطب التطبيقية. وجرى تصنيف الأمراض وتشعبت الممارسة الطبية إلى عشرات التخصصات المختلفة.

تعتبر البيولوجيا نتاجا للقرن التاسع عشر. لكن أول محاولة كبرى لعمل ترتيب ونظام للبيانات البيولوجية الهائلة التى جمعت منذ عصر كولومبوس بدأت بواسطة عالم الطبيعة وخبير علم التصنيف كارلوس لينايوس (1707 – 1778) جامع الطيور والنباتات الذى عمل على استنباط نظام من تلك الفوضى الظاهرية، فطور نظاما لتصنيف كل من النباتات والحيوانات قائم على تحديد أجناسها وأنواعها وتشابهها، آخذا ملاحظات خاصة عن أجهزتها التناسلية. وفى نظامه، تم تصنيف الإنسان باعتباره: الشعبة–حبلى، الأميمة– فقاريات، التصنيف–ثدييات، الترتيب–رئيسيات، العائلة–شبه انسانى، الجنس–انسان، النوع–عاقل. ومن ثم فاننا نسمَى “هوموسابينز”.

إعتقد لينايوس أن العالم الطبيعى يجب أن يكون مرتبا ومنظما، وتمسك بأفكار الكمال والتعاقب والإستمرارية وخصوصا عدم القابلية للتغيير. ولم يعتقد أن الأنواع قد تطورت أو أنأى منها انقرض.

تصور كومت دى بوفون (1707 – 1788) نفسه أنه نيوتن الفلسفة الطبيعية، وحاول تصميم وصف تفصيلى للعالم الطبيعى بما يوحد علم كون وميكانكا نيوتن مع ملاحظات العالم الطبيعى، وما يشمله من حيوانات ونباتات ومعادن وجغرافيا ومناخ وطبقات الأرض. عمل بوفون لأكثر من 35 عاما (من 1749 الى 1785) بمشقة على سفره الضخم المكون من 36 مجلدا بعنوان “تاريخ الطبيعة”، وإعتقد أن الكائنات الحية لها تاريخ طبيعى، وعرف عن السجل الحفرى والإكتشافات الحديثة.

فى عام 1755 افترض ايمانويل كانط أن النظام الشمسى تكون من مادة انفصلت عن الشمس. أعجب بوفون بتلك الفكرة لأنها بدت متوافقة بشكل لطيف مع بنية الكون النيوتنية. وطرح تساؤلا عن إمكانية أن تكون الأرض والنظام الشمسى قد تكونا من إنفجار هائل ناتج من جراء تحطم مذنب فى الشمس؟ وبشكل عبقرى، قام بوفون باذابة بعض كرات الحديد وانتظر ليرى المدة الكافية لكى تبرد ويمكن لمسها، والتى كانت عدة ايام. واستنتاجا من بياناته، قام بوفون بحساب الوقت اللازم لكرة من الحديد بحجم الارض لكى تبرد بشكل كافى لدعم الحياة. وقد توصل لرقم حوالى 74.000 عام.

بدأ الاهتمام الجاد بتاريخ الأرض والجيولوجيا تقريبا فى زمن تخرج نيوتن. وأثناء بناء قناة فى شمال إيطاليا جرى تعرية طبقات الارض الصخرية، ولاحظ نيكولاس ستينو (1638 – 1686) وجود أسنان متحجرة لسمكة الكلب كانت غائرة فى الصخور، وعلل ذلك بأن أسنان سمك القرش قد غاصت فى الصخور، مفترضا أن الصخور كانت وحلا طريا فى الزمن الذى ترسبت فيه الأسنان. وبالتالى خلص إلى أن طبقات الأرض لم تخلق كلها فى نفس الوقت، لكنها تراكمت تباعا، طبقة فوق أخرى. بحلول القرن الثامن عشر ومع التطور المعقد لبناء القنوات والمناجم، راكم المهندسون معارف هائلة تخص تركيب وتكوين طبقات الأرض، كما تلقوا معلومات عن العالم الجديدالمكتشف حديثا. لم تكن نظرية الفيضان العظيم الوحيد كافية لتفسير كل التغير الجيولوجى،فلم تكن كمية المياه الموجودة فى المحيطات والانهار كافية لتغطية كل سطح الأرض. (إذا استخدمت البيانات التى لدينا اليوم فسنجد أن ذلك يتطلب مرتين ونصف كل المياه التى على الأرض لتغطى كامل سطح الارض. ولنتذكر، أنجبل إفرست يجب أن يكون مغمورا أيضا!)

كان إبراهام ويرنر (1749 – 1817) أول جيولوجى عصرى طور نظرية منهجية وشاملة فى الجيولوجيا، وعمل على إعداد مخطط شامل للصخور، أماكنها وأوصافها وتكوينها وأسمائها. كان لنظرية ويرنر شقين،أن الأرض كانت ذات يوم مغلفة بمحيط كونى، وأن طبقات الصخور التى كونت قشرة الارض عبارة عن ترسبات أو رواسب من ذلك المحيط. كان المفتاح الرئيسى لنظرية ويرنر هو اعتقاده أن الجرانيت كان الطبقة الصخرية الأولى التى ترسبت من حساء المحيط العظيم. أى أنه لم يعتقد أن الجرانيت كان ذو أصل نارى أو بركانى. اعتقد ويرنر أن طبقة الصخر قد ترسبت فى خمسة حقب كبرى كانت المحيطات تغطى الأرض أثنائها، بداية من الجرانيتوانتهاء بالطين والرمال، ولم تلعب الأنشطة البركانية دورا فى تشكيل جيولوجيا الأرض ككل.

قام جيمس هوتون (1726 – 1797) بتحدى نظرية ويرنر، فمع ملاحظة طبقات الجرانيت البارزة فى أرضه الخاصة، وبفحص الطبيعة البللورية للجرانيت استخلص أنه نارى المنشأ، بما يعنى أن القوى البركانية قد لعبت بالفعل دورا بارزا فى تشكيل قشرة الأرض. وقد حدد هوتون أن جبال إسكتلندا كانت بالأساس ذات طبيعة نارية، وليست رسوبية. ووجد فى مكان آخر دليلا على أن الجرانيت يغطى طبقات رسوبية أقدم، وبدى أن الجرانيت أحدث الصخور وليس اقدمها.

لكن كيف أصبحت قيعان المحيطات قمما للجبال؟ كيف تفاعل الماء والنار لتشكيل الارض؟ ماهو عمر الارض؟ ماهى طبيعة العمر الجيولوجى؟ هل كان كل شئ ثابت أو دائم؟ الإجابة على تلك الأسئلة توجد فى علم طبقات الارض، وفى خرائط الطبقات الجيولوجية، وتفسير الدليل من الحفريات.

كان ويليام سميث (1769 – 1839)، أول من أدرك الدلالة التاريخية الحقيقية لطبقات الصخور، وأول من رأى علاقة بين حفريات معينة وطبقات خاصة من الأرض. وأول من قام بتحديد ما نسميه اليوم بالطبقة الجوراسية، والكثير من مصطلحاته مازالت باقية فى مراجع الجيولوجيا حتى اليوم. كما كان جورج كوفير (1769 – 1832) أول من اكتشف كيفية تركيب حيوان كامل من حفريات العظام القليلة المكتشفة. واكتشف أن حفريات معينة كانت مصاحبة لطبقات محددة، ولاحظ أن سجل حفريات أنواع معينة غالبا ما ينتهى بشكل مفاجئ، ليجرى إحلاله فى سجل الحفريات بحيوان آخر، أحيانا الرخويات أو المحار، وأحيانا الأسماك وأحيانا الديناصورات وأحيانا الثدييات او الطيور. كان كوفير أول من اكتشف الزاحف المجنح (البتيروداكتيل). وأن هناك أحد الأنواع الكبرى التى اختفت من السجل الحفرى من ناحية ثانية وهو الإنسان العاقل (الهوموسابينز).

كان شارلز ليل (1797 – 1875) عالم الجيولوجيا الأكثر تميزا ونفوذا فى عصره، فهو (نيوتن) الجيولوجيا. كان صديقا شخصيا ومقربا من داروين وكان له أثر كبير فى كتابة “عن أصل الأنواع”. تخلى ليل عن أفكار كوفير وهوتون، وجادل بأن كل الصخور التى نراها على الأرض قد تكونت بنفس العمليات الكيميائية والفيزيائية البطيئة التى نراها اليوم. عكف شارلز داروين (1809 – 1882) على دراسة عينات الحيوانات التى جمعها فى رحلته على السفينة “بيجل” التى استغرقت خمسة سنوات ليصدر بعدها سفره العظيم “عن أصل الانواع”، تناول فيه نشوء وارتقاء الكائنات الحية على كوكب الأرض. ويجب هنا التنويه إلى أن داروين لم ينشئ التطور، فلم تكن نظرية التطور إسهام داروين الرئيسى فى التاريخ الطبيعى أو علم الاحياء، وتلك النقطة غالبا ما تكون مشوشة. عندما يفكر المرء فى داروين، فغالبا ما يفكر فى التطور ويفترض أنه كان الإنجاز العلمى الأساسى لداروين. فما قام به داروين كان طرح آلية الانتخاب الطبيعى حيث يمكن للتطور أن يحدث بشكل منطقى.

تأسست آلية داروين للانتخاب الطبيعى على ثلاثة مبادئ، تزايد التعداد بشكل طردى، وحدوث التنوع ضمن النوع الواحد، وإمكانية توريث الصفات.

كان هناك أسلاف عديدون لداروين بالنسبة للنظرية التطورية، مثل بوفون، الذى إفترض وجود تغيير وتطور فى الحياة العضوية من الوحل البدائى إلى الكائن البشرى، وإيرزمس داروين (جد داروين) الذى قدم فى كتابه “زوونوميا” نظرية للتطور العضوى، وجين بابتيست لامارك (1744-1829)الذى درس داروين كتابه فلسفة علم الحيوان. كان لامارك تلميذا لدى كومبت بوفون، وكان أول من استخدم مصطلح “بيولوجيا” فى عام 1802، وطرحت نظريته عن التطور فكرة أن البيئة تتسبب فى حدوث تغييرات فى الحيوانات، وأن الحياة مركبة بشكل مرتب.

كما استبق روبرت شامبرز داروين بافتراض نظرية تطورية للتاريخ الطبيعى فى الكتاب الذى اصدره عام 1844 بعنوان “آثار التاريخ الطبيعى للخلق”، واختلف شامبرز عن داروين فى محاولة البرهنة على غائية التاريخ الطبيعى، وحاول تقديم نظرية تطور توفق بين التاريخ الطبيعى والخلق حسب الكتاب المقدس.

أخفقت انتقادات داروين عموما بأربعة طرق، فقد كان بوفون هو الذى ضمن التطور التدريجى من الوحل البدائى للانسان، وكان شامبرز، وليس داروين،هو الذى قدم النظرية الغائية للتطور، ثم أن لامارك، وليس داروين، هو من جادل بأن الكائنات شاءت مصيرها التطورى الخاص بها.

كانت نظرية داروين الخاصة بالتحدر مع التعديل قد تطورت دون معرفة علم الجينات أو قوانين الوراثة. فالجدل الذى صار فى النصف الأول من القرن التاسع عشر بشأن الانتخاب الطبيعى والتطور جرى دون أى فهم لعلم الجينات. وفى عام 1856، إكتشفت بالصدفة بعض عظام قديمة شملت جمجمة كاملة، وبتحليلها تبين وجود انخفاض قوس الحاجب، وبروز الفك السفلى، والبروز الكبير لمقدمة الرأس، والوضع الثقيل الذى اعيد بناءه من الهيكل العظمى. تسبب إكتشاف تلك الجمجمة فى إثارة جدل كبير فى الحقل العلمى. وبعد مرور خمسين عاما اتفق علماء الإحاثة على أن إنسان “نياندرتال” كان شبيه الإنسان وأنه قد عاش فى الفترة بين عشرين ألف ومائة ألف سنة قبل الميلاد.

فى القرن التاسع عشر، ركزت الداروينية على التنوع والانتخاب الطبيعى والصراع من أجل البقاء، أى على تطور الأنواع. وكان الميكروسكوب مفتاح بزوغ البيولوجيا المعاصرة، إذ يرجع الميكروسكوب لحوالى عام 1590 عندما استخدم أنتونى فان ليوفينهوك (1632 – 1723) ميكروسكوبا بدائيا بتجميع العدسات المقعرة والمحدبة فى نهاية أنبوب، ثم قام بتحسينه وأجرى بعض الدراسات الرائعة على البللورات والأملاح المعدنية والنباتات والحيوانات والماء واللعاب والسائل المنوى وحتى بودرة البارود، وقد اكتشف الحيوان المنوى وكائنات مجهرية أخرى. عند وفاة ليوفينهوك، وجد أقاربه أكثر من أربعمائة ميكروسكوب وعدسة مكبرة فى معمله.وقد طور روبرت هووك (1635 – 1702) استعمال الميكروسكوب، وفحص الفلين ووجد ثقوبا قليلة أطلق عليها اسم “خلايا”. وفى ثلاثينات القرن التاسع عشر، دشنتحسين العدسات المركبة حرفيا عالما جديدا من البحث.

اعتقد ماتياس جاكوب شيلدين (1804 – 1881) أن البيولوجيا يجب أن تتعامل مع التركيب الفعلى للنباتات والحيوانات الخاضعة للفحص، خاصة باستخدام الميكروسكوب، واستخلص أن الخلية هى مفتاح فهم علم النبات، وأن النواة هى العضو الأولى للخلية، وأعاد تسميتها بالسيتوبلاست. كما قرر شيلدين أن خلية النبات تحيا حياة مزدوجة، فهى تتمتع بتطور وتركيب مستقل، لكنها أيضا تخدم وظيفة تكاملية كجزء من النبات. كان أصل الخلايا مشكلة حرجة لشيلدين ولم يستطع حلها، فطور نظرية تسمى التكوين الحر للخلية، معتقدا أن الخلايا ربما تتكاثر بشكل ما مثل البللورات، والأهم أنه قد رفض كل نظريات التوليد الذاتى لصالح الآلية البيولوجية.

اكتشف ثيودور شوان (1810 – 1882) الغلاف المحيط بالألياف العصبية (الذى سمى بإسمه). واكتشف انزيم البيبسين بينما كان يدرس عملية الهضم،وتحدت تجاربه فى التخمر نظريات النشوء التلقائى. وكان إسهام شوان الأعظم لنظرية الخلية هو وصفهلطبيعة ووظيفة نواة الخلية. فقد وجد أن النواة هى مفتاح فهم التركيب الخلوى للحيوانات. ومن خلال دراساته الميكروسكوبية لاحظ شوان بعض التشابه بين خلايا النبات والحيوان، لكنه كان متأثرا باختلافاتها وبالتنوع الكبير للخلايا الحيوانية مقارنة بخلايا النبات. ويعزى إلىرودولف لودفيج كارل فيرشاو (1821 – 1902) تكوين نظرية الخلية فى شكلها الحديث، ودمجها فى علم الأمراض كحجر مؤسس للطب العلمى الحديث. إكتشف فيرشاو ووصف سرطان الدم “اللوكيميا”، وركز على مسألة التوالد الخلوى. لم يرفض فيرشاو النشوء التلقائى فحسب لكنه رفض أيضا نظرية شيلدين عن التكوين الحر للخلية، وخلص إلى أنه فى النمو الطبيعى تتكاثر الخلايا من إنقسام خلايا أبوين، بمعنى أن كل الخلايا تنتج من خلايا موجودة، فلا يوجد مكان آخر تنشأ فيه الخلايا. وبحلول عام 1870 حدد العلماء الخطوات الأولى لإنقسام نواة الخلية (الانقسام الفتيلى) وباستخدام تقنيات جديدة للصباغة، إكتشفت الكروموسومات وجرى تحديد دورها الرئيسى كأدوات للتكاثر. تلك التطورات فى نظرية الخلية وعلم الامراض جدثت بالتوازي مع اكتشاف البكتريا.

دُرست الوراثة أولا بشكل علمى بواسطة جريجور مندل (1822 – 1884) فى ستينات القرن التاسع عشر. حيث قام مندل بزراعة 29,000 نبات بازلاء فى الفترة من عام 1856 حتى عام 1863، ودرس بعناية نواتج تهجين تنويعات مختلفة من البازلاء. كان باحثا يبذل مجهودا عظيما ويعطى اهتماما دقيقا بالتفاصيل، وما لاحظه مندل هوأن بعض الخصائص كانت تنقل سليمة بشكل ظاهرى، مع قليل من التغيير، بينما بداأن الخصائص الأخرى قد اختفت تماما. وقد سمى الخصائص أو الصفات الأولى “سائدة” والخصائص أو الصفات الخفية “متنحية”. وفى الأجيال التالية من التهجين، كانت الصفة المتنحية تعاود الظهور فى نسبة بين السائد والمتنحى حوالى ثلاثة الى واحد.

وقد درس تى إتش مورجان (1866 – 1945) ذبابة الفاكهة “الدروسوفيللا”، ولاحظ التغيرات فى كروموسومات الدروسوفيلا تحت الميكروسكوب وعمل خريطة لها. وأصدر كتابه التاريخى “آلية الوراثة المندلية” فى عام 1915، مما رسخ بشدة المبادئ المندلية لدى علماء البيولوجيا. وفيما تلا ذلك، فإن التركيز الرئيسى لعلم الوراثة – والتركيز الأكبر للبيولوجيا نفسها – كان على البحث وفهم الأسس البيوكيميائية للوراثة. (يعرف هذا المجال الآن بالبيولوجيا الجزيئية). وهناك ثلاثة انجازات فاصلة قد حدثت فى البيولوجيا الجزيئية وهى شرح تركيب الحمض النووى دنا(DNA)، واكتشاف الآلية التى يضاعف بها جزئ دنا نفسه أثناء انقسام الخلية، ثم أخيرا فهم كيفية تحكم دنا فى تركيب البروتينات التى تصنعها الخلية.

تعتبر البروتينات وحدات بناء الخلية الحية، وهى جزيئات كبيرة جدا مصنوعة من سلسلة جزيئات أصغر تسمى الأحماض الأمينية، وهناك ما يقرب من عشرين حمض أمينى موجودين فى الطبيعة. كل الأحماض الأمينية لديها نفس التركيب الأساسى، مجموعة حمضية عند طرف ومجموعة أمينية عند الطرف الآخر. وتصنع البروتينات النموذجية ذات الأهمية فى الكيمياء الحيوية للحياة من عدة مئات أو آلاف الأحماض الامينية. بعد اكتشاف الكروموسومات، يعتبر اكتشاف التركيب الجزيئى للحامض النووى دنا أحد أعظم التحديات العلمية، حيث بدأ فرانسيس كريك (1930 – 2007) وجيمس واتسون (1928 – ……) دراستهما لـ دنا فى خمسينات القرن العشرين وحددا أن دنا كان مطويا فى لولب مزدوج. وباكتشاف تركيب دنا تم تحديد أن الشفرة الوراثية محمولة بأربعة قواعد مختلفة فى دنا، الأدنين، السيتوسين، الجوانين، الثايمين. وبترتيب مجموعات ثلاثية من تلك القواعد يتم السماح لـ دنا باختيار الأحماض الأمينية المفردة فى الترتيب السليم عند تجميع البروتين ما يتيح له حمل ونقل المعلومات الوراثية للجيال القادمة.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الخلايا الجذعية … رؤية مستقبلية العديد من الأدوية لها آثار جانبية خطيرة بشكل ما، مع أن المرضى الذين يتلقون دواء لمرض معين لا يعانون جميعامن تلك الأعراض الجانبية، وفي الحقيقة قد تكون هذه الآثار الجانبية نادرة جدا.

أيمن أحمد عياد

الخلايا الجذعية… مستقبل الطب على صناع القرار السياسي والمشرعين ضرورة التعاون مع مراكز الأبحاث المتخصصة ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل التوافق على وضع الضوابط والمعايير التي تنظم أبحاث الخلايا الجذعية. ونقترح على المجتمع العلمي بضرورة إنشاء (هيئة دولية لأبحاث الخلايا الجذعية) برعاية الأمم المتحدة.

أيمن أحمد عياد

العلم … والثورة

أيمن أحمد عياد

رحلة العلم (1/3)

أيمن أحمد عياد