توافقات ثورية: الثورة الروسية (الجزء السادس)

قراءات, قضايا

31  أكتوبر  2017

“نستور ماخنو” Nestor Makhno: ماركسيين و أناركيين في أوكرانيا (1918-1921)


يعتبر نستور إيفانوفيش ميخنيانكو، الملقب ب”ماخنو”، Nestor Ivanovitch Mikhnienko  (1889 – 1934) من أبرز الشخصيات التي ترمز للنزاع بين الفوضويين والماركسيين. فمثل بحارة كرونشتاد، يستدعي إسمه الخلاف بين الأسرتين الثوريتين. هنا أيضا، حدثت تحالفات وقتية، تلاها تمزق مأساوي. يروي “إيف تارنون”Yves Ternon في كتابه “ماخنو، التمرد الأناركي(1)، فصول الحياة الملحمية لذلك الثوري غير المألوف. فكان “ماخنو” من عائلة فلاحين فقراء تعيش في جنوب أوكرانيا، وانخرط في بناء حياته وكأنه في عجلة من أمره. فبدأ يعمل وهو في العاشرة من عمره. ثم، وهو في السادسة عشر، بدأ عمله السياسي داخل المجموعة الشيوعية اللاسلطوية (Anarcho-communism) في منطقته، واسمها “جولاى – بولي” Goulai-Polé. إلا أن مشاركته في الأعمال الراديكالية للمجموعة – المعروفة بممارسة سياسة “الرعب الأسود” : مثل حرق ممتلكات زراعية كبيرة، هجمات على المحافظ المحلي – قادته إلى السجن المركزي في موسكو، عام 1908، ليقضي حكما بالسجن لمدة تسع سنوات. هناك، تعرَف على الناشط الفوضوي “بيير أرشينوف” Pierre Archinov، حيث واصل معه تثقيفه النضالي. وفي فبراير 1917، أطلقت الثورة الروسية سراحه. وعندما عاد إلى أوكرانيا، إلتقى برفاقه وقرر أن يؤسس إتحاد الفلاحين، الذي أصبح سوفييتا محليا حقيقيا بسبب الغليان الثوري آنذاك. فشرع إتحاد الفلاحين في تأميم الأراضي وفي مصادرة المصانع. وكان يعمل “ماخنو” بهمة داخل اللجنة المحلية.
فجاءت معاهدة سلام برست – ليتوفسك، Brest-Litovsk التي تم عقدها في مارس 1918، لتغير مجريات الأمور، حيث كانت تنوي تفكيك الإمبراطورية الروسية ومنح حق تقرير المصير لأوكرانيا؛ فتلك المعاهدة كانت تعني عودة الألمان وملاك الأراضي الكبار إلى منطقة أوكرانيا. فتَداخلت المسائل الإجتماعية بالمسائل الوطنية. وفي عام 1918، بعد بضعة أشهر، عندما بدأ موسم الحصاد، جُرِد الفلاحين من محاصيلهم بسبب المصادرات العسكرية. وبسبب تلك الإجراءات أدرك الفلاحون قسوة الإحتلال الأجنبي العسكري. فقرر “ماخنو” التوجه إلى موسكو للعثور على الدعم والتحضير للتصدي لتلك الإجراءات؛ فالتقى هناك بالأناركي “كروبوتكين” Kropotkine، و لكن دون نتيجة تُذكر. بينما استقبله  “لينين” في مكتبه بالكريملين “بطريقة ودية”، بحسب “فيكتور سيرج”(2) . فيروي “ماخنو” في مذكراته، لقائه مع “لينين” ويصفه باللقاء الذي اتسم باللياقة والصدق. وفي كلامه عن “لينين”، يعبر عن “احترامه لرجل كان ينبغي التطرق معه لمواضيع عديدة، وتعلم الكثيرمنه”. خلال لقائهما، وذلك وفقا لما أورده “ماخنو” أيضا، كان  موقف “لينين” من “ماخنو” بنفس الإيجابية، حتى لو كان يشوب مجاملته له بعض الغموض، حيث قال له : “أنني أعتبرك، يا رفيق، رجل مدرك للواقع ولضرورات عصرنا. فلو كان ثلث أناركيو روسيا مثلك، سوف نكون، نحن الشيوعيون، مستعدون للعمل معهم في ظل شروط معينة…”(3).
عاد “ماخنو” من زيارته إلى موسكو، وكله اقتناع  بأن الأرضية جاهزة لتنظيم الفلاحين لبدأ حرب عصابات؛ وشرع فورا في تنفيذ ذلك. ويُبرز “فيكتور سيرج”-  الذي لا ينظرالبتة إلى شخصية “ماخنو” بمثالية أو تعظيم (حيث يصفه”بالسكير،المتهور، الفظ، المثالي والبارع في الإستراتيجية”) – الدافع الذي أدى ب”ماخنو” لقيادة التمرد لمدة ثلاث سنوات :”يتسم الفلاحون الأوكرانيون بروح التمرد، وقدرة التنظيم، وحب الحرية، وضرورة الاعتماد على أنفسهم فقط للدفاع عن مُقدراتهم، مما أدى إلى بزوغ حركة اتسمت بالإستمرارية و القوة بشكل غير عادي […]؛ و أعطت كونفدرالية “التوكسان” الأناركية [Tocsin و هو الإسم الفرنسي لحركة تُسمى “نبات” – Nabat  و هي حركة أناركية أُسست عام 1917 في مدينة كورسكالمترجم] أيدولوجية لتلك الحركة: وهي أيدولوجية الثورة الأناركية الثالثة.” (4) ومن هنا، وُلد الجيش الأوكراني الثوري المتمرد.وبدأ هذا الجيش رحلته الطويلة، بقيادة فرسان “حمر وسود” وحاملا راية شعارها “الأرض والحرية”. كان ذلك في سبتمبر 1918 وسوف تحرر تلك الإنتفاضة الفلاحية أوكرانيا كاملة، وذلك عن طريق بطولات عسكرية وإرادة تنظيم مجتمع جديد يرتكز على قواعد أناركية: فيعمل الجيش بمبادئ التطوع والإنتخاب، وتُدارالأراضي ذاتيا من قِبل الفلاحين، كما تُدار القرى من قِبل المحليات.
كانت تلك الحلقة الثورية مثالا آخر لتاريخ تشوبه الفوضى متجلية في إبرام وفسخ المعاهدات مع الجيش الأحمر. فلم يتردد الجيشان في التحالف من أجل محاربة الجيوش البيضاء القيصرية بقيادة الجنرال “دينكين”Dénikine . إلا أن “ماخنو” رفض في نفس الوقت، أية وصاية بلشفية.

وعلى الرغم من أنه تم إقامة أول علاقات مع السلطة، إلا أن الأناركى “ماخنو” لم يتقبل المفاهيم المركزية للسلطة السوفيتية، و كان يتوخى الحذر من خداعها ومناوراتها المحتمَلة. وسوف تُثبت الوقائع أنه كان على حق. فعلى سبيل المثال، تم إبرام إتفاقية في يناير 1919(5)  بين الجيش الأوكراني الثوري المتمرد والقائد السوفيتي “ديبينكو”Dybenko ، ذو الأصول الأوكرانية، والتي لم تُحترم قط. وازدادت الأمور اشتعالا وتفسُّخا بين “ماخنو” والسلطة البلشفية، مع وصول “تروتسكي” على رأس الجيش الأحمر في آخر مايو 1919، حيث حاولت السلطة البلشفية قمع تلك الحركة التي كانت تراها متمردة ويتعذَر التحكم فيها، فصدرت أوامر بمنع عقد مؤتمرات محلية وباعتقال وإعدام قيادات الجيش الأوكراني الثوري المتمرِد.
ولكن ازدادت شعبية جيش “ماخنو”، بعد انتصاره على قوات “دينيكين”. وعاشت الحركة أيام مجيدة في ذلك الوقت، وذلك على الصعيد السياسي والعسكري. ولكن من ناحية أخرى، فشلت المؤتمرات المختلفة للفلاحين والعمال الأوكرانيين في تأسيس بنية ديمقراطية خاصة بها؛ كما لم يتم التواصل مع الطبقة العاملة والتي لم يتم السعي له من الأساس. هنا، إصطدم االزخم الثوري بقواعد الأناركية القديمة، الغير صالحة – على هذا المستوى – للتنظيم السياسي الشامل. كما لم تكن الأرضية العسكرية أفضل أرضية  لتطبيق مبادئ الأناركية، كما تبوأ “ماخنو”، وهو المنظم البارع، مكانة الزعيم، “باتكو” أوكرانيا، أي “الأب الصغير”، مع ميل للسلطوية.
يؤكد “فيكتور سيرج”- الذي كان ضد قمع الجيش الأوكراني الثوري المتمرد – أن في موضوع الديمقراطية، ليس كل شيء بالضرورة أسود أو أبيض – وبمنظور آخر، أحمر (ماركسيين) أو أسود (أناركيين) – وبالتالي فلكل حركة حصتها من التناقضات أمام الأحداث: “لا أشك أنهما [“ألكسندر بيركمان” و”أيما جولدمان”] كانا مرتبكان وساخطان من أشياء كثيرة داخل حركة “ماخنو” (6) “. ولكن الحقيقة لا تزال قائمة، فإن قوة الجيش الأوكراني الثوري المتمرد تعتمد بالأساس على خوض تجربته الخاصة بصد الجيوش البيضاء وتحدي السلطات البلشفية من خلال إدارة مستقلة. وتكتب الحركة بذلك واحدة من الصفحات الفريدة في الحركة الأناركية.
ولكن، نجاح هذا الجيش أزعج البعض. ووصول الجيش الأحمر في جنوب أوكرانيا في أخر شهر ديسمبر زاد من التوتر وكان بمثابة بداية صراع مفتوح بين الأناركيين والماركسيين. وفي يناير 1920، قرر البلاشفة إعلان الجيش الأوكراني الثوري المتمرد “خارج عن القانون”. وبالتالي بدأ صراع بلا هوادة لمدة عدة أشهر أدى إلى موت عشرات الآلاف من الأشخاص.

 أما الهدنة القصيرة التي تمت على أساس إتفاق جديد عُقد في أكتوبر 1920 بين الطرفين ضد خليفة “دينيكين”، وهو البارون “رنجل”Wrangel  ، إنتهت فور انتصارهم على الجيوش البيضاء، في نوفمبر؛ ليعود الصراع بين المعسكرين من جديد حيث حشد البلاشفة قواتهم وبدأوا في مطاردة “ماخنو”.
كان “ماخنو” محارَبا ومطارَدا من طرف الجيش الأحمر لعدة أشهر، فهرب وهو مصاب، في أغسطس 1921، برفقة بضع عشرات من الأتباع (الأوفياء) وانتقل إلى رومانيا. سافر بعد ذلك إلى فرنسا مع عائلته في عام 1924؛ وهناك لم يعتزل “ماخنو” النضال، وإن كان نضالا على الصعيد النظري . ففي 1926، نشط داخل مجموعة الأناركيين – الشيوعيين الروس في الخارج وأسس البرنامج التنظيمي للإتحاد الأناركي العام [أي البرنامجية – Platformism وقد طُرح هذا المفهوم في نقاشات كانت تدور في صفوف المهاجرين  الأناركيين الروس في فرنسا في ذلك الوقت. – المترجم] الذي كان يعمل على منح الثورات الأناركية إدارة وتنظيما. وهو بذلك يختلف عن مؤيدي “التوليفية الأناركية”، مثل “فولين” Voline و”مالاتيستا” Malatesta، لأنه كان يرى أن مبدأهم التنظيمي غير عملي ويحوِل التجمع السياسي إلى تكتل من التيارات، ليس له قوة وغير متجانس. كما أنه انفصل أيضا عن الأناركية النقابية لأنه يرى أنها تميل إلى إعلاء دور الحركات العمالية  وتسييدها، بينما يبقى هدفها الأول هو نشر الأناركية داخل النقابات. أما بالنسبة للأناركيين الإنسانويين، فهو يراهم بعيدين جدا عن المعركة ضد رأس المال. فما كانت تريده “الأناركية البرنامجية”، التي ترتكز على مأزق الأناركيين الفرديين، هو العمل كتكمِلة للأناركية النقابية وبالتالي، العمل على: “حشد قواتها في تنظيم عام دائم الفعالية، كما يتطلبه واقع واستراتيجية الصراع الطبقي (7)“.

في عام 1927، إستقبل “ماخنو” إثنين من الأناركيين الإسبان، وهما “بوينافينتورا دوروتي” Buenaventura Durruti و”فرانسيسكو أسكاسو” Francesco Ascaso، من الإتحاد الوطني للعمل CNT، وأقنعهم بضرورة المبادئ التنظيمية والتي سيقومان بتطبيقها أثناء ثورة كاتالونيا، عام 1936. توفى”ماخنو” في فرنسا، في يوليو 1934، سنتين قبل إقامة متاريس برشلونة الواعدة في صيف 1936.

____________________________________________

(1) إيف تيرنو، “ماخنو.الثورة الأناركية “، دار نشر كومبلكس  Complexe،1981

(2) فيكتور سيرج، “مذكرات ثوري”، 1905-1945 ، صفحة 158.

(3) “مذكرات ماخنو”، في كراسات الحركة العمالية، العدد18، سبتمبر- أكتوبر 2002، مركز الدراسات والبحوث حول الحركات التروتسكية والثورية الدولية

(4) فيكتور سيرج، “مذكرات ثوري”، 1905-1945 ، صفحة 160.

(5) يمكن تلخيص الإتفاق كما يلي:”ينضم الجيش الثوري المتمرد إلى الجيش الأحمر و لا يعتمد عليه إلا في المجال العسكري؛ و له الحق في نفس الإمدادات الخاصة بالأغذية و العتاد الحربي؛ كما يحتفظ الجيش الثوري المتمرد بإسمه و علمه الأسود  و هياكله (منها التطوعية و الإنتخاب، و الإنضباط الذاتي). علاوة على ذلك لن يقبل الجيش الثوري المتمرد أية سلطة سياسية (المتمثلة في المحافظين) في المناطق التي يتحرك فيها. و سيقبل الجيش الأحمر بذلك معتقدا أنه سيعرف كيف يستوعب الجيش الأوكراني الثوري المتمرد.” باسكال نورينبيرغ، “نيستور ماخنو و الجيش الأوكراني الثوري المتمرد“، لوموند الأناركي،  Le Monde libertaire ،9-15 ديسمبر 2010

(6) فيكتور سيرج ، “مذكرات ثوري”، 1905-1945 ، صفحة 197

(7) “النظام الأساسي لمنظمة الشيوعين الأناركيين “، في “القضية العمالية “،1926 يونيو

                                                                                          

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

يمكن للنساء الشعور بقوتهن جلبت الثورة الروسية تحولات ضخمة للبعض ممن كانوا الأكثر اضطهادا. تحدثت مجلة سويشاليست ريفيو إلي إيما دايفيز عن الكيفية التي بدأت بها النساء في السيطرة على حياتهن والقيام بدور قيادي في النضال.

إيما دايفيز  ,  مجلة سويشاليست ريفيو

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

الثورة أكثر انتشارا مما يرغب حكامنا في أن نعتقد تحدثت سالي كامبل إلى ديف شيري، مؤلف الكتاب الجديد: روسيا 1917، حول أهمية الثورة الروسية اليوم، ولماذا مازال طابعها الديمقراطي الشامل مخفيا داخل السرد السائد.

سالي كامبل  ,  ديف شيري

عن كتاب جوزيف ضاهر “حزب الله: الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني” يهدف كتاب جوزيف ضاهر، الذي يتميز بالبحث الجيد، إلى رسم صورة مكتملة لحزب الله؛ واضعا التنظيم في سياق التغيرات التي شهدتها الدولة والمجتمع اللبناني على مدى السنوات العشرين الماضية.

آن ألكسندر