إيزنشتاين ” إبداع الثورة وثورة الإبداع “

فنون

30  أكتوبر  2017

” إن السينما بالنسبة لنا، هي أهم الفنون جميعًا “

 فلاديمير لينين.

تلك الجملة السحرية، التي جعلت من السينما الروسية بعد ثورة أكتوبر المجيدة سينما عالمية، لا تضاهي ثوريتها أي سينما أخرى.

وقبل الحديث عن سينما إيزنشتاين الثورية بامتياز، يجب الحديث عن السينما الروسية وبداياتها، كيف كانت في عهد الإمبراطور؟! .

روسيا القيصرية والفن السابع:

بدأت السينما في الإمبراطورية الروسية، كأحد الفنون الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، تحديدًا عام 1896، بعد شهور قليلة من العرض الأول على شاشات السينما في فرنسا، عبر الأخوين “لوميير” اللذان بدأ أول عروضهما في فرنسا، ثم انتقلا إلى روسيا خلال شهور قليلة، وقاما بتصوير فيلم يتحدث عن الإمبراطور “نيكولا الثاني” في الكرملين. كان من أول أوائل المخرجين اللذين عملوا على صناعة الأفلام القصيرة وقتها “فلاديمير ساشين” الذي كان يقوم بصناعة الأفلام ثم العرض التجريبي في المسرح المحلي للبلدة. ولم تكن السينما آنذاك تتلقى دعمًا حكوميًا، بل كانت تخضع لسوق بعض الأشخاص ممن يمتلكون رؤوس الأموال، وكان على رأسهم، الأخوين لوميير.

بدأ الإنتاج يتزايد، والإقبال على صناعة الأفلام يرتفع. مع بداية الحرب العالمية الأولى، ودخول روسيا معترك الحرب، لم تعد تُعرض الأفلام الألمانية تحديداً بعد أن كانت دور العرض تعتمد عليها بشدة، وبالرغم من ذلك تضاعف الإنتاج الروسي ليصل عام 1916 إلى 499 فيلم، منذ بداية دخول فن السينما إلى الإمبراطورية الروسية. كان ذلك حتى قيام ثورة أكتوبر، التي تسببت في هروب كل صناع السينما من متملقي القيصر، ممن يعيشون في بلاط الإمبراطورية. في عام 1917 بدأ فجر جديد للسينما الثورية.

ثورة أكتوبر وفجر سينمائي جديد:

منحت ثورة أكتوبر دوراً جديداً للسينما في حياة الأفراد، باعتبارها المحرك الأول للمجتمع، وطاقة اجتماعية كبيرة، تعمل على تغيير كبير دون إحداث ضجة كبيرة، حيث اهتم بها الزعيم الأول للثورة “فلاديمير لينين”، وقال كلمته الشهيرة “إن السينما هي أهم الفنون لنا جميعاً”. حتى يومنا هذا هناك جائزة “لينين” التي تُمنح لكل شيوعي له إنجازات على مستوى الفن والسينما والأدب والعلوم والتكنولوجيا، وتقدر هذه الجائزة بقيمة مالية قدرها 25 ألف روبل روسي.

فتح هروب قدامى صُناع السينما الروسية في بلاط القيصر عقب الثورة طريقًا جديدًا أمام جيل كامل من صناع السينما الثوريين، الذين ينشدون تغييراُ يتحقق على شاشة السينما، ليسري إلى جسد المجتمع الثائر. كان هذا تيارًا سينمائيًا جديداً يشمل كل من ايزينشتاين وفيجنيكو وفيرتوف، والكسندر دوفجينكو،  اندريه تاركوفسكي ونيكيتا ميخالكوف.

إيزنشتاين والهندسة السينمائية:

كانت السينما أحدث الفنون البصرية في هذا الوقت ينقصها الكثير من الأشياء التي تثري من جودتها. كان أيزنشتاين رائد هذا التجديد، فهو أول من ابتكر فن المونتاج، وتقطيع الصور، وكان فيلمه الخالد “المدمرة بوتمكين”، أول استخدام لهذا الفن. وبالرجوع لأصول هذا الفنان العظيم، فإن ميلاده في يناير عام 1898 وأصوله اليهودية ووالده الذي عمل في مجال بناء السفن، وشغفه بدراسة الهندسة، كلها عوامل ساهمت في خلق أحد أعظم فناني القرن العشرين، وأهم فناني ثورة أكتوبر.

تأثر ايزنشتاين بشكل كبير بالفنون البصرية في القرن السادس عشر، وكان يؤمن أن تجلي إنسانية الماركسي تمتد جذورها لفنون القرون الوسطى، لذا فإن تأثره بدافينشي، ونظريات فرويد عن علم النفس الحديث، هي ما جعلته يتخلى عن العمل العسكري الذي لفظه بعد أن التحق بالجيش الأحمر، ثم انطلق ليحقق آماله الفنية حيث بدأ كمهندس ديكور في المسرح المحلي، حتى تم تعيينه مساعد مخرج، ومن هنا بدأت مسيرته السينمائية.

 

إضراب ونظريات المونتاج الأولى:

يُعد إيزنشتاين، هو الأب الفعلي لفن المونتاج ونظرياته، بعد انطلاق فيلمه الأول إضراب. كان انضمامه لفرقة المسرح الثوري “البرولتكولت”، الدعامة الأولى لإنتاج فيلمه الأول، بعدما قرر الانتقال إلى فن الصورة السينمائية، وكان ذلك بمساعدة الشبان ممثلي الفرقة، الذين مثلوا دور العمال، فالفيلم ثوري بالدرجة الأولى، ليس هناك من حوار، ولا قصة حب، ولا حبكة درامية، ولا بطل واحد، وإنما البطل الوحيد هم مجموعة العمال، الذين قرروا عمل إضراب جماعي ضد أرباب العمل الواقعين تحت سطوة استغلالهم، والبطل هنا مجموعة من الأشخاص مشخصنة بصيغة فردية وهي “العمال”، كانت تلك الحلقة الأولى في سلسة أفلام إيزنشتاين التي اعتبرت تأريخ مصور للثورة الروسية.

تم إنتاج “إضراب” عام 1924، وتبع ذلك مقال عن فن المونتاج الدعائي أو الذهني الذي استخدمه إيزنشتاين للمرة الأولى في تاريخ السينما، مكتوب في مجلة “ليف” لرئيس تحريرها الشاعر الروسي العظيم “ماياكوفيسكي”، حيث استخدم إيزنشتاين، مشاهد خارجية في الفيلم، مثل مشاهد ذبح الخراف التي تبعت مشاهد إطلاق المدافع على العمال، وذلك من شأنه تحفيز المشاهدين بشكل أكبر وإثارة عواطفهم تجاه القضية التي يتناولها الفيلم. وقد نجح إيزنشتاين في ذلك حيث قال المخرج الروسي العظيم الكسندروف “كانت هذه أهم الطفرات السينمائية في روسيا إن لم تكن في العالم أجمع”، وذلك ما صنعه إيزنشتاين الذي كثيراً ما رأى أن السينما ظاهرة تجمع بين الفن والعلم، في إطار ثوري بحت.

المدمرة بوتمكين والمصادرة الإمبريالية:

لم ير تاريخ السينما فيلمًا تعرض للمنع والتنكيل أكثر من فيلم “المدمر بوتمكين”، حيث تم مصادرته في ألمانيا، واليابان. تم تصوير “بوتمكين” على شواطئ البحر الأسود. وبالرغم من كل القيود التي حالت دون عرض الفيلم عالميًا، إلا أنه أحتل قائمة أهم عشرة أفلام في تاريخ السينما في العالم، بالرغم من أنه فيلم صامت، متتبع بشريط كلامي يسرد الأحداث في شكل نص أدبي، وموسيقى تعد هي الأروع في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية العالمية.

“بوتمكين” يكتسح حتى اليوم كل التقييمات السينمائية، ويعد حلقة ثورية جديدة في تاريخ النضال العمالي، ليس السوفييتي فحسب بل تاريخ نضال العمال أجمعين، ولأن قضية العمال أممية، فإن مشاهد الفيلم المفعمة بالثورية من العمال على متن السفينة البحرية “بوتمكين”، لا تمثل ثوار روسيا فحسب، بل روح الثورية التي غيّرت وجه أوروبا للأبد.

أكتوبر :

في الذكرى العاشرة لثورة أكتوبر، كان العرض الأول لفيلمه الملحمي “أكتوبر”، وبحضور قادة الثورة، في عرض لم يكن شعبيا، نظراً لمراجعة الرقابة السياسية للفيلمالذي لم يخرج للعرض الشعبي إلا بعد 5 أشهر. اقتبس إيزنشتاين سيناريو هذا الفيلم من كتاب المؤرخ الثوري الأمريكي “جون ريد” الذي عايش أوائل أيام الثورة الروسية، وكتب تدوينات ومشاهد مما رآه وعايشه، فيما تحول بعد ذلك إلى كتاب، هذا وقد تم تسخير كافة الموارد المتاحة في لينيغراد، “بطرسبرغ” حالياً، لإنتاج الفيلم، من وحدات إضاءة وكاميرات لازمة للتصوير، حتى ورد أن سكان المدينة قد تبرعوا بإضاءة منازلهم لتصوير الفيلم. وقد صور هذا الفيلم عدة مشاهد لاقتحام العمال قصر الشتاء المعروف بقصر “بطرسبرغ” حاليا، في مشاهد ثورية لم تأت السينما لها بمثيل.

هل خدم إيزنشتاين الثورة أم صنعته الثورة؟

للفن الثوري طابعه الخاص، ما يجعله حاضراً في كل العصور، وتحت كل الظروف، ويُخلد صانعه في سجلات المبدعين، ونحن أمام حالة إبداعية فريدة تتمثل في شخص “سيرجي إيزنشتاين”. وأمام تلك الحالة يتبدى لنا أن الأمر دائرة مغلقة، حين نأتي لتحليل العلاقة بين شخص إيزنشتاين والثورة. إن التغيير الاجتماعي والنفسي الذي يتبع الثورات ليس بالأمر السهل. فالثورة تأتي محملة بالتيارات الإبداعية، وهي أشبه بسيل جارف على جميع المستويات،ويقف المبدعون في أول الصفوف التي يجرفها تيار الثورة، الذين يمتلكون حسًا عالياً لتحليل الأمور ومنظورا مختلف لرؤية العالم. ومن الصعب تفكيك علاقة المبدعين بالثورة على المستوى الإنساني، بل يأخذ الأمر أبعاداً عصية على التحليل.

الثورة دائما ما تحتاج إلى سفرائها. بعد أن ينجلي وقت العنفوان الثوري، ومرحلة هدم القديم، يأتي المبدع في مصاف السفراء، وبقوة خفية تتحول طاقته لخدمة هذا الحدث الجلل على الشعوب المُستعبدة. الأمر وما فيه أن كليهما صناعة الآخر، فلا ثورة بلا مبدعين، بل إن الإبداع في حد ذاته ثورة، ثورة على الموروث والمألوف وكل ما تعرف عليه العامة. الإبداع شيء يستعصى على التحليل والمنطقة، وسفسطة الفلاسفة، هي حالة تجلي خالصة، كما الثورة تماماً.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

حوار مع أناند جوبال: رغم أن تنظيم الدولة الإسلامية يعمل في سوريا، ولديه أذرعه حول العالم، إلا أن داعش، في صميمه، ظاهرة عراقية، بل ومن المستحيل فهم هذا التنظيم قبل أن نفهم أولا الهيكل الاجتماعي للمجتمع العراقي قبل وبعد الغزو الأمريكي.

أناند جوبال  ,  أشلي سميث

يمكن للنساء الشعور بقوتهن جلبت الثورة الروسية تحولات ضخمة للبعض ممن كانوا الأكثر اضطهادا. تحدثت مجلة سويشاليست ريفيو إلي إيما دايفيز عن الكيفية التي بدأت بها النساء في السيطرة على حياتهن والقيام بدور قيادي في النضال.

إيما دايفيز  ,  مجلة سويشاليست ريفيو