توافقات ثورية :الثورة الروسية (الجزء الخامس)

قراءات, قضايا

30  أكتوبر  2017

كرونشتاد والخطأ الفادح

سحْق بحارة كرونشتاد لم يكن “ضرورة مأساوية” بل خطأ فادحاً، لسنا هنا لإعادة التاريخ، أو لنُزيل عن كاهلنا جزءا ثقيلا من إرثنا – حتى لو ليس من العار محاولة ذلك. فالمهم هو إستخلاص نتائج هذا الحدث للنظر إلى المستقبل.
إن السحق القاتل لتمرد كرونشتاد من قِبل البلاشفة هو قرار غاشم يعود إلى خطأ لا يُغتفر. فلم يكن سوفييت كرونشتاد مقر الثورة المضادة؛ حتى إذا سلمنا بأن الثورة المضادة حاولت التسلل إليه، والتلاعب به أو إستغلال معركته. فليس كل شيء مؤامرة. بالإضافة إلى ذلك، طبيعة وتاريخ وعملية وحيوية ومطالب هذا السوفييت، تثبت بوضوح أن كرونشتاد كانت في معسكر ثورة 1917، وليس في معسكر النظام القديم.
لكن هذا لا يعني أن بحارة كرونشتاد معفيين من النقد. فيمكن لنا تناول بعض المطالب والشعارات المرفوعة من طرف المتمردين بالتحليل والتمحيص؛ خاصة وأن تلك الشعارات والمطالب كانت خيالية في البعض منها إذا أخذنا بعين الإعتبار ضرورات الحالة الإقتصادية والسياسية التي كانت تقتضيها المرحلة آنذاك، في بلد محطم ومنهار بعد أعوام من الحرب الأهلية ضد الجيوش البيضاء وجزء كبير من العالم. ومع ذلك، لا شيء يُدين القرار بالتمرد في حد ذاته. فمن الممكن أن تبدو الأوصاف التي نعتت الحزب الشيوعي والإقتراحات التي قُدمت أنها مختصرة، ولكنها تناقش، حقيقة، هيمنة الحزب البلشفي على المجتمع الثوري في تلك اللحظة. فكان المطلب الأساسي هو إنهاء هيمنة الحزب على الحياة السياسية وليس إنهاء السلطة السوفييتية. بل على العكس، فقد كان هناك إتهام للحزب البلشفي بتجميد وبشّل السلطة السوفييتية. فإذا كانت هناك مشكلة ما، فيجب البحث عنها في مكان آخر.
وبالتالي، كانت مطالب كرونشتاد مليئة بالتحدي للسلطة المركزية، وكان لا بد من دراستها. فهل كان للبحارة وعي بنتائج إنقسام المعسكر الثوري في تلك اللحظة ؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فذلك يعني خطورة موضوعية متمثلة في فتح ثغرة لصالح الثورة المضادة. وهذا يعني أيضا أن في إستطاعة المتمردين مواجهة ذلك الإحتمال. فالمسألة هنا هو الوعي بالظرف السياسي.
ولكن ما فعله البحارة لا يقارن بالمسئولية الكبيرة لدى البلاشفة في تلك المأساة وذلك الإقتتال بين الإخوة. فصرح “زينوفيف”، متكلما باسم الحزب، برفض البلاشفة إقتراح الوساطة الذي تقدم به الأناركيين الأمميين، مثل ما اقترحته “إيما جولدمان”. و من هنا، أصبح التمزق والتصدع نهائيان.
كما لا يمكن إعفاء “تروتسكي” من الخطأ : فإن لم يكن ضالعا بشخصه في القمع الدموي، إلا أنه ترك أعماله في المؤتمر العاشر للحزب البلشفي مُتوجها للإذاعة لإرسال إنذار أخير لمواطني كرونشتاد، وذلك بصفته وزيرا الحرب. كما أنه ساند وعضد وأيد القمع.
فالمؤسف والأكثر إيلاما – بالنسبة لنا ككتاب منطوين تحت لواء منظمة وريثة للتروتسكية -، أن بعد ذلك، في 1937، وفي خضم النضال ضد البيروقراطية الستالينية، وعندما تطرق تروتسكي لأحداث كرونشتاد، لم يتأسف عن تلك الكارثة واكتفى بنعتها بقرار”الضرورة المأساوية”، الذي تم إتخاذُه “على مضض”.      

وبالفعل ورغم ذكاء تحليله ونظريته حول البيروقراطية، إلا أن “تروتسكي” لم يعرف، أو لم يستطع أو لم يُرِد، فهْم وتقبل فكرة أن تلك الأحداث هي التي غذت ذلك المسار الذي سارت فيه الثورة بعد ذلك. كانت تلك الأحداث عامل اضمحلال وإضعاف للسلطة الثورية وليس تقويتها.

فلقد اختار الحزب البلشفي، مسبقا، ألا يتعاطى سوى مع الإختيار العسكري كردًا على مطالب سوفييت  كرونشتاد. بينما شارك، هذا الأخير، منذ البداية في العملية الثورية الروسية مهما كانت تغيرات التركيبة الإجتماعية التي ربما تكون قد طرأت عليه. فهرْس كرونشتاد يعني بوضوح أن في معسكر السوفييتات لم يكن هناك مكانا متاحا ومسموحا به للخوض بحرية في مسار الثورة.

فتجاوزا لظروف الحرب الأهلية المعقدة والمرعبة والتي لا تتيح إمكانيات أو اختيارات عديدة، فلقد عطل ذلك القمع أكثر – بعنفه العسكري والسياسي – مسار الإدارة الذاتية في روسيا. فما أهمية تقوية السوفييتات إذا ترسخت في الوعي الشعبي فكرة أنه ليس من أهمية للسوفييتات سوى الإمتثال لأوامر الحزب؟

فلقد قام تروتسكي بنفسه بسن أدوات سياسية للتصدي للبيروقراطية؛ كما تُبين، بعد ذلك، بأن الثورة المضادة الستالينية كانت قد بدأت في التحرك في الوقت الذي حدثت فيه انتفاضة كرونشتاد. ويجب التذكير أن استحواذ ستالين على مقاليد الحزب تم عام بعد تلك الأحداث، خلال المؤتمر الحادي عشر للحزب، في أبريل 1922.

فذلك الإستحواذ لم يتم في يوم. فخلال تمرد كرونشتاد، لم يكن الأباراتشيك ]هو مصطلح روسي عام يشير إلى موظف محترف في الحزب الشيوعي أو الحكومة – المترجم [ Apparatchik قد استولوا كلياً على مقاليد الحزب بعد، ولم يكونوا قد سرقوا بعد الثورة من السوفييتات، ولكنهم كانوا سائرين تدريجيا في ذلك الإتجاه. في ذلك السياق، قمع بحارة  كرونشتاد ساهم في استيلاء أعضاء “التنظيم الإداري” على السلطة وليس العكس؛ سلطة لم يعد من الممكن الطعن فيها. أليس الحري بنا أن نرى في تمرد كرونشتاد دليلا على أنه كانت لا تزال هناك قوى ثورية لها استعداد للنضال ضد البيروقراطية الصاعدة ؟، ربما من السهل علينا طرح هذا السؤال بعد قرن من زمن الثورة.

على أية حال، فالقول المأثور الذي يرى أن “الغاية تبرر الوسيلة” مشكوكا في جدواه؛ ويكون موضع شك أكثر عندما يكون الصراع  بين ثوريين وُضعوا في مواجهة بعضهم البعض. فذلك الجرح بين الحمر والسود ]الماركسيين والأناركييين[ لا يزال مفتوحا ولم يندمل بعد، إلا أن فتح منابر نقاشية يتيح لنا فهم أعمق لتلك الحقبة من الثورة الروسية.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة