توافقات ثورية :الثورة الروسية (الجزء الرابع)

قراءات, قضايا

29  أكتوبر  2017

رأي مخالف: “فيكتور سيرج” Victor Serge


“فيكتور سيرج” (1890-1948) كاتب فرنسي – روسي ومناضل أناركي – سُجن لسنوات عديدة في فرنسا، حيث اتُهم (زورا) بالتواطؤ مع “عصابة بونو”  La bande à  Bonnot [مجموعة  أناركية مقتنعة أن الأعمال غير الشرعية يمكنها أن تساعد الثورة- المترجم] – انضم إلى البلشفية بعد 1917، وهو صديق ل”لينين” و”تروتسكي”. سجنه “ستالين” في سيبريا بسبب دعمه للمعارضة اليسارية [إتجاه داخل الحزب الشيوعي السوفيتي من 1923 إلى 1927، بقيادة “تروتسكي” وأعضاء سابقين داخل المعارضة العمالية – وهي مجموعة كُونَت في 1919، و ظهرت خصوصا في شتاء 1920-1921، أثناء مناقشة مشكلة النقابات – المترجم] ثم نُفي إلى فرنسا، وبعد ذلك إلى المكسيك. يُعتبر”فيكتور سيرج”  “ماركسيا أناركيا”، والذي، رغم انضمامه إلى الماركسية والتروتسكية، احتفظ بميل إلى الأفكار الأناركية. فجاءت تعليقاته على “كرونشتاد” – التي أدت إلى خلافه مع صديقه “ليف دافيدوفيتش”- مُلفتة وأقل أُحاديّة من النسختين المتضادتين اللتين لخصناهما سابقا.

في ظل الأحداث، أيد “فيتكور سيرج” محاولة الوساطة الأناركية، ولكن التحق بالبلاشفة في اللحظة الاخيرة. وجاء قراره بالعودة بالتحليل إلى مأساة كرونشتاد كرد على رسالة “تروتسكي” التي وجهها هذا الأخير إلى “وينديلين توماس” والتي نُشرت في يوليو 1937.
يبدأ “فيكتور سيرج” برفض حجة “تروتسكي” التي تنص على أن “التمرد بدأ بسبب رغبة الحصول على حصص تموينية إضافية”. وقال أن ذلك ليس حقيقيا، ولم يطلب بحارة كرونشتاد إمتيازات: فهم كانوا يطالبون بإزالة حواجز الميليشيات التي كانت تمنع الشعب من حصوله على التموين من الأرياف. ولكن بالنسبة له، كان لمتمردي كرونشتاد “مطلب سياسي خطير للغاية في ذلك الوقت، ولكنه مطلب عام، ثوري صريح وبالتالي لا يبحث عن مصلحة: حيث كانوا يطالبون “بسوفييتات منتخبة ديمقراطيا”.

يؤكد “سيرج” أنه كان من السهل تجنب التمرد، وذلك عن طريق “سماع مطالب كرونشتاد ومناقشتها، وتلبيتها”… خاصة المطالب الإقتصادية منها، التي تم إدراجها، بعد ذلك، في ال”نيب” [NEP – السياسة الإقتصادية الجديدة، وهي سياسة إقتصادية تم تأسيسها في روسيا البلشفية في عام 1921 والتي تُدخل تحريرا إقتصاديا نسبيا – المترجم]. كان من السهل تجنب الأسوأ، وذلك “حتى عندما بدأت المعركة: كقبول وساطة الأناركيين [“إيما جولدمان” و”ألكسندر بيركمان”] اللذان كانا على اتصال وثيق مع المتمردين. إلا أنه تم رفض ذلك من قبل اللجنة المركزية للحزب، بسبب الحفاظ على الهيبة والإفراط في السلطوية. وكم كانت مسئولية “زينوفييف”، رئيس سوفييت بتروغراد كبيرة في كل ذلك، حيث خدع كل الشعب عندما أعلن عن “إستيلاء الجنرال الأبيض “كوزلوفسكي” على كرونشتاد بفضل التواطؤ والخيانة “. كما كان من الأسهل، والأكثر إنسانية، والأكثر سياسية، والأكثر إشتراكية، بعد الإنتصار العسكري […] عدم اللجوء للمجزرة…فالمجزرة التي تلت الإنتصار كانت شنيعة ومروعة(1)“.
ولكن، في التحليل النهائي، إختار “سيرج” السلطة البلشفية. وهذه هي حجته: كان متمردو كرونشتاد “يريدون إطلاق عنان عاصفة تطهرية، ولكنهم لم يكونوا ليستطيعوا، في الحقيقة، إلا فتح الأبواب لثورة مضادة، فلاحية في الأول، سيتم إستغلالها بسرعة من قِبل الجيش الأبيض والتدخل الأجنبي […]. فلم تكن كرونشتاد المتمردة مضادة للثورة، ولكن انتصارها كان سيجلب  – بما لا يترك مجال للشك – الثورة المضادة. فعلى الرغم من أخطائه و تجاوزاته، كان الحزب البلشفي، في تلك اللحظة، أكبر قوة منظَمة، ولابد من الثقة فيه رغم كل شيء (2)“.
بضع سنوات بعد ذلك، سيخوض “فيكتور سيرج” مجددا وبقوة في أحداث كرونشتاد، وذلك في سيرته الذاتية الرائعة، “مذكرات ثوري”، التي كتبها في 1943. وفيها يعترف، من ناحية، أن “كرونشتاد كانت على حق”: “كانت كرونشتاد تبدأ ثورة تحررية جديدة، وهي ثورة الديمقراطية الشعبية”. ولكن من ناحية أخرى، يقول: “إذا سقطت الديكتاتورية البلشفية، ستعم الفوضى على المدى القصير، وسينتج عن تلك الفوضى الهجوم الفلاحي، وقتل الشيوعيين، وعودة المهاجرين وأخيرا ديكتاتورية، ضد البروليتاريا بطبيعة الحال (3).”

وهناك رأي قريب من رأي “فيكتور سيرج” وهو، رغم غرابته، رأي مؤرخ قريب من الأناركيين، “بول أفريش” Paul Avrich، الذي قام ببحث جامعي عميق عن كرونشتاد. يلخص “أفريش”، الذي يستشهد كثيرا ب”سيرج”، منظور كتابه على النحو التالي: “تُقدم كرونشتاد حالة يمكن للمؤرخ أن يتعاطف فيها مع المتمردين ويرى في نفس الوقت أن البلاشفة كانوا على حق في قمعهم. فإذا فهمنا ذلك، نكون، في الحقيقة، فهمنا كل مأساة كرونشتاد (4).”

إن “سيرج” و”أفريش” على حق عندما يصرون على أن هزيمة البلاشفة كانت ستفتح الطريق للثورة المضادة. ولكن، هل تبرر الحجة تصرف السلطة السوفييتية تجاه المتمردين قبل، أثناء وبعد المعارك؟ سوف نحاول أن نستخلص رؤيتنا في الجزء التالي.

___________________________________

  • 1_”فيكتور سيرج”، “كرونشتاد”، 10 سبتمبر 1937، في “فيكتور سيرج” و”ليون تروتسكي”، محاربة الستالينية. نصوص 1936-1937، تقديم ميشيل دريفوس – باريس، مسبيرو، 1977، – صفحة 178-179.
  • 2_نفس المرجع. صفحة 181-180.
  • 3_”فيكتور سيرج”، “مذكرات ثوري”، – صفحة 143-142.
  • 4_”بول أفريش”، ” كرونشتاد 1921″، بوينس آيرس، يوتوبيا ليبرتاريا Utopia libertaria، 2006 – صفحة 12.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة