توافقات ثورية : الثورة الروسية (الجزء الثالث)

قراءات, قضايا

28  أكتوبر  2017

مَأْساة “كرونشتاد”: قراءة أخرى
روايتي الصراع

يشكل تمرد “كرونشتاد”، سنة 1921، وقمعه من طرف الدولة السوفييتية موضوع خلاف بين  الآناركيين والماركسيين وخاصة بين الآناركيين والتروتسكيين وذلك منذ حوالي قرن. فسنحاول هنا إعادة قراءة لتلك المواجهة المأساوية بمنظور جديد. فلنُذكِّر سريعا بالأحداث. في بداية  1921، انتهت الحرب الأهلية في الإتحاد السوفييتي بهزيمة البيض؛ إلا أن وضع البلاد المنهك (القاسي) والجوع وصرامة “شيوعية الحرب” أدى إلى عدة انتفاضات واحتجاجات. ففي فبراير كانت هناك إضرابات ومظاهرات عمالية في بيتروغراد (وهي مدينة في شمال غرب روسيا في دلتا نهر نيفا، شرق خليج فنلندا، في بحر البلطيق. المترجم) أثارت تعاطف بحارة “كرونشتاد” والتي كانت قلعة استراتيجية ومركزا للأسطول البحري في جزيرة على بحر البلطيق والمتمركزة في مرفأ (ميناء) بيتروغراد (المعروفة حاليا بسان بيترسبورغ). فكانت القاعدة العسكرية، ومن ورائها الجزيرة وسكانها، معقلا لثورة 1917- 1918. في أول مارس، تم الدعوة إلى عقد جمعية عامة في ميدان المرساة في وسط ” كرونشتاد”. كان عدد الحضور 16000 من بحارين وجنود وعمال.

وتم دعوة “ميخائيل كالينين” Mikhaïl Kalinine، رئيس مجلس رئاسة السوفيات الأعلى، و”كوزمين ” Kouzmine، محافظ أسطول البلطيق، اللذان استقبلا بحفاوة على وقع الموسيقى العسكرية وباللافتات. وخلال انعقاد الجمعية، قام بحارة الطراد “بيتروبافلوفسك” Petropavlovsk بتقديم وثيقة تتضمن مجموعة قرارات حتى يتم الموافقة عليها من طرف الجمعية؛ وتمت الموافقة بالإجماع على تلك القرارات، ما عدا صوتي ممثلا السلطة السوفييتية، “كالينين” و”كوزمين”. وكانت من ضمن طلبات البحارة: إعادة انتخاب ممثلي السوفييت بالإقتراع السري، وحرية التعبير والصحافة للعمال والفلاحين، للأناركيين والأحزاب الإشتراكية اليسارية، وحرية إجتماع التنظيمات النقابية والفلاحية؛ كما تضمنت المطالب منح الفلاحين كامل الحرية على أراضيهم والحق في تملك الماشية بشرط أن يباشروا العمل بأنفسهم دون اللجوء إلى أجراء، وأن يتم ترخيص الإنتاج الحرفي دون استخدام أجراء.

 وتصاعدت، أثناء الأحداث، أصواتا تطالب بانتخاب جمعية تأسيسية وأصواتا أخرى تقترح تكوين “سوفييتات بدون بلاشفة”. وكان الشعار الأوحد في صحيفة “الإيزفيستيا” Izvestia في “كرونشتاد” هو: “السلطة كلها للسوفييت وليست للأحزاب”.

في يوم 2 مارس أقيم مؤتمرا في “كرونشتاد” برئاسة البحار “بتريشانكو” وحضره 300 عضوا. تم أثناء ذلك المؤتمر انتخاب لجنة مؤقتة واعتقال رئيسي السوفييت الشيوعيين وهما “كوزمين” و”فاسيلييف”. على إثر ذلك، شجبت إذاعة موسكو ما نعتته بالتمرد قاده جنرالا في النظام القديم، “كوزلوفسكي” بإيحاء من الإستخبارات الفرنسية، – كان “كوزلوفسكي” متواجدا فعلا في القلعة، أثناء الأحداث، إلا أنه لم يكن قائد الحركة -. وقام “لينين” و”تروتسكي”، يوم 5 مارس، بمنح مهلة للمتمردين وإعلان “بيتروغراد” مدينة تحت الحصار. في أعقاب ذلك، بعث الأناركيون الأمريكيون المتواجدون حينذاك في موسكو – “إيما غولدمان”، و”ألكساندر بيركمان”، و”بيركوس” و”بيتروفسكي” –  رسالة إلى “زينوفييف” Zinoviev، القائد البولشيفي الرئيسي في بيتروغراد، يناشدونه فيها التفاوض مع كرونشتاد حتى يتم التوصل إلى حل سلمي للصراع.

ويُعتبر نص تلك الرسالة من أهم المراجع  لتلك الأحداث المأساوية؛ تقول الرسالة: “لقد ولّد البرد والجوع ذلك التذمر (…) ومن المؤكد أن تنظيمات من الجيش الأبيض حاولت استغلال ذلك التذمر لمصلحتها، فقامت – متوارية خلف العمال والبحارة – بإلقاء الشعارات والمطالب  المتعلقة بالجمعية التأسيسية، وبالتبادل التجاري الحر ومطالب أخرى مشابهة. نحن الآناركيون، (…) سنقاوم بالسلاح كل عمل مضاد للثورة (…) اليد في اليد مع البلاشفة. أما فيما يخص الصراع الحالي (…) فنحن نرى أنه يجب حله دون اللجوء إلى قوة السلاح بل باتفاق يعكس الأخوة وروح الرفاق الثورية (…) أيها الرفاق البولشيفيين، عليكم بالتفكير قبل فوات الأوان”.

وفي هذا السياق، اقترح الآناركيون الأمريكيون إرسال لجنة إلى كرونشتاد مكونة من خمسة أشخاص من بينهم إثنين آناركيين. لم يعمل “زينوفييف” بذلك الإقتراح. وبدأ يوم 7 مارس تبادل القصف بالمدافع بين كرونشتاد وبيتروغراد.

في يوم 8 مارس، وفي بداية أعمال المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي، أطلقت يومية “إيزفستيا” Izvestia، في كرونشتاد، نداءا ببدء “الثورة الروسية الثالثة” التي ستفتح مسارا جديدا لتأسيس الإشتراكية”.بين 8 و 15 مارس، قام الجيش الأحمر بعدة حملات هجومية على الجزيرة تصدى لها المتمردون. انتهى المؤتمر العاشر للحزب بإطلاق عدة قرارات تنص على تطبيق السياسة الإقتصادية الجديدة (NEP) والتي تسمح بحرية اقتصادية أكبر للفلاحين والحرفيين. وفي يوم 16 مارس، قام سلاح المدفعية والطيران بهجوم شامل على القلعة واستطاع الجيش الأحمر، يومي 17 و 18 مارس، استعادة كرونشتاد مع خسائر كبيرة في الجانبين.

تم اعتقال 2000 من المتمردين وإعدام بعضهم في نفس المكان الذي قُبض عليهم فيه، بينما تم إعدام آخرين في سجون “التشيكا” La Tcheka خلال الأشهر التي تلت الأحداث (كان عددهم بالمئات حسب فيكتور سيرج).

تنبيه:لقد استعملنا في هذا التذكير الوجيز بأحداث كرونشتاد، تقسيما زمنيا جاء ضمن منشورات “البديل الأناركي”L’alternative libertaire في 1921 – صفحة 122، بعنوان “تمرد كرونشتاد الحمراء – 1921″ والتي تم نشرها في 2008. لقد حاولنا فقط تلخيص الأحداث دون إبداء أي حكم على المضمون.

لقد تم تقديم تفسيرين لتلك الأحداث، أو بالأحرى، روايتين متناقضتين تماما. لقد صنف البلاشفة، وعلى رأسهم “لينين” و”تروتسكي”، أحداث كرونشتاد على أنها ثورة مضادة. فقال “لينين” في تقريره أمام المؤتمر العاشر، يوم 8 مارس، أن أحداث كرونشتاد حركة قام بها الإشتراكيون الثوريون و الحرس الأبيض من الخارج، و بالتالي أفضت الحركة إلى ثورة مضادة تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة وإلى حركة من البورجوازية الصغيرة الآناركية”؛ بمعنى آخر، هي حركة “من صنع آناركيين، دائما ما كانوا مناهضين لدكتاتورية البروليتاريا ومطالبين بتحرير التجارة”(1). في تصريح آخر أمام المؤتمر، لخص “لينين” القضية في جملة أقرب ما تكون للواقع قائلا: “يرفض من في كرونشتاد سلطة الحرس الأبيض و سلطتنا، إلا أنه ليس أمامهم أية سلطة أخرى”. أما “تروتسكي”، فاستشهد بكثافة بمقال نُشر في نصف فبراير في الجريدة الفرنسية “لو ماتان”Le matin، أُعلِن فيها عن بداية انتفاضة في كرونشتاد، كدليل على أن “بؤر الثورة المضادة متواجدة في الخارج (2). وبعد فترة من الوقت، وبعد أن فرض عليه الخصوم أو الأصدقاء – وكان من بينهم “فيكتور سيرج” – تفسير تلك الأحداث، قدم “تروتسكي” تفسيرا سوسيولوجيا (اجتماعيا) قائلا:”إن أفكار المتمردين الشديدة الرجعية كانت تعكس عداء طبقة الفلاحين المتخلفة للعمال (…)، و كراهية البورجوازي الصغير للإنضباط الثوري؛ و بالتالي كانت لتلك الحركة طابع الثورة المضادة”(3).

ولم يقدم تروتسكي تفسيرا أقل حدة  إلا في سنة 1939 في كتابه عن حياة ستالين، حيث قال:”ما قامت به الحكومة السوفييتية، مُكرهة، في كرونشتاد كانت ضرورة مأساوية؛ لم يكن يتسنى للحكومة الثورية أن “تقدم هدية” للبحارة المتمردين في بيتروغراد فقط لأن مجموعة من الآناركيين والأشتراكيين الثوريين، المشكوك في انتمائهم، تحكّموا في حفنة من الفلاحين الرجعيين وبعض العساكر المتمردين. لقد أثير نفس الجدل في حالة “ماخنو” وبعض ممن كانوا “مشروع ثوريين” الذين تصرفوا بطريقة سيئة للغاية حتى لو كانت وراء تصرفاتهم نية حسنة”(4). ولقد تم الأخذ بهذا التبرير، ألا وهو “الضرورة المأساوية”، من طرف الحركة التروتسكية، مثل “بيير فرانك” الذي أخذ بذلك التبرير في كتيب تم نشره في سنة 1976.                                                                                    أما الرواية الآناركية فهي، بطبيعة الحال، مختلفة تماما؛ حيث تطرح تصريحات المتمردين، من الأول، فكرة “الثورة الروسية الثالثة” ضد “هيمنة الشيوعيين”. في سنة 1922، أكد “ألكسندر بيركمان”، في إحدى كتاباته بأن كرونشتاد، وهي أول خطوة في اتجاه الثورة الثالثة، “أظهرت بأن النظام البولشفي ما هو إلا استبدادا ورجعية وأن الدولة الشيوعية تمثل بنفسها الثورة المضادة الأقوى والأخطر”(5). وسيتم الخوض بإسهاب في هذه التحاليل في كتابات عديدة مثل كتاب “إيدا ميت” Ida Mett ، بعنوان “كمونة كرونشتاد وغروب السوفييتات الدامي” (تم نشره في دار “سبارتكوس للنشر” في باريس سنة 1938)، أو كتاب “ألكسندر سكيردا”  Alexandre Skirda، بعنوان “كرونشتاد 1921، بروليتاريا ضد البولشفية” (دار النشر “رأس الأوراق” Tête des feuilles ،1971). ويتسم هذا الكتاب بالحدة حيث يشجب “الثورة المضادة البولشفية” منذ بدايتها … في أكتوبر 1917.

والأكثر إثارة للأهتمام هو ذلك العمل الجماعي الذي نشرته منظمة “البديل الأناركي” Alternatives Libertaires بعنوان “1921 – انتفاضة كرونشتاد الحمراء” وهو عبارة عن مجموعة وثائق مع مقدمة كتبها “باتريس سبادوني” Patrice Spadoni بعنوان “كرونشتاد أو غلطة “لينين” و”تروتسكي” المأساوية”، حيث يعترف سبادوني بصدق ثورية “لينين” و”تروتسكي” ولكنه يرى أنهما مسؤولان على ما تم من إستحواذ على الحزب والسلطة.

ونقرأ في نفس الكتاب نصا لا يحمل تاريخا وموقّع من طرف “الحركة الشيوعية الأناركية” Le mouvement communiste libertaire التي تلقب “تروتسكي” ب “غاليفيت” Gallifet كمونة كرونشتاد” (للعلم، “غاليفيت” هو جنرال فرنسي قام بمجزرة ضد ثوار كمونة باريس حيث قَتل 3000 منهم. – المترجم). ويعتمد هذا النص، دون كياسة، على رؤية مضادة للبولشيفية، حيث يقول مثلا:”إن الثورة المضادة التي هزمت كرونشتاد ليست ثورة البيض المضادة، بل هي الثورة المضادة المقنَعة للبيروقراطية البولشفية “(6).

أما فيما يخصنا، فنحن نرى أن الروايتين أو الرأيين أحاديين وغير مرضيين، حيث – في رأينا– لم يكن الصراع بين كرونشتاد والسلطة البولشيفية معركة بين الثورة والثورة المضادة – وهاتان الرؤيتان موجودتان في الإثنتين وإن كانت كل واحدة منهما تقلب مواقع الشخصيات المشاركة في الصراع – بل كانت كرونشتاد مواجهة مأساوية واقتتال بين إخوة ورفاق يمثلان تياران ثوريان. وبالتالي، يتقاسم مسؤولية تلك المأساة بالتساوي كل الأطراف المشاركة وخاصة منهم من كان في السلطة في ذلك الوقت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ذُكر في كتيب نشره “بيير فرانك” بعنوان “لينين” و”تروتسكي”، عن  كرونشتادٍ، باريس، دار نشر “الخلد الأحمر” La taupe rouge ، 1976، صفحة 29.

(2) “ليون تروتسكي”، حوار في الصحافة، 16 مارس 1921، في “لينين” و”تروتسكي”، عن  كرونشتاد، صفحة 55

(3) “ليون تروتسكي”، رسالة إلى “وندِلين توماس”، 6 يوليو 1937 في “لينين” و”تروتسكي”، عن   كرونشتاد، صفحة 59.

(4) ليون تروتسكي، عن كرونشتاد، تحت إشراف “بيير فرانك”، باريس، دار نشر “الخلد الأحمر ” La taupe rouge، 1976، صفحة 29 و 76

(5) “ألكسندر بيركمان”، تمرد  كرونشتاد، 1921 (1922)، دار نشر “الديجيتال” La digitale، 2007، صفحة 50 – 51.

(6) “1921. تمرد كرونشتاد الحمراء” ،  البديل الأناركي Alternatives Libertaires، 2008 – صفحة 8، 13، 16-17

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

أوراق من اليسار المصري: وثيقة”طبيعة السلطة البرجوازية في مصر” لقد وجهت الطبقة الجديدة ضرباتها إلى رأس المال الكومبرادوري، والى رأس المال الاستعماري كما عملت على تصفية كبار ملاك الأرض كطبقة، وأدى ذلك إلى الخروج من قبضة السيطرة الاستعمارية الاقتصادية. ونجد أثر ذلك في الريف، فقد فتح الباب على مصارعيه لنمو العلاقات الرأسمالية فيه. وقد نمت الطبقة الرأسمالية الزراعية (من 10 - 50 فدانا) من ناحية العدد، ومن ناحية حجم الملكية، ومن ناحية نسبة ما تمتلك من أرض إلى المجموع العام.

بالأحمر