توافقات ثورية : الثورة الروسية (الجزء الثاني)

قضايا

27  أكتوبر  2017

حزب و سوفييتات
إذا نظرنا إلى الوراء،- و خاصة بين الفترة “المؤيدة للسوفييت” و”الشيوعية الحربية” – يبدو و كأن شيء قد انكسر، ليس فقط مع الأناركيين. فبسبب أولويات الحرب الصارمة، تراجعت سياسة الإدارة الذاتية، مما أدى إلى صعود البيروقراطية و توغلها في مسار الثورة. فمن أول 1917-1918، إنتقدت “روزا لوكسمبورغ” Rosa Luxemburg غياب الحريات السياسية و الحريات الديمقراطية، و الدور الاحتكاري للحزب البلشفي و عدم إستدعاء الجمعية التأسيسية الروسية للإنعقاد؛ و إن كان اعتراضها لم يؤثر على تأييدها  للثورة البلشفية. ففي رأيها، ضمان حرية التعبير و النقد هو الذي سيشجع على المشاركة الشعبية الفعالة، وبالتالي على بقاء و استمرارية الثورة. و ليس ذلك بالأمر الهين  بالنسبة للديمقراطية الإشتراكية.
انطلاقا من هذا المنظور، يصبح الرهان هو تحليل سياسات البلاشفة للوقوف على الأسباب التي أدت  إلى ” ترميدور” ستاليني .Thermidor  [كلمة ” ترميدور” تشير إلى فترة في الثورة الفرنسية  أدت إلى إنقلاب ضد قادة  ” اليعاقبة ” Les Jacobins  الذين كانوا يسطيرون على لجنة السلامة العامة. أنطلق الانقلاب بتصويت المؤتمر الوطني على إعدام  “ماكسمليان روبسبير” و “لويس أنطوان دو سانت جوست” وآخرون من قادة الحركة الثورية. وهكذا انتهت المرحلة الأكثر تطرفا من الثورة  الفرنسية – المترجم]. هل اتخذ البلاشفة ، تحت ضغوط الأحداث، قرارات أدت إلى صعود البيروقراطية ؟ و يبقى هذا التساؤل شرعيا: فمنذ بداية السنة الثانية للثورة، لعب المجلس الأعلى للاقتصاد دورا ذو أهمية متصاعدة داخل الإدارة الإقتصادية، و ذلك عن طريق تفضيل التأميمات المركزية عن تنظيم تشاركية أدوات الإنتاج، التي كانت تُطبق على مستوى القاعدة

يظل هذا الإختيار، من بين إختيارات أخرى كثيرة، محل جدل. و لكن ربط ذلك بخلل في الأيدلوجية الماركسية، أو الرجوع إلى الخلاف الأيدلوجي الأصلي، في الأممية الأولى، الذي كان قائما بين “ماركس” و “باكونين” في موضوع :” إلغاء الدولة حالا الآن أم لا ؟” هو شيء عديم الفائدة. فإذا اخذنا بعين الإعتبار ذلك الجانب فقط، فلن  يستفيد أحد من النقاش و يصبح حوار طرش. و يعترف “تروتسكي” أن “أخطار الدولانية [سيطرة الدولة – المترجم] موجودة أيضا تحت نظام ديكتاتورية البروليتاريا” (1)، و بأن ” الدولة العمالية نفسها ماهي إلا نتاج ثانوي للبربرية الطبقية ولن يبدأ تاريخ الإنسانية الحقيقي إلا مع إزالة الدولة” (2).

 و يلوم ” دانيال غيرين” “تروتسكي” بأنه لم يسأل السؤال التالي، ألا و هو:” كيف، و بأية طرق و وسائل نصل إلى إزالة الدولة نهائيا؟” (3) . إلا أنه، وابتداءً من 1917، كانت الرهانات و التحديات فورية وغالبا ماكانت أقل تجريدا من السؤال وصياغته.
و السؤال المُلح جدا الذي شغل بال البلاشفة وقت الأحداث، ليس هو السؤال السابق، بل       هو : “من يستولي على السلطة؟ أو بشكل أكثر دقة، من يحتفظ بها؟ السوفييتات و الحزب (أو الأحزاب)؟”. بالنسبة  للأناركيين ، يطرح ذلك السؤال معضلة السلطة، و بالتالي معضلة الدولة. بالنسبة لنا، هذا السؤال يطرح معضلة السلطة و لكن ليس بالضرورة معضلة الدولة، إلا إذا إفترضنا أن أي نوع سلطة يحمل بداخله عاهة خلقية إسمها ” الدولانية “- و في الواقع، هذا ما تتفق عليه تيارات أناركية عديدة. بالمقابل، يعتبر البعض أن الإدارة الذاتية و سلطة السوفييتات يمثلان بالفعل شكل من أشكال السلطة و ليس انعداما لوجودها. فهما أقرب ل” ذلك الشكل من الديمقراطية الذي تم العثور عليه أخيرا”، والذي تكلم عنه “ماركس” فيما يتعلق بكومونة باريس La commune de Paris.

في أكتوبر 1917، خُدع البلاشفة بطريقة غير متوقعة؛ حيث أدت إنتفاضة أكتوبر، بحكم الواقع، إلى تطابق “السوفييتات” و “الحزب”. و بالفعل، أصبحت الجماهير أكثر راديكالية، و ذلك بسبب إنقلاب “كورنيلوف” [ضابط المخابرات العسكرية، شارك في الحرب الأهلية الروسية خلال مراحلها الأولي ؛ وهو اليوم لا يذكر إلا من خلال الإنقلاب الفاشل الذي قام به (أغسطس – سبتمبر 1917) بغرض دعم الحكومة الروسية المؤقتة بقيادة “ألكسندر كيرينسكي” والذي انتهي بقيام ألكسندر كيرينسكي بالقبض علي الجنرال “كورنيلوف” ووجهت اليه تهمة القيام بأنقلاب عسكري- المترجم] المُجهَض، و مماطلات الحكومة المؤقتة، مما جعل السوفييتات “تتبلشف” بنفسها. وعندما حدث الهجوم المسلح البلشفي الذي أقال حكومة “كيرينسكي” و أعطى السلطة لمؤتمر السوفييتات، أصبحت  قيادة الحزب    و المؤتمر شيئا واحدا بالفعل. يمكن لهذا “الإنصهار” المؤقت أن يؤدي إلى حَوَل سياسي   مزمن : فما هو التنظيم المنوط به، على المدى البعيد، اتخاذ القرارات ؟

تردد البلاشفة في الإجابة على هذا السؤال. فكان”لينين” و “تروتسكي” شديدا التذبذب. و إن كان “تروتسكي” يؤكد :”لا، سلطة السوفييتات ليست وهما أو بناءً عشوائيا او إختراعا لمنظري الحزب. بل هي منبثقة من الأسفل (4)…” إلا أنه، بعد ذلك، أيد فكرة أن :” الحزب هو من يستولى على السلطة”. فكان من الواضح أنه، في خضم الأحداث و قبل استشعار توغل الشبح  البيروقراطي، لم يهتم البلاشفة بذلك الخطر حيث أنهم لم يتوقعونه.
اليوم، تجبرنا الحصيلة المأساوية لثورات القرن الماضي أن نفكر بطريقة أخرى، لإعطاء من جديد يوما ما، وجها إنسانيا للإشتراكية. فبناء تنظيمات ثورية مضادة للبيروقراطية هو إحدى الضمانات لحماية الثورات من أي إنحراف إستبدادي. و لكنه ليس الضمان الوحيد؛ فالتنظيمات الثورية داخل الحركة العمالية مهمة و لكن لابد من مناقشة مكانتها و وظيفتها داخل الثورة. فللقوات الثورية وظيفة حيوية : و هي مساعدة الثورة في إتخاذ القرارت التي تُعتبر أساسية،    و ذلك في الوقت المناسب، و لكن السلطة الفعالة تعود، في آخر المطاف، إلى الهياكل المنَظًمة ذاتيا.

تلك الصفحة العاصفة من الثورة لا تزال مفتوحة. و لا بد من إعادة النظر فيها بطريقة نقدية حادة جدا، و ذلك بدون إقامة إستمرارية بين سنوات “لينين” و سنوات “ستالين”. لأن الكسر الذي تم في عشرينات القرن الماضي، داخل روسيا الثورية، ليس سببه الأفراد و لكن القوات الإجتماعية التي تحملهم. ففي ظل “ستالين”، الذي أنقض على الثورة الروسية بشراسة، يوجد نفس الشبح الذي شوه في زمنه الثورة الفرنسية مع “بونابرت” : فالثورة المضادة هي الخطر الأبدي الذي يطارد الثورات بعد صعودها بقليل.
و هي العدو المشترك للماركسيين و الأناركيين على السواء.

___________________________

(1) ليون تروتسكي، “أكتوبر 1929” ، “الأعمال”.                                                                                                                             

(2) ليون تروتسكي، “1937 “، “الأعمال” .

(3) دانيال غيرين، ” السؤال الذي لا يطرحه تروتسكي” (1983) ، – في ” البحث عن شيوعية أناركية “، دار نشر سبارتكوس، 1984 –  (دانيال غيرين، ميشيل باكونين، كارل ماركس، ليون دافيدوفيتش تروتسكي، روزا لوكسمبورغ، إيريكو مالاتيستا).

(4) ليون تروتسكي، ” الأعمال” – الجزء الثاني، صفحة 451.

.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

الثورة أكثر انتشارا مما يرغب حكامنا في أن نعتقد تحدثت سالي كامبل إلى ديف شيري، مؤلف الكتاب الجديد: روسيا 1917، حول أهمية الثورة الروسية اليوم، ولماذا مازال طابعها الديمقراطي الشامل مخفيا داخل السرد السائد.

سالي كامبل  ,  ديف شيري

قراءات في ثورة يناير 2011: إن الكاتب ﻻ يطلق أشباحه باتجاه المستجوبين.. إنه في الحقيقة لا يستجوب بل يجرد، يشكك في كل الأيديولوجيات –دون أن يقترب من أي أيديولوجيا فعلية– ويعلن من علياء عالمه أننا –في بلد جهول- طبعا عدا كاتبنا.

أحمد حسن