تمخّض الجبل الأمريكي… فولّد فأراً

قضايا

26  أكتوبر  2017

نشر في موقع القدس العربي

إن الوثيقة التي أصدرها البيت الأبيض قبل أسبوعين تحت عنوان «استراتيجية الرئيس دونالد ج. ترامب الجديدة تجاه إيران» لائقة تماماً بتسميتها. ليس أن هذه التسمية مناسبة لادعاء التجديد الاستراتيجي الذي تنطوي عليه، بل ما هو ملائم تماماً فيها هو نسبها الاستراتيجية إلى دونالد ترامب بعينه!
وإذا كان من النادر أن تسمّى وثيقة استراتيجية أمريكية باسم الرئيس المشرف عليها، فالشذوذ عن المعتاد مبرّر كلياً في هذه الحالة، إذ تعكس الوثيقة بصورة صادقة مدى الكارثة التي حلّت بالدولة الأمريكية مع اعتلاء ترامب سدة رئاستها.
وإنها حقاً لوثيقة «ترامبية» بكافة جوانبها. فهي تنمّ عن النرجسية منقطعة النظير التي يتميّز بها رجلٌ لا ينفك يقارن نفسه بأسلافه ليعلن تفوقه، وكأنه في مباراة دائمة معهم. ومن المرجّح أن تكون هذه الوثيقة أول نص «استراتيجي» أمريكي رسمي يتضمن ذمّاً صريحاً بالإدارات السابقة. فقد جاء فيها تنديدٌ بما أسمته «تركيز الإدارة السابقة القصير النظر (كذا) على برنامج إيران النووي»، ثم شملت إدارة جورج دبليو بوش في التنديد بتأكيدها على أن «سياسة الولايات المتحدة خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة أعطت الأولوية بشكل دائم للتهديد الذي شكّلته منظمات سنّية متطرّفة مقارنة بالتهديد الأطول مدىً الذي شكّلته النشاطات المدعومة من إيران»، هذا كله قبل أن تُطمئن القراء بنبرة طاووسية إلى أن «إدارة ترامب لن تكرر هذه الأخطاء».
والحقيقة أن هذا الوعد بعدم تكرار «الأخطاء» هو لبّ ما احتوت عليه الوثيقة من «استراتيجية جديدة»، إذ أنها أشبه ما تكون بعنتريات ترامب إزاء كوريا الشمالية: كلام فارغ، أو «هواء ساخن» كما يقولون بالإنكليزية. فليس في الوثيقة التي أصدرها البيت الأبيض تحت ذاك العنوان الرنّان سوى إعلان نوايا بمنتهى العمومية: إزاء الحرس الثوري الإيراني، «نريد أن نعمل مع شركائنا للجم هذه المنظمة الخطرة». وحيال الاتفاق النووي مع إيران، الذي كرر ترامب وصفه له بأنه من أسوأ الاتفاقات التي عقدتها الولايات المتحدة في تاريخها، وذلك في كلمة ألقاها يوم صدور «الاستراتيجية الجديدة» التي حملت اسمه، فقد أكّدت الوثيقة على أنه… «يجب فرض احترامه (أي الاتفاق) بحذافيره»!
والحق يُقال، فإن السخرية التي واجهت بها شتى دوائر السلطة في إيران الفأر الذي ولّده الجبل الأمريكي بعد تمخّضه طيلة «تسعة شهور من المباحثات مع الكونغرس وحلفائنا» (كما جاء في بداية الوثيقة)، كانت هي الردّ المناسب. وقد أتت الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير خارجية ترامب، ريكس تيلرسون، للمنطقة لتؤكد هزالة التهديد والوعيد اللذين صدرا عن رئيسه والفراغ الاستراتيجي الفاقع الذي يكمن وراءهما. فقد وبّخ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ضيفه الأمريكي عندما ردّ على دعوة هذا الأخير إلى انسحاب «الميليشيات الإيرانية» من العراق بالتأكيد على سيادة بلده ورفضها لأي تدخل في شؤونها الداخلية. ومما زاد في المهزلة التصريح الذي أدلى به لصحيفة «نيويورك تايمز»، قبل ثلاثة أيام في الرياض، مسؤول أمريكي من مرافقي تيلرسون فضّل عدم الافصاح عن اسمه، فسّر كلام الوزير بأنه يتعلق بـ«فيلق القدس» الإيراني وبوحدات «الحشد الشعبي». وقد أضاف المسؤول فيما يخص هذه الأخيرة أن الحل المثالي هو «أن تعود إلى بلادها أو تنضم إلى قوات الأمن العراقية»! ويبدو أن طاقم الخارجية الأمريكية يجهل أن وحدات «الحشد الشعبي» مؤلفة من العراقيين وأنها رسمياً جزء من المؤسسة الأمنية العراقية!
ولم تُضاهِ هذه التفاهة وهذا الجهل المطبق بما يجري في المنطقة سوى دعوة تيلرسون مَن وصفهم بأصدقاء بلاده في بغداد وأربيل إلى التحاور، معرباً عن رأيه في أن الفروقات بينهم يمكن تخطّيها «لو أكّد الطرفان التزامهما بعراق موحّد». ويبدو أنه فات الوزير أن فحوى الخلاف بين «أصدقائه» هو أن الذين يقيمون في أربيل يسعون وراء استقلال إقليم كردستان عن العراق بينما يصرّ الذين يقيمون في بغداد على وحدة الدولة العراقية.
ولو أضفنا إلى كل ما سبق ذكره المناورات المضحكة التي تقوم بها المملكة السعودية بإيعاز من واشنطن سعياً وراء تشكيل محور إقليمي عربي/أمريكي مضاد لإيران، في الوقت الذي يقوم فيه وفد من حماس بزيارة طهران مساهماً في تجديد المحور الإقليمي الإيراني/الإسلامي/«الممانع»، وذلك بعد دخول الحركة في مصالحة مع أصدقاء واشنطن في رام الله تمت بوساطة من الأعداء اللدودين لأشقائها المصريين ومن عدوّها اللدود الخاص بها محمد دحلان، يكتمل مشهد «الملهاة المأساوية» التي أخذت تدور في منطقتنا منذ أن دشّنها الاستراتيجي العبقري دونالد ترامب قبل خمسة شهور في الرياض، عندما شارك برفقة وزيره تيلرسون في عرضة نجدية (أي رقصة بالسيوف) مثيراً ضحك العالم أجمع.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

نحو نظرية عامة بشأن ترامب: في نهاية الندوة تقدم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بعشر نقاط للنقاش بشأن نظرية عامة بشأن ترامب أعلق عليها هنا بما ينقلنا من التحليل إلى طرح الحاجة إلى تحالف تقدمي عالمي يجمع ما بين الاشتراكية الديمقراطية والليبراليين اليساريين والخضر واليسار الراديكالي.

بول ماسون