الآخرون ليسوا هُم الجَحيم

أفكار

23  أكتوبر  2017

قالها سارتر -الذي ينعتونه بكل نقيصة- وتلقفوها هم فصارت مُنطلقاً لكل أفعالهم المُنحطة التي يمارسونها بمنتهي الأريحية وبقلب مُفعمٍ بوهم الخرافة التي تنامت تدريجياً علي مدار السنين لتصير جزءاً من التكوين الثقافي لمجتمع بأسره .. “الآخرون هم الجحيم”. يستوي في الإيمان “السطحي الجاهل” بتلك المقولة كل المتعصبين علي إختلاف بيئاتهم ومرجعياتهم و دوافع أفعالهم. وأقصد هنا بالإيمان “السطحي الجاهل” هو الإيمان بظاهر اللفظ دون النفاذ للمعني بُغية فهمه ومن تفسيره فتَبَنيه في إطار سياقاته التاريخية التي تختلف دون شك مع واقعٍ مُعاش بموجب تبدل الأحوال وتطور الزمن وما يحمله من مفردات و منتجات ثقافية مُغايرة تُميز عصراً عن عصر.

إن وضع “رؤية” إجتماعية حديثة لمعني “الآخر” صار واجِباً مُلحاً يتعين علينا دراسته وتحديد مدلولاته لأجل تفسير ما يحدث الآن آخذين بعين الإعتبار التراكمات التاريخية لهذا المعني وتأثيراتها لأجل تغيير الواقع البائس للأفضل حتماً، فما أكتوبر المصري سوي تاريخ طويل من الدم وإستمرار لطابور من الشهداء الذي لا مجال أمامنا للحيلولة دون إمتداده إلا بالعِلم الذي يقتضي عقلاً ناقداً ففِعلاً موضوعياً ينفذ إلي عمق الأزمة ولا يقتصر علي تعاطي الإدعاء الظاهري.

“الآخر” هو مقابل “الذات” وهو في حقيقة الأمر إنعكاس لها، فأنت لن تتمكن من معرفة “ذاتك” دون وجود “آخر”، تراه أو تلمسه أو تشعر به أو كل هذا معاً، و الآخر بهذا المفهوم إذن هو غير مطابق لذاتك رغم وجود مُشتركات حتمية بينكما تعزز وترسخ عِلمُك بالإختلاف. أنت إذن أمام مجموعتين من مُحددات “الآخر” و”الذات” هما بدورهما صورتين متقابلتين تراهما كما تشاء وفق تراثك الثقافي/الإجتماعي/السياسي، مجموعة تحاصرك بما هو مُختلف فتنتهي بك إلي إنسدادٍ عقليٍ يتدرج من مجرد مشاعر الكراهية إلي فِعل الإفناء/القتل و الدمار للآخر المختلِف، و أخري تفتح أمامك مجال ما هو مُشترَك فتؤول بك إلي إنفتاحٍ فكري يتطور من مجرد فهم معاني القبول إلي فِعل الإحياء/العيش و البناء مع الآخر المشترِك.

كلنا مختلفون بحكم إختلاف الأرض واللغة والعرق واللون والجنس والقناعات السياسية و الدينية، لكننا مشتركون في “إنسانيتنا” التي هي مركزنا الكوني ومُشتركنا الأساسي الذي ينبغي أن تُبني عليه علاقاتنا المحتومة التي تتحدد أبجدياتها بمبادئ علم “الأخلاق” من زاوية إنسانية بحتة.

يقول “كانط”: “تصرف أزاء الآخر بنفس الطريقة التي تحب أن يتصرف الآخر بها تجاهك. تصرف إزاء الآخر بإعتباره غاية في حد ذاته لا بكونه وسيلة تتلاعب به كما تشاء. تصرف إزاءه ككائن له كرامة أو كفرد يستحق الإحترام في سياق يتخذ من هذا التصرف قانوناً كونياً ينطبق علي الجميع دون إستثناء.” ويقول “هاشم صالح” في قراءته “لكانط”: “من المعلوم أن تصور كانط كان مُضاداً للتصور اليوناني القديم فيما يخص هذه المسألة، فهدف الإنسان علي هذه الأرض ليس أن يكون سعيداً في نظره وإنما أن يكون أخلاقياً. والعمل الأخلاقي بالنسبة له ينبغي أن يُحاكم ليس علي أساس مردوده ونتيجته و إنما علي أساس بواعثه ودوافعه. فإذا كان الباعث هو النية الطيبة فإنه يكون صحيحاً وعادلاً، وإلا فلا”، تلك إذن هي رؤية “كانط” ومحور فلسفته الكبرى التي كانت بمثابة خارطة الطريق لفلاسفة التنوير الأوروبيين التي إنبثقت عنها مبادئ حقوق الإنسان.

ولا شك عندي أن الأديان الإبراهيمية –بالتحديد- كانت قد أرسلت من قبل “كانط” نفس الرسالة، فتلك هي روح الأديان عموماً (لا تفعل لأخيك ما تكره/أحبوا أعداءكم/أحب لأخيك ما تحب لنفسك) إلا أن بعضاً من رجالاتها لأسباب لها علاقة بمصالح سياسية و إجتماعية قاموا بإحتجاز تطور مفهوم الإنسان “كفرد عالمي” في إطار الإيمان وإيمانهم هم بالذات، فإنتقوا من رسالات أديانهم نصوصاً واجبة التأويل تُشَيطن الآخرين وتجعلهم الجحيم بعينه، فقطعوا بذلك طريق التقدم نحو “فردانية” الإنسان و صون كرامته و حقه في الحياة التي منحها الله له بشكل متساوٍ، و نَفَوا بموجب ذلك حق “الآخر” في الوجود من الأساس -لكونه فقط “مختلفاً”- لتسود العالم رؤي الشوفينية التي غذتها ممارسات الهيمنة الإستعمارية وما إرتبط بها من نهب للثروات وإزدواجية في المعايير، فأصبح الكوكب برمته جاهزاً للإنفجار بوجه كل ساكنيه.

ليست المسألة إذن أن دعوة الكراهية متأصلة في النصوص بقدر ما هي تحجر بائس أملته تحالفات أشد بؤساً وقفت بنا عند إجتهادات التقريب بين الدين و الفلسفة في نهايات القرن الثاني عشر، وحالت بموجب ذلك دون التواصل و الحوار المخلص الذي يفضي إلي القبول والعيش بسلام في إطار أخلاقي إنساني عام أدرك أهميته “كانط” و من قبله “إبن رشد” و”أبو حيان التوحيدي”، ومن بعده “محمد عابد الجابري” و”محمد أركون” و”نصر حامد أبو زيد” و”بول ريكور” وغيرهم.

لسنا بحاجة إلي تقبيل اللحي أو إصطناع الحزن علي بوابات قاعات العزاء، فالأمر قد صار أخطر وأعقد من ذلك بما لا يمكن تَخَيُله إذ صرنا نقف بأطراف أصابع أقدامنا علي الحافة للخروج نهائياً من التاريخ متجاوزين ما أسماه “محمد أركون” بالقطيعة التاريخية.

اضافة تعليق جديد