رحلة العلم‎ (2/3) ‎

أفكار, قضايا

22  أكتوبر  2017

حاول العلم في القرن التاسع عشر تحقيق نظرية موحدة للظاهرة الفيزيائية، فجسيمات المادة المتحركة محكومة بقوى محددة بدقة ويمكن التعبير عنها بصيغ رياضية. في بداية العصر الصناعي، كانت الكهرباء والمغناطيسية والضوء ألغازا غامضة، فوضعت أسس الكهرباء والمغناطيسية والديناميكا الحرارية والحركة، وطرحت لأول مرة النظرية الموجية للضوء. لقد اعتقد نيوتن (وديكارت) أن العالم المادي مصنوع من جسيمات، وأكدت نظرية دالتون الذرية على أن العناصر مؤلفة بالفعل من ذرات وجزيئات. لكن العلم كان ما يزال غير مدرك لمبدأ التماسك، وبدا أن الكهرباء والحرارة يتصرفان مثل السوائل وليس الجسيمات.

درس ويليام جيلبرت (1544 – 1603) خصائص المغناطيس، واستخلص أن الأرض كانت عبارة عن مغناطيس عملاق له قطبين شمالي وجنوبي، وأن المغناطيسية كانت تلعب دورا في ربط الكون بعضه مع البعض الآخر. وأوضح بنجامين فرانكلين (1706 – 1790) تشابه تأثيرات البرق والكهرباء. وفى عام 1745 قام  بيتر فان موشينبروك باختراع المكثف، فقد كانت تجارب الكهرباء تجرى في ذلك الوقت بإنتاج شرارات، ولم يكن ممكنا القيام بأي نوع من تقدير التأثيرات الكهربائية، إلا أنه مع اختراع إناء “لايدن” أمكن تخزين الشحنة واستخدامها لاحقا. وافترض فرانكلين أن كميات كبيرة من الشحنة الكهربائية كان يتم توليدها في سحب العواصف، فقام بإطلاق طائرة ورقية إلى قلب عاصفة تتشكل، مستخدما خيط حرير واضعا عليه مفتاحا متصلا بمكثف عن طريق سلك معدني. لقد كون إناء “لايدن” شحنة كهربائية كبيرة أثناء تلك التجربة. كانت تجربة فرانكلين حاسمة في تحديد خصائص الكهرباء.

كان لويجى جالفانى (1737 – 1798) يقوم بتشريح ضفدع فوق منضدة عام 1773 أثناء قيامه بإجراء تجربة كهربائية، وحين لمست يد المشرط ساق الضفدع المقطوعة، أدى ذلك لانقباض عضلة الساق. استخلص جلفانى أن كهرباء الحيوان قد أنتجت بواسطة الضفدع وحملتها العضلة إلى العصب مما تسبب في رد الفعل. وصار هناك جدل طويل حول مصدر تلك الكهرباء بين جلفانى وبين اليساندرا فولتا (1745 – 1827) الذي اكتشف فيما بعد، أن هناك تناسبا بين الجهد الكهربي والشحنة الكهربائية في المكثف فيما يعرف بقانون السعة الكهربائية. وفى عام 1791 وجد أن باستطاعته استبدال ساق الضفدع بقطعة ورق مشبعة بالملح ووضعها بين معدنين مختلفين لتوليد تيار كهربائي. وفى عام 1800، نجح في صنع أعظم إسهاماته على الإطلاق باختراع البطارية. ولأول مرة، وفرت بطارية فولتا للعلماء مصدرا ثابتا لإنتاج وإعادة إنتاج التيار الكهربائي، وأصبح ممكنا دراسة الكهرباء بطريقة كمية. وفى غضون عقد من الزمن بعد اختراع فولتا، اكتشف التحليل الكهربي والطلاء بالكهرباء.

في ثمانينات القرن الثامن عشر قام شارلز دى كولوم (1736 – 1806) بتقدير كمية الشحنة الكهربائية. وقدم أكثر الاكتشافات الأساسية في الكهرباء، باختراعه الميزان الالتوائي الذي سمح بقياس مقادير بالغة الصغر من القوة الكهربية بدقة. كان معروفا أن الشحنات المتضادة تجذب بعضها والمتماثلة تتنافر، وكان كولوم قادرا على تحديد العلاقة الرياضية بين الشحنة الكهربائية وقوتها. فالقوة سواء جاذبة أو طاردة، تتناقص مع مربع المسافة بين الشحنتين. عند هذه النقطة من التاريخ، عرف العلم قوتين يختلف كل منهما بشكل يتناسب طرديا مع خصائص الأجسام، الكتلة والشحنة، ويتناسب عكسيا مع مربع المسافة بين الجسمين. وفى عام 1817، اكتشف الفيزيائي الفرنسي اندريه أمبير أن السلكيين المتوازيين المار فيهما تيار كهربائي في نفس الاتجاه يتنافران. وفى عام 1821، قام الكيميائي والفيزيائي الدانمركي هانز كريستيان أورستد، بكهربة سلك من البلاتين مما أدى إلى توهجه. وإستخلص أورستد أن السلك المكهرب كان محاطا بمجال مغناطيسي. ثم اخترع الجلفانومتر، الذي أصبح أداة مهمة لقياس التيار بدقة. لقد كانت الكهرباء مغناطيسا، فهل كان العكس صحيحا؟

مايكل فاراداى (1791 – 1867) الذي يعد أعظم عالم تجريبي في القرن التاسع عشر، اكتشف التحليل الكهربي بتمرير التيار خلال محاليل من نترات الفضة وسلفات النحاس وكلوريد الألومنيوم، ولاحظ أن المعادن كانت تترسب على القطب السالب. وفى عام 1821 صمم تجربة رائعة شكلت الأساس للموتور الكهربائي. فقد ثبت مغناطيسا في إناء من الزئبق، وقام بتوصيل بطارية إلى الزئبق ثم أضاف سلكا معلقا فوق الإناء بالكاد يلمس الزئبق. وعندما قام بتمرير التيار الكهربائي، دار السلك المعلق حول المغناطيس المثبت. وفى عام 1831 مرر فاراداى مغناطيس خلال ملف من السلك وولد تيارا كهربائيا، وعندما توقف المغناطيس عن الحركة توقف التيار كذلك. وبتلك التجربة أثبت فاراداى أن الحركة الميكانيكية يمكن تحويلها إلى تيار كهربي. وبالمثل، عندما مرر فاراداى تيار كهربائي خلال الملف، كان يتولد مجال مغناطيس بمقدروه جذب قضيب من الحديد. وهكذا اخترع فاراداى كلا من الموتور الكهربائي و”الدينامو” أي المولد الكهربائي. فيما بعد، قام فاراداى بلف سلك نحاسي حول حلقات من الحديد واكتشف إمكانية توليد الحث الكهربي من حلقة مشحونة إلى حلقة غير مشحونة، وهكذا تم اختراع المحول الكهربائي. وبشكل مناظر للميزة الميكانيكية للروافع والتروس، استطاع المحول الكهربائي تغيير جهد التيار الكهربائي باستخدام عدد مختلف من لفات السلك. وفى النهاية، حدد فاراداى أن الكهرباء والمغناطيسية متماثلان ظاهريا، حيث لا يوجد أي فرق سواء كان المغناطيس أو الملف هو الذي يتحرك. لقد بدأ الاستخدام الاقتصادي للقوة الكهربية مع تطوير الموتورات والمولدات الكهربائية.

أنتج جيمس كلارك ماكسويل (1831 – 1879)، أكثر فيزياء القرن التاسع عشر عبقرية، فقد طور البنية الرياضية لتأسيس النظرية الكهرومغناطيسة، وكان اسهامه الكبير هو أخذ عمل كولوم عن الكهرباء الإستاتيكية، وتجارب فاراداى ودراسات فريدريك جاوس (1777 – 1855) عن المغناطيسية، وأبحاث أندريه أمبير (1775 – 1836) في الكهرومغناطيسية، وقام باختزال كل منها لمعادلات قابلة للمقارنة، ومن ثم أنتج معادلات مرادفة للمجالات الكهربائية والمجالات المغناطيسية. وقد نصت معادلاته على أن هناك نوع جديد من الموجات يتضمن المجالات الكهربائية والمغناطيسية، وهى ما ستعرف لاحقا بالموجات الكهرومغناطيسية. لم يقم ماكسويل بإرساء النظرية الموجية للكهرومغناطيسية وحسب، لكنه تنبأ أيضا بأن الموجات الكهرومغناطيسية تنتشر بسرعة الضوء. وفى عام 1849، قام أرمند هيبوليت فيزو (وجين فوكولت فيما بعد في عام 1862) بحساب سرعة الضوء بواسطة تمرير شعاع ضوء خلال ماء متحرك، حيث وجه شعاعا واحدا باتجاه موجة تدفق المياه، والآخر عكس اتجاه تدفقها، وعن طريق نمط الاستدلال الناتج تمكن من حساب سرعة الضوء، وتوصل إلى أنها كانت ثابتة في الفراغ.

في التجارب المبكرة للحث الكهربائي، أكتشف أن الكهرباء ليست لها فقط مظهر موجب وسالب، لكن يمكن أيضا تشغيلها وتبطيلها. هذا المظهر، تشغيل/إبطال، الخاص بالكهرباء سيجرى دمجه في الاتصالات فيما بعد. كان التطبيق الأول لهذا المبدأ هو اختراع التلغراف في عام 1837 الذي استخدم في إشارات السكة الحديد. تم تطوير شفرة موريس ووضعت الكابلات تحت القنال الانجليزية في عام 1850 وعبر الأطلنطي في عام 1866. لقد كانت ثورة اتصالات تجرى باتساع العالم على قدم وساق. وفى عام 1844 أرسلت أول رسالة تلغرافية من واشنطن إلى بالتيمور. وقد خلقت تلك الاتصالات عبر مسافات طويلة نوعا جديدا من التجارة العالمية.

 في عام 1887 نجح هينريش هيرتز (1857 – 1894) في إنتاج وتوجيه موجات فاراداى وماكسويل الكهرومغناطيسية غير المرئية عبر الفضاء، كما تنبأ ماكسويل بالضبط. وباستخدام جهاز بسيط (متذبذب كهربائي وكشاف الشرارة) أنتج هيرتز موجات كهرومغناطيسية – نعرفها اليوم باسم موجات البث الإذاعي والتلفزيوني – انتقلت بسرعة الضوء، وكانت لها جميع خصائص معادلات ماكسويل. وفيما بعد قام جولييمو ماركونى (1874 – 1937) بتحسين التكنولوجيا التي أدت لتطور الاتصالات اللاسلكية والراديو.

لم تصبح الكهرباء ذات تنافسية اقتصادية مع البخار إلى أن اخترع أديسون المصباح الكهربائي، متوهج الفتيلة في سبعينات القرن التاسع عشر. وقد وفرت الإضاءة الكهربائية أساسا اقتصاديا لنمو الصناعة الكهربائية. في عام 1882، شيدت كل من نيويورك ولندن محطات مركزية للطاقة، بمولدات كهربائية تعمل بالبخار، وبدأت محطة برلين للطاقة في العمل عام 1888، وبحلول تسعينات القرن التاسع عشر حلت الإضاءة الكهربائية سريعا محل الإضاءة بالغاز. وفى أواخر ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر بدأ الترام الكهربائي وسكك الحديد الكهربائية بالعمل في المدن. في عام 1890، افتتحت لندن أول نفق تحت الأرض والذي ما يزال يعمل حتى اليوم. كما بدأ إنتاج الكهرباء من شلالات نياجرا في عام 1896.

لقد صممت المحركات البخارية وجرى استعمالها دون معرفة الأساس النظري لطريقة علمها، ومع هذا لم يمنع ذلك الثورة الصناعية من تغيير العالم. وقد صنعت أولى المحركات البخارية في عام 1698 باستخدام ضغط البخار الناتج من غلاية حديدية للمساعدة في ضخ المياه من المناجم. وطور توماس نيوكومين مضخة بخارية محسنة في عام 1712، أكثر أمنا لأنها وظفت المكبس ولم تعتمد على البخار عالي الضغط، الذي كثيرا ما تسبب في حوادث. وبحلول عام 1769 قام جيمس وات بتعديل محرك نيوكومين البخاري، لتزيد كفاءته ثلاثة أضعاف.

 

كان العلماء مهتمين بالأسس العلمية لتكنولوجيا البخار الجديدة، لكن طبيعة الحرارة لم تكن مفهومة حتى القرن التاسع عشر. حاول جاليليو وآخرون قياس أو تقدير كمية الحرارة، وتطورت مخططات القياس بحلول القرن الثامن عشر. وقد اقترح بنيامين تومسون (1753 – 1814) تكافؤ الحرارة والطاقة لأول مرة. وفى أربعينيات القرن التاسع عشر توصل الانجليزي جيمس بريسكوت جول (1818 – 1889) إلى أن إمكانية تحويل الجهد الميكانيكي إلى حرارة بشكل كمي. وفى عدد من التجارب المتقنة حدد جول أن الجهد يتحول إلى حرارة بمعدل محدد يمكن قياسه. وافترض روبرت ماير (1814 – 1878) أن القوى الطبيعية جميعها (الكهرباء والمغناطيسية والجاذبية والحرارة والجهد الميكانيكي .. الخ) متكافئة، واقترح أن مصطلح “قوة” هو مصطلح غامض واقترح استبداله بمصطلح “طاقة”. وفى عام 1848، توصل وليام ثومبسون (1824 – 1907)، الذي سيصبح اللورد كلفن فيما بعد، إلى استخلاص مذهل. فحسب قانون شالرز للغازات، يتناسب حجم الغاز طرديا مع درجة حرارته. وقد لاحظ كلفن أن الغازات تتمدد وتنكمش بحوالي جزء على 273  جزء من حجمها لكل درجة حرارة مئوية. وباستقراء أن الحجم سيكون صفرا عند درجة حرارة   (-)237 مئوية، استخلص أن (–237) درجة مئوية هي أقل درجة حرارة ممكنة، وهى الصفر المطلق على مقياس كلفن لدرجات الحرارة.

رأى جول أن هناك علاقة بين الحرارة والجهد، وبالتالي بين الطاقة والجهد. فالطاقة هي القدرة على بذل الجهد. وقد مثل القانون الأول للديناميكا الحرارية طريقة أخرى للنص على قانون حفظ الطاقة. فحفظ الطاقة هو طريقة أخرى لقول: أنت لا تستطيع الحصول على شيء مقابل لا شيء. وأصبح موضوع دراسة الحرارة والجهد يعرف بالديناميكا الحرارية.

لقد جلب قانون حفظ الطاقة معنى الوحدة فيما يخص القوى الفيزيائية في الطبيعة، لكنه وضع أيضا حدودا لعمر الكون. فطبقا لقانون حفظ الطاقة، لا يمكن للشمس أن تخلق الطاقة من العدم، ولا يمكنها الاستمرار بالسطوع للأبد، مشعة للحرارة والضوء في النظام الشمسي. فالشمس نظام متناه ولديه كمية محدودة من الطاقة. في عام 1863 افترض اللورد كلفن بناء على قانون حفظ الطاقة، أن الشمس لا يمكن أن يكون عمرها أكثر من مائة مليون سنة. كان تقديره لعمر الشمس أقل بكثير مما نعرفه الآن، لأنه لم يكن يعرف عن الطاقة النووية، التي زادت من عمر الشمس تماما. فبدلا من مائة مليون سنة يقدر عمر الشمس حاليا بحوالي 4.5 مليار سنة. بالإضافة لذلك، فإن فكرة أن للشمس عمر محدد، طرحت علميا نقطة لطالما تناولتها الأديان: أن هناك إمدادات محدود من الطاقة للنظام الشمسي، وأن الكون نفسه محكوم عليه بالموت في نهاية المطاف. كان إدراك اللورد كلفن لمحدودية عمر الشمس تبصرا ذو أهمية كبرى في القرن التاسع عشر.

إذا حفظت الطاقة، فلماذا يبرد كوب الشاي أو يذوب الآيس كريم؟ لماذا ينتشر الدخان ليملأ الغرفة، ولا يتجمع أبدا في أحد الأركان؟ لماذا تذوب مكعبات الثلج الموضوعة في الماء الدافئ مبردة الماء؟ ولماذا لا يتحول المحلول الناتج أبدا إلى ثلج وماء دافئ؟ وبشكل أكثر عمقا، لماذا ينساب زمن الطبيعة للأمام، وليس للخلف أبدا؟

توصل رودولف كلاوزس (1822 – 1888) إلى أن هناك عمليات طبيعية معينة تسير في اتجاه واحد فقط، من الساخن للبارد وليس من البارد للساخن. هذا الميل الكوني أطلق عليه اسم “إنتروبيا”، وهو أساس القانون الثاني للديناميكا الحرارية. فطاقة الكون ثابتة وإنتروبيا الكون تميل باتجاه التعاظم، وهى مصحوبة بزيادة في فوضى النظام. وهنا يتم تعريف النظام والفوضى نسبة لدرجة احتمالية الحالتين في نظام ما، فالترتيب الأقل احتمالا يكون منظما بشكل أكبر، والترتيب الأكثر ترجيحا هو الأكثر فوضى. ولأن الأنظمة المعزولة تتطور باتجاه الترتيب الأكثر ترجيحا، فإنها تصبح بشكل طبيعي أكثر فوضى بمرور الوقت، وهكذا تزداد إنتروبيا تلك الأنظمة. كروت اللعب مثال جيد لشرح المسألة. تخيل مجموعتين من كروت اللعب حمراء وسوداء، يتم خلطهم كل مرة عشوائيا. الأقل احتمالا أن تصبح كل الكروت الحمراء في مقدمة كل الكروت السوداء. فعند خلط الكروت لا نتوقع أن تتقدم كل الكروت الـ 26 الحمراء على كل الكروت الـ 26 السوداء. وبنفس الطريقة، تخيل وجود غازين في صهريجين متجاورين، عند فتح الباب الفاصل بينهما، سيمتزج الاثنان في نهاية المطاف وبالتالي تزداد الفوضى أو الإنتروبيا.

ربما كانت الفكرة الأقدم في الحضارة الغربية منذ اليونانيين هي فكرة الكون الخالد والساكن وغير المتبدل، ثم نزل كوبرنيكوس بالأرض من مرتبة مركز الخلق. وبسبب الاحتكاك في النظام، رأى نيوتن أنه من وقت لآخر سوف يتعين على الإله أن يعطى دفعة تشجيعية لعملية الخلق حفاظا على العالم من الانهيار. وبحلول القرن التاسع عشر لم يعد العلماء يعتقدون أن الإله رؤوف بما يكفى ليتدخل لملئ الساعة الكونية كل فترة، وبدءوا في التحدث بسوداوية عن الموت الحراري للكون. فالطاقة تتحول إلى جهد فقط عندما يكون هناك فارق في درجة الحرارة. ولأن القانون الثاني للديناميكا الحرارية لا محالة يعمل على تساوى كل درجات الحرارة، عند نقطة معينة سوف تكون للنظام المغلق نفس درجة الحرارة في كل مكان ولن يكون قادرا على بذل الجهد. وفى النهاية، فإن كل الأنظمة المغلقة ستعانى من ذلك الموت الحراري. فهل سينتهي الكون وكل الحياة والحضارة والغاية وكل شيء؟ لقد أوحى القانون الثاني للديناميكا الحرارية، عبر توقعه المتشائم للموت الحراري للكون، بالرهبة والفزع لدى العديد من مثقفي القرن التاسع عشر الذين تفاءلوا فيما مضى بفكرة التقدم .

قدمت الانتروبيا معنى جديد للزمن في العلم والحضارة الغربيين. فلم يكن هناك إدراك لمعنى نفاذ الوقت، مع أن لدينا جميعا إحساسا بالمحدودية. لكن القانون الثاني للديناميكا الحرارية أجبر المجتمع الغربي على التفكير في نهاية الزمن ذاته. هل بمقدور المرء الاستمرار في الاعتقاد في زمن نيوتن المطلق إن كانت الإنتروبيا قد أبطلت الزمن؟ هنا أنتج القانون الثانى للديناميكا الحرارية مفهوما كونيا هاما آخر: فإن كان يجب أن تكون للكون نهاية، فلابد أن تكون له بداية. وحقيقة أن الكون لم يصل بعد إلى التوازن الحراري، الذي يستمر في التقدم نحوه، لا يعنى أن الكون يمكنه الوجود إلى الأبد.

في عام 1879، بنا العالم البريطاني ويليام كروكس (1837 – 1919) أنبوب مفرغ به قطب كهربي في كل نهاية لدراسة التفريغ الكهربائي في الغازات. عند تمرير تيار عالي الجهد الكهربي عند القطبين، لاحظ كوك حزمة من الأشعة الصفراء تأتى من الكاثود (القطب السالب)، وكلما قام بتفريغ الأنبوب، أصبحت أشعة الكاثود أكثر لمعانا. في عام 1895، كان ويلهلم رونتجن (1845 – 1992) يجرى تجاربه باستخدام أنبوب كروكس، عندما لاحظ توهج شاشة كبريت الزنك الموجودة في الغرفة. وعندما أطفأ الأنبوب اختفى الوهج. أطلق رونتجن على الأشعة التي تنتقل من أنبوب كروكس اسم “أشعة إكس” (X). قام رونتجن بإحضار زوجته للمعمل، ووضع أنبوب كروكس على حامل، ووضع لوح تصوير تحت يدها. أظهر لوح التصوير عظام يد السيدة رونتجن بالتفصيل وأوضح خاتم زواجها كذلك. وفى أقل من عام، كانت تلك الأشعة تستخدم للأغراض الطبية، خاصة في اكتشاف كسور العظام وتحديد استقامة ضبط العظام المكسورة.

واصل هينرى بيكوريل (1852 – 1908) الأبحاث على أشعة X، وحاول إثبات علاقتها بالضوء. وفى عام 1896 اكتشف أن “اليورانيوم” يطلق أشعة بشكل مستمر، وكان لتلك الأشعة نفس قوة اختراق أشعة X، لقد اكتشف بيكوريل النشاط الإشعاعي.

فيما بعد، سعت مارى كورى (1867 – 1934) وزوجها بيير لتفسير الظاهرة الغريبة للنشاط الإشعاعي، وكان السؤال الأكثر درامية بخصوص النشاط الإشعاعي هو: كيف للطاقة أن تنبعث باستمرار من المادة دون أي مصدر خارجي مثل الضوء أو الحرارة أو الكهرباء؟ لقد وهب الزوجان كورى حياتهما حرفيا سعيا وراء الإجابة على هذا السؤال. وفى يونيو 1898 أعلنا عن اكتشاف أحد العناصر، واقترحا اسم “بولونيوم” على شرف اسم الموطن الأصلي لمارى؛ وبحلول ديسمبر 1898 أعلنا عن اكتشاف عنصر جديد آخر يشبه “الباريوم”، ثم اكتشفا “الراديوم” الذي كان أكثر إشعاعية من اليورانيوم والبولونيوم.

وبإجراء التجارب تم اكتشاف أن هناك ثلاثة أنواع من الأشعة تنتج من المواد المشعة. أشعة “ألفا” يمكن إيقافها بلوح من الورق، وأشعة “بيتا” يمكنها المرور خلال رقاقة الألومنيوم، وأشعة “جاما” تتصرف بشكل مشابه جدا لأشعة X. وتم اكتشاف أن المواد المشعة تتميز بخاصية مهمة تسمى نصف العمر. وجرى تحديد جسيمات “الفا” باعتبارها أنوية عنصر الهيليوم، وجسيمات “بيتا” باعتبارها الكترونات ذات طاقة عالية جدا، وأشعة “جاما” كانت ضوءا ذا طاقة عالية. ونحن الآن نعرف أن جميع النظائر المشعة لها أنصاف أعمار، تتراوح من أقل من ميكروثانية لأكثر من مليار سنة. وهكذا استطعنا فيما بعد تقدير عمر الأرض الذي يبلغ 4.54 مليار سنة، كما يمكننا الآن تحديد عمر الصخور والحفريات وعظام الحيوانات المنقرضة  بدقة بالغة، لنتمكن في النهاية من معرفة أن عمر الحياة على الأرض حوالي 3.8 مليار سنة.

قام كلارك ماكسويل في عام 1865 بحساب أن الموجات الكهرومغناطيسية بمقدورها الانتقال بسرعة 299.793 كيلومتر في الثانية (186.000 ميل في الثانية) – وهى سرعة الضوء!. وفى عام 1887، قام ألبرت ميكلسون (1852 – 1931) وويليام مورلى (1838 – 1923) بإجراء تجربة حساسة لقياس السرعة التي تتحرّك بها الأرض خلال الأثير، باستخدام جهاز لقياس تداخل موجات الضوء. كانت فكرتهما هي المقارنة بين سرعة الضوء في اتجاهين مختلفين ومتعامدين، فإذا كانت سرعة الضوء ثابتة بالنسبة للأثير، فيجب أن تكشف القياسات سرعات الضوء التي تختلف وفقًا لاتِّجاه الأشعة. وبتكرار التجربة، كانت سرعة الضوء هي نفسها في كل اتجاه، بغض النظر عن حركة الأرض. لم يكن هناك أثير، مما حتم التخلي عن نموذج الأثير.

استمرت الجهود المبذولة للحفاظ على مفهوم الأثير طيلة عشرين عامًا حتَّى ظهور بحث لافت للنظر من موظَّفٍ صغير مغمور في مكتب براءة الاختراع، اسمه ألبرت أينشتين. قدمت ورقة أينشتين البحثية في يونيو 1905، عن الديناميكا الكهربية للأجسام المتحركة، وكان لها افتراضان خاصان، أن قوانين الفيزياء لا تختلف في كل أطر المراجع ذاتية القصور، وأن سرعة الضوء في الفراغ هي نفسها في كل أطر المراجع ذاتية القصور، بصرف النظر عن سرعة مرسل أو مستقبل الضوء.

كانت سنة حظ ألبرت أينشتين (1879 – 1955)، هي عام 1905 حين كان عمره حوالي 26 عاما. ففي شهور قليلة، قدم اينشتين خمسة أبحاث، ثلاثة منهم على الأقل كانت تستحق جائزة نوبل. في مارس، قدم ورقة بحثية كانت أول برهان على البنية الكمومية للضوء، وفى هذا البحث قام بتفسير التأثير الكهروضوئى. وقرر أن طاقة الضوء تتناسب مع تردده وأنه يتصرف كجسيمات. وفى شهر أبريل، قدم طريقة نظرية لحساب عدد وحجم الجزيئات من خلال حركتها في السائل، وتم قبول هذا البحث كأطروحة للدكتوراه. وفى مايو، قام بتفسير الحركة غير المنتظمة للأجسام الدقيقة المعلقة في السوائل (الحركة البراونية)، وكان هذا أول دليل تجريبي على وجود الذرات. وفى شهر يونيو، قدم ورقة بعنوان “حول الديناميكا الكهربية للأجسام المتحركة”. كانت تلك هي النظرية الخاصة للنسبية، متضمنة مفاهيم جديدة عن المكان والزمان والكتلة. وفى سبتمبر، قدم ورقة من ثلاث صفحات اشتق فيها تلك المعادلة الأشهر والتي تفيد بأن الطاقة تساوى حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء (2E = mc)، حيث أعتبر أن الطاقة والمادة متكافئتان ويمكن نظريا تحويل كل منهما للأخرى. سيصبح هذا أساس تفسير النشاط الإشعاعي وتطوير القوى الذرية والأسلحة الذرية فيما بعد.

تم تدشين حقبة جديدة من العلم، فقد ولد عالم العلم تحت الذرى.

كان اكتشاف الإلكترون بمثابة نهاية لنظرية دالتون بأن الذرات غير قابلة للتغير، فقد اتضح أنها في الواقع مصنوعة من أجزاء!. ومع اكتشاف النشاط الإشعاعي، كانت الطاقة متاحة ضمن الذرات، دون أن يكون لها علاقة ظاهرية بالديناميكا الحرارية. واخبرنا اينشتين أن الكتلة يمكنها أن تتحول لطاقة، وافتراضيا العكس بالعكس. واعتبرنا ببساطة أن الكتلة هي شكل آخر للطاقة. لقد قدمت معادلة أينشتين الشهيرة إجابة على بعض الأسئلة الهامة، حيث فسرت مصدر الطاقة في النشاط الإشعاعي. وبتفسير النشاط الإشعاعي أمكننا تفسير المقدار الهائل من الطاقة الذي ينسكب من الشمس والنجوم الأخرى. كما تنبأت تلك المعادلة بالاندماج النووي والانشطار النووي. لقد كان ذلك بداية لاكتشاف مصدر كبير جدا وجديد تماما للطاقة، إنه الكتلة:  ولتوضيح الأمر، فإن 5000 كيلو جرام من المادة يمكنها توفير كافة احتياجات العالم من الطاقة لعام كامل.

أعلن جيه جيه تومسون (1856 – 1940) في عام 1897 أن أشعة الكاثود كانت عبارة عن قطع سالبة من الذرات، ليصبح الإلكترون أول جسيم تحت ذرى يتم اكتشافه. فيما بعد، اكتشف أرنست راذرفورد (1871 – 1937) نواة الذرة في عام 1911 وحدد أنها موجبة. في هذه الفترة كان السباق جاريا لحل ميكانيكا الذرة مع الكتروناتها الخفيفة السالبة التي كان يسهل انتزاعها من أنويتها الثقيلة الموجبة. وقد وجد هنرى موسلى (1887 – 1915) أنه كلما كان العنصر أثقل، كلما زادت طاقة أشعة X التي ينتجها، مما جعل من الممكن تعيين الرقم الذرى الصحيح لكل عنصر. وقد توافقت أعداد موسلى الذرية تماما مع ترتيب مندليف للعناصر. وابتكر سى تى آر ويلسون (1869 – 1959) غرفة السحاب في عام 1912، وهو الجهاز الذي سمح بتعقب الأحداث الإشعاعية، وأصبح ذلك الجهاز الأداة التجريبية الأكثر أهمية في الفيزياء النووية. وفى عام 1913، أرسل جيه جيه تومسون شعاعا من ذرات النيون المشحونة خلال مجال مغناطيسي، واكتشف أنها تتكون من كتلتين مختلفتين. فيما بعد، طور فرانسيس آستون (1877 – 1945) في عام 1919 وحتى عام  1922 الأداة التي تعرف الآن بمطياف الكتلة لفحص كتل الذرات. وقد حددت الجهود المشتركة بين تومسون وآستون أن العديد من العناصر لديها نظير مستقر واحد أو أكثر. فالكربون، عدده الذرى 6 ربه 6 الكترونات، ولديه ثلاث نظائر موجودة في الطبيعة، تسمى الكربون 12 والكربون 13 والكربون 14. وفى عام 1932 اكتشف جيمس كادفيك (1891 – 1974) الجسيم المتعادل داخل النواة والذي كان رذرفورد قد تنبأ بوجوده وأطلق عليه اسم النيوترون.

الآن صارت هناك حاجة لميكانيكا خاصة بالذرة، لتفسير القوى التي تؤدي إلى تماسك مقوماتها.  وحيث أن تلك الميكانيكا تقوم على كمومية الضوء (باعتبار الضوء مكون من كمات من الطاقة تسمى فوتونات) فقد اكتسبت اسم ميكانيكا الكم.

قرر نيلز بور (1887 – 1915) أن الإلكترونات يجب أن تتواجد في مدارات خاصة حول النواة، ثم افترض نموذجا ذريا يكون فيه للإلكترون عزم زاوي محدد. طرح بور تصوره عن ميكانيكا الكم، وطور شرودنجر الميكانيكا الموجية، وهما معا يقدمان التفسير الحالي لتركيب الذرة. صنع بور تشبيها شيقا، فلو تصورنا الذرة بحجم مبنى إمباير ستيت في نيويورك، سيصبح الإلكترون في حجم بلية زجاجية، وسيكون عليه الدوران حول المبنى سبعة مليون مرة في جزء من مليون من الثانية. كذلك فإن حجم الفضاء الفارغ في الذرة، أكثر مما بين كواكب نظامنا الشمسي.

أصبح المسرح معدا الآن لتطوير تلك النظرية الحديثة للمادة، فطرح أروين شرودنجر (1887 – 1916) نظرية عامة عن انتشار موجات المادة في الأبعاد الثلاثة عام 1926. واشتق بى إيه إم ديراك (1902 – 1984) ميكانيكا كمومية نسبية، تنبأت بوجود الكترونات موجبة!، اكتُشف البوزيترون (الإلكترون الموجب) بعدها بفترة قصيرة فيما بعد أثناء عمليات معينة للتحلل الإشعاعي. كان هذا أول برهان على وجود المادة المضادة. وعندما يتقابل البوزيترون والإلكترون، يُباد كلاهما ويتحولان إلى طاقة صرف، وهو تطبيق آخر لمعادلة أينشتين الأشهر. فكتلة الإلكترون تعادل 0.51 مليون فولت الكتروني من الطاقة، وعند إبادة زوج بوزيترون/إلكترون، يتم إنتاج 0.51 مليون فولت الكتروني على شكل أشعة جاما.

لا يمكننا إلا تصور وصف الموجات، ففى الصورة الذرية الحديثة، نحن نتحدث فقط عن احتمالية موضع الإلكترون. ففي عام 1927، ومع الدليل التجريبي المروع على حيود الإلكترون، أكمل ويرنر هايزنبرج (1901 – 1976) تدمير كون لابلاس الميكانيكي بافتراض مبدأ عدم اليقين، وهو المبدأ الذي يمكن تفسيره ببساطة بالقول بأنه إذا حاولنا قياس موضع جسيم لأقرب كمية محددة، فإننا سنؤثر على كمية حركته والعكس بالعكس. ومضمون مبدأ عدم اليقين، أكثر من أي تطور آخر في العلم، حتى لو تمكننا من معرفة التاريخ الكامل والمضبوط للكون، لا يمكن التنبؤ بمستقبله بشكل كامل. نحن نعرف اليوم أربعة قوى من قوى الطبيعة، اثنان منهما تختصان بالنواة. وتلك القوى هى: الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية القوية، والقوة النووية الضعيفة. وقد تم تفسيرها جميعا باستخدام ميكانيكا الكم، باستثناء الجاذبية. ويظل تطوير نظرية جاذبية كمومية ناجحة واحدا من أعظم التحديات العلمية التي تجابه في عصرنا الحالي، حيث يسعى العلماء الآن إلى اكتشاف “نظرية كل شيء” أو “النظرية إم” والتي سوف يكون بمقدورها تفسير كل الظواهر الفيزيائية وفك طلاسم هذا الكون، مما سيمثل فتحا مذهلا لآفاق التقدم العلمي للإنسان.

اضافة تعليق جديد