تحية العلم بين وطنية التجار.. وتجار الوطنية

قضايا

11  أكتوبر  2017

(مقال لم يجد من يقبل نشره في مصر أو أمريكا… كل يبكي على ليلاه)*

في فناء مدرسة ابتدائية عامة بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، وقف منذ اسبوع التلاميذ الأطفال يحيون العلم والنشيد الوطني الذي أصبح مقررا أيضا هذا العام للمرة الأولى على طلاب الجامعات المصرية، وحضره في بعض الجامعات مع رئيس كل جامعة أمام مبناها الإداري وزير التعليم العالي.

لكن تلامذة مدرسة سوهاج الأقل حظا جاءهم مع مدير المدرسة مدير المنطقة التعليمية ومحافظ سوهاج وهو طبيب رغم ان اغلب محافظي مصر من لواءات الجيش والشرطة المتقاعدين. ولم يكتف القائمون على المدرسة بتحية العلم والنشيد القومي ولكنهم رددوا (كما تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لما حدث) هتافات بصوت عال يرددها وراء الكبار التلاميذ من الأولاد والبنات بين سن السادسة والثانية عشرة من العمر:

– يعيش السيد المحافظ

– يعيش الرئيس السيسي

– تحيا مصر

– يعيش السيد رئيس الإدارة التعليمية

– يعيش محافظ سوهاج…

– يعيش رئيس الجمهورية…

وبينما تداول الناشطون على الفيسبوك وعلقوا وانتقدوا هذا التلقين ودرس النفاق الوظيفي والسياسي المفضوح لأطفال صغار بشكل يختلط فيه نشيد الوطن بهتاف المرتزقة، ظلت النقاشات والانتقادات في إطار السوشيال ميديا وليس وسائل الإعلام الجماهيرية خصوصا برامج التليفزيون المنضبطة في مثل هذه الموضوعات، ولكن المنفلتة بكل تجاوزات اللفظ والسب والاتهامات من جانب مقدمي برامج يعرفون أين يمارسون حريتهم وأين ومتى يضعون ألسنتهم ورؤوسهم حين يجد الجد.

الفيديو: https://www.youtube.com/watch?v=QV114CbX9z8

على الجانب الآخر، عبر البحار كما يقول الأمريكيون، كانت وسائل الإعلام الأمريكية بشبكاتها الإذاعية والتليفزيونية وصحافتها القوية، تتابع هبة وانتفاضة لاعبي كرة القدم وغيرها من الألعاب الرياضية الشعبية كالسلة والبيسبول، وهم يتحدون رئيس الدولة بعدم الوقوف واليد اليمنى فوق قلبهم لتحية العلم أثناء عزف النشيد الوطني الأمريكي، بل اختار الكثير منهم أن يقفوا متراصين متشابكي الأذرع والأيدي كمظهر احتجاجي، أو الركوع على القدم وإسناد يدهم على الأرض مثلما عكف على فعل ذلك زميلهم الذي يتعاطفون معه: كولن كيبرنك لاعب كرة القدم بنادي 49 بسان فرانسيسكو منذ العام الماضي. لقد درج هذا اللاعب الامريكي الافريقي على اتخاذ هذا الوضع أثناء عزف النشيد الوطني كأسلوب احتجاج على ما يعتبره انتهاكات للحقوق المدنية للسود والأقليات في أمريكا وعلى بطش الشرطة باستخدام القوة المفرطة والنارية المميتة احيانا مع أبناء جلدته من السود دون أن ينال القانون في حالات كثيرة من مرتكبيها في نظام قضائي تعتمد الإدانة في محاكمة الجرائم به على نظام المحلفين من المواطنين العاديين الذين قد يبرئون بني جلدتهم طالما لم يظهر اختيارهم تحيزا مسبقا!

ووصل احتجاج كيبرنك من قبل إلى حد ارتدائه أثناء لعب المباريات المنقولة تلفزيونيا كالعادة جوارب قدم عليها رسوم خنازير ضمن حملة تشبه رجال الشرطة بالخنازير في رسوم جوارب القدم.

لكن الذي أشعل نيران الاحتجاج ورفض تحية العلم في الملاعب الأمريكية كان خطابا ألقاه الشهر الماضي الرئيس دونالد ترامب بأحد الحشود الجماهيرية من مؤيديه في زيارة لولاية ألاباما، وحث في كلمته أصحاب الأندية الرياضية أن يطردوا من الملعب أي لاعب “ابن داعرة” (أو sob على حد تعبيره مستخدما الكلمات الثلاث كاملة دون اختصار) اذا لم يقف اللاعب يحيي العلم والنشيد الوطني!

امتدت واتسعت حملة الاحتجاج على تصريحات الرئيس التي بدت عنصرية الروح، رغم أنه لم يحدد بالاسم اللاعب الامريكي الاسود كيبرنك، لينضم الى رفض تحية العلم والنشيد في الملاعب الامريكية أصحاب أندية كانوا يحثون في السابق اللاعبين على عدم الاحتجاج عن طريق عدم المشاركة في تحية العلم.

كان تقليد عزف النشيد الوطني قد انتشر في الملاعب الامريكية بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. لكن لاعبي كرة القدم الأمريكية في تلك الفترة لم يكونوا يخرجون من غرف تغيير الملابس إلى وسط الملاعب إلا بعد انتهاء الموسيقى والنشيد ليبدأوا اللعب مباشرة. وتغير هذا التقليد ليلزم النادي اللاعبين بحضور تحية العلم في مباريات دوري الرابطة القومية لنوادي الكرة منذ عام 2009. المفاجأة انه تبين من عدة تحقيقات صحفية وبرلمانية (أحدها أشرف عليها تقرير للسناتور الجمهوري مكين) أن وزارة الدفاع الأمريكية دفعت قرابة سبعة ملايين دولار لنوادي رابطة كرة القدم كما دفع الحرس الوطني الأمريكي أكثر من خمسة ملايين دولار كنفقات دعاية وعلاقات عامة للأندية حتى تشجع اللاعبين وهم نجوم الشباب للظهور بالمظهر الوطني في تحية العلم ضمن ميزانية الدفاع لتجنيد الشباب للخدمة التطوعية في القوات المسلحة بعد أن ألغت أمريكا التجنيد الإجباري منذ نهاية حرب فيتنام.

الضجة لم تهدأ رغم تصريحات متحدثين باسم البنتاغون الأمريكي أن تشجيع تحية اللاعبين للعلم والنشيد الوطني لاتعني تأييدهم معاقبة أي لاعب أو مدني لايرغب في تحية العلم باعتبار ذلك من حقوقه في حرية التعبير عن الرأي.

وبالطبع شارك نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي في أمريكا بطرقهم المبدعة: أحد المحاربين القدماء في الحرب العالمية الأولى، يبلغ عمره الآن 97 سنة كتب عبر حساب تويتر لحفيده برنان غلمور من ولاية ميزوري تغريدة يؤيد فيها حق الشباب في النزول على الأرض وعدم الوقوف لتحية العلم، وصوره حفيده وهو يقلد تلك الجلسة التي فعلها اللاعب كيبرنك، مشجعا الجد المحاربين الصغار على ان يحتجوا كما يشاءون!

*قام كاتب المقال بنشره على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتقوم بالأحمر بإعادة نشره بعد موافقته.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

من قاموس الشتائم إلى قاموس الحياة مع دخول أبنائنا سن البلوغ يدخل الأهل في حالة سؤال عن كيفية الحوار معهم عن التغيرات الجسدية التي سوف تؤهلهم لبدء حياة جنسية تسمح لأغلبهم بلعب دورهم في دورة الإنجاب لاستمرار الجنس البشري. ما هو دور الأهل خلال هذه الفترة لكي تتفهم الفتاة أو الفتى ما يجري داخل أجسادهم؟

خالد الخميسي

ما هي الفاشية؟ إن ما ميز الفاشية تاريخيا هو كونها حركة تشكلت إلى حد كبير من الطبقات الوسطى الدنيا الغاضبة بسبب الأزمة الاقتصادية، والتي كانت موجودة داخل وخارج الإطار 'الطبيعي' للانتخابات والسياسة البرلمانية والتي يمكن أن تستخدم، بل واستخدمت بالفعل، كقوة قتالية في الثورة المضادة ضد 'الشيوعيين'، و"الاشتراكيين" والحركة العمالية ككل.

جون مولينيو

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي

مائدة مستديرة: “30 يونيو” بعد أربع سنوات تقدم "بالأحمر" أعمال المائدة المستديرة التي عقدتها بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لـ30 يونيو 2013، والتي حاولنا فيها النظر من عدة زوايا للحدث الذي مثل تحولا لمجرى الأحداث في مصر. وإذ شهد اللقاء نقاشا ثريا بين مختلف وجهات النظر، فإننا نأمل أن يسهم نشرنا لأعمال المائدة المستديرة في استكمال هذا النقاش.