الاشتراكية والمثلية الجنسية

قضايا

10  أكتوبر  2017

 توماس هاريسون

لقد كانت الرغبة المثلية الجنسية دائما جزءا من حياة البشر. هناك الكثير من الأدلة، وإن لم تكن قاطعة بعد، أن الجاذبية الجنسية بين أفراد من نفس الجنس هي أمر غريزي. ولكن سواء كانت أو لم تكن كذلك، نحن نعلم أنها تتشكل في مرحلة مبكرة من الحياة، وبالتأكيد قبل سن العاشرة.

يمكن بسهولة إثبات سخافة الادعاء بأن المثلية الجنسية تتعارض مع “الطبيعة البشرية” من خلال الإشارة إلى مجموعة واسعة من المواقف تجاه الرغبة الجنسية تجاه أفراد من نفس الجنس في المجتمعات البشرية على مر التاريخ. فعلى النقيض من رهاب المثلية الحديث ما بعد المسيحية نجد مواقف وممارسات اليونان القديمة، وخاصة أثينا. هناك، لم تكن العلاقات الجنسية بين الرجال أمرا مقبولا فحسب، بل وأمرا ممتدح.  لكن، وكما هو الحال في جميع الثقافات، كانت هناك قواعد صارمة تحكم السلوك الجنسي، كما ارتبط الشبق المثلي في اليونان باحتقار  شديد للنساء.

كان “ميشيل فوكو” من أوائل من كشف أن الإغريق لم يتعاملوا مع الرغبة الجنسية باعتبارها مشكلة، كما فعلت المسيحية دائما. 1″ وقال إن الجنس بالنسبة لليونانيين القدماء كان مشابها لتناول الطعام والشرب – شهية واحدة من بين أخريات، يجب الانغماس فيها باعتدال. منذ “فوكو”، قام مؤرخون آخرون بإعادة بناء الخطاب الأخلاقي التفصيلي الذي أحاط اليونانيون به الرغبة المثلية.

كان الذكور اليونانيون البالغون ينجذبون جنسيا في العادة إلى أولاد مراهقين وسيمين،  وسعوا إلى صحبتهم بدأب. من ناحية أخرى، كان من المتوقع أن يرضي الفتيان عشاقهم البالغين فقط بدوافع من الاحترام والإعجاب والحب غير الجسدي (ما لم يكوتوا من البغايا). في العلاقات بين الرجال، كما في العلاقات بين الرجال والنساء، كان من المفترض أن يلعب أحد الطرفين الدور “النشط” والآخر “السلبي”. وهذا يعني أن أحدهم كان المخترِق والآخر من يتم اختراقه. إذا شعر صبي ما برغبة جنسية في رجل بالغ، لم يكن لذلك يعنى سوى أنه يرغب في أن يُخترق، أن يدرج القضيب في شرجه أو فمه – أن يكون بمعنى آخر مثل المرأة، التي تجد المتعة الجنسية في الخضوع. لكنه قد يسمح، من باب الحياء، لمحبه بوضع قضيبه بين فخذي الفتى. وكان يعتقد أن النساء قادرات على مبادلة الشغف الجنسي مع عشاقهن الذكور، ولكن حيث أن ذلك يستدعي الاختراق من خلال فتحة أو أخرى، فقد اتخذ دليلا على مكانتهن الأدنى. (لا توجد سوى أدلة قليلة جدا عن المثلية الجنسية بين النساء في العصور اليونانية القديمة.هناك أشعار “سابفو”، وهي امرأة من جزيرة ليسبوس – ومن هنا جاء اسم المثلية الجنسية بين النساء في القرن التاسع عشر – كانت تعبر عن الانجذاب الجنسي للنساء، ولكن ليس هناك شيء آخر).

في حين لعبت نساء من نسج الخيال دورا بارزا في الأساطير والأدب والفنون البصرية اليونانية، كانت النساء في ذات المرتبة مع الأطفال والمراهقين. وكان التصور الذكوري الأمثل للنساء أن يكن محتجبات، باقيات في منازلهن.  وكانت الوظيفة الرئيسية للمرأة هي الزوج في المراهقة وإنتاج أطفال شرعيين. فيما يتجاوز ذلك لم يكن لهن قيمة لدى الرجال سواء كرفيقات أو محاورات. حتى نساء سبارتا، اللواتي شاركن في المصارعة، وسباقات الجري وأشكال أخرى من الرياضة البدنية العلنية، وهو ما أثار الكثير من الاشمئزاز لدى معظم الأثينيين، فعلن ذلك من أجل تقوية أجسادهن استعدادا لقسوة الولادة.

على الرغم من خوف المسيحية الشديد من الشبق الجنسي، يبدو أنه كان هناك تقبل واسع النطاق للعلاقات المثلية في أوروبا المسيحية حتى أواخر القرن الثاني عشر، حتى بين الكهنة، حيث كان الزواج بين الجنسين أيضا شائعا. وبمجرد أن قررت الكنيسة إلغاء زواج الكهنة وفرضت العفة، ما كان يمكن لها أن تقبل بالمثلية. وهكذا، في عام 1179، أدان مجلس لاتيران الثالث الجنس بين الرجال. وخلال القرن التالي، حذا القانون العلماني حذوها، فعاقب “اللواط” بالإعدام في جميع أنحاء أوروبا الإقطاعية.

ولكن بداية من القرن الرابع عشر حتى القرن التاسع عشر، لم تطبق عقوبة اللواط سوى بشكل عرضي، رغم استمرارها كجريمة عقوبتها الموت. في القرن الثامن عشر، دعا مفكرو التنوير إلى عدم تدخل الدولة في الحياة الخاصة، وبهذه الروح، في وقت مبكر من الثورة الفرنسية، في عام 1791 لغت الجمعية الفرنسية تجريم اللواط، الأمر الذي أكده القانون النابليوني وتم تصديره إلى أجزاء أخرى من أوروبا، مثل هولندا والولايات الجنوبية الألمانية، من خلال غزو نابليون. وقد صاغ جون ستيوارت فيما بعد المبدأ الليبرالي الذي يبرر عدم التجريم، على اعتبار أنه لا يجوز تنظيم أي نشاط بالقانون طالما لا يضر بالآخرين غير الموافقين عليه.

ولكن في الوقت نفسه، وسعت الثورة الصناعية من نموذج الأسرة البرجوازية، الذي تم تطويره في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، والذي استند إلى الزواج بين الرجل والمرأة، مع تحديد صارم لأدوار الجنسين وتفوق أبوي واضح، وطُبق على السكان ككل. وحيث أن هذه الهيكلية انطوت على العمل غير المدفوع الأجر للنساء، بما في ذلك مسؤوليتها الحصرية في رعاية الأطفال، فقد كانت أقل الوسائل تكلفة لإنتاج القوى العاملة. وقد عزز هيكلها الهرمي الصارم علاقات الهيمنة والتبعية اللازمة لإعادة إنتاج المجتمع الطبقي ككل. وكان الحب الجنسي الغيري هو أساس هذه العلاقات.

لذلك أصبح من الضروري وصم، وإن أمكن قمع، أي ترتيبات معيشية بديلة. خاصة وأن الرأسمالية، جنبا إلى جنب مع علمنة الحياة وإمكانية تجنب مراقبة المجتمع في المدن، جعلت من الممكن لأقلية نامية العيش خارج الأسرة النووية، وكسب دخل مستقل، باعتبارهم “مثليين” – وهو مصطلح صيغ في 1860 لتعيين هوية اجتماعية جديدة.

ارتبطت الأخلاقيات الجديدة المتعلقة بالجنس الغيري الإلزامي بعقوبات قانونية تدعمها. في بريطانيا، ففي 1861 أُلغي القانون القديم الذي جعل “الإعدام” عقوبة اللواط وخفف القانون الجديد الذي يحظر “الفاحشة الفادحة” بين الذكور العقوبة القصوى إلى السجن المؤبد، لكنه كان يهدف إلى زيادة الملاحقات القضائية، ونجح في ذلك. وبعد توحيد ألمانيا في عام 1871، كان القانون البروسي ممثلا في الفقرة 175 من قانون العقوبات الجديد: “يعاقب بالسجن لمدة لا تزيد على خمس سنوات المضاجعة غير الطبيعية بين الذكور وبين الأفراد والحيوانات.

لكن بداية القرن التاسع عشر شهدت أيضا ظهور المفكرين المناهضين للرأسمالية الذين انتقدوا الأسرة النووية واقترحوا إعادة تنظيم المجتمع يسمح بإطلاق العنان للإمكانيات الجنسية للناس. ووضع “تشارلز فورييه” تصورات للحياة في أشكال مشتركة، لا تخضع لأحادية العلاقة وتشجع كافة أشكال الممارسة الجنسية، بما في ذلك المثلية الجنسية بين الإناث وبين الذكور البالغين والفتية، حيث يشير الأخير إلى النموذج اليوناني، إلى العلاقات بين الرجال الناضجين والفتيان في أواخر مرحلة المراهقة، وليس الطفولة. المشكلة مع هؤلاء الاشتراكيين الأوائل هي أنهم كانوا غير مهتمين، بل حتى معادين، للحركات الجماهيرية الديمقراطية ولم يكن لديهم أي إستراتيجية لإلغاء الرأسمالية بخلاف مناشدة الدعم من فاعلي الخير الأثرياء ونشر مجتمعاتهم الطوباوية.

الماركسية: الإرث المعيب

لم يُخضع ماركس وإنجلز رهاب المثلية أبدا إلى النقد المادي التاريخي الذي طبقاه، وخاصة إنجلز، على الأسرة وقمع النساء. بل أن إنجلز على وجه الخصوص أظهر كل انحيازات العصر الفيكتوري حين تعلق الأمر بالمثلية الجنسية. وفي رسالة كتبها عام 1869 إلى ماركس عن “جان باتيست فون شفايتزر”، الزعيم المثلي للاشتراكيين اللاساليين المنافسين، سخر بفجاجة من زعم انتشار تأثير المثليين داخل الحركة العمالية، فقال: “إنه لمن دواعي الحظ أننا، شخصيا، أكبر سنا من أن نخشى من أن نضطر إلى الامتثال جسديا للمنتصرين في حال فوز هذا الحزب…. إذا كان لـ”شفايتزر” أن يكون مفيدا في أي شيء، سيكون ذلك بتملق ذلك السيد النبيل الغريب والتعرف على  تفاصيل المثلية مع الأطفال في الدوائر العليا، الأمر الذي لن يكون صعبا عليه باعتباره أخا روحيا”. (حيث يشير هذا الاستهزاء الأخير إلى أن “شفايتزر” كان مؤيدا لـ”بسمارك” والدولة البروسية، سائرا على خطى معلمه “فرديناند لاسال”.

لقد حاول تحليل “إنجلز” الرائد، الذي نشر في عام 1884 بعنوان “أصول الأسرة والملكية الخاصة والدولة”، أن يثبت أن الأسرة وقمع النساء ليسا جزءا لا يتجزأ من “الطبيعة البشرية”، ولكنهما نشآ تاريخيا بالاقتران مع ظهور المجتمع الطبقي 2؛ وبالتالي، من المتوقع أن يؤدي إلغاء المجتمع الطبقي إلى تحرير النساء وإلغاء الأسرة، على الأقل باعتبارها مساحة لعدم المساواة بين الجنسين. وفي الوقت نفسه، يعرض “إنجلز” الجنسية الغيرية على أنها بلا شك “أمر طبيعي”. ويذكر المثلية الجنسية بإيجاز واستخفاف في علاقاتها باليونان القديمة باعتبارها نتيجة لاحتقار وكراهية النساء.

دون أن نحاول إيجاد الأعذار لرهاب المثلية القبيح لدى “إنجلز” و”ماركس”، إلا أنه يبدو من قصر النظر أن نساويهما ببساطة مع تعصب المعايير والقواعد السائد في زمانهما. فقد خلقت الماركسية، كمنهج للتحليل التاريخي ونظرية الثورة الديمقراطية من الأسفل، خلقت أدوات لفهم العلاقة بين قمع المثلية وبين التعصب والغيرية الجنسية الإجبارية، ولتوجيه الطريق نحو التحرير. وباعتبارها نظرية، أثبتت الماركسية قدرتها على التنمية التراكمية وإدماج جميع جوانب تحرير الإنسان في نهاية المطاف، الأمر الذي لم يتمكن منه منافسوها الطوباويون – الفوضويون فيما بعد – رغم مواقفهم الأكثر تحررا تجاه المثلية الجنسية والجنس بشكل عام.  حتى في زمانهم الخاص، كانت الأحكام المسبقة لدى “ماركس” و”إنجلز”، على عكس رهاب المثلية بين أولئك الذين دافعوا عن الوضع القائم، نتيجة الفشل في استكمال تصورهم عن التحرر العالمي من القمع والاستغلال. وفي حقيقة الأمر فقد نما بعدهما وعي الاشتراكيين بقمع للمثليين واستعدادهم لمقاومة هذا القمع، واستمر ذلك حتى حدثت الانتكاسات الهائلة في ثلاثينات القرن الماضي، والتي لم تتعافى منها الماركسية تماما حتى الآن.

في ثمانينيات وتسعينات القرن التاسع عشر في بريطانيا، اجتذبت الميول الاشتراكية الأكثر ديمقراطية وتحررا، ولاسيما تلك المرتبطة بـ”ويليام موريس”، مثليين بارزين مثل “أوسكار وايلد” و”إدوارد كاربنتر”3.

ولكن ظهور أول حركة منظمة هامة لحقوق المثليين كانت في ألمانيا، حيث نشأت الروابط بين الحركة الاشتراكية والكفاح من أجل حقوق المثليين.

في أواخر تسعينات القرن التاسع عشر، انحاز عدد من كبار الديمقراطيين الاشتراكيين الألمان إلى النظرية التي طرحها “ماغنوس هيرشفيلد” بأن المثليين يشكلون جنسا ثالثا، “جنسا وسطا”، بين الرجال والنساء، وأن الانجذاب بين نفس الجنس هو أمر طبيعي وأخلاقي مثله مثل الغيرية الجنسية. كان “هيرشفيلد”- وهو طبيب، وباحث في علوم الجنس، ومثلي، وعضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي- مؤسس اللجنة الإنسانية العلمية. وفي عام 1897 أطلق حملة لإلغاء الفقرة 175. وكان “أوغست بيبل”، رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي، من بين أول من وقعوا على عريضة “هيرشفيلد”. وفي عام 1898 تحدث مدافعا عنها في الرايخستاغ (البرلمان الألماني). وقد وقع عدد كبير من الشخصيات البارزة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي (ولكن ليس على ما يبدو أي من اليساريين البارزين في الحزب) أسماءهم على العريضة، على الرغم من أن الحزب لم يتبناها رسميا. وكتب “ادوارد بيرنشتاين” في عام 1895 سلسلة من المقالات في دي نوياتسايت (العصر الجديد) تدين محاكمة “أوسكار وايلد”.

لا ينبغي أن نبالغ في مثالية هذه التطورات. فلم يكن موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي من الفقرة 175 موقفا رسميا للحزب، بل أن حتى معظم الاشتراكيين الديمقراطيين الذين اتخذوا موقفا في هذا الشأن لم يتجاوزوا أبدا رفض التجريم باعتباره قضية حقوق مدنية. يميل الاشتراكيون في ألمانيا وأماكن أخرى إلى اتخاذ موقف علني من المسائل الجنسية يؤكد على كبح الشهوة والمسئولية الشخصية بدلا من التحرر الجنسي. إضافة إلى ذلك، كانت الفكرة المهيمنة على الخطاب الاشتراكي هو ربط المثلية الجنسية بالانحطاط وانعدام الأخلاق في الطبقات العليا، مع قناعة بأن العمال الحقيقيين –  الموصوفين دائما بالقوة والغيرية الجنسية – “لا يفعلون تلك الأشياء”. فعلى سبيل المثال، على الرغم من تأييده لعدم التجريم، كان “برنشتاين” يعتقد أن المثلية الجنسية قد تكون شكلا من أشكال “الفسق المطلق” الأكثر شيوعا في المستويات العليا من المجتمع؛ إما ذاك، أو نوع من المرض.

لم يكن موقف “برنشتاين” سوى انعكاس للرأي العلمي السائد. على عكس “هيرشفيلد” وأتباعه، كانت الغالبية العظمى من الخبراء الطبيين والقانونيين يعرفون المثلية باعتبارها مرض عقلي أو نوع ما من المرضية، بدلا من كونها تنوع طبيعي. وعلى هذا النحو، أصروا على أنها تستجيب للعلاج وليس العقاب؛ وكان هذا الشكل الأكثر تعقيدا من التحامل شائعا بين الليبراليين، وذوي التوجه العلماني، وكذلك، ربما، معظم الاشتراكيين.

وبشكل عام، فإن الصحافة الاشتراكية تجنبت موضوع المثلية الجنسية تماما، سواء من باب التحامل أو الاحتشام التطهري. وفي نفس الوقت تم استغلال رهاب المثلية السائد بكثير من الحماس كلما كان ذلك مناسبا من الناحية السياسية، على سبيل المثال عندما يتورط مثليون بارزون من النخبة في فضائح جنسية 4. بيد أنه ينبغي التأكيد على أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي كان أكثر تقدما بكثير في مجال حقوق المثليين عن أي حزب اشتراكي أوروبي آخر – ويرجع ذلك بالأساس إلى ضغوط حركة حقوق المثليين القوية ذات النفوذ السياسي في ألمانيا، والتي كانت فريدة من نوعها تقريبا في ذلك الوقت.

العصر السوفيتي المبكر

نتيجة الثورة البلشفية أصبحت الاشتراكية أقرب إلى احتضان التحرر الجنسي، بما في ذلك تحرر المثليين، حتى ولو لفترة مؤقتة. وبعد الثورة مباشرة، تم إضفاء الصبغة الشرعية على العلاقات الطوعية المثلية للأشخاص البالغين من العمر 14 عاما فأكثر. وفي عام 1922 حذف القانون الجنائي السوفيتي الجديد جميع القيود القانونية المفروضة على النشاط الجنسي في ذاته، وعُرفت الجرائم الجنسية بأنها انتهاك لحياة الفرد، وصحته، وحريته، وكرامته، لا بوصفها أفعالا جنسية محددة.

كان المرجع حول تلك المسائل هو ما كتبه “دان هيلي” بعنوان “الرغبة الجنسية المثلية في روسيا الثورية: تنظيم الاحتجاج الجنسي والجندري”. في دراسة بحثية مضنية، يطرح “هيلي” أن البلاشفة كانوا منقسمين بين “التحرريين” و”العقلانيين”. وادعى أن “العقلانيين” ينظرون بعين الشك لمفهوم المتعة وكانوا يهتمون بتنظيم التعبير الجنسي وتعزيز القدرة الإنجابية، ومن ثم يميلون إلى تفسير “المثلية” باعتبارها مرض. بالنسبة “لهيلي”  كانت “ألكسندرا كولونتاى” رمزا بارزا بين التحرريين، في حين وضع “لينين” بشكل مباشر في معسكر العقلانيين.

لم يُعرف عن “كولونتاي” أنها قالت أو كتبت أي شيء عن المثليين. فقد كان شاغلها الرئيسي هو تعزيز الاستقلال الجنسي للنساء في علاقاتهن بالرجال. تأتي الأدلة على وجهة نظر “لينين” أساسا من مصدرين فقط: مراسلاته مع “إنيسا أرماند”، وهي بلشفية من أصل فرنسي (يشاع أن لينين كان على علاقة بها)، ​​ومناقشاته مع الشيوعية الألمانية “كلارا زيتكين”. وقد نشرت هذه الأخيرة للمرة الأولى في عام 1925، بعد وفاة “لينين”، في كتاب بعنوان  “ذكريات عن لينين”، وعُمِمت على نطاق واسع بعد ذلك لأنها كانت تناسب احتياجات السياسات الستالينية الناشئة بشأن الجنس والأسرة؛ أما رسائل “لينين” لـ”أرماند” فلم تنشر حتى عام 1939، وكان من الواضح أنها استخدمت لتبرير قانون الأسرة المحافظ للغاية الذي صدر في السنوات السابقة لذلك مباشرة. لذلك ينبغي التعامل مع تلك المصادر بحذر. ذلك أن “لينين” لا يشير في أي منها على الإطلاق إلى المثلية الجنسية. بل هو يعبر عن نفاذ صبره من الحديث عن “الحب الحر”، ويحذر من أنه لا ينبغي أن يعني “التحرر من الجدية” في الحب – على سبيل المثال، التحرر من تحمل مسؤولية الأطفال وتكريم التزامات الزوج/ة أو الشريك/ة. ويعلن أن “مطاردة التنورة” لا تتفق مع النشاط الثوري. يمكن لوم “لينين” على فجاجته الواضحة – وفي حديث مع “زيتكن” يقول أنه لا يستسيغ “الثرثرة في الأمور الجنسية” – ولكن ليس على موقف مساند للهندسة الاجتماعية التي طرحها “ستالين” والتي يسعى “هيلي” إلى نسبته إليها. ومهما كانت الاختلافات بين “التحرريين” و “العقلانيين”، فإن القانون السوفييتي حتى عام 1934 لم يجر أي محاولة للسيطرة على الجنس لأغراض اجتماعية أو لوصم المثليين.

فيما يتعلق بالمثلية الجنسية، تجاوزت السياسة البلشفية مجرد تقنينها – على الرغم من أن هذا وحده كان إنجازا كبيرا في وقت تراوحت فيه العقوبة القصوى على المثلية بين السجن خمس سنوات في ألمانيا إلى السجن المؤبد في إنجلترا. خلال عشرينات القرن الماضي، حافظ ممثلو السوفييت  على علاقات مع “هيرشفيلد”، الذي أسس معهد العلوم الجنسية في عام 1919، في مناخ أكثر ليبرالية في ألمانيا فايمار. وكان المعهد مركزا للبحوث والتثقيف الجنسي والمساعدة القانونية لضحايا الفقرة 175، ولم يقتصر نشاطه على إبطال قانون المثلية بل على رهاب المثلية بأوسع معانيه؛ وكثيرا ما لاحظ “هيرشفيلد” أن التحامل على المثليين كان بنفس القدر من القوة في بلدان مثل فرنسا وهولندا، حيث لم تكن المثلية مجرمة، كما كانت في ألمانيا. في عام 1923، في زيارة لمعهد “هيرشفيلد” أكد مفوض الصحة، “ن.ا. سيماشكو” للألمان أن القانون السوفيتي كان “تدبيرا تحرريا متعمدا، جزءا من الثورة الجنسية”. بعد ذلك بعامين، وصف مدير معهد موسكو للصحة العامة، “غريغوري باتكيس”، في كتيب بعنوان “الثورة الجنسية في روسيا”، وصف السياسة السوفيتية بأنها “عدم التدخل المطلق للدولة والمجتمع في المسائل الجنسية، طالما أن أحدا لا يتعرض للأذى ولا يتم التعدي على مصالح أحد. وفيما يتعلق بالمثلية الجنسية واللواط ومختلف أشكال الإشباع الجنسي المنصوص عليها في التشريع الأوروبي باعتبارها جرائم ضد الأخلاق – فإن التشريع السوفيتي يعامل هذه تماما مثلما يعامل ما يسمى بالجماع “الطبيعي”.

ولكن، كما أشار “هيلي”، كان هناك أيضا في عشرينات القرن العشرين خبراء من الأطباء البارزين السوفييت الذين يصرون على تعريف المثلية باعتبارها مرض، و”مشكلة اجتماعية”، وحتى مصدر للسلوك الإجرامي. ويؤكد “هيلي” أيضا أن السياسة الرسمية لم تكن متسقة، على الرغم من أن الأمثلة التي ذكرها غامضة للغاية. أحدها كان الاستخدام المتكرر لمزاعم الميل الجنسي للأطفال في محاكمات رجال الدين الأرثوذكس؛ إلا أنه من المحتمل أن تكون هذه حالات إساءة معاملة فعلية للأطفال – كما هو الحال في فضائح الكنيسة الكاثوليكية الأخيرة – وليس مجرد اتهام للأعداء السياسيين بالمثلية. وبالمثل، يصر “هيلي” على أن محاولة القضاء على التقليد المتمثل في توظيف الباتشي – صبية يمارسون الدعارة ويرقصون بالملابس النسائية – في آسيا الوسطى وأذربيجان، كانت محاولة مشروعة للقضاء على استغلال الأطفال، أكثر منها تعبيرا عن رهاب المثلية  والشوفينية الروسية العظيمة الموجهة ضد الثقافات “المتخلفة” في الاتحاد السوفيتي.

وفي كل الأحوال، لا يمكن القضاء على رهاب المثلية – مثله مثل معاداة السامية، والشوفينية الوطنية، والتحيز الجنسي، والأنظمة الأبوية – في بضع سنوات في بلد أغلبيته من الفلاحين، يعاني من الفقر والدمار اللذين أحدثتهما الحرب العالمية والحرب الأهلية. ومشكلة تحرير النساء توضح ذلك. فقد اتخذت بالفعل خطوات ضخمة لتحقيق المساواة للنساء. وقالت “ألكسندرا كولونتاى”، باعتبارها مفوضة للرفاهة العامة، إن على دولة العمال أن تحرر النساء من الاسترقاق للإنجاب المستمر، ولأعباء الطهي والتنظيف ورعاية الأطفال التي لا نهاية لها. وتوقعت أن تحرير النساء من هذه الأعباء من شأنه أن يخلق “امرأة جديدة” – صلبة ومستقلة وحرة كرجل من حيث الحياة النشطة خارج المنزل، وتجربة الحب خارج الزواج، وتحقيق الذات من خلال العمل . وبتصميم من “كولونتاى”، أنشئت للنساء العاملات مطاعم ومغاسل جماعية ومرافق لرعاية الأطفال. بالإضافة إلى ذلك، ألغيت قوانين مكافحة الإجهاض، وتم توفير وسائل منع الحمل للجميع. وأصبح من الممكن للنساء أن تطلقن أزواجهن بمجرد إخطار السلطات، وللرجال أن يفعلوا الشيء نفسه. كما أن النساء اللواتي يؤدين نفس الوظائف التي يقوم بها الرجال يجب أن يحصلن على نفس الأجور.

لكن جهود الحكومة لتحرير النساء كانت مقيدة بسبب النقص الشديد في الموارد. وهكذا، على سبيل المثال، تم إنشاء بعض مراكز رعاية الأطفال التي سعت إليها “كولونتاى”، ولكنها كانت مؤسسات قاتمة مليئة بالأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، يعتني بهم أفراد يعانون من الجوع. لم تكن المطاعم المجتمعية التي تقدم حساء الملفوف المائي بدائل جذابة لمطبخ المرأة العاملة، حيث قد تكون قادرة على الأقل، أحيانا، لطهي بيضة أو قطعة من لحم الخنزير المقدد حصلت عليها في السوق السوداء. كان أحد نتائج الفقر الأكثر إهانة للنساء هو البغاء. فالنساء اللواتي يعملن في المصانع، على سبيل المثال، يكسبن القليل جدا حتى أنهن كن كثيرا ما يحصلن على المال مقابل الجنس. كما أدى انتشار الدعارة إلى وباء من الأمراض المنقولة جنسيا. وكان الحل الوحيد هو رفع مستوى معيشة النساء، ولكن في ظل تلك الظروف كان ذلك مستحيلا.

ستالين وهتلر: هبوط الليل

تلاشت كل الطموحات التحررية والديمقراطية بجميع أنواعها في هذا المناخ، في حين ازدهرت الانحيازات الاستبدادية المحافظة المتبقية من النظام القديم وامتزجت بسلاسة مع الثقافة الستالينية. وفي عام 1926 أعرب “هيرشفيلد”، في طريق عودته  من زيارة إلى الاتحاد السوفييتي، عن خيبة أمله من الروح المحافظة التي وجدها هناك، بما في ذلك وصم المثلية بأنها “غير بروليتارية”.

في عام 1934، مع السيطرة التامة للبيروقراطية الستالينية، تم تجريم المثلية الجنسية، وفرض قانون جديد يعاقب  بالأشغال الشاقة لفترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات أي رجل يدان بممارسة الجنس مع رجل آخر. وفي “الموسوعة السوفيتية العظمى” عام 1936، عُرفت المثلية بأنها “انحراف جنسي” يُعتبر “مخزيا” ويمثل جريمة “جنائية”.

لم يكن اضطهاد المثليين جنسيا تحت حكم “ستالين” مجرد عودة للتعصب التقليدي، لكنه اعتبر المثليين جنسيا “عناصر خارجة عن المجتمع، معادية له”، ومن ثم من المحتمل أن يمثلوا تهديدا للنظام الجديد، الذي استهدف السيطرة الكاملة. كما أنها تشكل خطرا على الإنتاجية العظيمة المدفوعة بالرغبة في التصنيع السريع. لقد زاد احتياج الصناعة السوفييتية لمزيد من العمال، في حين وُجِه الجزء الأعظم من الموارد للتسليح والسلع الرأسمالية (التصنيع الثقيل)، ما أصبح يعني أنه صار على الأسرة الغيرية التقليدية أن تتحمل الجزء الأكبر من التكلفة والعبء في الحفاظ على إمداد الدولة بالأيدي العاملة.

وهكذا، أصبحت النساء أيضا ضحايا للثورة المضادة الستالينية. وحيث أنه كانت هناك حاجة إلى عدد أكبر من العمال في حملة التصنيع، فقد شُجعت جماهير النساء على شغل وظائف كانت دائما مخصصة للرجال – مثل تشغيل الآلات الثقيلة، وإشعال أفران الصهر، والبناء وما شابه ذلك. غير أنه تم التخلي عن فكرة الأجر المتساوي عن العمل المتساوي. كانت النساء يتقاضين أجرا أقل بكثير من الرجال ويحتفظن عموما بأدنى المناصب. وفي عام 1935 تم حظر الإجهاض، بل وأصبحت النساء تُمنح حوافز مالية وجوائز لإنجاب المزيد من الأطفال. وأصبح الطلاق أمرا غير مرحب به. ومن أجل “تعزيز الأسرة”، تعين على طالبي الطلاق دفع ضرائب صارمة، ترتفع مع كل طلاق لاحق.

في نفس الوقت تقريبا الذي تراجعت فيه الستالينية عن وعد تحرير المثليين في روسيا، أوقف النازيون بوحشية التقدم الذي كانت حققته حركة حقوق المثليين في ألمانيا فايمار. بعد استقرار الجمهورية في عام 1924، شهدت ألمانيا ازدهار حياة ثقافية جديدة ومبتكرة، وخاصة في برلين وغيرها من المدن الكبرى. كتب الصحافي الأمريكي “وليام ل. شيرير”: “كان أمرا رائعا يختمر في ألمانيا. أصبحت الحياة أكثر حرية، وأكثر حداثة، وأكثر إثارة عن أي مكان رأيته في أي وقت مضى”. مثلما كانت حركات حقوق المثليين وحركات تحرر النساء تسيران بالتوازي في سبعينات القرن العشرين، هكذا كان نشاط الحركتين في فايمار. وقد شنت حملة إصلاح الأمور الجنسية حملة لتحرير المرأة من عبء الحمل المستمر من خلال إضفاء الطابع القانوني على وسائل منع الحمل والإجهاض. وعلى الرغم من أنها لم تنجح في تغيير القانون، إلا أن الإجهاض كان شائعا في ألمانيا فايمار. كما قامت حملة الإصلاح الجنسي بحملة علنية لصالح حق النساء في المتعة الجنسية (وفقا للتصور المثالي “للأنوثة” في القرن التاسع عشر، لم يكن من المفترض أن تتمتع النساء بالجنس أو حتى يبدين اهتماما به). انتشرت الحانات ونوادي المثليات والمثليين، وخاصة في برلين. وقد كانت الاستوديوهات الألمانية هي أول من أنتج أفلاما عن المثليين، مثل “مختلفة عن الآخرين” و”فتيات في الزى الموحد” (حول المثلية في مدرسة للبنات). في عام 1929، وبدعم من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي الألماني، اقترب الرايخستاغ جدا من إلغاء الفقرة 175. بل أنه خلال معظم سنوات فايمار، كان الحزب الشيوعي الألماني المدافع الأكثر اتساقا وصراحة عن حقوق المثليين. وفي الرايخستاغ، دعا النواب الشيوعيون ليس فقط لإلغاء التجريم، ولكن أيضا للمعاملة المتساوية بين كافة أطياف المثليين والغيريين دون تمييز.

لكن، كما أشرنا من قبل، كان التزام الحزب الشيوعي الألماني بتحرير المثليين هشا ولم يتعدى إضفاء الشرعية عليه، وبحلول أواخر عشرينات القرن العشرين، بدأ تحول الحزب الشيوعي الألماني إلى الستالينية.. ومع بداية الكساد والنمو الهائل للنازيين، بدأ الطرفان في تغيير المسار. كان النازيون معادين للمثلية بشراسة، وكثيرا ما أعلنوا أن “ماغنوس هيرشفيلد” (الذي مثل تهديدا ثلاثي باعتباره مثلي واشتراكي ويهودي) سوف يكون أول ضحاياهم حين يصلون إلى السلطة. في الوقت نفسه، كان من المعروف على نطاق واسع أن حفنة من قادة النازية كانوا مثليين جنسيا، وأبرزهم “إرنست روم”، رئيس قوات العاصفة النازية وواحد من أكثر المقربين لهتلر. وكان حزبا اليسار كثيرا ما يصفان الحركة النازية بأنها مرتع “للانحراف الجنسي”. وفي عام 1931، حصلت صحيفة الحزب الشيوعي الألماني في ميونيخ على المراسلات الخاصة من “روم” لصديق له تطرق فيها لمغامراته الجنسية. هاجم الحزب الشيوعي الألماني “لا أخلاقية” “روم”، ولكن ليس نفاق النازيين. وعندما اتضح أن حريق الرايخستاغ أشعله الشاب الشيوعي الهولندي، “مارينوس فان در لوبه”، الصعلوك الذي يُحتمل أنه كان مختل عقليا، ادعى الحزب الشيوعي الألماني  أن الأمر برمته كان مؤامرة من المثليين النازيين الذين استخدموا  “فان در لوبه”، “اللوطي”، أداة لهم. 5

مع بداية عشرينات القرن الماضي بدأت تظهر المقالات في صحافة الحزب الشيوعي الألماني تدين المثلية الجنسية باعتبارها “غير بروليتارية”، وبحلول عام 1934 أصبحت توصف رسميا بأنها نوع من “الانحراف الفاشي”. ومنذ ذلك الحين، أصبح الربط بين المثلية والفاشية موضوعا شائعا في الدعاية الستالينية في جميع أنحاء العالم. فسر “ويلهلم رايش”، وإن لم يكن ستالينيا (كان قد طرد من الحزب الشيوعي الألماني في عام 1933)، دعوة النازيين لقمع الغيرية الجنسية الصحية باعتبارها تعبير عن احتشام البرجوازية الألمانية، وربط ما بين المثلية الجنسية وبين السادية والمازوخية وكراهية النساء الفاشية. كما ادعى “إريك فروم” من مدرسة فرانكفورت وجود علاقة بين المثلية واضطرابات الشخصية السادية/المازوخية التي تتميز بها الفاشية. وفي الاتحاد السوفيتي، كتب الكاتب “مكسيم غوركي”: “أبيدوا كل المثليين وسوف تختفي الفاشية”. بل أن “غوركي” زعم، وبوقاحة: “أنه في الدول الفاشية تزدهر المثلية، التي تفسد الشباب، دون عقاب”.

في تلك الأثناء كان النازيون يجسدون مدى “الازدهار” الذي يتمتع به المثليون في ألمانيا. بمجرد وصول هتلر إلى السلطة، دأب الحزب الاشتراكي الديمقراطي على اقتحام بارات المثليين واقتياد من ألقي القبض عليه من الرجال إلى معسكرات الاعتقال .6 وحدث أول حرق علني ضخم للكتب – الذي غالبا ما يظهر اليوم في الأفلام الوثائقية – عندما هاجم الطلاب النازيون معهد “هيرشفيلد” للعلوم الجنسية (كان “هيرشفيلد، لحسن الحظ، في باريس في ذلك الوقت، ولم يعد إلى ألمانيا). بعد تطهير الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في عام 1934،7 شن النازيون هجوما هائلا على الرجال المثليين. وحظرت الفقرة 175 الأفعال الجنسية بين الرجال؛ الأمر الذي نادرا ما فُرض تحت حكم فايمار. ومرر النازيون قانونا جديدا جعل “مجرد التأمل في الجسد المرغوب فيه” جناية. وبعبارة أخرى، كان من الممكن إدانة رجل لمجرد التدلل مع رجل آخر. أُرسل الآلاف إلى السجون ومعسكرات الاعتقال؛ ورغم أن العدد الدقيق غير معروف إلا انه لم يقل عن 10،000 والأرجح أن الرقم الحقيقي أضعاف ذلك.  في المعتقلات كان على الرجال المثليين ارتداء عصابات صفراء حول ذراعهم تحمل الحرف (A) (نسبة إلى “أرش فيكر” بالألمانية التي تعني العابث بالشرج). وفي وقت لاحق، تم تعريف السجناء المثليين بواسطة مثلث زهري اللون مثبت على قمصانهم. وكان المثليون يتعرضون لمعاملة قاسية للغاية من قبل الحراس، بل وللأسف الشديد من قبل زملائهم السجناء، وبالتالي كان معدل الوفيات بينهم مرتفعا بشكل غير عادي. تم تجاهل المثليات إلى حد كبير، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن المثلية بين النساء كانت أقل وضوحا، وأيضا لأن الرجال الغيريين وجدوا صعوبة في تصديق أن النساء قد يفضلن الجنس مع نساء أخريات (“كل ما يحتجن إليه هو …. جيد”).

السنوات المغلقة فيما بعد الحرب

شهدت الفترة من ثلاثينات حتى أواخر ستينات القرن تراجعا كبيرا في قضية تحرير المثليين. وقد أعيد إنتاج  رهاب المثلية  الشديد الشائع في روسيا الستالينية في كافة الأحزاب الشيوعية في جميع أنحاء العالم، وبعد الحرب العالمية الثانية، في الأنظمة الشمولية البيروقراطية في أوروبا الشرقية وشرق آسيا وكوبا. وفي ألمانيا الغربية، أيدت المحكمة العليا في عام 1957 قانون اللواط الذي كان قد صدر في عام  1935 ولم يتم إلغاءه حتى عام 1969 (ألغت جمهورية ألمانيا الديمقراطية تجريم الشذوذ الجنسي في عام 1968، وهي على حد علمي البلد الشيوعي الوحيد الذي فعل ذلك حتى ألغته كوبا عام 1992). حُرِم المثليون ممن نجوا من معسكرات الاعتقال النازية من التعويض، وظل بعضهم في السجن حتى الستينات، كما أنه من المعروف تماما أن مطاردات السحرة في خمسينيات القرن الماضي، في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، طالت الآلاف من المثليين. وظلت المثلية الجنسية مصنفة باعتبارها مرض عقلي من قبل الجمعية الأمريكية للطب النفسي حتى عام 1973.

على اليسار، سقطت تقاليد كل فترة ما قبل 1930 في طي النسيان ببساطة. وعلى الرغم من أن أغلب الجماعات الاشتراكية غير الستالينية لم تحظر انضمام المثليين إليها ولم تطرد من تم اكتشافهم (كانت الجماعة التروتسكية في الولايات المتحدة، حزب العمال الاشتراكي، استثناءا بارزا واحدا، حيث أبقى على السياسة الستالينية الإقصائية حتى عام 1970)، كانت الميول الجنسية للمثليين والمثليات في هذه الأحزاب في الأغلب غير معلن عنها. كما لم يتبنى الاشتراكيون الديمقراطيون القضية، الليبرالية بالأساس، الخاصة بعدم تجريم المثلية، وهو ما يجعل الوثيقة الداخلية للحزب الاشتراكي التي كشف عنها “كريستوفر فيلبس” وناقشها في مقاله في العدد السابق من “السياسة الجديدة”، أمرا شديد الأهمية باعتبارها مؤشر مبكر للتغيير.

عندما بدأ هذا التغيير، الذي دشنته في الولايات المتحدة احتجاجات “ستون وول” وجبهة تحرير المثليين، وعززته الحركة النسائية و”الثورة الجنسية”، حمل معه صحوة شديدة بين الاشتراكيين (على عكس المعجبين المضللين بـ”بريجنيف”، و”ماو” أو “إنفر هوكسا”). فجأة أصبحت جماعات مثل الاشتراكيين الأمميين – التي كنت عضوا فيها آنذاك – تضم مجموعات من المثليين وبدأت تصدر قرارات لصالح تحرير المثليين. وطرحت جبهة تحرير المثليين بدورها نضالها من أجل الحرية الجنسية باعتباره جزءا لا يتجزأ من النضال الأوسع من أجل التغيير الاجتماعي الجذري.

المشهد المعاصر: التقدم والمخاطر

ولكن في غضون سنوات قليلة، تخلف اليسار الجديد، وطغى على ثوريي جبهة تحرير المثليين المتحدثون التوافقيون ل “مجتمع مثليي” ناشئ – وهي قيادات ذاتية التعيين ممن كان لديهم مصلحة في استمرار الوضع السياسي والاجتماعي القائم. وأصبحت منظمات المثليين عالية الصوت تخدم أي سياسي تقريبا، مهما كان محافظا، طالما أن “موقفه/ا جيد من قضايا المثليين”.

اليوم، أصبحت قوانين مناهضة اللواط شيئا من الماضي، ويتضح هذا التقدم على العديد من الجبهات. ومن ناحية أخرى، لا تزال المقاومة الحزبية الفاضحة للمساواة في حقوق الزواج قائمة (تذكر التصويت بشبه الإجماع في الكونغرس لصالح قانون الدفاع عن الزواج في عام 1996)؛ في انتخابات عام 2008، صوت العديد ممن ذهبوا إلى صناديق الاقتراع للمرة الأولى للإدلاء بأصواتهم لصالح “باراك أوباما” صوتوا أيضا لصالح تعديل دساتير ولاياتهم لمنع إضفاء الشرعية على زواج المثليين. حتى بين التقدميين، يسود الشعور (وإن لم يعلن عنه بوضوح) بأن المطالبة بحقوق الزواج، رغم كونها عادلة من حيث المبدأ، إلا أنها غير ملائمة سياسيا، لأنها تجعل من الصعب انتخاب الديمقراطيين – الذي يفترض أنه المدافع الأول والأخير عن السياسة التقدمية. ولكن عندما يطرح الديمقراطيون، مثل رئيسنا الجديد، الشراكة المدنية بدلا عن الزواج، حتى مع التمتع بجميع المزايا القانونية للزواج، فإنهم يواصلون بذلك معاملة المثليين والمثليات كمواطنين من الدرجة الثانية، مما يسهل على اليمين وصمنا. يمكننا الآن أن نتوقع التسامح من قِبل أغلب الأمريكيين، ولكن ليس الاحترام الكامل لكرامتنا الإنسانية.

في الوقت نفسه، يظل التهديد بالعنف والإهانة جزءا من حياتنا اليومية. وقد تعرض عدد كبير منا للاعتداء اللفظي أو الجسدي؛ وبطبيعة الحال، قُتل البعض. لازال التعبير الجسدي عن المشاعر يتطلب الشجاعة، حتى ولو كان مجرد عقد اليدين في الأماكن العامة. وبالنسبة للشباب المثليين، يمكن للمدارس أن تكون جحيما حيا، وأصبح الانتحار أكثر احتمالا عما هو بين الشباب الآخرين.

جذور رهاب المثلية

من أجل مكافحة رهاب المثلية، يجب فهم مصادره. للوهلة الأولى، يبدو أن المسئول الرئيسي هو الدين. في الغرب، لا يعتبر اليهود والمسيحيون المحافظون دينيا المثلية الجنسية مجرد “رجس في نظر الله” فحسب، بل أنها تشكل تهديدا كبيرا لقداسة الأسرة. ولكن السطوة غير العادية لرهاب المثلية في التراث اليهودي المسيحي تبقى غامضة بعض الشيء إذا تعاملنا معها على أساس العقوبات الدينية فحسب. في كامل الكتاب المقدس، لم ترد سوى جملة واحدة فقط، في “سفر اللاويين”، تدين صراحة الجنس بين الرجال. ومع ذلك، كما أشارت الفيلسوفة “مارثا نوسباوم”، هناك مئات من الجمل في كلى الكتابين تدين الجشع، ولا نرى أحدا يدعو إلى إنكار الحقوق المتساوية للجشعين. ولا يوجد سبب منطقي لتفسير لماذا يهدد زواج المثليين اليوم الزواج بين الجنسين. لكن المنطق لا علاقة له بالطريقة التي حول بها المحافظون الدينيون المثليين – جنبا إلى جنب مع النسويات، والمدافعين عن حقوق الإجهاض، و”العلمانيين” – إلى كبش فداء لتفسير الأزمة العميقة في الزواج بين الجنسين.

يبدو، إذا، أن للمثلية جذورا ثقافية أعمق بكثير. في كتابها “الاختباء من الإنسانية: الاشمئزاز والعار والقانون” تطرح “نوسباوم” أن جذور رهاب المثلية تعود إلى الشعور بالعار الجنسي، وعدم الارتياح العميق مع أجسادنا الذي يولد الاشمئزاز من طبيعتنا الحيوانية الفوضوية، اللزجة، الهشة، ذات الرائحة. هذا الاشمئزاز يتم تدريسه – حيث أنه غير موجود في مرحلة الطفولة – كما يتعلمه الناس أيضا من أجل حماية أنفسهم من كراهية الذات، ولإسقاط تلك الكراهية على مجموعات أخرى مثل النساء والأقليات العرقية واليهود والفقراء، وأدنى الطبقات في الهند،.. الخ ، فضلا عن المثليين، الذين يُنظر إليهم باعتبارهم نجسين وملوثين.

على مر التاريخ، وفي عدد كبير من الثقافات، كان يُحَط من قدر النساء باعتبارهن متلقيات للسائل المنوي، وكن موضوعا لمحرمات تفصيلية مرتبطة بعدة أشياء من بينها الإفرازات الجسدية – الجنس، والولادة، الحيض. وقد كشف المؤرخون كيف كانت حتى التنانير الضخمة، التي ارتدتها النساء الغربيات حتى عشرينات القرن الماضي، ضرورية لإخفاء التفاصيل غير الملائمة لأجسادهن. ومن الواضح أن اشمئزاز الرجال من أجساد النساء لعب دورا محوريا في إخضاعهن.

حتى في مجتمعنا، لا تنظر الأغلبية إلى الرجال المثليين – أكثر بكثير من النساء المثليات – باعتبارهم مثيرين  للاشمئزاز العميق فحسب، بل أن فكرة اختراق الشرج على وجه الخصوص تثير الرعب والاحتقار بين الرجال الغيريين. فالمثلي في نظرهم قذر إلى الحد الذي يُخشى معه أن يلوث آخرين. بل أن مجرد نظرته تلوث، وكثيرا ما استخدمت في المحاكم كظرف مخفف أو حتى سببا للبراءة في حالات الاعتداء على المثليين. يبدو أن هذا الاشمئزاز الشديد، والخوف الذي يترتب عليه، معزز بعقوبات دينية والقلق على مستقبل الأسرة الغيرية، وهو ما يفسر الذعر المستمر في هذا البلد، حيث يُنظر للرجال المثليين على أنهم شديدو الخطورة، دائمو التربص والانقضاض على الأطفال، ساعون إلى دفع “أجندة المثليين”، وإضفاء الشرعية على “نمط حياتهم”.

من الواضح أن ما وصفته “نوسباوم” “بنزع النجاسة عن الجسم” في ثقافتنا لن يكون سهلا، بل أنه لن يكون ممكنا بأي درجة ذات أهمية دون تغيير ثقافي ثوري. بالطبع يجب على النضال ضد رهاب المثلية ومن أجل المساواة الجنسية الكاملة أن يستمر ويكثف في الوقت الحاضر، ولكن إذا أدركنا جذوره العميقة، يجب علينا أيضا أن نرى أنه فقط في عالم متغير سوف يفقد هذا الخوف غير العقلاني من التلوث وأوهام القدرة الصلبة فائقة القوة سطوته ويتلاشى.

آفاق

يبدو لي أن الاشتراكيين يمكنهم أن يلعبوا دورا حاسما في توجيه المسار، بل وتقريبنا من هذا المستقبل، في المقام الأول من خلال الدعوة إلى سياسة غير طائفية تهدف إلى تحرير المضطهدين من قيودهم في الوضع الراهن، وذلك من خلال إنشاء حزب سياسي جديد. يشير التصويت الكبير المقلق ضد زواج المثليين من قِبَل السود واللاتينيين في عام 2008 إلى الحاجة الماسة إلى سياسة تحالف تقدمية بين الجماعات المضطهدة على أساس النضال المشترك والاحترام المتبادل. لم تكن حملة أوباما تحالفا ولا حتى حركة، ولم تثر قضية رهاب المثلية. كما أنها لم تقدم أي شيء ملموس في طريق “التغيير الحقيقي” الذي كان ليقضي على رهاب المثلية.

إن إمكانية حركة جماهيرية شعبية ومضادة للرأسمالية وحزب سياسي يساري جديد هي إمكانية ضخمة. ولكن لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تجنب كل من الإستراتيجية الاقتصادوية الضيقة التي يمثلها “رالف نادر”، مع تركيزه الحصري تقريبا على مخالفات الشركات واحتقاره المعلن لما أسماه “سياسة الغدد التناسلية”، وكذلك  تحالف “المظلة الكبيرة” الزائفة التي دعا إليها “تود جيتلن” والكثيرون من الليبراليين الآخرين (الذين مثلهم في وقت ما ذلك الرمز المثلي عن غير استحقاق “بايارد روستين”)، حيث لا ينبغي السماح “لسياسات الهوية” أن تتداخل مع الخيال السخيف الخاص بإمكانية تحويل الحزب الديمقراطي إلى قوة تقدمية مناهضة للشركات.

بحكم طبيعته، سيكون أمام حزب يساري مستقل حقيقة أن يقطع شوطا طويلا من أجل كسر الهرمية ونشر التعاطف. ومن المؤكد أنه سوف ينبغي عليه أن ينظم حملات من أجل حقوق المثليين – أي لا أن يدافع عنها فحسب، بل أن يثقف الناس أيضا لتفهم لماذا هي عادلة وضرورية. في مثل هذا اليسار، في حال ظهوره، سوف يكون الاشتراكيون تيارا تعليميا وقيادة طموحة؛ على هذا النحو، سيكون عليهم التفكير، ومساعدة الآخرين على تخيل، ما هو أكثر بكثير من المساواة القانونية للمثليين. لم تجر مناقشات كثيرة في السنوات الأخيرة بشأن إلغاء الأسرة النووية (باستثناء ما تقوم به الرأسمالية فعليا الآن بدرجة ما). مع ذلك، فإنه من الصعب أن نتصور كيف يمكن تحقيق الحرية والمساواة للرجال المثليين – وكذلك للنساء – دون أن تصبح وظائف الأسرة، مثل العمل المنزلي ورعاية الأطفال، وظائف اجتماعية. وهذا يعني بدوره الانتقال بعيدا عن الرأسمالية. لا يعني ذلك أنه سوف يتم استبدال الأسرة النووية بسهولة، أو حتى أن معظم الناس في المجتمع الاشتراكي سوف يختارون التخلي عنها. ذلك أنها، ورغم كل مشاكلها، لا تزال الشيء الوحيد القادر على الأقل على تخفيف آلام التنمية بتفهم عاطفي عميق، وخاصة بالنسبة للرضع. ولكن على أقل تقدير، يجب على المجتمع الملتزم بالرعاية – على عكس مجتمعاتنا اليوم – أن يكون قادرا على توفير دعم أكثر بكثير للأعمال الضرورية التي تقوم بها الأسر. ومع حل مشكلة الندرة وضيق ذات اليد، لن يكون العيش المشترك معتمدا على اعتبارات اقتصادية، بل فقط على المحبة المتبادلة – وبالتالي سوف تتوقف الأسرة عن أن تكون نظاما إلزاميا. ومن المؤكد أن هذا سيقوض أساس رهاب المثلية.

لا يسعنا سوى تخيل القليل مما سوف يطرأ على الميول الجنسية والجندرية في عالم بدون تمييز أو تسلسل هرمي أو هيمنة، حيث لا تُقمع الرغبة الجنسية أو تخضع للضرورة الاقتصادية. ولكن من المحتمل أن يكون العالم الاشتراكي هو العالم الذي يتوقف فيه الناس عن الشعور بالاشمئزاز والعار، إلا تجاه الأشياء الضارة بالفعل. ويبدو من الممكن، مع التحرر من الإكراه على التطابق مع القوالب النمطية للذكورة والأنوثة ومن السعي إلى “ما هو طبيعي”، أن يتمكن الناس من التعبير عن أنفسهم جنسيا بقدر من الفردية والتنوع يفوق ما كنا نحلم بأنه ممكن.

نشر في موقع:http://newpol.org/content/socialism-and-homosexuality

_______________________________________

  • 1_على سبيل المثال، اعتقد “أوغسطين” أن الخطيئة الأصلية دخلت نفوس الأطفال الذين لم يولدوا بعد حرفيا من خلال السائل المنوي لآبائهم. وأوصى “بول” على مضض بالزواج فقط لأولئك غير القادرين على العفة. حتى “كليمنت” من الإسكندرية، وواحدة من أكثر المدافعين عن الزواج بين أوائل الكنيسة، قالت: “المثالي بالنسبة لنا هو ألا نشعر بالرغبة على الإطلاق. . . . والرجل الذي يتزوج من أجل إنجاب الأطفال يجب أن يمارس الامتناع لا يشعر بالرغبة تجاه زوجته “. انظر إلين باجيلز، آدم، حواء و الثعبان
  • 2_في واقع الأمر قد يكون “إنجلز” مخطئا في هذه النقطة، حيث أن عدم المساواة الجنسية يسبق الخصومات الطبقة. ووجودها منذ القدم السحيق لا يعني أنها من طبيعة الجنس البشري، ولكن قد يعني أن القضاء على تبعية النساء قد يكون أصعب من القضاء على الاستغلال الطبقي نفسه.
  • 3_كان “كاربنتر”، الذي حصل على تعليمه من كامبريدج، وهو شاعر وكاتب وناشط سياسي وأحد مؤسسي حزب العمال المستقل، يعيش علنا مع “جورج ميريل”، وهو رجل من الطبقة العاملة. وكانت شراكتهم مصدر إلهام لـ”موريسـ” و”أليك”، حارس المرمى في رواية فورمستر، “موريس”. ويبدو أن “جورج أورويل” كان يفكر في “كاربنتر” وآخرين مثله، عندما ندد، في روايته “الطريق إلى ويغان بيير”، “بشاربي عصير الفاكهة، والعراة، ومرتديي الصنادل والمهووسين بالجنس” الذين انجذبوا للاشتراكية..
  • 4_كتب وايلد، وهو من أشد المعجبين بموريس “روح الإنسان تحت الاشتراكية”، وهو كتاب يستحق القراءة لتحليله الدقيق للطرق التي تخنق الضرورة الاقتصادية بها إمكانيات التميز الشخصي. كانت “فيرا” بطلة مسرحية وايلد الأولى، مبنية على شخصية “فيرا زاسوليتش” التي أدت محاولتها اغتيال مسئول قيصري وحشي إلى سلسلة من الاعتداءات من قبل الاشتراكيين الروس والتي توجت بقتل القيصر الكسندر الثاني. هربت “زاسوليتش إلى سويسرا”، حيث كانت واحدة من ثلاث مؤسسين لأول مجموعة ماركسية روسية في المنفى.
  • 5_كان لصحافة الحزب الاشتراكي الديمقراطي تغطية يومية في قضية يولينبورغ بين أعوام 1907-1909 والتي اتهم فيها العديد من أعضاء مجلس الوزراء القيصر ومحيطه الشخصي بانتهاك الفقرة 175
  • 6_لازال يسود الاعتقاد بأن حريق البرلمان الألماني كان مؤامرة نازية، لكن أغلب المؤرخين يتفقون على أن “فان دير لوببه” كان يعمل وحده
  • 7_لا يمكن تفسير أن يأمر رجل مثلي، “روم”، باقتحام بارات المثليين مثلما لا يمكن تفسير ملاحقة مكتب التحقيقات الفيدرالي بلا هوادة للمثليين في زمن “إدغر هوفر”، الذي كان بدوره مثليا محاطا بالسرية. وقد يكون هذا أيضا هو الموقع المناسب لذكر الأسطورة المتكررة بأن “هتلر” نفسه كان مثليا، الأمر الذي تتساوى الأدلة عليه مع الأدلة على أن “هتلر” كان له أصل يهودي – وكلاهما يساوي صفر.
  • 8_هذا التطهير – “ليلة السكاكين الطويلة” – لم يكن له علاقة فعلية بالتوجه الجنسي لـ”روم”، على الرغم من أن ذلك كان دائما فضيحة لمعظم النازيين – وخاصة “جورينج” و”هيملر” – ولأنصارهم “المحترمين”. كان “روم” يقود صرخة من أجل “ثورة ثانية” ضد الأعمال التجارية الكبرى وبقية النخب القديمة. كما أراد التخلص من سلاح الضباط واستبدالهم برجال الأمن. شعر جيش المملكة بالقلق ووعد الجنرالات هتلر بأنه إذا تمكن من القضاء على المتطرفين سوف يعطونه دعمهم الكامل عند وفاة الرئيس “هيندينبيرغ” الذي كان مريضا للغاية.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي

التكوين الاقتصادي والطبقات في النظام الرأسمالي (ملاحظات أولية) ليس من الممكن أن نتجاوز أهمية دراسة الطبقات، حيث أن منظور الصراع قائم أصلا على أنه صراع طبقي. هذا ما تؤكده الماركسية، وهو في جوهر رؤيتها للواقع.

سلامة كيلة

أوراق من اليسار المصري: وثيقة”طبيعة السلطة البرجوازية في مصر” لقد وجهت الطبقة الجديدة ضرباتها إلى رأس المال الكومبرادوري، والى رأس المال الاستعماري كما عملت على تصفية كبار ملاك الأرض كطبقة، وأدى ذلك إلى الخروج من قبضة السيطرة الاستعمارية الاقتصادية. ونجد أثر ذلك في الريف، فقد فتح الباب على مصارعيه لنمو العلاقات الرأسمالية فيه. وقد نمت الطبقة الرأسمالية الزراعية (من 10 - 50 فدانا) من ناحية العدد، ومن ناحية حجم الملكية، ومن ناحية نسبة ما تمتلك من أرض إلى المجموع العام.

بالأحمر

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله

هاني شكر الله