رحلة العلم (1/3)

قضايا

04  أكتوبر  2017

مارس المصريون والحضارت القديمة الأخرى الرياضيات والفلك وفنون الطب والكيمياء. كان الفلك في مقدمة العلوم التي تطورت وجرى استخدامه في تطوير التقويمين الشمسي والقمري، اللذين مازال  يستخدمان

في الشعائر الدينية حتى اليوم. وكما اكتشف الانسان الكتابة والرسم والنحت والأعداد والتقاويم، اكتشف أيضا التعدين ومواد تصنيع الأسلحة والأدوات، وفيما بعد استخرج النحاس والقصدير واكتشف البرونز. وباكتشاف الزراعة– حوالى 12000 سنة قبل الميلاد –أصبحت الهندسة مهمة في تصميم وتشييد المباني وقنوات الرى ولتحديد مساحات الأرض للملكية والتجارة.

كان العلم القديم مجموعة من الاكتشافات التي أمكن تطبيقها بشكل مفيد، لكنه لم يكن نظرة عالمية كما ندرك العلم في عصرنا الحديث. وكان الوقت مبكرا للغاية على بلورة نظريات علمية لتفسير الطبيعة، فلم يكن ممكنا سوى تطوير بعض الأطر الفكرية الميتافيزيقية، الاسطورية أوالدينية، ومن ثم لعبت الخرافة والسحر دورا كبيرا في العالم القديم الذي كان فيه الدين والعلم متكاملين، إذ ساد الاعتقاد بأننا نعيش في عالمين، ماديوروحي. وقد شمل عالم المادة الطبيعة والواقع الفيزيائي، كما شمل عالم الروح الأفكار والروح والنفس.

تُعد الأساطير الخاصة بنا أصل الميتافيزيقا، بدأت مع ملاحظة الطبيعة واستقراء الإنسان المنطقي لنفسه ولمحيطه. وكانت تلك الأساطير تُستخدم في تفسير الطبيعة. لقد قمنا بسبب العلم بتطوير قدرات الملاحظة بدرجة أفضل بكثير، لكلا العالمين الكبير (الماكرو) والدقيق (الميكرو). لكننا احتفظنا في عاداتنا بقدسية الأساطير لمدة ألفى عاما أو أكثر، وهذا هو أساس الصراع الظاهر بين العلم والدين. فقد تبنت معظم الديانات الرؤية التيتفترض أن عالم الروح هو المسيطر والمسئولفي نهاية المطاف، بينما تنكر المادية وجود عالم الروح من الأساس. وفى حين أن عالم الروح مطلق، فإن العلم نسبي، ويتطلب وجود قواعد ونظام وبناء عقلانى للطبيعة.

قبل أن يبدأ اليونانيون القدامى في تطبيق المنطق على الطبيعة كان هناك آلهة وشياطين. وتراثنا الأدبي يزخر بقصص الكائنات فوق الطبيعية، التنانين في آسيا، السيكلوب والمينوتور في الجزر الإغريقية، الجنيات والمشعوذون في أوربا العصور الوسطى، والعفاريت في الجزيرة العربية.وقد اكتشفت الفلسفة حوالى 600 ق.م. الإجابة على الأسئلة المطلقة، مثل ماهية الوجود والمادة والروح والسكون والحركة والمكان والزمن والحياة والموت والخير والجمال …الخ.

لعبت الرياضيات دورا مهما في تطور العلم اليوناني.كان فيثاغورث (570 – 500 ق.م.)مولعا بحل المسائل الرياضية، واستطاع أن يقدم برهانه الشهير وخلاصته أنه في المثلث قائم الزاوية فإن مربع الوتر يساوى مجموع مربعي الضلعين الآخرين.كما كون جمعية للرياضيات لعبت دورا في اكتشاف الرياضيات التيساعدت على تهيئة المسرح لظهور إقليدس (223 – 283 ق.م.) الذي يمكن القول بأنه عالم الرياضيات اليوناني الأكثر شهرة، وتعود اليه تسمية الهندسة الاقليدية (المستوية). وبداية من الفيثاغورثيين، إعتبرت الدائرة أو الكرة هى التعبير الأكثر كمالا عن الرياضيات في الطبيعة. فالدائرة تمثل الانسجام والوحدة والكمال المتصل والأبدية، حيث لا بداية ولانهاية. وهكذا كان الاعتقاد بأن الاجرام السماوية كاملة (أو مثالية) ويجب أن تكون كروية وتتحرك في دوائر تامة،ما تسبب في مشاكل كبرى عند بدء القيام بالقياسات الفلكية الدقيقة في عصر النهضة فيما بعد.

اعتقد آناكسجوراس (500 – 428 ق.م) أن كل شيءمصنوع من بذور لانهائية وضئيلة جدا، لم تخلق ولا يتم تدميرها. وقدم ديموقريطس (460 – 370 ق.م) شرح الفكرة الجسيم في الطبيعة، وهو أولمن استخدم مصطلح “ذرات” زاعما أنها وحدات بناء كل شئ. كما إعتقد أريستاركوس (310 – 230 ق.م) أن الارض تدور حول الشمس.واعتقد بلاتو (428–348 ق.م.)أنه يمكننا،باستخدام العقل، اكتساب المعرفة التي تقترب من الكمال، ورفض الآلهة التي اتخذت مظهرا بشريا في الميثولوجيا اليونانية. فالله بالنسبة له هو مثال الخير والكمال السماوي والشكل المتقن والترتيب النموذجي، وهو أساس كل شيء. فقد خلق البشر على صورة من الكمال المطلق من مواد أساسية، ورأى أننا نمتلك روحا (عالم النفس) وجسدا (عالم المادة).

يُعتبر سقراط (499 – 399 ق.م.) أحد مؤسسى الفلسفة الغربية، وكل مانعرفه عنه وصلنا من خلال كتابات تلاميذه. انطلاقا من أفكاره المثالية، اهتم سقراط بدراسة الأخلاق والمنطق، واستخدم الجدل فيما عُرف بالمنهج السقراطي، ما منحه لقب أكثر الرجال حكمة في العالم القديم. وكان سقراط معنيا بالسعي وراء الحقيقة وتبسيط مشاكل الحياة لجعلها أسهل على الفهم.

أنشأ أفلاطون (427 – 347 ق.م.) أكاديمية أثينا،التي تعد أول معهد للتعليم العالي في التاريخ، وقد وضع الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم. زار مصر واجتمع بكهنة عين شمس وأعجب بعلوم المصريين خاصة الفلك. وقد ترجمت معظم محاوراته الفلسفية (حوالى ثلاثين محاورة) إلى اللغة العربية. وبجانب نزعته الصوفية التأملية، اتسمت بعض أفكاره بنزعة منطقية رياضية.

وسواء كان أرسطو (384 – 322 ق.م.) أول العلماء أم لا، فإن علمه كان بالتأكيد هو الأكثر شمولية بالنسبة لليونانيين القدامى.وقد كانت رؤيته مزيجا بين العلم والدين، وانتشرت تلك الرؤية عبر العالم مع فتوحات الاسكندر، حيث سادت العالم لأكثر من ألفى عام.

في علم كون أرسطو كانت الأرض مستديرة ولا تتحرك، وكانت في مركز كون كروي، ومحاطة بكرات تتسع للنجوم والكواكب. وكان هذا الكون يدور بلا انقطاع، ومصنوع من خمسة عناصر، التراب والماء والهواء والنار والأثير. لقد استبعد أرسطو مفهوم الصفر لأنه يمثل لاشئ،ولم يولي أى إعتبار للأرقام السالبة، كما أنكر فكرة الفراغ أو العدم، لان هذا سيقتضى ضمنيا غياب الله.اعتقد أرسطو أن الله ثابت في مكانه، فهو المحرك الأصلى أو العلة النهائية. ومن المهم إدراك أن فيزياء أرسطو ونظرته للكون كانتا متضافرتين. فالاعتراض على أحدها كان يعنى الاعتراض على الأخرى.

درس أرشميدس (287– 121 ق.م.) الرياضيات في الإسكندرية التي كانت حينئذ مركزا للنشاط الفكرى، وكانت بها أعظم مكتبة في العصر القديم. وقدم إسهامات جوهرية في الرياضيات والعلم والهندسة، وقام بحل قانون الرافعة، كما اكتشف قانون الطفو، ووجد طريقة رياضية لحساب العلاقة بين محيط الدائرة وقطرها، واستطاع أن يحدد مساحة الأشكال غير المنتظمة. كانت فيزياء أرشميدس بشكل واضح أكثر عصرية جدا ليتسنى لها أن تكون أساسا أفضل للعلم، وربما تقدم العلم أسرع بكثير لو أن أرشميدس جاء بدلا من أرسطو.

عاش بطليموس (85 – 165 م)، الفلكي اليوناني والجغرافي والرياضي في مصر الرومانية، وقد تصدى بطليموس لتصحيح مشاكل علم الفلك، لكنه أراد الإبقاء على مبدأ الحركة الدائرية في السموات. وتمكن من تصحيح أخطاء أرسطو باستخدام أفلاك التدوير،التي كانت ذاتها عبارة عن دمج لدوائر على دوائر. وقد تنبأ بشكل صحيح عن طريق الجداول التي خطها بيده بموضع النجوم ومواقيت الكسوف للألف سنة التالية.

انهارت الحضارة الغربية بعد سقوط روما في القرن الخامس الميلادي. وخلال مائتي عام، بقيت فقط قصاصات وأجزاء من مؤلفات أرسطو. ولفترة من الزمن، كانت أعمال أفلاطون مفقودة في الغرب، بالرغم من أن علم الفلك اليوناني قد تم حفظه وتطويره أثناء هذا الوقت في العالم العربي. فالمجسطيAlmagestالذي ألفه بطليموس، قد ترجم إلى العربية في القرن التاسع الميلادي. ولم تتم إعادة اكتشاف بطليموس في الغرب حتى القرن الثانى عشر الميلادي، لذلك سقط العالم الغربي في فجوة زمنية مظلمة قدرها سبعمائة عام،أطلق عليها عصور الظلام. وبحلول القرن الثانى عشر أعيدت ترجمة معظم أعمال أرسطو وبطليموس من العربية الى اللاتينية.

بينما عانى الغرب في ظل عصور الظلام، ازدهر عصر ذهبي في المنطقة العربية. وعلى خلاف الرومان، توسع العرب في تطوير العديد من الرياضيات والعلوم اليونانية. فالجبر والكيمياء واللوغاريتم والمتوسط والتقويم والأورطى والكحول هى أمثلة لكلمات ذات أصل العربى وتعد اليوم من المفردات العلمية. ومن القرن السابع حتى القرن الثالث عشر، قدم العلماء العرب والمسلمون إسهامات هامة في الزراعة والفلك والكيمياء والجغرافيا والميكانيكا والطب والبصريات والمقاييس بمختلف أنواعها. فقد تعلموا صناعة الورق من الصينيين وأصبحت الكتب والمكتبات ذات أهمية كبيرة. وأصبحت اللغة العربية لغة عالمية للثقافة.

في عام 946 أصدر عالم الفلك الفارسي على صوفي (903 –986) كتابه عن النجوم المستقرة والذي وصف فيه أندروميدا كسحابة صغيرة مستبقا فكرة المجرات. وفى القرن الحادى عشر وصف عالم الرياضيات البيروني(973 – 1084) درب التبانة باعتباره تجمعا من النجوم. وقام الشاعر الفارسى عمر الخيام (1048- 1131) بتحديد طول السنة بأنه 365.24219858156 يوماً. (تبلغ القيمة الحالية التي حددها تليسكوب هابل 365.242190 يوما. لقد كانت القيمة التي حددها الخيام دقيقة بنسبة 2 في 100 مليون). وفى مجال البصريات، أدخل العرب تحسينا على العدسات وطوروا نظرية الانعكاس. وفى القرن الحادى عشر أصدر ابن الهيثم كتابه عن البصريات الذي وصف فيه وظيفة عين الإنسان، ووصف الضوء “كصور بصرية تدخل الى العين”. كما طور الأطباء المسلمون علاجات للجدري والحصبة، واخترعوا الحجر الصحي لوقف انتشار الامراض المعدية،وتم تطوير جراحات العين والأذن والحلق. وقام ابن النفيس باكتشاف الدورة الدموية في القرن الثالث عشر.ويعتبر جابر بن حيان (721 – 815) أبو الكيمياء، وينسب له اختراع عدد من الأحماض ومنها حمض الكبريتيك، وترك وراءه ثلاثة آلاف مخطوطة في مجالات الكيمياء وعلم الكون والموسيقى والطب والاحياء والهندسة والفلك. وقام الخوارزمى (780 – 850) بابتكار الجبر كما قدم النظام العشرى الى العالم الغربى. كان للعرب إسهامهمفي علوم الهندسة وحساب المثلثات وعلم المثلثات الكروى أيضا.

لقد افترض العلماء اليونانيون والهنود والمسلمون نظاما شمسيا تكون فيه الشمس في المركز، لكن العلماء الغربيون أبقواعلى الفلسفة الأرسطية حيث الأرض مركز الكون. ويمكن اعتبار كوبرنيكوس (1437 – 1543) نقطة جيدة لبداية الثورة العلمية التالية. فقد تجاهل أرسطو وبطليموس وقرر أن يحاول جعل الرياضيات صحيحة على أساس البرهان التجريبي فقط، وكان أحد هذه البدائلتصور كونا تكون الشمس في مركزه، وتدور الأجرام السماوية حولها بدلا من الأرض. وقد أثارت مسألة الكون الذي مركزه الشمس مشكلة تحديد مكان الجنة والجحيم. كما طرحت تساؤلات عن مركزية خلق الأرض؟ ومركزية ديانة المسيح؟

كان جيوردانو برونو (1548 – 1600)أحد اتباع كوبرنيكوس الاوائل، وقد رأى أن الشمس مجرد نجم، وأن هناك ملايين الكواكب التي توجد عليها مخلوقات ذكية،مما أثار عليه الكنيسة.ولما لم ينصاع لأمر الكنيسة بالتوقف عن تدريس تلك الأفكار، جرى اعتقاله وتعذيبه طيلة ستة سنوات، وفى نهاية المطاف تم إحراقه على الخازوق في 17 فبراير عام 1600. ومن اقواله “الزمن هو أبو الحقيقة، وأمها هى عقلنا” و “الحقيقة لا تتغير، بسبب إعتقاد أو عدم إعتقاد غالبية الناس بها” كما قال للقضاة الذين حاكموه “قد تكونوا خائفين من إصدار الحكم علي بأكثر مما أخاف أنا من الحكم”

كان تايكو براه (1546 – 1601)، أبرز علماء الفلك في عصره، متأثرا بعمل كوبرنيكوس. (لم يكن التلسكوب قد اختُرع حتى وفاته). وقد قام بعمل استثنائي،إذ قام برسم خريطة للسماء.فرأى السوبر نوفا لأول مرة في عام 1572، وظهر هذا الاكتشاف كتحد مباشر للنظرة البطلمية. فقد أدى ظهور النجم الجديد لطرح الأسئلةحول الثبات لأرسطو. فاذا كان من الممكن ظهور نجوم جديدة، فهل يمكن أن تختفى النجوم القديمة؟

بعد ذلك بخمسة سنوات، وفى عام 1577، قام تايكو بقياس مدار مذنب بدقة، مما أشار إلى أنه أبعد بكثير من القمر، ومثل هذا أيضا تحديا لمبدأ الثبات. لكن تايكو لم يستطع قبول كل أفكار كوبرنيكوس لأنه لم يؤمن بحركة الأرض. لقد طور تايكو بديله الخاص،الذي هو مزيج مننموذجي بطليموس وكوبرنيكوس. فالشمس والقمر يدوران حول الأرض التي هي في مركز الكون، والكواكب والنجوم تدور في أفلاك هائلة حول الشمس. وبالرغم من أن محاولاته التوفيق قد لا ترضى أحدا، إلا أنها ساعدت في خلخلة أسس الافتراضات الأرسطية.والحقيقة، أن ملاحظات تايكو الدقيقة جدا ماقبل التليسكوب قد احتوت على بيانات كافية لدعم مركزية الشمس والمدارات البيضاوية.

عمل كيبلر(1571 – 1630) لعشر سنوات محاولا التوصل لحساب أفلاك التدوير للكواكب. وقد توصل للحركة البيضاوية التي رصدها– وكان ذلك حلا عبقريا –  وتخلى عن افتراض أفلاطون القديم الخاص بالدوائر التامة.بعد ذلك تبنى نظرية مغناطيسية الأرض، وقدم تفسيرا أنه لو كانت الارض والكواكب الاخرى مغانط كبيرة، فستكون الشمس على الأرجح مغناطيسا عظيما جدا، وهكذا فإن ما يحافظ على الكون متماسكا هو التجاذب والتنافر المتزامنان للمغانط المختلفة بين بعضها البعض. وبداية من عام 1609، أصدر قوانينه عن الحركة. فكان القانونان الاول والثانى يتعاملان مع الحركة البيضاوية للكواكب، والقانون الثالث الأكثر إثارة، هو الذي توصل إلىأن مربع زمن دوران الكوكب يتناسب مع مكعب المسافة بينه وبين الشمس. وقد أوضح كيبلر الانسجام الرياضي للنظام الشمسي بافتراض أن الشمس كانت في المركز وتتحكم في حركة الكواكب. وكان هذا فيزيائيادليلا علميا على أن رؤية أرسطو للكون كانت أسطورية وخيالية.

عمل جاليليو جاليلى (1564 – 1642) على صياغة قوانين تحكم عملية سقوط الأجسام وتحدد سلوكها في الماء. وقاده عقلهالاستكشافي في اتجاهات تصادمت مع الثقافة السائدة، إذ قام بإلقاء محاضرات في عام 1588 عن أبعاد الجحيم كما جاءتفي جحيم دانتى، وهو ما لم يلق استحسانا من الفاتيكان.

من الصعب تخيل أنه ماكان لنا أبدا الانتقال لأبعد من عدم الدقة الذي كان سائدا لو لم يتم اختراع التليسكوب.كان جاليليو في حاجة فقط للتلسكوب ليصنع قفزة للأمام في سبيل دحض الخرافات السماوية، ووضعنا على بداية مسار نحو فهم الكون.وفى عام 1608 صمم جاليليو تلسكوبه الخاص الذي قام بإدخال تعديلات عليه، وقام بتوجيهه نحو السماء.كانت النتائج مثيرة جدا، وصار من المتعذر بعدها الدفاع ظاهريا عن النظامين الأرسطي/الأفلاطوني. لكن مشكلة جاليلو الأكبرفيطرح نظرية كوبرنيكوس كبديل معقول هيأنه لم يتمكن من إثبات أن الأرض تتحرك.وقع جاليليو في مشكلة مع الكنيسة، واستدعي للمثول أماممحكمة التفتيش، التي أدانته في عام 1633، وأجبر ساعتها على التراجع عن نظرياته ومُنع من نشر كتبه، ووُضع تحت الإقامة الجبرية فيمنزله لبقية حياته. الاكثر من ذلك، أن الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان لم تغفر له حتى عام 1991.لقد أصبح صراع جاليليو مع الكنيسة رمزا للصراع بين العلم والدين.فيما بعد كان من السهل بناء علم فلك أكثر تطورا عندما تعلمنا كيفية تكبير الضوء بتركيزه بواسطة العدسات والمرايا.

كان من خصائص الثورة العلمية الإيمان بالقانون الطبيعى وغائية الطبيعة ورفض السلطة وبخاصة السكولائية أو نفوذ رجال العلم والدين، والالتزام بالملاحظة والتجربة، واعتماد الرياضيات كلغة للطبيعة وتبنى فكرة الكون دائم الحركة. وقد تأسست جمعيات دولية للعلماء، مثل الجمعية الملكية في لندن (1662) وأكاديمية العلوم في باريس (1666). كانت هناك ثورة في المعلومات إبان القرنين الساس عشر والسابع عشر. ومع تحسن تقنية الطباعة أصبحت الكتب أوسع انتشارا، كما زادت صعوبة تحكمرجال الكنيسة والحكومات فيانتشار المعلومات العلمية.

أثبت أنتوني فان ليوفينهوك (1632 – 1723) مهارة في صناعة الميكروسكوبات. ومن ماء البحيرة اكتشف مجموعات من الحيوانات الدقيقة أصغر ألف مرة من المخلوقات التياكتشفهافيالجبن والتراب والدقيق، كما اكتشف فيسائله المنويكائناتحية دقيقة ونشطة جدا. واكتشف الطفيليات وحيدة الخلية والبكتيريا. لكن تلك الاكتشافات لم تؤد إلى تطورات كبرى فيعلم البيولوجيا والطب. وفى ثلاثينيات القرن السابع عشر، اكتشف توريسيللى (1608 – 1647)، تأثير ضغط الهواء الجويعلى ارتفاع عمود الزئبق. وقد تأكد ذلك في تجربة أجراها باسكال (1623 – 1662)ومن ثم اخترع البارومتر كجهاز لقياس الضغط الجوي. واخترعت الساعة البندولية بواسطة الألماني كريستينان هايجن (1629 – 1695)في ستينات القرن السابع عشر، فقبل ذلك لم تكن هناك طريقة دقيقة لقياس الفترات الزمنية القصيرة. وفى ذلك الوقت جرى اختراع الترمومتر والمسطرة المنزلقة وبعض أدوات القياس الأخرى التي جعلت من الممكن بالملاحظة والقياس العلميين بشكل كمى ودقيق.

في القرن السابع عشر، ساد عمالقة العلم هذا العصر. ويُذكر رينيه ديكارت (1596 – 1650) بشكل أفضل لمساهماته في الرياضيات، لكنه كان أحد الرواد بين علماء وفلاسفة أوروبا بوصفه أول متحدث بالمذهب العقلي الفرنسي، وغالبا ما يسمى بمؤسس الفلسفة الحديثة.أراد ديكارت تحقيق استقلالا كاملا للعلم والفلسفة عن اللاهوت. وكان أعظم إسهاماته في الرياضيات هو ابتكار الهندسة التحليلية. وأعظم إسهام له بوصفه مؤسسا للفلسفة العقلانية أنه بدأ بذاته بدلا من البداية بالله. فسأل ديكارت، ماذا يمكننا أن نعرفه بحق في عالم التجربة الحسية؟ الله أم العالم المادي؟ وقد رفض ديكارت كليهما بشكل صارم، فنحن نبدأ بالشك، وما لايمكننا الشك فيه هو أننا نشك. وعن طريق الشك يمكننا التأكد من وجودنا. وقد لخص ذلك ديكارت في مقولته “أنا أفكر إذن أنا موجود”. وقد صاغ ديكارت قوانيه الثلاثة، (قانون القصور الذاتي) حيث كل شئ يبقى متحركا ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي، و(قانون الحركة) حيث تميل الأجسام للتحرك في خط مستقيم، وإذا كانت الأجسام تتحرك بشكل دائري، فإنها تميل للتحرك بعيدا عن المركز، و(قانون التصادم) حيث الجسم الذي يلتقي بجسم أكبر منه لايفقد شيئا من حركته، بل يتحرك مبتعدا في اتجاه مختلف؛لكنه إذا قابل جسما أقل قوة، يفقد من حركته بمقدار ما ينقله للجسم الآخر.لقد وضع ديكارت تفسيرا ميكانيكيا صارما للطبيعة والكون،ولم يترك أي متسع لإله مسلط فوق الرأس. وبخلاف لعب دور المحرك الأول، فإن الله ليس له دور في عالم ديكارت الميكانيكي البارد.

عاش فرانسيس بيكون(1561 – 1626) على التخوم بين العصور الوسطى والعصر الحديث، حيث تشبث برؤية مركزية الأرض في الكون، واعتقد في علم التنجيم والتنبؤبالأحلام. وهناك جدل كبيرحول إسهام بيكون في الثورة العلمية. لم يكن بيكون عالما، لكنه يمثل التجريبية الانجليزية في مقابل العقلانية الفرنسية. وقد ساعدت نظرته العلمانية للعلم في تأسيس عصر العقل وماتلاه من ثورة علمية. ففى مقابل منطق ديكارت الاستدلالي، أكد بيكون على المنهج الاستقرائي، الذي بدأ بشكل مثالي مع الملاحظة والتجريب، وأصبحت تلك هي الطريقة الإنجليزية. تم اشتقاق الفرضيات والنظريات من الملاحظة والتجربة. ويتحدد المنهج العلمى الحديث أكثر مع فرانسيس بيكون عنه من أي شخص آخر.

ورث إسحق نيوتن (1642 – 1727) علم الفلك الخاص بكوبرنيكوس وجاليليو، وتجريبية بيكون، ورياضيات ديكارت وفسلفته الميكانيكية. وهو بعمر من 23 الى 24 عاما تمتع بفورة قصيرة من النشاط الفكري عُرفت بسنة سعده،ففي هذه الثمانية عـشر شهرا فقط، ابتكرحساب التفاضل والتكامل، واكتشف أن الضوء الأبيض مكون من أشعة الطيف الملونة، وابتكر قانون الجاذبية الخاص بحركة القمر والكواكب والأجسام. وتبنى التعريف الجسيمى للضوء، وأن له سرعة. لاحظ نيوتن الخصائص شبه الموجية للضوء، لكنه افترض أنها نتاج عرضي لحركة جسيمات الضوء فائقة الصغر خلال الأثير. رُفضت نظرية نيوتن الجسيمية أو الكروية عندما أوضحت التجارب الأكثر دقة للضوء في القرن التاسع عشر الخصائص شبه الموجية للضوء التي لاشك فيها. كان هذا أحد أفكار نيوتن القليلة التي رُفضت بشكل كامل من قبل المجتمع العلمي.وأهم اسهاماته على الاطلاق هى اكتشاف قوانين الجاذبية.

في البداية، فكر نيوتن في مسألة الجاذبية بمعايير الأرض والقمر فقط، ولم يضع في اعتباره الكيفية التي يكون بها للجاذبية عموما صلة بالكون ككل. ومن القانون الثالث لديكارت توصل نيوتن إلىأن القوة التي تحفظ الكواكب في مداراتها يجب أن تتناسب عكسيا مع مربعات مسافاتها من مركز الشمس. ثم أدرك الأهمية الأساسية لقانون كيبلر الثالث وحوله بسهولة الى معادلته الخاصة، قانون التربيع العكسى الشهير، والذى أصبح حجر الزاوية للجاذبية الكونية. وقد حدد نيوتن أن مسار الكوكب يجب أن يكون قطعا ناقصا إذا تناقصت الجاذبية مع مربع المسافة. وهكذا بدأ كتابه العظيم “مبادئ الرياضيات” يمثل ذروة الثورة العلمية وقاعدة العلم الحديث.

تقف “مبادئ الرياضيات” على قمة علم القرن السابع عشر لأنه منح الدعم لنظام كوبرنيكوس، وفسر قوانين كيبلر الخاصة بحركة الكواكب، وأثبت وفسر عمل جاليليو عن حركة الارض والمقذوفات، وحل بشكل كامل محل مبادئ ديكارت الفلسفية. كما يُعد من أكثر الكتب أهمية على الإطلاق. وربما يكون هو الكتاب الأكثر أهمية في تاريخ العلم.في النهاية توصل نيوتن لفهم أن الجاذبية يجب أن تُفسر بلغة الحركتين اللتين تخصان القمر. فأولا، يسقط القمر بثبات نحو الأرض، وثانيا القمر له ميل للقصور الذاتي للاستمرار في خط مستقيم. والجاذبية والقصور الذاتى سويا يحفظان القمر في مداره حول الأرض. وهكذا يتحرك القمر حول الأرض في مدار دائري تقريبا. وقد قدم نيوتن نظرية كاملة للكون ينطبق قانون الجاذبية على كل مكان فيه، بما في ذلك الأرض والكواكب والنجوم.وقد توصل للقوانين الثلاثة الرئيسية للحركة، القانون الأول (القصور الذاتي) “كل جسم يبقى على حالته من السكون أو الحركة إذا لم تؤثر عليه قوة أخرى”. القانون الثانى “يتناسب تغير الحركة مع القوة المؤثرة، ويكون في اتجاه تأثير تلك القوة” القانون الثالث “لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد في الاتجاه”.بقيت هناك عدة مشاكل أمام نيوتن، كيف تتماسك المادة؟ وماهو المبدأ وراء تماسكها؟ وهل قام فعلا بافتراض التجاذب عن بعد كتفسير للجاذبية؟ فالنظرة الميكانيكة للعالم تفترض أن الطبيعة تعمل مثل الآلة وليس ككائن حي. أحد الأسئلة المرتبطة التي أرقته هو أين تقع الروح أو النفس في العالم الذرى الميكانيكي؟ وفى النهاية، طرح السؤال عن دور الله فيما يتعلق بخلقه. فاذا كان الله هو المهندس الأعظم، فهل له دور إضافي بعد بناء وضبط آلة العالم في الحركة؟ وهل يمكن التعويل على قانون طبيعييتطلب تعديلا دوريا، وتأثيرا مستمرا من الخالق؟

قام جيمس أوشر (1581 – 1656)بحساب عمر الأرض من خلال تزمين الكتاب المقدس والذي عضده بمصادر أخرى. وفى عام 1650 أعلن أن بمقدوره تحديد موعد الخلق بدقة في يوم 23 أكتوبر عام 4004 قبل الميلاد، مما يجعل عمر الارض أقل من 6000 عاما. وأصبحت حسابات أوشر جزءا من النسخة الانجليزية المعتمدة للكتاب المقدس في عام 1701 وبقيت كذلك حتى عام 1950.

اكتشف ويليام هيرشيل الكوكب السابع “أورانوس”في عام 1781، وقد حسب الفلكيون مدار أورانوس باستخدام قوانين نيوتن للحركة والجاذبية كما وردت في كتاب المبادئ. لكن عندما تمت ملاحظة مداره فعلا وجرى قياسه بعناية، فإنه قد توافق مع تنبؤات نيوتن باستثناء تذبذب بسيط حوالى 1.5 دقيقة من دائرة المسار في عشرين عاما. وفى عام 1845، استخدم عالما الفلك النظريان، أوربان لو فيرير في فرنسا وجون كوش آدمز في انجلترا، قوانين نيوتن لحساب موضع وحجم الكوكب الجديد فيما وراء أورانوس،الذي تسبب في مثل هذا الانحراف،وطلب لو فيرير من الفلكي الالماني جوهان جال أن يبحث عن كوكب جديد في إحداثيات معينة في السماء. وعلى الفور في مساء اليوم الذي تلقى فيه تعليمات لو فيرير، يومي 23 سبتمبر 1846 تم اكتشاف نبتون. فيما بعد اكتُشفكوكب بلوتو في عام 1930 باستخدام نفس حسابات مدار نبتون.

لايوجد تطور أكثرإثارة ولا أكثر مغزى في العلم من علم الكون الحديث.  فماهو السؤال الأعظم الذي يمكننا طرحه عن كيف أتينا للوجود؟ ومن أين أتى الكون؟ كيف ولماذا توجد المجرات والنجوم والكواكب؟ماذا يعني هذا كله، اذا كان هناك من معنى؟

عندما سمع إنسان الكهف الأول، الهوموسابينس، الرعد في الجبال وتساءل عن نوع الحيوان الذي يصنع تلك الضوضاء، شرع في رحلة محاولة تفسير الكون. لقد حققنا الآن تقدما مدهشا، خاصة منذ أن استخدم جاليليو تليسكوبه لتفكيك مجرة درب التبانة إلى نجوم منفصلة. وقد تعلمنا ما تعلمناه عن الكون من الضوء،فغالبا يأتي ضوئنا الطبيعى كله من نجم قريب نسميه الشمس، سواء مباشرة أو بالانعكاس على القمر. كما يمكننا ان نرى بأعيننا آلاف قليلة من النجوم وخمسة كواكب أخرى تدور حول الشمس مثل الأرض. لكننا لم ننظر بإمعان حتى عام 1600. فلم نلحظ على سبيل المثال أن القمر له سطح غير مستو، وحاولنا تجاهل حقيقة أن الكواكب بالأحرى تتحرك جيئة وذهابا ثم تدور في دوائر مثل النجوم. ولذلك فقد طورنا علم فلك غيردقيق الذي زعم،لأسباب فلسفية أو دينية، أن كل الأجسام السماوية تتحرك في دوائر تامة، والتي بدورها تامة الاستدارة وجميعها تدور حول الأرض. تلك القاعدة الأخيرة كانت متبجحة بشكل واضح لأنها لم تضع الأرض فحسب، بل وضعت الإنسان أيضافي مركز الكون. وقد بنيت الديانات الغربية في أغلبها على فكرة انه ليس الإنسانفي المركز فحسب، بل أن مجمل الكون قد خلق من أجل الإنسان.

إن شخص امتقد الذكاء مثل بطليموس، الذي أدرك أن مواقع النجوم يمكن أن تستخدم في الملاحة، هو طور نماذج رياضية معقدة بلا جدوى للحفاظ على علم الفلك غير الدقيق هذا. واستمرت تلك العادة حتى كوبرنيكوس، الذي بالرغم من شجاعته في طرح نموذج للنظام الشمسي تكون فيه الشمس في المركز، إلاأنه ظل متمسكا بالمدارات الدائرية.وفى أقل من مائة عام، أزالت عبقرية كوبرنيكوس وكيبلر وجاليلو ونيوتن معظم الأساطير من علم الفلك. فالشمس أصبحت مجرد نجم، والنجوم أصبحت مجرد شموس أخرى، وتحكمت الجاذبية في سلوك الصخور والأقمار بقانون كوني واحد موحد.

وبحلول عصر نيوتن تم قبول فكرة لانهائية الكون وأنه يحتوى على عدد لا نهائى من النجوم. لكن ذلك أدى إلى مشاكل في الفيزياء. فكيف يمكن للمرء أن يتعامل مع مقدار لانهائى من الإشعاع أو الكتلة اللانهائيةبعد أن اكتشف جاليلو أن مجرة درب التبانة مجرد تجمع من النجوم ينتشر كقرص على مسافة شاسعة جدا؟ (وفقا للقياسات الحالية يبلغ عرضها حوالي 100,000 سنة ضوئية وتحتوى على 200 – 400 مليار نجم). وفي عام 1920 تمكن عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل من تحليل مجرات أخرى وتفكيكها إلى نجوم مستخدما تليسكوبا طوله 100 بوصة.

كان قياس المسافات إلى النجوم صعبا جدا، فثانية واحدة من دقيقة واحدة من درجة واحدة (فرسخ نجمي واحد) تقيس مسافة قدرها 3.26 سنة ضوئية. وهناك فقط إحدى عشر نجما، دون حساب الشمس ضمن عشرة سنوات ضوئية من الارض.وفى الفترة من عام 1908 الى عام 1912 حددت هنريتا ليفيت وجود علاقة بين كتلة النجم (وبالتالى كثافته المطلقة) ومعدل النبض لبعض النجوم تسمى النجوم القيفاوسية. وبقياس الكثافة المطلقة تمكننا من حساب مسافة النجم. فالنجوم القيفاوسية تنبض لانها نجوم كبيرة تتمدد بحرارتها وتنكمش بسبب جاذبيتها. ولأن معدل النبض يتناسب طرديا مع كثافتها المطلقة، بالمعايرة مع النجوم القريبة، يمكن استخدام تلك النجوم القيفاوسية في المجرات لقياس المسافات الأكثر بعدا.وبعد عقد من الزمن اكتشف هابل نجوم قيفاوسية في مجرات أخرى واستخدمت تلك المعلومات لحساب مسافة بُعد تلك المجرات عن الارض.

في عام 1915، قدم ألبرت أينشتين نظريته عن النسبية العامة التي قدمت تفسيرا للجاذبية وطرحت فكرة انحناء المكان، وهو الأثرالذي يمكن قياسه فقط في حالات الجاذبية الشديدة جدا، مثلما هو الحال بالقرب من النجوم، وهو ما فسر الاختلاف المعروف في مدار عطارد عما جرى حسابه بقانون نيوتن للجاذبية. لقد تم تأكيد صحة تلك النظرية بقياس إنحناء الضوء بجاذبية الشمس أثناء كسوف عام 1919. في النسبية العامة، المكان منحنى لكنه محدود (تذكر محيط الدائرة، ليس له حد لكنه مايزال محدودا). وتقول نظرية أينشتين أن المكان ثلاثي الابعاد منحنى – المفهوم الذي يصعب تخيله – وللوصول الى الصورة الصحيحة يجب علينا العمل فيزمانرباعيالأبعاد.مع ذلك، كان لدى نظرية النسبية العامة مشكلة، وهى أن شدة جذب الجاذبية لابد وأن تتسبب في انهيار الكون،مما دفع أينشتين لإضافة معامل أطلق عليه “الثابت الكونى”لتجنب حدوث ذلك. (فيما بعد قال أينشتين أن تلك كانت أكبر حماقة ارتكبها). لقد حلت النسبية العامة لاينشتين العديد من المشاكل وأصبحت مقبولة على نطاق واسع. وكنتيجة لتلك النظرية، كان كَون أينشتين ساكنا ومحدودا، وليس مثل كون نيوتن اللانهائى.

في عام 1914، قرر ميلفين سليبر (1875 – 1969) أن الأطياف الضوئية القادمة من المجرات بها إزاحة تجاه اللون الأحمر. كان تأثير دوبللر معروفا في الصوت، ونظيره في الضوء يعنى أن الازاحة الحمراء تحدث عندما تتحرك الأجسام مبتعدة عن بعضها بسرعة كبيرة. ومع ثبات سرعة الضوء عند تحرك جسم مبتعدا عن آخر، فإن الحدود القصوى والدنيا لموجة الضوء تصل غالبا بقيمة أقل مما يسبب نقصا في التردد، وهكذا يتحرك الضوء باتجاه النهاية الحمراء من الطيف. (ستكون ازاحة خضراء اذا كان الجسمان يتحركان تجاه بعضهما). اذا كان مصدر الطيف (نجما ينتج طيف الهيدروجين) يتحرك مبتعدا بسرعة كبيرة، فكل حد أقصى للموجة يكون منبعث على مسافة أبعد من الملاحظ. وهذا يعنى أن الحالات التي تصل بها الموجات للمراقبأقل كثيرا مما كانت منبعثة. وبالتالى فالاشعاع الواصل له تردد أقل. وإذا كان ضوءا مرئيا، سيكون مزاحا تجاه النهاية الحمراء من الطيف. (في الطيف المرئي، الأعلى ترددا – الضوء ذو الموجة الأقصر هو البنفسجي، والأقل ترددا – الضوء الأطول طول موجى هو الأحمر). في المثال السابق، الأطوال الموجية لخطوط الهيدروجين، كلها مزاحة تجاه اللون الأحمر تشير إلى أن عنقود المجرات الفائق يتحرك مبتعدا عنا بسرعة 0.07 من سرعة الضوء.

كان إدوين هابل (1889 – 1953) يعمل على تصنيف المجرات عندما لاحظ أن اطياف الضوء القادمة من كل مجرة كانت بها ازاحة حمراء. وهذا قد يكون صحيحا فقط إذا كانت كل مجرة تتحرك مبتعدة عن كل مجرة أخرى. (فكر في وضع مجموعة نقاط على بالون ثم قم بنفخ البالون. كلما تمدد البالون، تصبح كل نقطة أبعد عن كل نقطة أخرى). في عام 1929، افترض هابل أن الكون يتمدد بناء على تلك البيانات،ويتحدد مدى الازاحة الحمراءبسرعة ابتعاد الجسمين عن بعضهما. ولذلك، فمن الممكن معرفة سرعة ابتعاد المجرة بتحديد إزاحتها الحمراء ومسافة بعدها عنا بقياس النجوم القيفاوسية التي تضمها. بالاستقراء نحو الماضييمكننا تحديد أن كل المجرات القابلة للقياس الآن كانت ذات يوم في نفس الموضع.

حسابات هابل الأولية أعطت للكون عمرا من 1 إلى 2 مليار سنة. إلاأن عمر الكون، ومع البيانات الأكثر جودة التي تم جمعها في الثمانين عاما الماضية، يحدد حاليا بأنه 13.7 مليار سنة.

في عام 1931 أصدر جيورجيس لوميتر (1894 – 1966)، بحثا افترض فيه وجود ذرة بدائية واحدة هيالتي انفجرت لتكوين كل تلك المجرات. لكن هل سيتمدد الكون دائما؟ وإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن يكون هناك مكان لانهائى يتمدد فيه. وفى عام 1932، قام جان أورت بحساب الكتلة المطلوبة للجاذبية لجعل الكون يتوقف عن التمدد ومن ثم ينهارفي نهاية المطاف. وقد وجد أنه يجب ان توجد كتلة اضافية على الأقل مساوية للكتلة التي يمكن رصدها. وافترض أنه يجب أن يكون هناك دور كبير لنوع من المادة، أطلق عليها “المادة السوداء”تمثل الكتلة التي لانستطيع رؤيتها. (نحن الآن نقدر أن المادة السوداء تشكل 90% من كتلة الكون، وأحد أهداف تليسكوب هابل الاولية كانت ايجاد المادة السوداء).

كان فريد هويل (1915 – 2001) ناقدا بارزا لفكرة لوميتر الخاصة بأن الكون بدأ من نقطة واحدة، لكنه بشكل غير مقصود أعطى النظرية الاسم الجذاب “الانفجار العظيم” بينما كان يسخر منها في أحد برامج الراديو. وفى عام 1948 تم تقديم مقترح نموذج كان فيه الكون في البداية مركزا في نقطة واحدة بدرجة حرارة عالية جدا لا تسمح حتى بوجود الذرات. وبينما تمدد الكون وبرد، نشأتالجسيمات والذرات في نهاية المطاف. ولو كان هذا النموذجصحيحا فلابد وأن يكون هناك بالفعل إشعاع (قصير الموجة) في الخلفية بدرجة حرارة الكون، والتي تقدر بحوالي 5 درجات كلفن. وفى عام 1964، تم اكتشاف إشعاع الخلفية قصير المدى والذى يمكننا الآن قياسه في جميع الاتجاهات. كانت درجة الحرارة الفعلية حوالى 2.7 كلفن، وهو ما يمثل اتفاقا رائعا مع النظرية.

صور ستيفن واينبرج (1933 – ……..)، الامريكى الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، الانفجار العظيم في كتابه الممتاز: الثلاث دقائق الأولى (عام 1977). ومايلى هو موجز للفصل الخامس:-

  • البدء عند الزمن صفر ودرجة الحرارة لانهائية، بعد حوالى 0.01 ثانية تصبح الحرارة 10 11 كلفن. هناك فقط عدد قليل من الجسيمات النووية مقارنة بالفوتونات والالكترونات والنيوترونات
  • بعد 0.11 ثانية تصبح  درجة الحرارة 3 × 10 10  كلفن والنيوترونات يمكن أن تتحول إلى  بروتونات
  • بعد 1.09 ثانية تصبح درجة الحرارة 10 10 كلفن ويكون لدينا معظم البروتونات ضمن الجسيمات النووية. مايزال الكون ساخنا جدا على تشكيل الأنوية.
  • بعد 13.82 ثانية تصبح درجة الحرارة 3 × 10 9 كلفن لتبدأ الالكترونات والبوزيترونات في الاختفاء. يمكن أن تتشكل الأنوية. وتتكون نظائر الهيدروجين والهيليوم.
  • بعد 3 دقائق و 46 ثانية، تصبح درجة الحرارة 10 9 كلفن تتشكل أنوية الديوتريوم لكن لا زالت مبتعدة عن بعضها. لكن فور أن تصل درجة الحرارة إلى النقطة التي يتماسك فيها الديوتيريوم تتشكل انوية أكبر.
  • بعد 34 دقيقة و 40 ثانية تصبح درجة الحرارة 3 × 10 8 كلفن، ينتهي تلاشى الإلكترون – البوزيترون وتصبح هناك وفرة من الإلكترونات لمعادلة شحنة البروتونات. يستمر التبريد لمدة 700.000 سنة وعندها تبدأ الذرات في التشكل. عند تلك النقطة، تتكثف المادة ويمكن تخليق النجوم والمجرات.
  • بعد 13.7 مليار سنة نبدأ في محاولة حساب ذلك.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الخلايا الجذعية… مستقبل الطب على صناع القرار السياسي والمشرعين ضرورة التعاون مع مراكز الأبحاث المتخصصة ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل التوافق على وضع الضوابط والمعايير التي تنظم أبحاث الخلايا الجذعية. ونقترح على المجتمع العلمي بضرورة إنشاء (هيئة دولية لأبحاث الخلايا الجذعية) برعاية الأمم المتحدة.

أيمن أحمد عياد

العلم … والثورة

أيمن أحمد عياد