حمام سخن السينما البديلة .. والتحرر من سيطرة راس المال

فنون, قضايا

01  أكتوبر  2017

السينما البديلة هو المصطلح الذي أراه أكثر تعبيرا عن الأفلام التي تسعى للخروج عن دائرة السينما السائدة بمنظومتها الإنتاجية والتسويقية بصورتها الحالية والتي غرقت في النمطية إلى حد بدأ يهدد استمرارها وقد تشهد العقود القادمة انهيار تام لتلك المنظومة التي يسيطر عليها رأس المال ونظريات التسويق الغبية التي لا تهتم بالقيمة الفنية لحساب الجني السريع للأرباح حتى أصبحت ميزانيات الدعاية وأجور النجوم أكبر من ميزانية الأعمال الفنية ذاتها مما ينتج في النهاية سلعة وهمية لن تصمد مع مرور الزمن ويزيد على هذا الوضع البائس في حالة السينما المصريه سيطرة المفاهيم المتخلفه للدوله القمعية وتعدد مستويات الرقابة وانسداد الافق أمام أي تجارب سينمائية مهمة تصدر فن ووعي حقيقي للجمهور

ولا يروق لي مصطلح السينما المستقله كثيرا التي يروق لمنظريها وضعها أمام مصطلح السينما التجارية وهو تصور غير دقيق لأن كل السينما تجارية حسب التعريف المتداول للسينما أنها فن وصناعه و تجاره ومع انتشار موجة أفلام ما عرف بالسينما المستقله التي ظهرت بقوة مع بداية الألفية الثالثه أصبحت أشك في مدى الاستقلالية الفعلية لتلك الأفلام وهو موضوع يحتاج إلى دراسة مطولة تشمل تحليل مضمون تلك الأفلام ومصادر تمويلها ومدى تأثير التمويل في اختيار الأفكار والتيمات المكررة والمتشابهة في كثير من الأعمال الفنية.

السينما البديلة هي التي تسعى للاستقلال الفعلي عن النمط السائد وتسعى إلى جمهورها المصدر الطبيعي لتمويلها واستمرارها و فق قاعدة الاحترام المتبادل بين المبدع والجمهور مما يقصي مفهوم الجمهور عاوز كده و كذلك مفهوم أنا مايهمنيش الجمهور.

أتعامل مع مشاريع أفلام ما أطلق عليه مؤخرا السينما المستقله باهتمام وحماس ورغبة داخلية مني في المشاركه بأي قدر إذا شعرت بجدية التجربه وخروجها عن نوعية أفلام السينما للسينمائيين السينما التي لا يراها سوى صناعها وبعض الأصدقاء ولدي حساسية مفرطة تجاه “صائدي الجوائز” من يرون الجائزة والمشاركة في المهرجانات قبل الفيلم نفسه باختصار لا أريد التورط في أي سينما تتعالى على الجمهور وتعتبره مكون هامشي في عملية الإبداع ولكن يظل الحنيين يراودني لعمل أفلام خارج إطار المنظومة السائدة للانتاج السينمائي في مصر وأجد ضالتي أحيانا في تجارب الزملاء والأصدقاء حينما أشعر بصدق ما يريدون تقديمه

علاقتي بفيلم “حمام سخن” بدأت عندما حكت لي الزميله والصديقه منال خالد عن فيلمها الأول الذي بدأته و توقفت ليس لأسباب إنتاجية صعبة فقط  – كل من يعمل في هذا المجال يعلمها جيدا – ولكن أيضا لخصوصية الفيلم وخصوصية التجربه التي ارتبطت بدايتها مع ال 18 يوم الحلم الذي عشناه جميعا في قلب الحدث نحن أبناء جيل التسعينات الذي ارتبط بحلم التغيير ودابت كعوب رجليه في المظاهرات وكل الفعاليات مهما تضائل حجمها على مدار سنوات طويلة قبل ثورة يناير.

لم التقي بمنال خالد و رشا عزب من قبل في أي تجربه سينمائيه ولكننا وجوه مألوفه ومريحة و مطمأنه لبعضنا البعض كلما التقينا في الأحداث السياسية الهامة وكل اللجان الشعبيه وحركات التغيير ومسيرات التضامن – كلنا علقة من قوات الأمن احنا التلاته في قرية سراندو في البحيرة عام 2005 “اثناء التضامن مع فلاحين الاصلاح الزراعي بعد استشهاد” نفيسه المراكبي ” من جراء التعذيب في مركز الشرطه الفلاحه المصرية ذات الثلاثين عاما و ام لستة ابناء ماتت دفاعا عن قوت أولادها و لم يحاسب الجناة حتى الان.

لو كان تم محاسبة قتلة نفيسه المراكبي بعد ثورة يناير كانت الثورة ستنتصر و لكن ذلك لم يحدث.

لم تنتصر الثورة و لم تكمل منال خالد فيلمها الذي ولد مع الثورة في شوارعها الخلفية حيث التقت بهؤلاء الذين لم نراهم في المشهد الرئيسي ولكنهم كانوا في أماكنهم ينتظرون ويتابعون شاشات التلفزيون لم يتوقع أحد منهم أن يقتحم ترقبهم وخوفهم وربما يأسهم  من كانوا هناك في قلب الميدان الفسيح .. بحثا عن مخبأ او ملاذ في حضن من يحلمون لهم بالعيش والحريه والكرامة الإنسانية و العدالة الاجتماعية.

في وهج الثورة استطاعت منال خالد إنجاز حكايتها الأولى – الفيلم ثلاث حكايات – ليس هي فقط تم انجاز عدد كبير من الأفلام مرتبطة بالحدث وقتها بعضها لم يكن بعيد عن ركوب الموجة و استغلال الثورة او التبرؤ السريع من النظام الذي بدا أنه سقط في تلك المرحلة وهم أنفسهم الذين قفزوا بعيدا و بنفس السرعة في أحضان الثورة المضادةولو كان في استطاعتهم إعدام هذه الأفلام من سجلاتهم لفعلوها  لكنها مهمة سوف تقوم بها الجماهير ذات يوم.

في لحظة الارتباك و القفز من المركب وقبل أن نرى بأعيننا التراجع والتشتت استطاعت منال خالد أن تبدأ الحكاية الثانية في وقت لم يريد أحد أن يسمع أو يرى أو حتى يستعيد ماحدث في الذاكرة وظلت حكايتها الثالثة حبيسه لم ترى النور وتوقفت تماما مع هزيمة الثورة.

هنا بدأت علاقتي الفعلية بالفيلم عبر المساهمة بالإشراف على إنتاج الجزء المتبقي من الفيلم لتخفيف العبء قليلا عن زميلة وصديقة و رفيقة كفاح.

هل يريد أحد أن يتورط في إنتاج فيلم أو بالأحرى استكمال فيلم له علاقة ما بالثورة الان .. وهناك من يسعى بقوة ومعه الة اعلامية جبارة لمحو الثورة من الذاكرة إن استطاع بعد أن أممت الثورة المضادة كل المنافذ الإعلاميه ودخلنا مرحلة الإرشاد القومي والصوت الواحد فلا صوت يعلو فوق صوت الطنطنة والهذيان الهستيري بأمجاد الزعيم و المشروعات العملاق؟

الإجابه لا أحد ..  شركات الإنتاج لن تتجرأ حتى لو كان فيلم منخفض التكاليف وحتى لو كانت تلك الشركات التي تدعي مساندتها لسينما مختلفة عن تلك التي فرضت علينا في السنوات الأخيرة السينما النمطية المستهلكة بكل نجومها ومؤلفيها ومخرجيها ولكن الاختلاف من وجهة نظر هؤلاء هو في موضوعات شديدة الخصوصية والغرابه والذاتية ولكن لا تحدثني عن الثورة.

عانت كثيرا منتجة و مخرجة الفيلم في رحلة البحث عن من يساندها في استكمال الفيلم سمعت كل الأعذار التي تساق في مثل هذه التجارب من يرفض بوضوح و من يرفض ولا يريد أن يبدو كأنه يرفض ووصلت إلى حافة اليأس ومرارة يعرفها جيدا صناع الافلام – ما تستطيع ان تتحمل فشل فيلمك ولكنك لا تستطيع أبدا تحمل عدم اكتماله -وظل دعم الأصدقاء المعنوي هو ما صنع بعض التوازن والعود للمحاولة مرة أخرى والبحث عن طرق الانتاج البديلة ولم تكن المهمة سهلة على أي الاحوال و لكنها ليست مستحيلة.

 المدهش هو الحماس الشديد لكل من شارك في هذا الفيلم في الجزء الذي تم إنجازه ومعظمهم لم يتقاضوا أي اجور نظير عملهم وإصرارهم على استكمال التجربه ذلك الإصرار الذي صنع الحاجز الحقيقي بين مخرجة الفيلم وحالة اليأس التي كادت أن تصل اليها وانضم عدد اخر من الشباب كانو بمثابة رئة جديدة لكي يتنفس هذا المشروع ودشنوا حملة نشيطة على السوشيال ميديا عبر مجهود منظم ورائع اتى ثماره في الأيام الماضية مع بداية حملة التمويل الفردي للفيلم عبر موقع اندجوجو ونجاح أول فعالية لدعم الفيلم من الأفراد في أحد المطاعم بمنطقة وسط القاهرة بمشاركة كل صناع الفيلم والداعمين والمتعاطفين و الأصدقاء.

اراد البعض أن يدفع الفيلم في اتجاه السينما النسوية نظرا لأن مخرجة ومنتجة العمل سيدة والمؤلفة كذلك وجميع الممثلين نساء باستثناء ممثل واحد بطل الحكايه الأولى ونظرا لأن الحاله في مجملها هي تجربة نسائية حقيقية حدثت في أيام الثورة وكان هذا الاتجاه لأسباب عديدة بعضها هربا من الحديث بشكل مباشر عن الثورة حتى لا يدخل الفيلم دائرة النفي والمنع من البداية وبعضها لأهداف تسويقية لكسب مزيد من التعاطف والتشجيع للفيلم في دوائر معنية أكثر بقضايا المرأة ونضالاتها وقد يكون ذلك صحيح ويضفي بعض التفرد للتجربه ولكن هذا ليس كل شئ الفيلم تعبير حقيقي وصادق عن تجارب شخصية حدثت أثناء الثورة ولكنها أبعد من كون بطلاتها نساء.

وحينما نراها الان من مسافة أبعد وبعد كل المرارات التي عشناها سنرى أنفسنا جميعا سنرى ما تبقى من الثورة فينا وربما ندرك أننا بحاجة إلى حمام سخن لاستعادة ذاكراتنا الثورية والإفاقة من أوهام التصنيفات والمزايدة من ناضل أكثر من الآخر الرجال أم النساء القوى المدنية أم الاسلامية.

حمام سخن لنفض طبقات تكلست فوق الجلود من التخوين والاستبعاد والعيش في الماضي ولا أحد يريد أن يتقدم خطوة للأمام في اتجاه الاخر.

 حمام سخن فيلم يموله الآن الجمهور الذي سوف يراه مكتملا ذات يوم على الشاشه ودعم تجربة حمام سخن ضرورة لخلق تيار السينما البديلة  ودعم كل الأفلام التي تخرج من حكايات الناس اللي بنشوفهم كل يوم بالملايين ليس بالضرورة أن يكون تاجر مخدرات أو بلطجي وكذلك ليس بالضرورة أن يكون مريض سرطان أو يعاني من أزمات وجودية وكلها أفلام نقدر جهود صانعيها ولكنها دفعت بالسينما بعيدا إلى الأطراف وأصبحنا نرى حياة الناس مملة و مفيهاش دراما فأصبح الناس يرون السينما إما سطحية و تافهة أو متعالية وغير معبرة عن حياة و مجتمع مجرد العيش فيه هو بطولة في حد ذاته.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ماذا في الفراغ الرقمي؟ (1) يمكننا ملاحظة أن التكنولوجيا استخدمت دائما في أماكن العمل في أغراض القياس والتسجيل والمراقبة، بوصفها وسائل لتعظيم خلق القيمة وانتزاعها. ولكن في أحيان كثيرة يرى المعلقون، سواء من داخل التيار الماركسي أو من خارجه، أن التقنية الرقمية تمثل شكلا مميزا من الابتكار، وقد أسفرت عن نتائج مختلفة كيفيا في عالم العمل وخلق القيمة. فهل تختلف الرقمنة عن الأشكال الأخرى من الابتكار التكنولوجي؟ وحتى نصل إلى الإجابة، علينا أولا استعراض تاريخ التكنولوجيا نفسها.

مارتن ابتشيرتش

حروب الإجهاض بات على المشاركين في الحملات المؤيدة للإجهاض العودة باستمرار إلى الحجة الرئيسية وهي أن أي سياسي أو طبيب أو صاحب أيديولوجية، يخبر المرأة بضرورة الحفاظ على حملها غير المرغوب فيه، يتصرف على نحو يتعارض مع حقوق المرأة. لا يمكن التغاضي هذا الطرح باعتباره تقدميا أبدا.

جوديث أور

أزمات الرأسمالية الديمقراطية إن الشكوك بأن الرأسمالية والديمقراطية لا يمكن الجمع بينهما بسهولة ليست جديدة على الإطلاق. فمنذ القرن التاسع العشر، وكذلك في القرن العشرين، كانت البرجوازية وقوى اليمين السياسي تخشيان من أن حكم الأغلبية، الذي بدوره سيرسي حكم الفقراء على الأغنياء، سيقتلع الملكية الخاصة ويتخلَّص من الأسواق الحرة.

وولفجانج ستريك

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

مائدة مستديرة: “30 يونيو” بعد أربع سنوات تقدم "بالأحمر" أعمال المائدة المستديرة التي عقدتها بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لـ30 يونيو 2013، والتي حاولنا فيها النظر من عدة زوايا للحدث الذي مثل تحولا لمجرى الأحداث في مصر. وإذ شهد اللقاء نقاشا ثريا بين مختلف وجهات النظر، فإننا نأمل أن يسهم نشرنا لأعمال المائدة المستديرة في استكمال هذا النقاش.