ماذا يحدث في أسبانيا؟

قضايا

29  سبتمبر  2017

*ترجمة لبيان اليسار الثوري الاسباني حول استفتاء انفصال كتالونيا والموقف منه.. نشر البيان بالانجليزية في الثامن عشر من سبتمبر على موقع

“عالم اشتراكي”

في الحادي عشر من سبتمبر تدفق حوالي مليون شخص للتظاهر في شوارع برشلونة مرددين بصوت ‏جهور وواضح اصرارهم على التصويت في استفتاء الاول من أكتوبر، معلنين بلا لبس أنهم لن يسمحوا ‏للحزب الحاكم (حزب الشعب) أن يحرمهم من هذا الحق.
ومرة أخرى، مثلما أصبح معتادا منذ 2012، يشهد اليوم القومي لكتالونيا مطالبة الكتالونيين بحقوقهم في ‏أن يحددوا بشكل ديموقراطي طبيعة الروابط التى يريدون الابقاء عليها مع باقي الدولة الاسبانية بما في ‏ذلك حقهم الشرعي في الانفصال
ولكن في مواجهة هذه التظاهرة الداعمة لحق تقرير المصير، وهو الحق الذي تؤيده الغالبية العظمى ‏من الشعب الكتالوني (كما تؤكد استطلاعات الرأي)، وتدعمه أعداد متزايدة من المواطنين الاسبان ‏بشكل عام، قررت حكومة حزب الشعب والبرجوازية الاسبانية استخدام اجراءات قمعية لم تشهدها ‏البلاد منذ عهد الدكتاتور فرانكو، متمثلة في غارات بوليسية وتحرش مستمر ضد الصحافة، وتدخل من ‏القضاء لمنع فاعلية سياسية حول حق الاختيارفي مدريد، وفرض رقابة على الأخبار بمنع ‏القناة الثالثة الكتالونية من إذاعة محتوى حول الاستفتاء.‏
وقد أخذت الهجمة خطوات غير مسبوقة، ليس ضد حرية التعبير والتجمع فحسب، وإنما فُرض الحصار القضائي ‏والأمنى للسيطرة على رؤساء البلديات الذين تعهدوا بتقديم الدعم للاستفتاء من خلال تجهيز المرافق ‏المحلية لإجرائه، وأصدرت النيابة العامة في كتالونيا طلبا من النيابة العامة الاسبانية يأمر الحرس ‏المدني الكتالوني بتحديد مواقع صناديق الاقتراع ومصادرتها، وهي تدخلات تعكس استخداما مباشرا لأجهزة الدولة ‏في محاولة هزيمة إرادة الملايين من الكتالونيين بالقوة. بل أن منديز دي فيغو، المتحدث باسم الحكومة ‏الاسبانية، هدد المتطوعين الذين يساعدون في تنظيم الاستفتاء بالسجن قائلا:” أنتم تعلمون أنكم تشاركون ‏في عمل إجرامي”.‏
كل هذا القمع المتصاعد الذي تؤيده النزعة القومية الإسبانية وحزب الشعب وحزب المواطنون، ‏وللأسف، قيادات حزب العمال الاشتراكي (الاشتراكي الديموقراطي)، قد يؤدي إلى تعليق الحكومة ‏والبرلمان في كتالونيا، ومن ثم تعليق الحكم الذاني، إذا ما قرر ماريانو ‏راجوى رئيس الوزراء وزعيم حزب الشعب في نهاية المطاف  استخدام المادة 155 من الدستور. إن ما نشهده اليوم هو تطبيق استراتيجية ‏تم استدعاؤها حرفيا من دليل دكتاتورية فرانكو القديمة. هذه ليست أقوال مرسلة للدعاية والتحريض، ‏فالوقائع تكشف عن الطابع الحقيقي للدولة الاسبانية بجيشها وقضائها وقوانينها كجزء من إرث فرانكو.‏
أسباب الحركة وموقف اليسار البرلماني
بعيدا عن مناورات تشارلز بوغدمون حاكم أقليم كتالونيا أو الدعم البرلماني الذي يحظى به من قبل ‏حزب اليسار الجمهوري في كتالونيا أو حزب الوحدة الشعبية الكتالوني، فإن الوقود الحقيقي الذي يغذي ‏‏”العملية”، هو الغضب المتصاعد لدى ملايين العمال والشباب وقطاع واسع من الطبقات الوسطى في ‏المجتمع. لقد سئموا رؤية الأحلام والحقوق الديمقراطية الوطنية تُهدر باستمرار من قبل الحكومة ‏المركزية ومؤسسات الدولة الإسبانية، كما ملوا من إنكار حقهم في تقرير مصيرهم هذه المرة وغيرها، ‏ومن التراجع المتوحش في مستوى معيشتهم ومعيشة مجتمعاتهم المحلية طوال السنوات التسع للأزمة ‏الرأسمالية. حاليا انخفض متوسط دخل العائلات الكتالونية بحوالي 20% وطال الفقر واحدا ‏من كل ثلاثة أطفال تحت سن الثامنة عشر.‏
وبينما يملأ حفنة من الأشخاص الطفيليين والفاسدين جيوبهم بالثروات، أصبحت سياسات التقشف ‏وتخفيض الموازنة وظروف العمل الهشة وانخفاض الاجور وانعدام الأمل لدى الشباب مظهرا أساسيا ‏من مظاهر المشهد الاجتماعي في أسبانيا. لهذا السبب، وعلى الرغم من أن الدولة قد تحشد جميع ‏سلطاتها القمعية وتسعى لمنع استخدام صناديق الاقتراع واجراء الاستفتاء، فإن الغضب والإضطرابات ‏الاجتماعية في مواجهة القمع القومي والاجتماعي سيزيدان دون شك.‏
القول بأن استفتاء الأول من أكتوبر هو بمثابة “انقلاب” وفرض لإرادة قطاع محدود على باقي سكان ‏الإقليم هو أكذوبة كبرى يروجها الإعلام نيابة عن البرجوازية، وهي في الواقع كذبة ‏ساذجة أيضا. فلو أن الدولة وحزب الشعب وباقي الأحزاب الداعمة لهما متأكدون من أن أنصار ‏الاستقلال أقليه، فلماذا لا يرتضون اللجوء لصناديق الاقتراع؟ لماذا يمنعون التصويت؟ لماذا ‏يعتبرون أن الاحتكام للصناديق أمر مقبول في فنزويلا ولكنه ليس كذلك في كتالونيا؟ فمن لا يؤيد ‏الاستفتاء يمكنه أن يمتنع عن التصويت أو يصوت ضده. ‏
السبب وراء هذا الموقف من الاستفتاء هو أن اليمين والدولة يريدان إنكار حق الأغلبية: وهو أن للكتالونيين الحق في تقرير مصيرهم، وأن كتالونيا لها الحق في أن تصبح دولة. هذا الموقف من ‏قبل الدولة واليمين ليس أكثر من استمرار للخط السياسي الذي طالما اتبعته البرجوازية الاسبانية جنبا ‏إلى جنب مع الدولة المركزية في معظم المناسبات بسحق الطموحات الوطنية الديموقراطية لكتالونيا ‏وإقليم الباسك وإقليم غاليسيا بقبضة عسكرية، وهو ما حدث في ظل دكتاتورية فرانكو. منذ أن بدأ ‏‏”التحول الديموقراطي” لم تتحقق أي انفراجة في الحقوق إلا كنتاج للتحرك الجماهيري.‏
في هذا السياق ربطت قيادة الحزب الاشتراكي الأسباني، وعلى رأسها بيدرو سانشيز، موقفها بخط حزب ‏الشعب في “الدفاع عن حكم القانون”. فقد أمر الحزب رؤساء البلديات المنتمين لفرع الحزب في ‏كتالونيا بأن يتبنوا موقفا مخالفا لمواطنيهم ويطيعون الدولة. وهكذا أصبحت قيادات الحزب الاشتراكي ‏‏(جنبا إلى جنب مع مجموعة من المثقفين الذين يصفون انفسهم باليساريين أو التقدميين) تقف جنبا إلى جنب ‏مع الجوقة التى تروج لرئيس الوزراء ماريانو راخوي  مستخدمين الحجج “الفخيمة” التى تروجها قناة ‏NODO‏ (القناة الاخبارية التى استخدمتها دكتاتورية فرانكو لصبغ صورة وردية عن الأوضاع في ‏اسبانيا). ‏
إن مقارنة تدخل كارمي فوركاديل رئيسة البرلمان الكتالوني للسماح للدائرة الكتالونية بالتصويت على ‏القانون الذي يدعو للاستفتاء بالانقلاب اليمينى في 23 فبراير 1981 بما فعلت المودينا جرانديس ‏‏(الأكاديمية اليسارية وكاتبة مقال بجرنال البايس) هو فقدان كامل للبوصلة السياسية. الحديث عن ‏‏”فرض الرأي” و”الصفعة في وجه الديموقراطية” وأمور أخرى من هذا القبيل إنما تعكس إلى أي مدى ‏يمكن للمرء أن يتخذ مواقف خاطئة عندما يهجر المنظور الطبقى المعادي للرأسمالية وهو يتعامل مع ‏المسألة الوطنية.‏
الملايين من الناس في كتالونيا وخارجها كانوا يأملون أن تقف قيادة بوديموس بابلو اجلاسيوس وأدا ‏كولاو على رأس النضال ضد الدولة ومن أجل الدفاع عن حق الاختيار. قبل الصيف وعد بابلو ‏اجلاسيوس بأن يواجه الحكومة إذا ما حاولت منع اجراء الاستفتاء. ومع ذلك، وبدلا من الالتزام بوعده، ‏يستمر هو وأدا كاولاو في التأكيد على أن الاستفتاء يجب أن يكون “اتفاقا ملزما”. ولكن اتفاق مع من؟ ‏مع نفس الدولة التى منعت فاعليات سياسية وفرضت رقابة على الاعلام وهددت قيادات سياسية بالسجن ‏بتهمة تجهيز صناديق اقتراع ليتمكن الناس من التصويت؟ ومن سيضمن ان يكون الاتفاق ملزما؟ ‏راخوي رئيس الوزراء، أم نائبته سورايا ساينز دي سانتاماريا أم باقي ممثلي حزب الشعب الفاسدين، ‏ورثة فرانكو وداعمي التلاعب بالقانون؟ أم ربما العائلة المالكة والبرجوازية؟ أي نفس الاشخاص الذين ‏يبيعون السلاح للأنظمة الرجعبة التى تدعم الإرهاب الجهادي، الذين يحققون الثروات من خلال دعم ‏الحروب الامبريالية، وإغلاق  الشركات ونهب الخزينة العامة؟
إن غياب قيادات بوديموس عن النضال المستمر ضد قمع الدولة قد تسبب في إرباك أعضاء الحزب ‏وبخاصة في كتالونيا. وقد عبر البرتو دانتى فاتشين الأمين العام للحزب في كتالونيا عن دفاعه عن التحرك ‏الجماهيري في الشوارع من أجل الدفاع عن حق تقرير المصير في الأول من أكتوبر، وباتخاذه هذا ‏الموقف يبعد فاتشين نفسه عن التصريحات الصادرة ضد الاستفتاء من قبل المتحدث البرلماني باسم ‏تحالف كتالونيا “نعم نستطيع” (تحالف يساري يضم بوديموس وعدد من الأحزاب والحركات اليسارية في ‏الإقليم) الذي يدعمه اليمين. وذكر فاتشين الناس بأن أصول حزب بوديموس وقوته جاءا من الحراك ‏الجماهيري في الشوارع وليس من خلال الاستسلام للمؤسسات، وقد كان صائبا في قوله مئة بالمئة.‏
موقف زعماء بوديموس وكاتالونيا أون كومو [كاتالونيا مشتركة] الغامضة والمرتبكة تصبح غير مقبولة ‏أكثر عندما  ننظر إلى خبرات حركة الخامس عشر من مايو و الهيئة العامة للإسكان (حركة مناهضة ‏الإخلاء). هل سعت حركة الخامس عشر من مايو إلى التوصل إلى اتفاق عبر القنوات المؤسسية أو ‏حتى احترمتها عندما قامت نفس الدولة، التى تحاول اليوم منع الاستفتاء، بتجريم التظاهرات واحتلال ‏المواقع؟ بالطبع لم تفعل! لقد استندت إلى تعبئة الجماهير وتحدت جميع المحاولات لتضييق الخناق ‏عليها. وهذا ما حقق  لبابلو اجليسياس (الأمين العام لبوديموس) ولحركة “نستطيع” نفسها وأدا كولو ‏احترام واعتراف الملايين من الناس. هل نسيت أدا كولو (إحدى الاعضاء المؤسسين والمتحدثين باسم ‏منبر المضارين من الرهون العقارية وعمدة بارشلونا) كيف أن الذين كانوا يهاجمونها، لأنها أعطت أولوية أكبر للدفاع عن الحقوق الديموقراطية والاجتماعية للاغلبية عن الدفاع عن الملكية والقانون واحترام ‏الدولة، هم نفس الناس الذين يهاجمون الاستفتاء اليوم؟
في نهاية المطاف كان الضغط من أسفل قويا إلى الحد الذي أجبر أدا كولو على التعهد بأن المجالس ‏المحلية ستجعل الساحات العامة مفتوحة في برشلونة لأولئك الذين يرغبون في ممارسة حقهم في ‏التصويت ليتمكنوا من القيام بذلك. وقد حدث نفس الشيء مع قواعد حركة كاتالونيا أون كومو ‏حيث أعلنت مجموعة كبيرة أنها مع حق المشاركة في الاستفتاء.‏
من أجل حشد جماهيري للفوز بالحق في  التصويت وفي مواجهة قمع الدولة!‏
تظل البرجوازية الاسبانية وحزب الشعب، على الرغم من كل الموارد المتوفرة لديهما، شديدي الضعف ‏كما ثبت عجزهما عن تنظيم أي نوع من الحشد “دفاعا عن وحدة اسبانيا” لا في كتالونيا ولا في أى ‏مكان آخر في أسبانيا.‏
هذا الضعف هو ما يدفع قطاعات من حزب الشعب وحزب المواطنين والسيرك الاعلامي المنصوب ‏حولهما وعدد ليس قليل من العناصر الرجعية والقوميين الاسبانيين داخل الحزب الاشتراكي الاسباني ‏من أمثال ألفونزو جيرا إلى المطالبة بتطبيق المادة 155 من الدستور، التى تسمح بتجميد الحكم الذاتي ‏لكتالونيا. أعضاء مختلفون من الحكومة أكدوا أنهم حتى اللحظة لا يفكرون في هذا الخيار ولكنهم لم ‏يستبعدوه، ومع ذلك فإن تطبيق هذه المادة سيمثل قفزة نوعية وسيكون له عواقب لا يمكن توقعها.‏
إن استخدام المادة 155 لن يعكس ظهورا جديدا للطابع الرجعي المعادي للديموقراطية للدستور ‏الملكي الاسباني لعام 1978 فحسب، ولكن تجاوزا كبيرا سؤدي إلى قمع عنيف. وحدهم الرجعيون المتطرفون ‏إلى حد الجنون هم من قد يغفلوا حقيقة أن مناورة كهذه من قبل الحكومة قد تطلق العنان لانفجار ‏اجتماعي في كتالونيا ولدخول الحركة العمالية إلى المشهد لمقاومة مثل هذا القمع الغاشم. سيكون من ‏الصعب الآن منع اجراء الاستفتاء بدون التضحية بمكسب ديموقراطي حققته الحركة الجماهيرية ‏الواسعة في السبعينات من القرن الماضي ضد الدكتاتورية وهو حراك محفور في الذاكرة الجماعية ‏للمجتمع الاسباني. ‏
في هذه الظروف سيكون من الصعب جدا منع إضراب عام في كتالونيا، كما ان الإجراء قد يؤدي إلى ‏تحركات جماهيرية واسعة في باقي الدولة. سيتزعم اتحاد الطلبة الدعوة إلى احتلال المدارس الثانوية ‏والجامعات داعيا لاضراب عام مفتوح في قطاع التعليم حتى تنهزم هجمة الدولة على الحق في ‏الاختيار. ‏
القطاعات الأبعد رؤية داخل البرجوازية الكتالونية والاسبانية والاوروبية تدرك هذا الخطر ولهذا ‏تستمر في مطالبة راخوي بتجنب استخدام “اجراءات متطرفة” في محاولاته منع الاستفتاء.‏‎ ‎فعلى ‏سبيل المثال فرغم أن صحيفة البايس لم تتردد في اظهار رفضها الغاضب للحكم الذاتي الكتالوني، إلا أنها أبدت ‏تحفظها الكبير فيما يتعلق بالمادة 155 داعية راخوب أن يقاوم ضغوط المتطرفين. كذلك صحيفة ‏لافانجاريا المتحدثة بلسان البرجوازية الكتالونية التى أطلقت نداءا يائسا ألا يخرج الصدام الحالي عن ‏السيطرة، مقدمة حجة خاصة بها مفادها “قلندع مآسي الماضي لكتب التاريخ، فأوروبا الديموقراطية ‏تراقبنا”. لكن على الأقل وجهة النظر هذه في جزء منها صحيحة وهذا ما يحدث فعلا. حتى صحيفة ‏الفينانشيال تايمز انتقدت بشدة موقف راخوي “غير المرن” تجاه المسألة الكتالونية.‏
حتى اللحظة، قررت البرجوازية الاسبانية أن تستمر في القمع المباشر ضد رموز الحكومة الكتالونية ‏وتستخدم شرطتها الخاصة (شرطة كتالونيا) في اتخاذ اجراءات مثل مصادرة صناديق الاقتراع (مع ‏تجنب أي صور يظهر فيها الحرس المدني أو الجيش الأسباني وهما يقومان بذلك). والواقع أن انصياع ‏قائد الشرطة الكتالونية  جوزف لويس ترابيرو في أقل من ست ساعات لقرار الدولة و‘صداره الأوامر ‏لقواته، وهو نفس الشخص الذي تم تصويره كبطل من قبل الحزب الديموقراطي الكتالوني الاوروبي ‏وبعض قيادات الاستقلال بعد هجمات أغسطس الماضي، انما يكشف مغالطة أن أى تحد للبرجوازية ‏يمكن أن يتم “باستخدام المؤسسات الموجودة فعلا”. ‏
ولكن حتى لو حاولوا الحد من تأثير وسائل الاعلام، فإن قمع استفتاء الأول من أكتوبر سيسكب، بلا شك، ‏الكثير من البنزين على النار، وسيفاقم المشكلة الوطنية في كتالونيا، حتى إن أحدا لا يستبعد حدوث ‏انتفاضة اجتماعية على المدى المتوسط.‏
الامر الوحيد الذي حال (حتى الآن) دون تحول الحراك الاجتماعي الهائل الموجود الآن في كتالونيا ‏إلى جزء من انتفاضة اجتماعية لهزيمة الدولة وحزب الشعب والسياسات الرأسمالية هو أن اليسار امتنع ‏حتى اللحظة عن وضع نفسه على رأس هذا الحراك الجماهيري العظيم ببرنامج يربط النضال من أجل ‏تقرير المصير بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية التى تحتاجها غالبية الطبقة العاملة  والشباب ‏والطبقات الوسطى. ‏
واقع أن القيادة الرسمية للنضال في مواجهة الدولة وحكومة حزب الشعب قد تُركت للحزب ‏الديموقراطي الكتالوني الأوروبي (يمين الوسط) أعطى الفرصة لسياسيي البرجوازية الرجعيين كي ‏يظهروا كشهداء “ألديموقراطية”، وهذا سمح لهم بأن يحدثوا انقسامات داخل الطبقة العاملة. قيادات ‏الدعوة للاستفتاء من الحزب الديموقراطي الكتالوني لا تصر على استمرار النضال، ولكنها تحاول كبح ‏جماحه، فحتى المدافعين عن الحقوق الوطنية يرون أن قيادات الحزب انتهزت كل فرصة لتحاول تقديم ‏أعذار مقبولة لتأجيل الاستفتاء أو عدم عقده. وفي النهاية كان ضغط الحركة الجماهيرية وخوفهم من أن ‏يواجهوا خسارة كبيرة في الانتخابات هو السبب وراء تحديدهم موعدا لاجراء الانتخابات (مع انقسامات ‏داخلية كثيرة).‏
الواقع أن تلك الملايين من الشباب والعمال الذين لم يصوتوا في التاسع من نوفمبر أو الذين لم ‏يحضروا تظاهرة اليوم الوطنى لكتالونيا لا يرفضون حق الاختيار. الكثير من هؤلاء تحركوا ضد ‏سياسات التقشف والإخلاء والفساد وكل ما يمثله حزب الشعب. وإذا كانوا لم يفعلوا ذلك دعما للاستفتاء ‏فذلك لأن كارلس بوتشدمون (رئيس الاقليم) وأرتور ماس رئيس الحكومة (وزعيم الحزب الوطنى ‏الكتالوني)، المتورطين في فضيحة الفساد الكبرى الاخيرة ومؤامرة عمولات الثلاثة بالمئة، كانا ‏في صف حزب الشعب ضد العمال، داعمين لسياسات إصلاحات سوق العمل، والتخفيضات في ‏مخصصات الصحة والتعليم، وعمليات الخصخصة. ولكن حتى هذه الحالة من الإحجام يمكن أن تتغير ‏لو اختار حزب الشعب القمع الجماعي. وهنا قد تشهد الأعداد تحولا نوعيا وينتج عنها عصيانا اجتماعيا ‏يتجاوز حدود المسألة الوطنية.‏
في ذلك التوقيت سيكون من الممكن جدا توحيد الملايين الذين احتشدوا بالفعل والراغبين في الدفاع عن ‏الاستفتاء في الشارع مع هؤلاء الذين يرفضون القمع ولكنهم ينظرون بريبة للحزب الديمقراطي ‏الأوروبي الكتالوني. ولو أن قيادات اليسار في الدولة الاسبانية وفي كتالونيا دعوا لتحرك واسع للطبقة ‏العاملة والشباب والطبقات الوسطى داخل وخارج كتالونيا دفاعا عن حق تقرير المصير في الأول من ‏أكتوبر وضد حزب الشعب وقمع الحريات فإنهم بلا شك سيميزون أنفسهم عن الحزب الديمقراطي ‏الأوروبي الكتالوني ـ وهو ما يجب أن يقوم به حزب الوحدة الشعبية الكاتالوني من خلال فض تحالفه ‏الانتخابي مع اليمين الكتالوني. بإمكانهم أن يربطوا هذه المعركة بالمعركة ضد تخفيض العمالة، ومن ‏أجل شروط عمل لائقة، ودفاعا عن التعليم والصحة العامة، وإذا ما فعلوا ذلك فلن يكون من الممكن ‏وقف القمع فحسب بل سيكون من الممكن أيضا الإطاحة بحكومة راخوي الرجعية وفتح الطريق أمام حكومة ‏يسارية وجمهورية كتالونيا الاشتراكية. ‏
الطريقة الوحيدة لإنفاذ الحق في تقرير المصير هي توحيد الغالبية العظمى من السكان في كاتالونيا مع الطبقة ‏العاملة الكاتالونية القوية على رأسها، وهذا يحتاج إلى برنامج يربط النضال الوطني بالنضال ‏الاجتماعي والاقتصادي كوجهين لعملة واحدة : النضال من أجل حق تقرير المصير والنضال ضد الرأسمالية. ‏فمن المستحيل تحقيق التحرير الاجتماعي والوطني الحقيقي لكتالونيا على أيدي البرجوازية الكاتالونية، وحتى لو ‏تحقق الاستقلال فإن جمهورية كتالونية رأسمالية ستعني أن استمرار التخفيضات والهجمات على الطبقة العاملة.‏
ونحن كيسار ثوري نناضل من أجل جمهورية كتالونية إشتراكية تضع نهاية لسياسات التقشف وتضمن تعليما ‏عامة وخدمة صحية على مستوى عالي؛ جمهورية قادرة على حل مشكلة البطالة وخلق ملايين الوظائف بأجور ‏وحقوق عادلة؛ قادرة على وضع نهاية لاخلاء  السكان من بيوتهم وعمل خطة للاسكان العام بأيجارات عادلة ‏تضع حدا للمضاربة في سوق العقارات؛ جمهورية تؤمم قطاع البنوك والشركات الكبرى مما يجعل الثروة في ‏خدمة الغالبية العظمى من المواطنين وينهى هيمنة مجموعة من الفاسدين الطفيليين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع ‏اليد على ثروات تقدر بمئات الملايين.‏
إن ميلاد جمهورية اشتراكية كتالونية من شأنه أن يخلق تأييدا ساحقا بين العمال في باقي الدولة الاسبانية  (الذين ‏يواجهون نفس العدو، البرجوازية، ويعانون من ذات هجمات والسياسات) وفي جميع البلدان الأخرى في أوروبا، ‏فاتحا الباب أمام  التحول الاجتماعي وتحرير جميع الشعوب المضطهدة.‏

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

نحو نظرية عامة بشأن ترامب: في نهاية الندوة تقدم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بعشر نقاط للنقاش بشأن نظرية عامة بشأن ترامب أعلق عليها هنا بما ينقلنا من التحليل إلى طرح الحاجة إلى تحالف تقدمي عالمي يجمع ما بين الاشتراكية الديمقراطية والليبراليين اليساريين والخضر واليسار الراديكالي.

بول ماسون

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

كريستوفر كولومبوس الحقيقي لم تكن هناك مغامرة بطولية، فقط سفك للدماء. لا ينبغي أن يكون يوم كولومبوس يوما للاحتفال.

هوارد زين