سجناء يرتدون الميري (1-2)

قضايا

29  سبتمبر  2017

الشاويش مثلنا، يُعد من السجناء، نحن سجناء لأننا عملنا في الصحافة أو تظاهرنا أو أجرمنا، وهو سجين لأنه لم يجد سوى هذه المهنة التي تجبره على أن يعيش طوال عمره في السجن،لكن الشاويش دائمًا لديه خوف منّا، كلما يفتح باب الزنزانة يظل مترقبًا ومستعدًا لأي هجوم، يظهر الارتباك في عينيه، ولا يدخل الزنزانة مهما حدث.. وفي نقاش مع أحدهم قال لي “هل تظن أنكم فقط السجناء؟ نحن أيضًا سجناء، أنا ممنوع من التحدث في الهاتف مثلك، وممنوع من الخروج خارج السجن إلا في الأجازات، نحن سجناء يرتدون الميري، ولو حسبتها ستجد أننا قضينا أكثر من ثلث عمرنا في السجن، أما أنت وأمثالك ستترك السجن يومًا ما”.

الجيزاوي

“سبت الموقع أنا والوزير، وأنا شايف الواد عمال يتنطط كده زي فرقع لوز، ببص ع الواد قلت الواد ده باين له مش هيجبها لبر، لقيته إيه بيطلع مدفع رشاش، رحت طالع للواد، قلت له اضرب يا ولا، اضرب يا ولا”..هذا المشهد من فيلم الواد محروس بتاع الوزير، هو المشهد الذي كان يمر بخيالي دائمًا عندما يتحدث هذا الكائن الجيزاوي الفريد من نوعه، فالجيزاوي أغبى شاويش خلقه الله على وجه الأرض؛ وفي ظني أنه لو وزع غباءه على العالم لعدنا إلى العصر الحجري، كان يتحدث يتكلم بنفس طريقة عادل إمام في فيلم “محروس بتاع الوزير” وإن كان محروس بتاع الوزير فقط، فكان الجيزاوي بتاع كل من يعطه الهدايا حتى لو كانت علبة سجائر كليوباترا.. عندما رأيته في المرة الأولى  وهو يتحدث أصبت بهيستريا ضحك لا ينته، والحقيقة أن وجوده كان مهم ليهون علينا ملل الوقت الذي يمر كالسلحفاة، ولو علمت إدارة السجن قيمة  كائن الجيزاوي في فن الضحك لأبعدوه عن العنبر السياسي.

 نجح أحد السجناء في إقناع الجيزاوي أن شجرة الزقوم شيء طيب، وظل كلما يراه يقول:

= روح يا جيزاوي، ربنا يسقيك من شجرة الزقوم.

فكان الجيزاوي يفرح كلما سمع هذا الدعاء على سبيل أنها شجرة في الجنة مثلًا، أو شجرة تنتج علب سجائر “مارلبور”.

 في يوم فتح الجيزاوي الزنزانة وحاول أن يبدو غاضبًا وقال:

 – مين الدموسة اللي مش متربي اللي بيقول يا جيزاوي حاف كيده، اسمها الشاويش جيزاوي.. خايفين تجولوا مين يا دحش انت وهو؟!

 ضحكت إلى حد البربرة، وضحك المساجين وأعتقد أني رأيت الجدران تشققت من فرط الضحك، احمر وجهه وقال بشكل كوميدي آخر يشبه الأراجوز:

– يمين 3 بالله العظيم لأوريكم أيام أسود من السواد نفسيته.

 ضحكنا مرة ثانية، فأغلق الباب بعصبية، فضحكنا أيضا، وضحك الباب؛ ثم قام عم محمود وفي يده علبة سجائر، ونادى عليه من دون لقب الشاويش، رجع الجيزاوي كطفل قد أخذ على خاطره وهو ينظر إلى علبة السجائر وكأنه ينتظر اللحظة التي تقع هذه العلبة في يده، وقال:

 – يعني ينفع أتهزأ كيده في زنزانتك يا عم محمود.

= افتح بس يا جيزاوي هقول لك حاجة.

فتح باب الزنزانة، ولم يفتح عقله أبدً، وأخذ علبة السجائر  التي كان لها مفعول سحري وغيرت من عصبيته المضحكة بشكل سريع وصار هادئًا إلى حد ما، ولكن هدوءه يجعلني أضحك أيضًا، ابتسم الجيزاوي وتناسى كل شئ، وقال بهدوء:

– انتم زي اخواتي وأنا مقدرش أزعل منيكم، بس متعملوش كيده تاني.

وهكذا ظلت حياة الجيزاوي طوال فترة السجن؛ يغضب، فنضحك، فيأخذ علبة سجائر فيعود لطيفًا.

كابتن سامي

جميعهم مرتشون إلا قليلًا، واحد منهم اسمه “سامي” ينادونه كابتن سامي، لم أقابل في حياتي شخص عفيف مثله، لا يأخذ أي رشوة من سجين؛ يؤدي عمله وكأنه عمل مقدس، ملتزم بشكل يدعوك للتعجب، كان يزعجنا لأننا نحب المرتشي، نعم نحب المرتشي الذي يحصل على السجائر ويترك لنا أبواب الزنزانة مفتوحة ساعة أخرى للتهوية لكنه يأمرنا بعدم الخروج من الزنزانة أبدًا، ونُفضل الشاويش المرتشي الذي يحصل على 3 علب سجائر فيترك باب الزنزانة مفتوح ويسمح لنا بالخروج على استحياء.

أما كابتن سامي، فكانت مواعيده دقيقة، يفتح الزنزانة من التاسعة صباحًا إلى العاشرة صباحًا، ولا يسمح لنا بالخروج من الرُّبع (طرقة تشبه طرقات العمائر تضم 3 زنازين، مغلقة بالقضبان عرضها لا يتخطى مترين، وطولها نحو 90 متر)في أثناء هذه الفترة، وهو الشيء الذي جعله مكروه من الجميع، السجناء كرهوه لأنه يغلق عليهم، والشاويشية يكرهونه لأنه ليس مرتشي مثلهم.

  لكني كنت أحترمه جدًا، وكان يبادلني الاحترام. أذكر أنني حاولت إعطاءه  قطعة لحم جائتني ضمن الزيارة؛ فرفض بشكل عجيب؛ سألته:

– لماذا ترفض؟

= حتى لا يظن أحدًا أن له عليّ فضل، فيطلب مني ما لا تسمح به القوانين.

أقسمت أنها ليست لغرض سوى المحبة؛ فأخذها مبتسما وقال:

= لأنك أقسمت فقط.

محمد رمضان

يشبه كابتن سامي في عدم حصوله على رشاوي من أحد، لكنه مرح دائما، ويحب السجناء السياسيين ويستجب لطلباتهم من دون مقابل، فكان السجناء يحبونه جدًا، والشاويشية كذلك نظرًا لخفة ظله.

لاحظت أنه يستجيب أكثر  للسجناء الذين لا يشعرونه بأنه “شاويش” وأنه مثلهم ولا يقل عنهم شيئَا،كان يكره كلمة “شاويش” يحب أن يناديه الناس هكذا “يا محماااا يا رمضان”،  كان يحب الشعور بأن السجناء السياسيين أصدقائه لأنهم “متعلمين وولاد ناس” كما كان يقول، وكان يكره الإخوان جدًا، ولكنه كان يحبهم من الناحية الأخلاقية، يرى أنهم محترمين ومتدينين، لكنهم أغبية وما ينفعوش يحكموا البلد.

كما أنه لم يخشَ دخول أي زنزانة بل كان يجلس معنا على البُرش ويأكل معنا، نظرًا لأنه لم يؤذِ أي مخلوق.

أذكر أنني كنت في التأديب يومًا وحاول رمضان تهريب مصحف لي، وفي التأديب ممنوع دخول أي شيء، حتى المصاحف، والأحذية، ونجح في ذلك، وبعيدًا عن أنني لم أستطع القراءة من المصحف نظرًا للظلام الدامس في زنزانة التأديب، إلا أنني قدّرت له ذلك جدًا، لو علمت إدارة السجن أنه فعل ذلك سيعاقب. لم أتوقع أن يعرّض شاويش نفسه للعقاب من أجل سجين، وخاصة هنا في أرض الظلم “مصر”.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

عمرو عبد الرحمن

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (2) النضال من أجل الديمقراطية نضال اجتماعي طبقي في المقام الأول، لا يتحقق بالعظات الأخلاقية ولا بالبغبغة حول المعادلات اللاصفرية ولا بنصح البرجوازية بأن بعض الديمقراطية مهم ومفيد للتنمية والسياحة ولجلب الاستثمار الأجنبي وكسب حب ورضاء الاتحاد الأوروبي، ولكن بالنضال ضدها وعلى حسابها.

هاني شكر الله

مؤخرات عظيمة

أحمد جمال زيادة