استفتاء الاستقلال الكردي الوهمي: انتهت السكرة وبدأت الفكرة

قضايا

27  سبتمبر  2017

نشر في القدس العربي بتاريخ 27 سبتمبر 2017

وبعد، فماذا جنى شعب كردستان العراق من الاستفتاء الذي نظّمه رئيس الإقليم مسعود البارزاني يوم الإثنين الماضي؟ كانت حقاً «ضربة سيف في الماء» كما يقول تعبيرٌ فرنسي بليغ، إذ أن الاستفتاء لم يقدّم الإقليم خطوة واحدة في اتجاه الاستقلال المنشود، بل كان بتعريف القائمين عليه استفتاءً «غير ملزم» هو بمثابة استطلاع للرأي، ليس أكثر.
فماذا كانت العبرة إذاً من هذا الاستفتاء/الاستطلاع؟ أن الغالبية الساحقة من الشعب الكردي في شمال العراق سواء في كردستان أو في المناطق المتنازع عليها، وأهمها مدينة كركوك ومحافظتها، تؤيد فكرة الاستقلال؟ يا لها من مفاجأة! وكأن أحداً كان لديه أدنى شك في أن الرغبة في الاستقلال رغبة طاغية وجامحة لدى الشعب الكردي. بل ليس من شك في أنه لو تم استفتاء الأمة الكردية برمّتها، ولا سيما في تركيا وإيران بالإضافة إلى العراق بل وحتى في سوريا، خاصة لو جرى ذلك بالاتفاق مع حزب العمال الكردستاني وحلفائه الإقليميين، قلنا لو تم استفتاء الأمة الكردية برمّتها في تشكيل دولة كردية موحدة مستقلة، لأتت النتيجة بتأييد كاسح. ذلك أن الأمة الكردية، كأي أمة محرومة من السيادة ومجزّأة، تطمح إلى الاستقلال والوحدة، وهو حق لا ينكره عليها سوى أرباب الاضطهاد والطغيان أعَرَباً كانوا أم أتراكاً أم إيرانيين.
لكنّ انتقاد كاتب هذه السطور لتنظيم الاستفتاء في هذا الوقت، على غرار العديد من الكرد النيّرين غير الآبهين بالابتزاز القومي الذي يمارسه مسعود البارزاني وأعوانه وأنصاره، والذين أدركوا أن تحجّجه بحق تقرير المصير إنما هو «كلمة حق أريد بها باطل»، انتقادنا جميعاً لإجراء الاستفتاء في هذا الوقت بالذات لم يكن من باب إنكار الحق الكردي، بل وعلى العكس من باب الحرص عليه. والحال أن كردستان العراق بعد الاستفتاء الذي نظّمه البارزاني ليست أقرب إلى الاستقلال المنشود، بل إنها، والحق يُقال، أبعد منه وبدرجات خطيرة.
فعندما يستفيق شعب إقليم كردستان العراق من السكرة التي نظّمها البارزاني مدغدغاً مشاعره القومية، ودغدغة مثل تلك المشاعر إنما هي أسهل الوسائل المُتاحة لدى الحكّام الفاسدين لإلهاء شعوبهم عن فسادهم (وقد خبر العرب لجوء حكّامهم إلى مثل تلك الحيلة أمراراً لا تُحصى)، سوف يواجه كشف الحساب المرير. فالاستفتاء لم يأت بأي جديد لصالح الاستقلال الكردي، إذ أن نتيجته كانت معروفة سلفاً ولم يكن ثمة شك في ماذا سوف تكون، لكنّه أتى بتكالب ضد الاستقلال الكردي تفوق حدّته ما كان يمكن توقّعه.
إن الصورة لباهرةٌ ومقلِقة: لم يحقق البارزاني إجماع شعب كردستان العراق، إذ أن قسماً منه، ولو كان محدوداً، رفض الاستفتاء وقاطعه، بل أفلح بامتياز في تحقيق أوسع إجماع بين أعداء الشعب الكردي وشتى حلفائه الظرفيين، باستثناء الحكم الصهيوني الخبيث، على استنكار الاستفتاء، فضلاً عن إدانة الأمم المتحدة الرسمية له. فلنستعرض الحصيلة: الحكم التركي، المضطهِد الأكبر للشعب الكردي الذي تذيّل له البارزاني سنين طويلة (مثلما اعتمد والده في الماضي على شاه إيران حتى طعنه هذا الأخير في الظهر، ومثلما دعا هو صدّام حسين بالذات إلى التدخّل لدعمه عسكرياً ضد أنصار خصمه الكردي جلال الطالباني سنة 1994)، ذلك الحكم التركي الذي تواطأ معه البارزاني في ضربات متكررة ضد حزب العمال الكردستاني والذي اعتمد عليه اقتصادياً إلى حد جعل كردستان العراق مستعمرةً اقتصادية للرساميل التركية، ذلك الحكم أعلن أنه سوف يخنق الإقليم اقتصادياً لو تجرّأ كرد العراق على ترجمة استفتائهم الرمزي إلى واقع فعلي، وأنه لن يتردّد في التدخّل العسكري بحجة حماية الأقلية التركمانية وغيرها من الذرائع.
وكذلك فعل المضطهِد الكبير الآخر للشعب الكردي، ألا وهو الحكم الإيراني، الذي قطع الطريق الجوّي عن الإقليم ودعا كافة الحكومات المحيطة به إلى عزله برّاً. وقد ترافق الموقف الإيراني على غرار الموقف التركي بمناورات عسكرية من قبيل التهديد والوعيد. هذا وقد نجح البارزاني في تحقيق إجماع ضد الاستفتاء بين الزعامات الطائفية الشيعية في العراق، من التابعين لإيران أمثال نوري المالكي وعمّار الحكيم إلى المناوئين للهيمنة الإيرانية أمثال مقتضى الصدر، مروراً بصديق واشنطن حيدر العبادي. وإن حرص الولايات المتحدة، عرّابة استقلال كردستان العراق الفعلي منذ عام 1991 التي لولا حمايتها العسكرية لما نعم الإقليم بالازدهار الذي عرفه بينما كان سائر العراق يغرق في محنة عظيمة لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، إن حرص واشنطن على تدعيم العبادي إزاء منافسيه من حلفاء إيران وعلى إرضاء حليفها التركي قد جعلها تنضمّ إلى المندّدين بقرار البارزاني المضي في إجراء الاستفتاء.
ولو أضفنا إلى كل ذلك الانشقاق في الصفّ القومي الكردي الذي أنجزه قرار البارزاني، ولا سيما معارضة الحزب المهيمن سياسياً في أكبر أقسام الأمة الكردية، ألا وهو حزب العمال المهيمن في كردستان تركيا، وجدنا في المحصّلة أن كردستان العراق خرجت من لعبة الاستفتاء «غير الملزم» أضعف وأكثر عزلة مما في أي مرحلة من تاريخ الإقليم، تواجه تكالباً ضدها يُبعد حلم الاستقلال من التحقيق بدل أن يقرّبه.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي

الثورة السورية والتشارك الدولي والإقليمي لإجهاضها بات معظم اليسار العالمي جزءا من الحرب على الثورة السورية، يتداخل موقفه مع سياسات كل الدول التي يتهمها بأنها تتآمر على "النظام الوطني"، ومع المجموعات "الجهادية" والسلفية، ومع "المؤامرة الإمبريالية".

سلامة كيلة

ما بين الأدب والصحافة أحد سبل الهروب من آلام الصحافة كان من خلال العمل في قسم الإخراج الصحفي، الذي – على حد تأكيده – منحه حرية أن يعمل ككاتب رأي، يكتب عمودا من حين لآخر في نفس الوقت الذي اجتهد فيه سرا على تطوير محاولاته الأدبية. "كانت الفروق بين الصحافة والأدب تتكشف أمامي تدريجيا؛ فروق تتعلق بالمتطلبات النفسية والحياتية لكل منهما بما يجعلهما أقرب إلى العداء.

نورهان توفيق