العلم … والثورة

قضايا

23  سبتمبر  2017

طرحت الماركسية على نفسها، باعتبارها نظرية للثورة، ليس فقط إدراك العالم القائم وتفسيره، بل السعي إلى تغييره وفقا لأسس منهجية بإحلال علاقات إنتاج لا تقوم على الاستغلال الطبقي، واستبدال سلطة المالكين بسلطة الشغيلة بهدف خلق المجتمع الشيوعي في نهاية المطاف. فقد رأى كارل ماركس مؤسس الماركسية أن القوة الدافعة للتاريخ ليست النقد الخالص للأفكار ولكنها تتجلى في الممارسة الثورية في الواقع.  فما هي الصلة بين الأفكار الثورية التي تهدف إلى تغيير العالم وبين العلم الطبيعي، علم قوانين الطبيعة التي تكمن وراء النشاط العملي للإنسان عندما يخضع قوى الطبيعة لخدمته؟

عندما وجه الايطالي جاليليو جاليلى التليسكوب في عام 1608 نحو السماء كانت الاكتشافات مذهلة. فلأول مرة يرى الإنسان فوهات براكين القمر وجباله وأوديته، وللمرة الأولى يدرك الإنسان مدى اتساع العالم الذي يعيش فيه. فمجرة درب التبانة مكونة من مئات النجوم غير المعروفة والتي تشبه شمسنا، وظهر لكوكب المشترى أربعة أقمار تدور حوله، وكان للزهرة أطوارا كالقمر، واتضح ان الشمس لديها بقع سوداء. كان لتلك الاكتشافات انعكاسات لاهوتية هائلة. ليس هذا وحسب، بل كانت تلك الاكتشافات بمثابة النقلة التي غيرت مسار الفكر العلمي إلى الأبد. فالبحث في السموات جعل من المتعذر الدفاع ظاهريا عن النظامين الأرسطي/الأفلاطوني، حيث مثلت عيوب القمر تحديا لفكرة ثبات وكمال الأجرام السماوية. من جهة أخرى، عندما حدق الهولندي انتونى فان ليوفينهوك بالميكروسكوب في عام 1690 في بعض الأشياء اكتشف عوالم جديدة تماما من الوجود، لم يتم التفكير فيها أبدا من قبل، وظهرت مملكة غير متوقعة من الوجود الحي وغير الحي، فاكتشفت تفاصيل تركيب الأجسام والأشياء، وشوهدت لأول مرة الطفيليات وحيدة الخلية وخلايا النباتات والخلايا الحيوانية  وذلك العالم المجهري.

كانت الثورة العلمية حدثا ثقافيا مصحوبا عادة بكوبرنيكوس وجاليليو وكيبلر وديكارت ونيوتن كرموز بارزة، مدعومين بحشد من المفكرين والعلماء الآخرين الذين ساهموا في هدم النظام القديم ووضع اللبنات الأولى لعصر العلم. فقد بدأ القرن السابع عشر الثورة العلمية وأكملها القرن الثامن عشر الذي آمن بأن العقل هو أساس التقدم. فجرى إسقاط النظام الأرسطي في كل من علمي الكون والفيزياء، وكانت للرياضيات تلك اللغة الجديدة، قوتها الثورية الأعظم. أصبحت قوانين نيوتن متجذرة بعمق بمساعدة الرياضيين العظام، وصارت النيوتنية النموذج السائد. وكان التأكيد الدرامي لقوانين نيوتن هو اكتشاف الكوكب نبتون. كان يعاد تشكيل العالم، حيث حقق العلم قفزات غير مسبوقة سواء في جانب الاكتشافات والصياغات النظرية أو في جوانب التطبيق العملي. فبينما كانت البيولوجيا والكيمياء تتطوران، استطاع العلم لأول مرة أن يفسر خصائص وسلوك المادة الميكروسكوبية، وفى حالة الكيمياء ما دون الميكروسكوبية. فقد جعل لافوازييه ودالتون الكيمياء علما، وأوضح ماندليف أن هناك علاقات ضمن الخصائص الكيميائية ونشاطية العناصر، واخترع بيرزيلوس لغة يمكن من خلالها وصف الكيمياء والنقاش حولها..

عادة ما تعرف تلك الفترة من حوالي 1700 إلى 1900 بالعصر الصناعي. لأن أسس الثورة العلمية والتنوير والاكتشافات العلمية الهامة قد حدثت في كل مجالات العلم تقريبا، وكانت هذه الاكتشافات تحدث في وقت واحد في مختلف المجالات، حيث كانت تلك الاكتشافات في مجال واحد تساعد على التقدم في مجالات العلم الأخرى. وأثناء العصر الصناعي لم يكن العلم مستخدما لتحقيق التقدم المادي فحسب، بل اتخذ العلم مساره الخاص نحو تقديم تفسير شامل للوجود.

وبشكل عام، اعتنق القرن التاسع عشر مذهب التقدم العلمي والتكنولوجي، وأكد أيضا على فكرة التقدم الاجتماعي. فبينما لم يكن الناس في القرن التاسع عشر سذجا بخصوص خطيئة البشر والفقر الدائم والمعاناة، اعتقدت الثقافة الغربية أنه من خلال العقل والعلم يمكن للبشرية تدريجيا وبشكل مضطرد ومتطور أن تحسن شروط الحياة. بعض الأفراد بالفعل اعتقدوا في كمال الجنس البشري. الإيمان بالعلم، أو بالطريقة العلمية، كان عظيما جدا بحيث أنه لم يكن هناك فعليا لا نظام ولا ظاهرة ولا حقل من حقول الحياة لم تستطع النظرة العلمية أن تجتاحه. وبنهاية القرن التاسع عشر، كان التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم النفس والطب والرياضة والإنتاج الصناعي وتنشئة الأطفال والتعليم وعلم الجريمة وعلم معاملة المجرمين – كل شيء كان يدرس بشكل علمي. وظهرت مجالات أكاديمية جديدة في العلوم الاجتماعية والزراعة وفن العمارة وحتى القانون.

وللمرة الاولى، وضع حتى الكتاب المقدس على مائدة التحليل والدراسة العلمية الموضوعية. فتمت معالجة كتب العهدين القديم والجديد المقدسة كوثائق ونصوص أدبية تاريخية – من خلال التحليل الأدبي، وتم تفكيك وحدة النص المقدس السابقة إلى أجزاء من الحقب التاريخية والممالك والمؤلفين العديدين. فقصة واحدة من الكتاب المقدس مثلا، كقصة طوفان نوح، ربما يكون قد تم بناؤها في الحقيقة عبر ثلاث أو أربع نسخ لتعكس التجارب التاريخية والثقافية المختلفة لمن كتبوها. كان العلم ينتج حقائق، والأفكار تمثل الحقائق، والكلمات تعبر عن الأفكار. وهؤلاء الذين ساهموا في الثورة العلمية تشاركوا في رابطة ثقافية جديدة أعتقتهم من الروابط الثقافية القديمة، وبالأساس الولاء للكنيسة والنبلاء والملك. وأصبحوا أعضاء في مجتمع عالمي من المثقفين والعلماء. وكانت المنظمة الأكثر شعبية، والتي قدر لها البزوغ في القرن الثامن عشر، هي النظام القديم للبنائين الأحرار، الماسونيين. وربما كان للماسونيين جذور في الرابطة القديمة للعاملين في بناء الحجارة. لكن المنظمة الحالية أصبحت في نهاية المطاف أخوية سرية للمتعلمين والمثقفين. هنا قد تجتمع النيوتنية مع عبادة الله بوصفها المعمار العظيم للطبيعة. اتخذت الماسونية منحى ربوبيا، معززة للتسامح الديني، وداعمة للعلم، ومشجعة للحوكمة الذاتية، كما أتاحت أخيرا مكانا موسعا للاختلاط بين الناس. وقد انتشرت المحافل الماسونية في كل مدينة كبرى في انجلترا وفرنسا تقريبا، وعبرت عن محاولة درامية للقرن الثامن عشر لتشكيل مركز ثقافي جديد مستقل عن الكنيسة والمحكمة والرابطة أو المنزلة الاجتماعية. لقد جمعت المحافل الماسونية الرجال (والنساء) الذين يقرءون العلم ويشترون الكتب ويحضرون المحاضرات ويعتقدون أن المجتمع ينبغي تنظيمه على غرار الكون النيوتني.

خلال القرن التاسع عشر بفترة قصيرة منح العلم للعالم الضوء الكهربائي والتليفون والفونوجراف والسيارة والملاحة الجوية والأشعة السينية والراديو. كل تلك الأشياء اقتنصت الخيال وأنتجت إيمانا متجددا بالتقدم من خلال التكنولوجيا. وقد خلق النمو السريع لأنظمة النقل والاتصال والمنتجات الكيميائية والكهربائية، خاصة في ألمانيا والولايات المتحدة، ازدهارا عاما، الذي بدوره شجع أيضا على حرية سياسية وديمقراطية أكبر. طالبت النساء بالمشاركة في العملية السياسية وهو ما تحقق لهن جزئيا في عام 1902. وفي عام 1896 أقيمت أول العاب اولمبية حديثة في أثينا باليونان، وفي عام 1901 منحت أول جوائز نوبل للانجاز العلمي.

في ذلك القرن أنتجت اليوريا، واكتشف الهيكل الكربوني لصنع المركبات العضوية، وتم استخلاص حامض السلسليك (الأسبرين، أول عقار مدهش) من أوراق نبات السبريا. وبعد اكتشاف الكهرباء صنعت البطارية وصمم الموتور الكهربائي. واخترع التلغراف في عام 1837، وكانت تجري ثورة اتصالات باتساع العالم على قدم وساق. ففي عام 1844 قام صمويل موريس بنقر أول رسالة تلغرافية من واشنطن إلى بالتيمور “هذا ما حققه الرب”. وقد ساعد التلغراف الحكومات والجيوش والصناعة، وسمح بالاتصال المستمر بين الزبائن وأسواق الأسهم. وفي عام 1887 تم إنتاج وتوجيه موجات كهرومغناطيسية غير مرئية عبر الفضاء، والتي تعرف اليوم باسم موجات الراديو والبث التلفزيوني. وفي عام 1882، شيدت كل من نيويورك ولندن محطات مركزية للطاقة، بمولدات كهربائية تعمل بالبخار، وبدأت محطة برلين للطاقة في العمل عام 1888. وبحلول تسعينات القرن التاسع عشر حلت الإضاءة الكهربائية سريعا محل الإضاءة بالغاز. وبشكل متزامن، في أواخر ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر، بدأ الترام الكهربائي وسكك الحديد الكهربائية بالعمل في المدن. في عام 1890، افتتحت لندن أول نفق تحت الأرض والذي ما زال يعمل حتى اليوم، كما بدأ إنتاج الكهرباء من شلالات نياجرا في عام 1896 وزادت كفاءة المحرك البخاري بشكل كبير، إذ أنه في زمن الحرب الأهلية الأمريكية في عام 1861، استعملت المحركات البخارية في التصنيع والنقل بواسطة قطارات وسكك حديدية وسفن. كان البخار هو القوة الدافعة للثورة الصناعية، وبحلول أربعينات القرن التاسع عشر حل الفحم محل الخشب كوقود أولي.

وفي ذلك القرن كان العلم في اضطراب كبير، لأنه بدا أن اكتشاف الإلكترون والنشاط الإشعاعي والأشعة السينية سيدمر فيزياء نيوتن. لكن القليل من علماء هذا العصر أدركوا أن تلك الأزمة سوف تؤدي إلى فيزياء جديدة، تلك القائمة على ميكانيكا الكم والنسبية. وفي أواخر هذا القرن، بدأت حقبة النشاط الإشعاعي، ثم اكتشف زيمان تقسيم خطوط الطيف ومعرفة العناصر المكونة له، وطرح بلانك نظرية الكم وبالتالي أسس الفيزياء الحديثة، كما أسس رذرفورد النظرية النووية للذرة، ثم بدأ عمل نيلزبور لتطوير نظرية التركيب الذري، تلتها سلسة من صور تركيب الذرة. وفي عام 1905 ابتكر أينشتاين نظرية النسبية. وفي عام 1913 تعرفنا على العلاقة بين العناصر وترتيبها في جدول دوري. وفي عام 1926 بدأ تطوير ميكانيكا الموجة.

لم تتوقف حركة الاكتشافات، حيث توغلت الأفكار المادية في البنية المركبة لنواة الذرة. وأدت أساليب البحث المادي الجديدة إلى إعادة تشكيل علوم الفيزياء، والفيزياء الفلكية، والكيمياء، وعلم البلورات والجيولوجيا.

لعبت الثورة العلمية دورا كبيرا في تقدم العلوم الاجتماعية. ولا يمكن فهم ماركس ولوك وآدمز دون فهم جاليليو ونيوتن وداروين أولا. فكارل ساجان مثلا، يطابق العلم مع الديمقراطية بتوضيح أن كليهما يقومان على مبادئ النقاش المفتوح، ولديهما آليات لتصحيح الأخطاء، ويجب أن لا يعتمدا على السلطات التي يتوجب الإيمان بها وطاعتها.

كان كارل ماركس (1818 – 1883) أبو المادية الجدلية. إذا قدر للمرء أن يصنف أعظم المفكرين المؤثرين في القرن التاسع عشر الذين كان لهم الأثر الأعظم في القرن العشرين، اعتقد أنهم سوف يشملون شالرز داروين وسيجموند فرويد وكارل ماركس. كان ماركس مستغرقا في الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد من خلال فلاسفة القرن الثامن عشر، وبخاصة هيجل وبدرجة ما داروين. ومن الواضح أن ماركس أراد أن يهدي رأس المال إلى داروين، وحتى عندما رفض داروين ذلك الشرف، أرسل له ماركس نسخة مهداة وموقعة.

كانت الحقبة التي شكلت أفكار ماركس وتبلورت فيها نظريته الثورية، مفعمة بانجازات هائلة في كافة مجالات العلوم الطبيعية، كما اتسمت بنمو الوظيفة الاجتماعية للعلم. وكان أساس هذا التطور في العلوم الطبيعة هو المسار الذي أدخلته الرأسمالية بعد مؤتمر فيينا لعام 1815 (مؤتمر سفراء الدول الأوروبية لتسوية القضايا الناشئة عن حروب الثورة الفرنسية والحروب النابوليونية وتفكك الإمبراطورية الرومانية المقدسة لإعادة رسم الخريطة السياسة للقارة الأوروبية). وانتشرت التنمية الصناعية والثورة الاقتصادية في جميع أنحاء أوربا. ففي منتصف القرن التاسع عشر، تحولت ألمانيا مثلا من “بلد مفلس ومتعفن” إلى بلد ذي صناعة متطورة وملحق بساحة التجارة العالمية. لقد أعطى نمو القوى المنتجة دفعة قوية لتطور العلوم الطبيعية بجميع فروعها. ففي الفترة الزمنية القصيرة بين عامي 1830 و1848، تم صياغة قانون حفظ وتحويل الطاقة، وفي الوقت نفسه تم اكتشاف الحث الكهرومغناطيسي كما تطورت الكيمياء العضوية، وتم تأكيد النظرية الخلوية لشوان، وتطور علم وظائف الأعضاء والحواس وفقا للأسس العلمية، وفي الجيولوجيا تأسست فكرة التطور، وهي الفكرة المحورية التي خلبت لب ماركس وجعلته يحاول رسم المجتمع الإنساني وإعادة هندسته وفق حقب تشبه الحقب التطورية التي مرت بها الحياة على الأرض، فقام  بوضع نظرية تطور التاريخ خلال مراحل: جماعات الصيد، الزراعة، الإقطاع وأصحاب العزب، التجار البرجوازيون، الرأسماليون الصناعيون. واستنتج أن المرحلة القادمة من التاريخ يجب أن تشهد ثورة العمال وتأسيس الاشتراكية، وفي نهاية المطاف خلق مجتمع بلا طبقات، واضمحلال الدولة، ونهاية التاريخ.

أراد ماركس أن يكون في الاقتصاد والتاريخ ما كان داروين في علم الأحياء. وقد أثنى ماركس على نظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي، ورأى أنها الأكثر أهمية ومناسبة لهدفه، حيث أنها تقدم أساسا في العلم الطبيعي للصراع الطبقي التاريخي. حلم ماركس الشاب بوظيفة جامعية في الفلسفة. لكنه لم يكن ناجحا وتحول للصحافة بدلا من ذلك. أثناء وجوده في برلين كان متأثرا جدا بهيجل وأصبح واحدا من الهيجليين الشبان. مصدوما بظلم الثورة الصناعية والفوارق الكبيرة في الثروة بين الأغنياء والفقراء، كما ظهر في النظام الرأسمالي، استنكر ماركس استغلال العمال والبروليتاريا من قبل الرأسماليين في البيان الشيوعي الشهير (عام 1848). وطرح نظريته في التاريخ في أعظم ما أبدعه، كتاب رأس المال (عام 1867)، حيث قدم ما وصفه بالتفسير العلمي للتاريخ، بناء على قراءاته الواسعة في المتحف البريطاني.

كانت الرأسمالية في عنفوان صعودها، وإذ بالعلم يكمل مسار تألقه ويلقي بدوره في أتون النشاط العملي للبرجوازية ومنحه إمكانيات جديدة للتنمية الصناعية. فمثلا وضعت كلاسيكيات علم وظائف الأعضاء النباتية والكيمياء الزراعية الأساس النظري للزراعة العقلانية. وبفضل تطوير الكيمياء العضوية، بدأت ثورة في كيمياء الأصباغ، مما أدى إلى تغييرات كبيرة في صناعة الغزل والنسيج. وقام باستور، مدفوعا بمطالب الإنتاج، باكتشافات أثرت بدورها على الزراعة والطب.

رفض ماركس كل أشكال ما فوق الطبيعة، سواء لاهوتية او فلسفية. لقد اعتقد ان كل تجارب الإنسان تقوم على خبرة الحس. ورفض كل مزاعم المثاليين بأن المعرفة تأتي من الله. فكل المعرفة تأتي من خلال التحقيق العلمي. كما اعتقد أن الأفكار والممارسات الدينية هي منتجات للخيال الإنساني، وليست فعل الله أو إلهام، وأن اختراع الدين كان بواسطة البشر لمتطلبات اجتماعية ونفسية. واعتقد ان المعرفة العلمية والفلسفية تقاس بمقدار فائدتها. في المحصلة، كانت مادية ماركس خليطا من المذهب الطبيعي والتجريبية والفلسفة الوضعية والإلحاد والذرائعية.

في هذه الفترة كان يتشكل الوعي بأهمية الوظيفة الاجتماعية للعلوم الطبيعية في أذهان العلماء وعموم الناس. وقد جرت مناقشات بين رجال العلم حول العلاقة بين النظرية والتطبيق والعلوم والصناعة. وقد تبلورت وتطورت تعاليم ماركس وإنجلز إبان حقبة ازدهار العلوم الطبيعية تلك، حيث توسعت إنجازات العلم بشكل مهول، ونمت أهميتها الاجتماعية. فهل تشكلت الجذور النظرية للماركسية في تربة العلوم الطبيعية؟ أم كانت الماركسية مجرد مفهوما للتاريخ لا علاقة له بالعلوم الطبيعة؟ بالطبع، ينتمي جزء كبير من الأفكار الرئيسية والرائدة في عالمي التاريخ والاقتصاد على وجه الخصوص إلى ماركس. لكن هذا لا يعني أن ماركس لم يولي اهتماما بالعلوم الطبيعية، مع ان تلك العلوم لم تكن قد تطورت للدرجة التي تجعله يضمنها رؤيته لتفسير العالم. فقد كان مهتما بالعلوم الطبيعية تلميذا، ودرس الجيولوجيا وأبدى اهتماما ملحوظا بالأنثروبولوجي، كما احتفظ باهتمامه بالعلوم الطبيعية حتى أيامه الأخيرة. ولدى ماركس أبحاث مستقلة في الرياضيات العليا، كما اهتم بعلم الفلك ودرس قانون الاختلاف في دوران الكواكب. وقد قرأ ماركس عن ارتباط القوى الفيزيائية، وأولى اهتماما خاصا بتقسيم أشعة الشمس إلى أشعة حرارية وأشعة غير حرارية. وكانت لديه معرفة أساسية في الكيمياء، وخاصة الكيمياء الزراعية. وقد اطلع عن كثب على أعمال داروين وتطورات علم الأحياء، كما ذكرنا. أما بالنسبة لتاريخ العلم، فقد كان لديه معرفة واسعة جدا، كما أن جميع أعماله تشهد بذلك على نحو لا يمكن دحضه.

نظر ماركس إلى الطبيعة في تطورها، في وحدتها مع الإنسان. فالإنسان هو ذاته جزء من الطبيعة. الإنسان هو الطبيعة التاريخية والطبيعة هي التاريخ الطبيعي. لقد وضع ماركس الأسس الراسخة لمادية غير مجردة، بل ملموسة وجدلية ومتسقة، تولي أهمية للطبيعة الخاصة بالمجتمع الإنساني. كما وضع تفسيرا للطريقة التي يرتبط بها جدل الطبيعة وجدل التاريخ ارتباطا لا انفصام فيه. فمن وجهة نظر ماركس تعطي الأولوية التاريخية للطبيعة، وحتى قبل انتصار الأفكار التطورية وضع ماركس الأسس التي جرى بها تدمير نظرية الخلق. فالطبيعة تتطور حتى من قبل ظهور الإنسان، ولم تكن الحياة موجودة دائما، مما ترتب عنه أن ماركس قد فهم نشأة الحياة كحركة ذاتية، بما يتفق مع النظرية الكيميائية لنشأة الحياة والنظرية التطورية لظهور الإنسان، التي رسخت في غضون عقد ونصف من نظرية داروين.

ألقى ماركس باللوم على الفلاسفة لعدم أخذهم بعين الاعتبار دور وأهمية العلوم الطبيعية. فالعلم الطبيعي مرتبط بأهم أشكال النشاط البشري ألا وهو العمل. كما تمثل الصناعة علاقة عملية بين الإنسان والطبيعة، وتمثل العلوم الطبيعية تلك “العلاقة النظرية”. فالصناعة هي الشكل الأساسي للممارسة، والعلوم الطبيعية هي أساس العلوم الإنسانية. وتكشف الصناعة عن قوى الإنسان الحقيقية، والعلم الطبيعي هو “القوة الحقيقية”. وقد أكد ماركس بقوة على أن “الصناعة” هي العلاقة التاريخية الحقيقية بين الطبيعة والإنسان.

كان العلم أحد شروط تطور الرأسمالية، فعلى سبيل المثال كانت ميكانيكا نيوتن شرطا لتطوير وصناعة الآلات على نطاق واسع. واعتقد ماركس أنه أيضا أحد شروط الانتقال لتكوين اجتماعي أعلى، إلى الاشتراكية والشيوعية. فعند مستوى محدد من تطور القوى الإنتاجية المادية ومن التنمية الاجتماعية، يتحول العلم من شرط استعباد الطبقة العاملة إلى شرط تحرر البروليتاريا والإنسانية ككل. إن تطور العلوم الطبيعية لم يحدده بشكل مترادف تطور القوى المنتجة. وإذا كانت التقنية والصناعة تحددان العلم، فإنهما يتطلبان لتطويرهما شروطا اجتماعية متماثلة، في شكل طبقات محددة وعلاقات سياسية، يمكنها أن تساعد أو تعوق التقدم العلمي. ومن الشروط الهامة للغاية للتقدم العلمي تلك الصروح النظرية التي يوفرها العمل، سواء من كل الأجيال السابقة أو من المعاصرين.

بالنسبة لماركس، فإن العلوم الطبيعية هي أساس طرح القوانين المساعدة لدراسة الظواهر الاجتماعية. وعلوم الطبيعة وعلوم الإنسان واحدة، لأنها تدرس العالم المادي الواحد. وهي واحدة بحسب المنهج المادي، ومن خلال تطبيقها لدراسة المجتمع البشري اكتشف ماركس مفهومه للتاريخ، كما اكتشف جدلية تاريخ العلوم الطبيعية. ومن خلال تحليله لمعنى العلم ووظيفته الاجتماعية والقوى الدافعة لتنميته ومحتواه الطبقي وآفاق تطوره، وضع ماركس أساس التاريخ المادي الجدلي لعلوم الطبيعة، وكان انشغاله بالمسائل العلمية بعد عام 1850 يتميز بأنه قد أولى اهتمامه بالمشاكل الملموسة أكثر مما قبل. ويمكن تفسير وفرة وتنوع اهتماماته العلمية في تلك الفترة بأنه اضطر أثناء عمله على الاقتصاد السياسي والمادية الجدلية للانتقال للعلوم الطبيعية وأن تطور العلم في هذا الوقت كان يسير قدما إلى الأمام.

وبما أن القوانين الأساسية للدياليكتيك تسري على كل من العلوم والتاريخ، استخدم ماركس البيانات الكيميائية لتأكيد طريقته البحثية. وقانون تحول الكم إلى كيف الذي اختبره ماركس في تحول الحرفي إلى رأسمالي، يؤكد أنه ساري المفعول في العلوم الطبيعية والكيمياء على وجه الخصوص، حيث يؤدي إضافة كمية بسيطة من العناصر إلى تشكيل هيئات مختلفة نوعيا. وقد تابع ماركس كسياسي واقتصادي باهتمام القوى المنتجة الجديدة ليرى آثار تطبيق العلم في الصناعة، لأن العلم كان بالنسبة له حافزا تاريخيا وقوة ثورية. فقد رأى الارتباط الداخلي للعلم بالمهام الملموسة للنضال السياسي، وأظهر كيف أن بيانات العلم، التي تبدو للوهلة الأولى متفرقة، أكدت نظرته وأثبتت تحرك البشرية نحو الشيوعية.

فرضت تلك الحقائق والنظريات الجديدة تغييرا جذريا في جميع المفاهيم الراسخة للميكانيكا الكلاسيكية القديمة. فقد استندت ميكانيكا نيوتن على مفاهيم الكتلة والطاقة والمكان والزمان، باعتبارها مواد ميتافيزيقية موجودة بشكل منفصل ومستقل عن بعضها البعض. ليتبين بعد ذلك أنها مترابطة وموحدة. فالكتلة تعتمد بدرجة كبيرة على السرعة. والمكان والزمان غير موجودين بشكل منفصل، فهي ليست أشكالا منفصلة عن محتواها المادي. لقد انهار مفهوم الذرة باعتبارها اللبنة النهائية وغير القابلة للتجزئة في بناء العالم، تماما كما هو الحال لما استقر عليه الفكر العلمي بخصوص ثبات العناصر، وما إلى ذلك.

لقد استدعت نظرية المعرفة الجديدة التخلي عن المفاهيم التأملية المبهمة التي جرى التعبير عنها باعتبارها إيمان بالإلزام وبالضرورة وبالشمولية أو قابلية تفسير قوانين الطبيعية والعلاقات السببية. كما أكدت الفيزياء الحديثة المادية الجدلية. ونظرية النسبية هي خير دليل على ذلك في طرح مفهوم وحدة الكتلة والطاقة، الزمان والمكان، وكذلك أيضا انهيار مفهوم الصفات الثابتة والعناصر. كذلك تؤكد الميكانيكا الموجية على وحدة الانقطاع والاستمرارية، وما إلى ذلك. وقد تطورت العلوم غير العضوية والعضوية على حد سواء في أواخر القرن التاسع عشر وتم اكتشاف عوالم جديدة من المعرفة. ويكفي ذكر تطور علم المورفولوجي التجريبي، ونظرية التخمير، واكتشاف الهرمونات في النباتات والحيوانات، والفيتامينات، واستزراع الأنسجة والأعضاء، وعلم الوراثة، والبيئة، ونظرية بافلوف عن ردود الفعل المشروطة، وما إلى ذلك. كما استدعت الحقائق الجديدة المكتشفة في مجالات علم وظائف الأعضاء، وشمولية الكائن الحي، التي ينظمها الجهاز العصبي والإفرازات الداخلية، وتعقيد عمليات التغذية والحركة في النباتات التي يصعب اختزالها في قوانين ميكانيكية بسيطة، استبدال الطريقة الميكانيكية الأحادية. وكان ضروريا خلق فلسفة عضوية جديدة على أساس البيانات الواقعية المكتشفة.

لقد جلبت إنجازات علم الأحياء الحديث الانتصار للمادية، لأنها تفسر القوانين الموضوعية، والقواعد المادية، وظروف وأسباب العمليات المورفولوجية والفسيولوجية في عالم عضوي متطور واحد.

كانت حقبة الفوران العلمي تلك هي التي تبلورت فيها نظرية الثورة بشكل علمي ومنهجي لأول مرة في التاريخ البشري. فلم تعد الثورة تنطلق من أفكار أخلاقية أو اعتبارات إنسانية مجردة، كرفض الظلم والاستبداد أو السعي للخير والعدل، بل تم طرح الثورة هنا كضرورة تاريخية، لاستكمال مسار تطور الجنس البشري عبر استخدام العلم والمنهج العلمي. فكانت نظرية تحرر الإنسانية فيما اتفق على تسميته “بنظرية الثورة” التي تتلخص في قيام البروليتاريا المنظمة في حزبها السياسي الثوري بالاستيلاء على السلطة واتخاذ الإجراءات والتدابير التي من شأنها هدم المجتمع الطبقي القائم على استغلال طبقة اجتماعية وهيمنتها على باقي الطبقات، وتوظيف إمكانات التطور العلمي والتكنولوجي لما فيه رخاء الإنسان وسعادته.

لقد أوضح ماركس في سفره العظيم “رأس المال” الأسس العلمية لنظرية الثورة، وجاء من بعده عدد من الثوريين العظام ليشرحوا ويضيفوا إلى تلك النظرية على ضوء الممارسة الثورية في الواقع وعلى رأسهم الشيخين فلاديمير اليتش لينين وليون تروتسكى ودورهما البارز في نجاح الثورة البلشفية والاستيلاء على السلطة في أكتوبر 1917.

ولابد في هذا المجال من دراسة المسار الذي اتخذته اول ثورة طبقية في التاريخ تنجح في الاستيلاء على السلطة، وذلك التاريخ الطويل من الدموع والعرق والدم، من الانتصارات والآمال والطموحات والهزائم والانكسارات، واستخلاص الدروس المستفادة من هزيمتها في النهائية. لقد أثبتت مجريات التاريخ عبر القرن الماضي من اندلاع الثورة البلشفية ان العلم وحده هو القادر على الخروج بالإنسانية من أزماتها التي قد يكون مآلها ليس فقط تدمير الحضارة على الكوكب بل تدمير الكوكب ذاته. فلا بد من استلهام الخبرات الثورية السابقة مع اعتماد المنهج والتفكير العلميين، لإنجاح الثورة التي ستحرر الإنسانية من قيود الاستغلال، كما تحررت قبل ذلك من غياهب الجهل، بركوب سفينة العلم.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

علم النفس السياسي البرجوازي: نقد العقل القمعي وميتافيزيقا الجلاد… ضد أحمد عكاشة يعد التأسيس لعلم النفس السياسي من الضرورات العلمية والثورية نظرا لأهمية هذا الحقل المعرفي في تفسير الظواهر السياسية المركبة والمعقدة سيما تلك المرتبطة بتشريح بنى الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني وكيفية ممارسة الأيديولوجيا البرجوازية في مجال نوعي، وفهم سيكولوجيا الجماهير الكادحة لتهيئتها للإطاحة به.

سعيد العليمي

ما هي الفاشية؟ إن ما ميز الفاشية تاريخيا هو كونها حركة تشكلت إلى حد كبير من الطبقات الوسطى الدنيا الغاضبة بسبب الأزمة الاقتصادية، والتي كانت موجودة داخل وخارج الإطار 'الطبيعي' للانتخابات والسياسة البرلمانية والتي يمكن أن تستخدم، بل واستخدمت بالفعل، كقوة قتالية في الثورة المضادة ضد 'الشيوعيين'، و"الاشتراكيين" والحركة العمالية ككل.

جون مولينيو

تطور فكرة التطور تعتبر البيولوجيا نتاجا للقرن التاسع عشر. لكن اول محاولة كبرى لعمل ترتيب ونظام للبيانات البيولوجية الهائلة التى جمعت منذ عصر كولومبوس قد بدأت بواسطة عالم الطبيعة وخبير علم التصنيف السويدى العظيم كارلوس لينايوس(1707 – 1778) جامع الطيور والنباتات.

أيمن أحمد عياد

الغذاء والزراعة والتغير المناخي (1) في ظل النظام الحالي، هناك إمكانية لإجراء تخفيض كبير في الانبعاثات. لكن هذه سوف تتطلب في الأغلب تطورات تكنولوجية أو تغيرات في الممارسات الزراعية، وهو ما قد ترفضه الشركات غير الراغبة في تقليل أرباحها، أو المزارعون الذين يفتقرون إلى رأس المال اللازم لاستخدام هذه الوسائل. لكن مجرد وجود هذه الوسائل يبين أن تبنّي نظام غذائي مرتكز على الحاجة وليس الربح، يمكنه تخفيض الانبعاثات.

مارتن إمبسون