السر الفارسي على سجادة هوليود الحمراء

فنون, قضايا

20  سبتمبر  2017

بالرغم كل ما تواجهه من قيود وتحديات، إلا أن ذلك لم يزدها إلا قدرة على التحدي وخلق الجمال، مزيد من الإبداع الذي استطاع الدخول بها إلى حلبة المنافسة في السينما العالمية.

رغم  ما يشهده العالم من ثورة في عالم السينما، لا تزال طهران تزيد من قيودها على الإبداع، وتحاول تنميط الفن في إطار وإخضاعه لشروط الدين، ولكي يتثنى لنا الحديث عما آلت اليه السيننما الإيرانية وعن خصوصية حالتها، جدير بنا أن نغوص في تاريخها أكثر، ونصل إلى الجذور لنفهم لماذا صارت الثمرة بهذه النكهة المختلفة الإستثنائية.

تاريخ فن الصورة في بلاد فارس

لم يكن فن الصورة اقتحم بعد بلاد فارس، حتى جاء ناصر الدين شاه القاجاري في العام  1848، عائدًا من أوروبا، فلم يكن فن التصوير وليد البلاد بل كان أحد مدخلات أوروبا الغربية، على بلد إسلامي، تحت حكم الشاه، استقبل بلاط الشاه أوائل المصورين العالميين من فرنسا وإيطاليا، حتى أصبح لدى الشاه ولعًا بهذا الفن، فأمر المصورين بتصوير البنايات القديمة والمعالمة الطبيعية الإيرانية، وكان يقوم بعمل تصويرات دورية لنفسه في القصر، حتى أصبح له معرضًا من الصور داخل قصر الشاه، وحتى عام 1870، كان الأمر لا يزال بقيادة الثلاثي “فرانس استولز”، جك دو مورغان، “فريدريك سر”، حتى بدأ الشعب الإيراني يتجاوب مع هذا الفن الدخيل، وكان عبدالله ميرزا القاجاري، أول مصور إيراني، واشهرهم في تلك الفترة.

يبقى الأمر حتى ذلك الوقت محصورًا على فن الفوتوغرافيا، إلى تولي مظفر الدين شاه عرش إيران، وكان هذا الدخول الفعلي للسينما في إيران، حين قام بجلب أول جهاز “سينما توغراف” من رحلته في فرنسا عام 1900 إلى بلاده، وزاد استخدام عرض الأفلام الروسية والفرنسية، إلا إنها لم تكن للعامة ، بل لأبناء العائلات الكبرى الذين يتمتعون بنفوذ في بلاط الشاه ، حتى جاء عام 1904، وافتتحت أول قاعات السينما في إيران، وكانت للعائلات من الطبقة الأرستقراطية، لم تكن بعد قد انتشرت بين عامة الشعب، وكانت آنذاك تعرض أفلامًا كوميدية لمدة عشر دقائق على الأكثر، ولم تكن ذات إنتاج محلي.

البعثات السينمائية وصالات العرض الجديدة

بدأت البعثات العلمية لدراسة السينما في أوروبا، تأتي بثمارها، حيث أُنتج أول فيلم إيراني كوميدي صامت، عام 1929، صنع “آوانس أوهانيان” العائد من موسكو بعد بعثة دراسية للسينما، فقام بصناعة فيليمين صامتين، أولهما يحمل اسم “آبي ورابي”، ولم يبق منه سوى ما كُتب عنه من مذكرات، والآخر يحمل اسم “حاجي آجا آكتور سينما”، أنتج الأخير في العام 1932،  خلال السنوات الأولى التي اجتاحت السينما فيها إيران، تم إنشاء صالتين للعروض، ثانيهما كانت للسيدات، وكانت التذاكر تعطى مجانية لم يحضرون العرض لأول مرة، وهكذا كان التوجه العام للتشجيع على مشاهدة السينما.

لم يكن يختلف وضع السينما في إيران عن غيره من بلدان العالم فالسينما دائما وأبدًا، تقترن بالنظام السياسي، وهي انعكاس لما تكون عليه أوضاع الدولة، حيث بدأ الإنتاج ضعيف نظراً لبلد من بلدان العالم الثالث، ظل الوضع فقيرًا على مستوى الإنتاج فظلت شاشات العرض تستجلب الأفلام من أوروبا، إلى جانب ما تم إنتاجه وهو ليس بالعدد الكبير من الأفلام الذي يشبع رغبات الجماهير المتشوقة لهذا الفن السحري كما بدا لهم وقتها، حتى ستينات القرن العشرين وظهور النفط الذي أنعش الأوضاع الاقتصادية بدوره ما انعكس على حالة الإنتاج السينمائي لدى إيران.

الرقص،الغناء،الإيروتيكية والفن المجرد من القيود ليس حكراًعلى أوروبا

دخلت إيران عقد جديد من السينما، بعد أن ألحقت بسينما الحداثة وما بعد الحرب العالمية الثانية، وانتقل تأثير الثورة في عالم السسينما الأوروبية ليقتحم بلاد فارس مرة، فأصبحت السلطات أكثر تحفزًا لإنتاج أفلام متنوعة، حيث أعتبرت سنة 1953 سنة انتقالية في السينما الإيرانية، حيث الرقص والغناء يتصدر الشاشات، فبعد فشل الإنقلاب ضد رئيس الوزراء محمد مصدق، زاد عدد الأفلام المنتجة من 7 أفلام سنوية عام 1952 إلى 27 فيلمًأ عام 1953، حيث بدأ منتجو الأفلام الفارسية يتحكمون في أذواق المجتمع، وبعد أن كان تأثر السينما الإيرانية بأوروبا وحدها، اقتبست العديد من الأفلام “التركية، الهندية، المصرية” وذلك لما يجمع هذه البلدان من ثقافات متشابهة، وتاريخ مشترك، دخل الرقص والراقصات والغناء إلى أفلام الإيرانيين، وأصبح شيئًا معتاد رؤية راقصة تتمايل بملابس الرقص على الشاشات، لم يكن هناك قيود وضعت على الأفلام، كان الإنفتاح على مصرعية، ما خلق تعددية داخل المجتمع وخلق كمية كبيرة من الأفلام منها “البوليسي، الراقص، الكوميدي، التاريخي”، هكذا لحقت السينما الإيرانية بسباق السينما العالمية.

“مهوش، عزيزة، جميلة، ناديا، طاووس” صانعات البهجة على الشاشات، أشهر الراقصات الإيرانيات آنذاك، اللاتي صنعن البهجة لسنوات، وتصدرن شباك التذاكر، وحققن أرباح طائلة للمنتجين، حتى أثناء عرض الفيلم الأمريكي أو الأوروبي، كانت هناك فواصل لعرض مقاطع راقصة لـمهوش “الأكثر شهرة آنذاك، وأولى الراقصات الإيرانيات، وقد عرضت أفلامها الراقصة حتى آخر حياتها، ومن فرط ما حرص المنتجين على جودة الإنتاج، عمدوا إلى إنتاجها ملونة، حيث أعتبرت إيران أولى السينمات العالمية التي أنتجت أفلامًا ملونة، كان أولها “كرداب” او “الدوامة” عام 1953، والذي أخرجه “هوشنك محبوبيان”، وكان للإذاعة دورًا محورياً في دخول الأغاني عالم السينما، حيث أحب الجمهور فكرة الأغاني المسموعة، مما شجع المخرجين على جعل الأغاني مشاهد مرئية، وإرفاقها بالرقصات ، والتي دائماً ما تستمد من الرقص الهندي، والمصري والتركي لما لهم من أوجه التشابه، ما ساعد على انتشار الملاهي الليلية، وأصبح الشعب أكثر إنفتاحًا على الثقافات الغربية والشرقية، ولا يقل تحضًرا عن نظيره من شعوب العالم.

إفعل ما شئت طالما لم تقترب من الشاه

مثل جميع الأنظمة الملكية، القائمة على سلطة الفرد، تسمح بما تريد فقط، طالما لا يمس عروشهم، التي يصنعونها من أموال الشعوب وحريتها، فقد سمحت الرقابة المتمثلة في وزارة الداخلية، بعرض جميع الأفلام ولكن هناك قائمة من الممنوعات على الأفلام المحلية والأجنبية تتمثل في عدة نقاط “المعارضة للدين الإسلامي، الترويج لمذهب الشيعة الإثنى عشرية، والمواضيع المعارضة لنظام الملكية، التحريض على العائلة المالكة، تناول الإنقلابات السياسية في البلدان الأخرى، والترويج للإحتجاجات الطلابية والعمالية، أو احتجاجات الفلاحين، أي تمرد أو انقلاب يؤدي لإنتصار المتمردين، الأفلام التي تحض الشعب على مواجهة قوى الأمن”، وبهذا كان القانون رقيبا على الفن، بسلطة الشاه، والأمر لم يقتصر على الأفلام المحلية الصنع، بل على الأفلام الأجنبية أيضاً.

العائلة المالكة تعتلي العرش والشاشات معًأ

كما ذكرنا سلفًا، فن السينما وخلفيته الملكية التي أدخلته إلى بلاد فارس، ولم يكن ببعيد على العائلة المالكة وراثة حب هذا الفن، الذي جعل البعض منهم مهووس بتصوير نفسه، وتصوير البلاد، والمناظر الطبيعية، واستيراد الكاميرات، والأفلام، والأجهزة الحديثة، والتوسع في أنشاء دور السينما حتى بلغ عدد دور السينما في إيران 524 دار عرض في ربوع البلاد، لم تكتف العائلة المالكة بهذا، إلا أنهم أصبحوا نجوم، وأصحاب هوس بالنجومية السينمائية، والتي أدخلها إلى إيران الملكة المصرية “فوزية” زوجة الشاه، وزوجته الأخرى ثريا بختياري،  التي تصدرت شاشات العرض ودخلت عالم السينما، حتى كُتب عنها في الصحف الأمريكية، “الأميرة ثريا التي اختفت عن العيون لزمن طويل ها هي نجمة تتصدر الشاشات، وقد تكون أكبر نجمات السينما بعد “آريتا أربو”، والتي مثلت مع المخرج الإيطالي “مايكل آنجلو انطونيوني” في فيلم “ثلاث وجوه للمرأة”، وبذلك أصبحت الأميرة ثريا، نجمة سينمائية تتصدر الشاشات، وكذلك رضا بهلوي ابن الشاه، وقتها، الذي دخل عالم النجومية في الثامنة عشرة من عمره، في فيلم ” قصة فارسية ” ، بدور أمير ، ينقذ الشمس من يد الشيطان ، حتى بروين غفاري والتي كانت حبيبة الشاه أيام شبابه، دخلت عالم التمثيل منذ الخميسينيات.

 في عام 1965 وصل رصيد السينما الإيرانية إلى 246 فيلمًا ، وتوسع الإنتاج في تلك السنة ليصبح مشترك مع أوروبا، واعتبرت السنوات المزدهرة للسينما الإيرانية بين عامي 1966 إلى عام 1969، حيث زاد الإنتاج بشكل غزير، لكن ظلت المبيعات باهتة، وجدير بالذكر أن الإنتاج عام 1968 بلغ 70 فيلمًا من إنتاج إيراني، جدير بالذكر أن هذه السنة عرضت أولى الأفلام الثورية الاجتماعية الذي اعتبر نقطة تحول في السينما الإيرانية، فيلم “شوهر آخو خانم” أو “زوج السيدة آهو”، ويناقش قضايا المرأة وتعدد الزوجات والقيود المجتمعية التي تُفرض على النساء المتزوجات وحصر دورها في إرضاء رغبات الزوج الجنسية، حيث يحكي الفيلم قصة رجل متزوج من السيدة “آهو” ، إلا أنه أحب امرأة مُطلقة تُدعى “هُما” والذي حاول الزواج منها إلا إنها رفضته، وتركته وحيدًا، وبقى الرجل وذكرى المحبوبة مع زوجته “هُما” ، واعتبر النقاد السينمائيين هذا الفيلم أفضل الأفلام المعروضة وقتها، حيث مثّل طفرة في نوعية الأفلام المقدمة.

نيران الثورة تأكل السينما

19 أغسطس عام 1978 وفي مدينة أبادان الإيرانية، كانت السينما على موعد مع هولوكوست جديد، وحيث يجلس الجمهور العريض في سينما ريكس، لمشاهدة فيلم ” الغزلان ” للمخرج الإيراني “مسعود كيماي”، وبين الجموع المصطفة، والعائلات، والأحباء والأصدقاء، يتسلل 4 رجال ملثمين، ويغلقون باب السينما بإحكام، ويقومون بإشعال النيران في دار السينما، لتخرج الصحف بعدها لتعلن عن مقتل 377 قتيل، وتتوالى الحرائق في الأيام التالية، لتأكل مايزيد عن نصف دور السينما التي تقلص عددها من 524 إلى 200 دار عرض بعد حرق البقية،وقتل أكثر من 500 شخص مدني، من قبل المتعصبين الإسلاميين، الذين اعتبروا السينما رمز للشر والفساد، الحالمين بالجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه، التي ستخلصهم  من شر الفساد والفحش الذي تنشره السينما في بلادهم.

ما حدث لوضع للسينما الإيرانية كان أشبه بالقتل، فالحركة السينمائية في إيران أصيبت بالشلل لسنوات عديدة، كانت التغيرات الجذرية التي أحدثتها الثورة الإيرانية في البلاد، قد أثر على الحركة الفنية بشكل عام، حيث أعتبر الخميني ورفاقة أن الثورة وجهًا من أوجه الشر المطلق، إلا حينما تأتي منه منفعة ، وبذلك بدأت السينما في الحركة في الثمنينات من القرن الماضي ، حيث بدأت بإنتاج أفلام عن القضية الفلسطينية ، وأفلام عن الحرب بين إيران والعراق ، وهكذا استمرت الأفلام حتى عام 1989، حتى انه تم تنفيذ نهرجان مستمر حتى اليوم تحت اسم “مهرجان الدفاع عن المقدس”، ويقام كل عام في طهران.

الرقابة تعجز عن قمع الإبداع الفارسي

بالرغم من التجربة المريرة التي مرت بها الثورة، والتي كان من المفترض أن تودي بحياة الإبداع، خاصة بعد الشروط التي فرضتها الرقابة على المبدعين، من تغطية النساء، وعدم التلامس مطلقًا بين الرجال والنساء، بعدما مرت السينما الإيرانية بتحرر كامل من كل القيود على الإبداع، وبالتالي الأمر اصبح أشبه بالمستحيل، ولكن لا شيء يقف في وجه الإبداع الإنساني، استطاعت قائمة كبيرة من المخرجين الإيرانيين، تحقيق المستحيل، فالإنتاج الإيراني عاد إلى سابق عهده بشروط الرقابة الأكثر اجحافًا في العالم، إلا أن هناك قائمة أُخرى من المبدعين الممنوعين من عرض أفلامهم في إيران، وتتزايد شهرتهم عالميًا يومًا تلوالآخر، إلا أن بلادهم لا تقدم لهم ما يلزم من تقدير، على رأسهم “عباس كيارستمي، كمال تبريزي، محسن مخملباف” ، وجميعهم قد حصدوا الجوائز العالمية، ” اوسكار، مهرجان كان الأشهر عالميًأ “، وكذلك المخرج جعفر بناهي، الذي تعرض لقمع شديد من بلده، حيث حُكم عليه بالسجن لمدة 6 سنوات، ومنع من تصوير أفلامه مدة20 عامًا، وبالرغم من حصول أفلامه على جوائز عالمية ومشاركتها في مهرجان الفجر السينمائي في إيران، لكنها تُمنع من العرض لجماهير إيران.

جعفر بناهي صاحب الدب الذهبي

المخرج الإيراني جعفر بناهي الذي طاردته السلطات الإيرانية على خلفية اتهامه بالمشاركة فيما سُمي بالثورة الخضراء عام 2009، والتي اتهمت الرئيس الإيراني “أحمدي نجاد” بتزوير الانتخابات الرئاسية، وعلى أثر تلك التهمة تم منعه من التصوير منذ عام 2010 ولمدة عشرين عامًا آخرين.

وبالرغم من تلك القيود الصعبة، ظل بناهي مستمرًا في عمله سرًا، فلا شيء يقف أمام مبدع قرر أن ينقل صورة بلاده للعالم الخارجي، استطاع بناهي تصوير فيلمه ” تاكسي” الحائز على جائزة “الدب الذهبي” في مهرجان برلين السينمائي الدولي، والذي قام بناهي بتصويره عن طريق تثبيت كاميرا سرية في تاكسي، أحد اشهر وسائل النقل في إيران، واستطاع عن طريقها رصد الحياة اليومية ومعاناة الإيرانيين وضجرهم من الحكم السياسي للإسلاميين في إيران، عقوبة الإعدام والجلد وتعنيف المرأة، وعن ذلك قال بناهي في كلمته أثناء تسلمه للجائزة “لاشيءيمكنأنيمنعنيمنصناعةالأفلاملأنهحينماأتعرضلأقصىأنواعالضغط،فإننيأتواصلمعقرارةنفسي. وفيهذهالفضاءاتالمغلقةوبالرغممنالقيود،فإنضرورةالإبداعتصبحأكثرمنمجردرغبةملحة”.

وتبقى حالة السينما الإيرانية حالة منفردة وخاصة، في ابداعها الذي لم يتأثر بالقمع، ومرونتها التي لم تقتل الفن السابع في بلاد فارس برغم قيودها الأكثر اجحافًا .

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ماذا لو لم تكن ” آخر أيام المدينة”؟ يعني إيه صانع فيلم يقرر يشتغل بره السوق؟ يعني يبقي لوحده ضد الكل. من أول سيناريو غالبا هترفضه الرقابه، فيضطر إما يخوض معركة دستورية وسياسية في مواجهة الدولة بلا غطاء نقابي.

عايدة الكاشف