رأس المال لماركس بعد 150 عاما

قضايا

19  سبتمبر  2017

نشر المقال في موقع  Left Voice

في 14 سبتمبر 1867، تمكن كارل ماركس أخيرا من نشر أول مجلد لرأس المال: نقد الاقتصاد السياسي. وكان ماركس قد عكف في غرفة الاطلاع بمكتبة المتحف البريطاني لأكثر من عشر سنوات من أجل تقديم عمله العظيم في الاقتصاد السياسي، في ظل ظروف قاسية من الفقر والمرض وموت أفراد من الأسرة، بالإضافة إلى الجهد المستمر في محاولة بناء منظمة أممية عمالية لتقود نضال العمال ضد رأس المال..

 صدر الكتاب في البداية باللغة الألمانية، قبل سنوات من ظهوره باللغتين الفرنسية والإنجليزية. وقد تم استقباله بشكل عام بالصمت والجهل. كانت التعليقات على الكتاب قليلة وتأتي على فترات متباعدة، حتى أن صديق عمره وزميله فريدريك انجلز اضطر لكتابة بعضها بنفسه ليثير بعض الاهتمام.

 لكن الآن، بعدمرور  150 عاما، أصبح رأس المال كتابا سمع عنه الملايين، وليس فقط من الاقتصاديين، حتى لو لم يكن الكثيرون قد قرأوه فعلا. ليس من السهل قراءة أو فهم أجزاء معتبرة من الكتاب وخاصة في فصوله الأولى. ولكن في أجزاء أخرى منه يقدم الكتاب رصدا قويا للمظالم والطبيعة المستغلة للرأسمالية والتي تشبه مصاصي الدماء، مقدما وصفا وتحليلا للقاعدة الصناعية الصاعدة والاقتصاد الرأسمالي الرائد وقتها في بريطانيا العظمى. وكما يقول ماركس قبيل نهاية الكتاب “إذا كانت النقود تأتي إلى الدنيا وعلى خدها لطخة دم بالولادة ، فإن رأس المال يولد وهو يقطر دماً وقذارة، من جميع مسامه، من رأسه وحتى أخمص قدميه”.

ماذا يقول لنا  كتاب ماركس رأس المال عن عالم عام 1867 وكذلك عام 2017؟ أولا وقبل كل شيء، يظهر ماركس أن جميع الأشياء والخدمات التي نحتاجها تأتي من ممارسة العمل. وكما علق ماركس في رسالة عن كتابه: “كل طفلٍ يعرف أن أيّ أمّة إنْ توقفت عن العمل، لن أقول لسنة، بل حتى لأسابيع قليلة، ستهلك. وكل طفل يعلم، أيضًا، أن كُتل المنتجات تستلزم كُتلًا مختلفة ومُحدّدة كمّيًا من مجموع عمل المجتمع”.

 وحده العمل يخلق القيمة، ولكن أكثر من ذلك، فإن ما يقوله كتاب رأس المال لماركس هو أن القيمة لا يخلقها هؤلاء الناس الذين يتحكمون في إنتاجها واستخدامها. فملكية قييمة وسائل الإنتاج في ظل النظام الرأسمالي للإنتاج، تظل في يد مجموعة قليلة، بينما لا يملك السواد الأعظم من البشر سوى قدرتهم على بيع قوة عملهم. وبناءاً عليه، فإن القيمة التي يحددها الرأسماليون كفائض عن القيمة يجب أن تحافظ على قوة العمل حية وقادرة على الإنجاز. والسلطة على الاستثمار والأجور والعمالة هي سلطة رأس المال لا سلطة قوة العمل. وفائض القيمة هذا يتم تقسيمه فيما بعد على الرأسمالية الصناعية كأرباح وعلى الرأسمالية المالية في شكل فوائد وعلى أصحاب العقارات في شكل إيجارات.

 هنا يصطدم كتاب “رأس المال” لكارل ماركس مباشرة مع النظرية الاقتصادية السائدة التي يروج لها المدافعون عن النظام الرأسمالي، الذين يعتبرون أن الأرباح هي مكافأة الرأسماليين على المخاطرة في الاستثمار والفوائد هي مكافآت المصرفيين على الإقراض المحفوف بالمخاطر والإيجارات هي مكافآت للمالك على سماحه باستخدام الأرض. ويبين كتاب رأس المال أن كل ذلك هراء، فالأرباح والفوائد والإيجارات كلها نتاج استغلال الأيدي العاملة والاستيلاء على القيمة التي يخلقها العمل.

رأس المال إذا لا يمثل بالنسبة لماركس “شيئا”، مثل مصنع أو رجل آلي أو مبلغ من المال، بل هو علاقة اجتماعية محددة. فالمصنع ملكية خاصة وعلى العامل أن يعمل فيه دون أن يكون له رأي في تشغيله. بل إن رأس المال هو أيضا علاقة اجتماعية عابرة، حيث أن القيمة يخلقها العمال ويقوم الرأسماليون بتدويرها لتحديد المزيد من القيمة أو المال. لم تكن الرأسمالية قائمة منذ الأزل، بل لم تكن حتى اسلوب الانتاج المهيمن، وبالتالي فهي ليست أبدية ولا هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها البشر إدارة مجتمعاتهم مهما قال منظروها من الاقتصاديين.

 يوضح رأس المال أسباب كون الرأسمالية نظام زائل. حيث أن هناك تناقض جوهري بين إنتاج السلع والخدمات التي نحتاجها (ويسميها ماركس القيمة الاستخدامية) وبين احتياج ملاك أدوات الإنتاج والمتحكمين في قوة عملنا في تحقيق الأرباح (وهو ما يسميه ماركس القيمة الاستبدالية).

 رأس المال هو  نظام لإنتاج المزيد من المال، وليس للانتاج بهدف سد الاحتياجات الاجتماعية، إلا أن هذا التناقض بالتحديد هو الذي يقود إلى انهيار منتظم ومتكرر في الإنتاج الرأسمالي. فبينما يتنافس الرأسماليون فيما بينهم لتحقيق المزيد من الأرباح والحصول على نصيب أكبر من السوق، يسعون أيضا إلى تقليص استخدامهم للأيدي العاملة واستبدالها بالمزيد من الآلات والتكنولوجيا. ويؤدي هذا الاندفاع نحو تحقيق الأرباح من خلال زيادة الإنتاج يؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض نسبة الربح إلى رأس المال المستثمر. وبهذا يخلق رأس المال بنفسه أسباب انهياره.

 لكن النظم الاجتماعية يمكن أن تظل مهيمنة لفترة طويلة. فقد استمرت اقتصاديات العبودية القديمة في أوروبا  لعدة مئات من السنين،  والنظم الشمولية في الهند والصين في آسيا استمرت لأكثر من ذلك، كما بقي نظام الإقطاع في أوروبا لأكثر من ألف عام. حين نشر كارل ماركس كتابه “رأس المال” في عام 1867 كانت الرأسمالية هي النظام المهيمن في بريطانيا فقط،  إلا أن الأمر استغرق مائة سنة أخرى قبل أن تصبح الرأسمالية هي النظام المسيطر على أوروبا وأمريكا الشمالية وأجزاء من آسيا. فقط الآن، وبعد مرور 150 سنة على نشر كتاب “رأس المال” للمرة الأولى، يمكننا أن نتحدث عن الرأسمالية كنظام عالمي. ولكن ماركس في كتابه يتنبأ بما نسميه اليوم العولمة من خلال حديثه عن احتياج رأس المال الحتمي إلى التوسع من أجل مواجهة انهيار الربحية. وهكذا أصبح لدينا في عام 2017 اقتصاد عالمي تهيمن عليه الآن دول امبريالية غنية مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكذلك قوى رأسمالية صاعدة  مثل الهند والبرازيل وباقي آسيا وأمريكا اللاتينية. لقد أصبح رأس المال الآن عالميا وكذلك قانون القيمة كما وصفه ماركس في كتابه رأس المال قبل 150 عاما.

 لقد كان مسارا مركبا وغير متكافئ، فبريطانيا الاستعمارية استعمرت الهند واستغلت عمالها لقرون، ولكن الآن يقوم الرأسماليون الهنود مع رأس المال الأجنبي باستغلال الطبقة العاملة الصناعية من خلال شروط العمل المجحفة رخيصة الأجر واستخدام التكنولوجيا الحديثة.

 لكن المائة وخمسون عاما الماضية تثبت أن كتاب “رأس المال” لماركس كان على حق. فالرأسمالية غير قادرة على تحقيق هدفها الخاص باعتصار المزيد من الأرباح من العمال، وفي نفس الوقت انقاذ الانسانية من عالم يسيطر عليه الفقر والبطالة والانحطاط. لقد أكد الركود العظيم في عام 2009 أن الأزمات في ظل الرأسمالية لا تختفي، بل إنها أصبحت أكثر قسوة كما أصبحت الآن متزامنة على صعيد عالمي. ذلك أن هذا النهم من أجل المزيد من فائض القيمة، والذي يشبه نهم مصاصي الدماء، إنما يدمر الكوكب من خلال التلوث والاحتباس الحراري.

 لكن هناك تناقض واحد في الرأسمالية هو أيضا الحل. فكما بيّن ماركس في كتابه، يخلق رأس المال عدوه بنفسه ألا وهو البروليتاريا. قد تكون الطبقة العاملة  الصناعية البريطانية التي يصفها ماركس في كتابه “رأس المال” قد تقلصت عدديا، لكن  الطبقة العاملة الصناعية في العالم ككل لم تكن يوما أكبر مما هي الآن، حيث البلايين من الأيدي العاملة في الهند والبرازيل والصين وأفريقيا. كما لم يكن صراع  العمل مع رأس المال يوما أقوى مما هو عليه الآن، بعد 150 عاما من صدور كتاب ماركس “رأس المال”

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

التكوين الاقتصادي والطبقات في النظام الرأسمالي (ملاحظات أولية) ليس من الممكن أن نتجاوز أهمية دراسة الطبقات، حيث أن منظور الصراع قائم أصلا على أنه صراع طبقي. هذا ما تؤكده الماركسية، وهو في جوهر رؤيتها للواقع.

سلامة كيلة

هل الاشتراكية أوروبية الطابع؟ إن الراديكالية التي تعتقد أن الاشتراكية فكرة غريبة على البلدان غير الغربية هي بذلك تنكر رد الفعل الإنساني الأصيل المتمثل في محاربة القهر الممارس مع العمال في هذا الجزء من العالم. فهي نقول إن الشعوب غير الغربية غير قادرة على تصور مجتمع حر يسوده العدل

نيفديتا ماجومدار