بيتهوفن: الإنسان و المؤلف الموسيقي و الثوري – الجزء الثاني

فنون, قضايا

18  سبتمبر  2017

لم يفهم العديد من معاصري بيتهوفن الثورة الموسيقية التي خلقها : وجد الكثيرون أن عمله غريبا، أحمقا، بل ومجنونا. انه يزعج أحلام الجهلة المريحة، لأنها تجبر المستمع أن يفكر في معناها. فالجمهور لم يستمع إلى ألحان سهلة وممتعة، و لكنه كان يستمع إلى موضوعات ذات مغزى- إلى أفكار مترجمة إلى موسيقى. هذا الابتكار الهائل كان أساس كل الموسيقى الرومانسية، وبلغت ذروتها في تكرار الألحان الأساسية  ( تكرار الموتيفات ) في درامات فاغنر  Wagnerالعظيمة، وكان بيتهوفن نقطة البداية لجميع التطورات اللاحقة.
ومن المؤكد أن موسيقى بيتهوفن  لم تكن تخلو من فترات  الغنائية الشديدة، كما في السيمفونية السادسة (Pastorale)، أو في الحركة الثالثة في السمفونية التاسعة.
فحتى في الصراعات الأكثر قوة ، هناك لحظات من الهدوء. ولكن تلك اللحظات لا تدوم طويلا، وهي ليست سوى مقدمة لمراحل جديدة من النضال و المقاومة. هذا هو المعنى الحقيقي للحركات البطيئة عند بيتهوفن: إنها فقرات رائعة – ولكن ليس لها معنى مستقل عن النضال.
فالموضوعات التي تتناولها موسيقى بيتهوفن ذات دلالة، و من المؤكد أنها ليست موسيقى سطحية تتبع جدولا معدا مسبقا . أما العمل الأقرب إلى البرنامج الوصفي هو السيمفونية السادسة، الباستورال (la Pastorale  )، حيث أن كل حركة في تلك السمفونية مسبوقة بنغمة موسيقية معينة تعلن حالة نفسية أو ديكور معين (“صحوة الانطباعات الممتعة عند الوصول إلى الريف “،  أو”مشهد عند شاطىء الغدير “،أو “تجمع بهيج لفلاحين”، إلخ). و لكن ذلك كان إستثناءا عند بيتهوفن. أما مواضيع باقي موسيقاه، فهي  أكثر تجريدا وعموما، و إن كان ما توحي به  لا يخلو من الوضوح .

السمفونية الخامسة

إن اللهب الثوري ينعش كل إيقاع من إيقاعات سمفونيات بيتهوفن، وخاصة السمفونية الخامسة.     و لقد تم مقارنة تلك الموازين و الإيقاعات  الموسيقية الأولى، و هي معروفة جدا، بالقَدَرالذي يطرق الباب. ربما كانت تلك الضربات التي تشبه ضربات المطرقة، أكثر الافتتاحيات إذهالا في تاريخ الموسيقى
(الاستماع : https://www.youtube.com/watch?v=lIEAFlMvxo8&feature=related:  ).

قال قائد الأوركسترا ” نيكولاوس هارنانكورت “، الذي سجل سيمفونيات بيتهوفن بنجاح كبير،                 عن السيمفونية الخامسة : “انها ليست موسيقى. إنها تحريض سياسي يقول لنا: هذا العالم ليس جيدا. فلغيره!   هيا بنا ! ”
أكتشف قائد أوركسترا آخر و عالم موسيقى مشهور، ” جون إليوت غاردينر “John Elliot Gardener، أن الموضوعات الرئيسية في هذه السمفونية تستند إلى الأغاني الثورية الفرنسية.
إنها أول سيمفونية التي تنجز بشكل منهجي الإنتقال من المقام السفلي إلى المقام العلوي. وعلى الرغم من أن هذا التحول قد تم أنجازه قبل بيتهوفن، إلا أن ذلك الإنتقال المدهش و تطوره الجدلي في السمفونية الخامسة،  كان غير مسبوقا. وكما في الثورة نفسها، فإن ” النضال ” الذي يحدث بداخل تلك السمفونية يمر عبر سلسلة من المراحل: الهجوم الهائل الذي يجتاح كل شيء في طريقه، ثم لحظات التردد واليأس ، ثم الذروة النهائية وهي تعبير عن الروح المنتصرة.
الرسالة الأساسية في السمفونية الخامسة هي مجابهة الشدائد. وكما قلنا، فجذور تلك السمفونية تغوص في أعماق الثورة الفرنسية، و لكن من الممكن لأي فرد أن يفهمها، حيث يمكن التعاطي مع تلك الرسالة من قبل أشخاص مختلفين في ظل ظروف مختلفة و إن كان فحوى الرسالة لا يتغير : يجب القتال و رفض الإستسلام ! ففي النهاية، نحن على يقين من الفوز!
خلال حياة بيتهوفن، استلهم الألمان من تلك السمفونية التي استمعوا إليها الروح القتالية  لمحاربة الفرنسيين الذين احتلوا وطنهم. و خلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت الإيقاعات الأولى لنفس تلك السيمفونية بهدف تعبئة الفرنسيين ضد المحتل الألماني. وهكذا تعبر الموسيقى العظيمة قرونا و أزمنة غاصت في غياهب الذاكرة ولا زالت تأثر فينا بعد وقت طويل من تأليفها.

إيغمونتEgmont

الأوبرا الوحيدة التي كتبها بيتهوفن، ” فيديليوFidelio، كان يطلق عليها في الأول “  ليونوراLeonora. وكانت الشخصية المركزية في تلك الأوبرا إمرأة. تم تأليف أوبرا ” ليونورا ” في عام 1805، عندما دخل الجيش الفرنسي المنتصر فيينا. وفي أول عرض، كان أغلب الحضور من ضباط فرنسيين وزوجاتهم.    وكما كان الحال  في السيمفونية الثالثة – “البطولية” –  Sinfonia Eroica ، كانت لأوبرا ” ليونورا ”  نغمات و إيقاعات ثورية واضحة، وخاصة جوقة السجناء الشهيرة. فالسجناء السياسيين الذين يخرجون ببطء من ظلام زنزانتهم يغنون جوقة مؤثرة : “يا لفرح و متعة تنفس الهواء المنعش …”. إنها قصيدة غنائية حقيقية احتفالا بالحرية – وهو اتجاه أساسي و متكرر في فكر و أعمال بيتهوفن.
من ناحية أخرى، فإن الموسيقى في مسرحية ” إيغمونت “،  مرتبطة بموضوع ثورة هولندا ضد إستبداد اسبانيا، كما أنها  تحتوي على رسالة ثورية صريحة. فتاريخيا كان ” إيغمونت ” نبيل ” فلمندي” flamand من القرن السادس عشر،  وكانت هولندا ، في ذلك الوقت ، تعاني من الإستبداد الإسباني. و كان ” إيغمونت ”  معروفا عليه بأنه جندي شجاع و ماهر، قاتل إلى جانب الإسبان في حروب تشارلز الخامس حتى تم تعيينه حاكم ” فلاندرز ” Flandre من قبل الاسبان. ولكن على الرغم من خدماته إتجاه العرش الإسباني، تم إتهامه بالعمالة وقطعت  رأسه في 5 يونيو 1568، في بروكسل.
عرف بيتهوفن قصة ” إغمونت ” من خلال تراجيديا تحمل نفس الاسم كتبها ” غوته ” في عام 1788، أي قبل عام من الثورة الفرنسية. يعتبر ” إيغمونت “، ذلك الرجل الذي تم تخليد ذكراه من خلال تمثال له في بروكسل، بطل حرب تحرير هولندا من اسبانيا. و ألف بيتهوفن تلك الموسيقى من أجل مسرحية              ” جوته “. فكان يرى بيتهوفن أن ” إيغمونت ” رمزا للنضال الثوري ضد كل الطغيان – أيا كان المكان والزمان. و من خلال ربط أحداث ” إغمونت ” بالقرن السادس عشر، سمح  لبيتهوفن أن يفلت من اتهام التحريض الثوري. وإن كانت تلك التحفة الموسيقية محرضة على الثورة حقا.
لم يبق معروفا ، للأسف ، من ذلك العمل الموسيقي ” إيغمونت ”  إلا  افتتاحيته رغم أن  بقية التحفة تتحتوي على مقاطع رائعة أخرى (للاستماع : https://www.youtube.com/watch?v=VP7RnuCmM00 ).
مثل خطاب ” إيغمونت ” الأخير ، الذي يمشي بهدوء نحو الموت، مدينا الطغيان وداعيا الشعب بشجاعة إلى التمرد – والموت، إذا لزم الأمر- من أجل قضية الحرية. ثم تنهي  سيمفونية النصر ذلك العمل الفني على  وقع ألعاب نارية موسيقية. ولكن كيف يمكن لتراجيديا أن تنتهي بمثل تلك الصورة الموسيقية ؟ كيف يمكن للمرء أن يتحدث عن النصر عندما يتم إعدام زعيم التمرد؟ هذا التفصيل وحده يلخص مزاج بيتهوفن، حيث نرى أمامنا متفائل عنيد ، رجل يرفض الإعتراف بالهزيمة و لديه ثقة بلا حدود في الإنسانية. في هذه الموسيقى الرائعة يقول لنا بيتهوفن : لا يهم عدد الهزائم، وعدد الأبطال الذين يموتون، وعدد المرات التي نطرح فيها أرضا – سوف ننهض دائما ! لا يمكن أبدا أن نهزم، و لا يمكن أن تقهر قلوبنا وعقولنا! هذه الموسيقى تعبر عن الروح الخالدة للثورة.

المعاناة و الوحدة

كان تفاؤل بيتهوفن الثوري سيخضع لاختبار صارم. فعلى الرغم من أن نابليون قد استعاد جميع أجهزة و أشكال النظام القديم ( النظام الملكي قبل الثورة الفرنسية ) ، إلا أن فرنسا كانت تحت حكم نابليون

تثير الذعر و الكراهية  لأوروبا الملكية. فكانت تلك الدول تخاف من الثورة حتى في شكلها البونابرتي المنحط – تماما كما سوف يكون الحال لثورة أكتوبر البلشفية، في شكلها الكاريكاتوري الستاليني والبيروقراطي في وقتٍ لاحق. كلهم تآمروا ضد فرنسا، وهاجموها، وحاولوا بكل الوسائل خنقها.
تقدم الجيوش النابليونية على جميع الجبهات أعطى هذا الخوف والعداء محتوى ملموسا. وقد استعملت الأنظمة الملكية كل ما لديها من قوة ضد التهديد الفرنسي، و ذلك بمساعدة إنكلترا واحتياطاتها اللا المحدودة من الذهب. استمرت هذه الفترة المتشنجة و المتسمة بالحروب، و الغزوات، ونضالات تحررية وطنية لأكثر من عشر سنوات مصحوبة بفترات من مد و جزر . وبعد أن غزى جيش نابليون الكبير كل قارة أوروبا تقريبا، أصيب بهزيمة شديدة في عام 1812 في “الصحراء” الجليدية الروسية . و بعد تلك الهزيمة، أصبح موقف نابليون ضعيفا و هزم في نهاية المطاف في ” واترلو ” Waterloo من قبل القوات الأنجلو-بروسية في عام 1815.
وقد تميز عام 1815 بكارثتين، بالنسبة لبيتهوفن – واحدة على مستوى الساحة العالمية، والأخرى على مستوى حياته الخاصة: هزيمة فرنسا في واترلو وموت أخيه الحبيب ” كاسبر “. تأثر بيتهوفن بشدة بفقدان أخيه وأصر على الحصول على حضانة ابن كارل وتولي مسؤولية تعليمه. وأثار ذلك صراعا طويلا ومؤلما مع أم الطفل.

اجتاحت الثورة الملكية المضادة كل شىء و انتصرت على كل الأصعدة. فقام مؤتمر فيينا (1814-1815) بإعادة ” البوربون ” les Bourbons على عرش فرنسا. وأطلق ” ميترنيخ ” Metternich و قيصر روسيا حربا عارمة تشبه كثيرا الحملة الصليبية الحقيقية للإطاحة بالنظم التقدمية في كل مكان، فتم مطاردة الثوار والليبراليين والتقدميين الذي تم سجنهم و إعدامهم ، و فرضت حينها أيديولوجية رجعية قائمة على الدين والنظام الملكي ، و هيمنت على إثر ذلك ملكيات النمسا وبروسيا على أوروبا، بدعم من سلاح روسيا القيصرية.
لقد كانت الحروب التي شنتها أوروبا ضد فرنسا تحتوي على مقومات حروب التحرير الوطنية  إلا أن نتائجها كانت رجعية تماما ، فكان ذلك هو الحال في حرب ألمانيا ضد فرنسا كما كان ذلك واضحا جدا في حالة إسبانيا، حيث أن الحركة الوطنية أطاحت بالاستبداد و الهيمنة الخارجية، و لكن المكون الأساسي لتلك الحركة  كان ما يسمى ب ” الكتلة الظلامية ” – أي الفلاحون المضطهدون والأميون و المتلاعب بهم من قبل رجال الدين المتعصبين والرجعيين. فخلال عهد فرديناند السابع كانت الرجعية مهيمنة في إسبانيا حيث تم استئصال الدستور الليبرالي تماما.
و لقد عكست لوحات ” غويا ” المعبرة عن التعذيب و الألم، والتي رسمها في نهاية حياته، جوهر تلك الفترة المضطربة؛ فلوحات و نقوش ” غويا ” تعتبر انعكاسا حيا لزمنه. مثل موسيقى بيتهوفن، لم تكن لوحات              ” غويا ” مجرد فن بل كانت بمثابة  بيانات سياسية واحتجاجات مشتعلة ضد الرجعية و الظلامية. وكما لو أن  ” غويا ” أراد أن يعبر عن احتجاجه، قرر مغادرة اسبانيا والنظام القمعي للخائن فرديناند السابع، حاميه و راعيه السابق. لم يكن  ” غويا ” وحده الذي يكره العاهل الإسباني، حيث رفض بيتهوفن أن يرسل له أعماله أيضا .
في عام 1814، عندما بدأ مؤتمر فيينا، كان بيتهوفن في ذروة عطائه الفني، و لكن تأثر إبداعه بموجة الرجعية التي اجتاحت أوروبا ودفنت آمال جيل بأكمله. في عام 1812، عندما هزم جيش نابليون عند أبواب موسكو، كان بيتهوفن يعمل على السمفونية السابعة والثامنة. ثم، بعد عام 1815، الصمت التام. سيستغرق الأمر ما يقرب من عشر سنوات قبل أن يكتب الفنان سيمفونية جديدة – الأخيرة والأكثر روعة.

شهدت سنوات 1815-1820 انخفاضا حادا في إنتاج بيتهوفن الموسيقي، مقارنة بااكم الهائل الذي انتجه في الفترة السابقة. ففي خمس سنوات لم يألف سوى ستة أعمال رئيسية، من بينها دورة  ” ليدر” lieder – عبارة عن  قصائد مغناة – و An die ferne Geliebte ( ” إلى الحبيبة البعيدة “) ، و آخر سوناتات  للبيانو والتشيلو، و سوناتا ال 28 للبيانو و أيضا السوناتا الرائعة Hammerklavier ،  و هو عمل فني به الكثير من التنافر و التناقضات، مثل حياة الملحن نفسها.
كان بيتهوفن وقتها قد أصيب بالصمم التام، و يمكننا قراءة قصص مؤثرة عن كفاحه لسماع شيء من مؤلفاته الخاصة، التي كانت لديها طابع أكثر تأملا وأكثر انطوائية.  فكانت الحركة البطيئة للسوناتا Hammerklavier ،  على سبيل المثال، مأساوية بطريقة علانية وتعكس شعور الإستسلام
(للاستماع : https://www.youtube.com/watch?v=dehibutpMS8 )
كان صمم بيتهوفن يجبره على عزلة مخيفة، التي تفاقمت بسبب فترات متكررة من الصعوبات المادية. فأصبح مُتَجَهِّما أكثر  و متشككا، مما زاد في عزلته.
بعد وفاة شقيقه، أصبح مَهْووسا بإبن أخيه ” كارل “، و أراد تولي عملية تعليمه. فاستخدم  بيتهوفن علاقاته للحصول على رعاية الطفل، ورفض أي زيارة لأمه. ونظرا لعدم وجود خبرة لديه في هذا المجال، فقد قام الملحن بتربية الطفل بشدة وصلابة مفرطة ، مما أدى ذلك إلى محاولة كارل  الإنتحار – فكانت ضربة قاسمة  لبيتهوفن. تحسنت الأمور في وقت لاحق، ولكن لم تجلب تلك القضية سوى المعاناة للجميع.
فما هو السبب وراء ذلك الهوس الغريب؟ فعلى الرغم من طبيعته الشغوفة ، فشل بيتهوفن في تكوين علاقة مرضية مع امرأة، و لم يكن لديه أطفال. فلقد ركز كل مشاعره في موسيقاه. سوف تستفيد الإنسانية للأبد، ولكن هذا الأمر خلق فراغا في حياة الفنان الشخصية: فلقد  أصبح عجوزا أصما و وحيدا، و يخشى تلاشي كل آماله، فحاول يائسا ملء هذا الفراغ داخل روحه.
أصيب بيتهوفن بالإحباط في المجال السياسي، فألقى بنفسه في ما كان يتصور أنها الحياة الأسرية التي لم يسبق له أن عاشها. يعرف الثوار هذا الوضع بشكل جيد. ففي أوقات الصعود الثوري، يبدو أن المشاكل الشخصية والعائلية ليس لها أهمية، و لكن تكتسب أهمية أكبرفي أوقات التراجع الثوري  و الجذر سياسي، لدرجة أن بعض الثوار يتخلى عن النضال للبحث عن ملجأ في شرنقة الأسرة.

صحيح أن هذه القضية لا تظهر لنا بيتهوفن في أفضل صورة له، وقد حاولت العقول السطحية استخدامها لتدنيس إسم بيتهوفن. ولكن كما أشار هيجل، لا أحد  بطل في نظر خادمه الذي يعرف كل أخطاء و كل غَرابَةُ أطْوار ورذائل سيده. يمكن أن ينتقد الخادم هذه العيوب. ولكن مجال رؤيته لا يتجاوز هذه التفاصيل التافهة – وهذا هو السبب في أنه لن يكون إلا خادما، وليس رجلا عظيما. على الرغم من كل أخطائه، كان بيتهوفن واحدا من أعظم الرجال الذين عرفهم التاريخ.

العزلة

ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك الفترة الطويلة من الرجعية و الجزر السياسي، لم يفقد بيتهوفن أبدا إيمانه بمستقبل البشرية والثورة. لقد أصبح من الشائع اليوم أن نعود بالذاكرة إلى إنسانيته العظيمة. هذا صحيح، إلا أن ذلك لا يذهب بعيدا في التحليل بما يكفي. فلا يمكن أن يوضع بيتهوفن على نفس مستوى دعاة السلام والسيدات المسنات الخيرات الذين يكرسون القليل من وقتهم ل ” قضايا نبيلة”. وبعبارة أخرى، لا يمكن وضع عملاق على نفس مستوى الأقزام.
لم يكن حلم بيتهوفن الثوري إنسانية مبهمة ترغب في أن يكون العالم أفضل دون أن يستطيع الإرتقاء بعيدا عن  الرثاء العاجز والنوايا الحسنة التقية . لم يكن بيتهوفن إنسانيا برجوازيا بل ناشطا جمهوريا ومدافعا متحمسا عن الثورة الفرنسية، رافضا الإستسلام إلى الرجعية المحيطة به و إلى ما كان عليه الوضع في ذلك الوقت، بل إحتفظ بتلك الروح الثورية حتى النهاية و استطاع بتلك العزيمة الصلبة أن يتحمل دون إنحناء إختبارات الحياة التي واجهته. قضى السنوات التسع الأخيرة من حياته في الصمم التام و الكامل كما فقد الكثير من أعز أصدقائه، الواحد تلو الآخر.

 عاش بيتهوفن تلك الفترة في وحدة بائسة، إضطر خلالها إلى التواصل مع الآخرين بالكتابة. كان يهمل مظهره تماما، فأصبح مثل المتشرد. و رغم تلك الظروف المأساوية، عمل  بيتهوفن  على تأليف أعظم تحفه الفنية.

فمثل ” غويا ” في فترته المظلمة، لم يعد يعمل للجمهور، ولكن لنفسه. وأعرب عن أفكاره الأكثر حميمية. كانت الموسيقى في سنواته الأخيرة هي نتاج النضج ، فهي موسيقى عميقة جدا تتجاوز الرومانسية وترشدنا إلى عالمنا المعذب.
في ذلك الوقت، لم تكن موسيقى بيتهوفن تتماشى مع ذوق العام على الإطلاق بل كانت ضد روح العصر. ففي أوقات الرجعية، لا يطلب الجمهور أفكارا عميقة، و ذلك ما كان عليه الحال ، مثلا ، بعد هزيمة                    ” كوميونة باريس “،  حيث كانت أوبريتات ” أوفنباخ ” التافهة ناجحة جدا . فكانت البرجوازية الباريسية تريد أن تنسى العاصفة الثورية، وأن تشرب الشمبانيا و هي تستمتع بحماقات الجوقات النسائية،  و كانت ألحان  ” أوفنباخ ” المبهجة و السطحية  تعكس تلك الروح تماما. ألف  بيتهوفن في ذلك الوقت ” ميسا سوليمنيس ” Missa Solemnis ، الفوغة الكبيرة ( Große Fuge ) وآخر الرباعيات الوترية ( 26 -1824 ) و تعتبر هذه الموسيقى متقدمة على عصرها حيث كانت  تتوغل بعمق في الروح البشرية، و متفردة إلى أبعد الحدود لدرجة أن العديد من معاصري بيتهوفن اعتقدوا أنه أصبح مجنونا؛ و لكنه لم يكترث لذلك حيث كان يسخر من الرأي العام ولم يكن  يخفي آرائه و أحكامه رغم خطورة ذلك ؛ فلم يحمه من السجن و الملاحقة  سوى كونه مؤلف مشهور.
علينا ألا ننسى أن النمسا كانت آنذاك إحدى مراكز الرجعية الرئيسية في أوروبا. ومثلما تم التضييق على الحياة السياسية، تم خنق الحياة الثقافية أيضا. و كانت الشرطة السرية للإمبراطور تراقب كل ركن من أركان الشوارع. وتتتبع الرقابة أي نشاط يحتمل أن يكون ثوري. وفي هذا السياق، لم يرغب بورجوازيوا فيينا المحترمون في الاستماع إلى موسيقى تدعو إلى النضال من أجل عالم أفضل. فكانوا يفضلون دغدغة آذانهم بأوبرات   “روسيني” الفكاهية – و هو ملحن عصري، و بالتالي لم تنجح ” ميسا سوليمنيس ” الرائعة.

وانعكست عذابات  الملحن على عمله الموسيقي الغريب و الذي يعرف بإسم ” الفوغة الكبيرة “، حيث طغى على ذلك العمل الطابع الشخصي   الذي عبر بقوة عن روح و عوالم  بيتهوفن في ذلك الوقت و المتسمة بالصراعات و التجاذبات  و التنافرات و التناقضات. وهذا ما لم يكن يريد الجمهور سماعه في ذلك الوقت.
(الاستماع : https://www.youtube.com/watch?v=wS4PaM5UEFc ).

السيمفونية التاسعة

كان هدف بيتهوفن ، منذ مدة طويلة ، تأليف سيمفونية كورالية ، فاستقى فكرته من قصيدة  ل”شيلر”                 “قصيدة للفرحة“، الذي كان يعرفها منذ 1792. في الواقع، كانت فكرة “شيلر” الأصلية هي كتابة قصيدة للحرية Freiheit. ولكن مع الضغوط الهائلة للقوى الرجعية، اختار كلمة “الفرحة”  Freude. و لكن، بالنسبة لبيتهوفن وجيله، كانت الرسالة واضحة، فإنها قصيدة للحرية.
وضع  بيتهوفن الخطوط الأولى للسيمفونية التاسعة سنة 1816، بعد عام من معركة واترلو. وقد تمت كتابتها بطريقة نهائية بعد سبع سنوات، في 24 -1822. كانت جمعية محبي الموسيقى في برلين تخصص 50 جنيه لسمفونيتين، فكتب بيتهوفن واحدة فقط – و لكن أفضل من أي سيمفونية تمت كتابتها.
ما زالت تلك السمفونية لها قدرة التأثير  و الإلهام و أطلق عليها اسم “مارسيليز الإنسانية ”
(لامارسييز – Marseillaise  La– هو النشيد الوطني للجمهورية الفرنسية، تم كتابته فى عهد الثورة الفرنسية، به كلمات تدعو للحرب و الثورة )، عرضت لأول مرة في فيينا في 7 مايو 1824. في خضم الرجعية العامة، أعربت هذه الموسيقى عن صوت التفاؤل الثوري. إنه صوت رجل يرفض الاعتراف بالهزيمة ويظل ثابتا في مواجهة الشدائد.
الحركة الأولى تنبثق ببطء من سديم صوتي، غير واضح بحيث يبدو أنه ينبثق من الظلام، مثل الفوضى الأصلية التي كان من المفترض أن تسبق الخلق
( الإستماع : https://www.youtube.com/watch?v=2n3R-G38S0U ).

يبدو أن هناك رجل يقول لنا: “نعم، عبرنا من خلال ليلة سوداء، حيث يبدو كل الأمل مفقود. ولكن العقل البشري يستطيع أن ينهض منتصرا من أكبر الظلمات “.
وتتبع ذلك ديناميكية موسيقية استثنائية، مليئة بالتناقضات، وإن كان تقدمها لا مناص منه. هو مثل الحركة الأولى من السيمفونية الخامسة، ولكن على نطاق أوسع بكثير. و مثل السيمفونية الخامسة، هي موسيقى عنيفة – عنف ثوري لا يسمح بأي معارضة ويكتسح كل شيء في طريقه. تلك الموسيقى تعبرعن صراع يتغلب على أصعب العقبات – حتى الإنتصار النهائي.
لم يسمع أحد مثل تلك الموسيقى من قبل  فهي تحتوي على شيء جديد تماما وثوري. ومن المستحيل اليوم أن نفهم أثرها على الجمهور آنذاك. رسالة الحركة الأخيرة – حركة الكورال – لا لبس فيها: “على كل مكونوا الإنسانية أن يكونوا إخوة !” و هي أيضا رسالة بيتهوفن الأخيرة للبشرية و التي تعبر في نفس الوقت عن الأمل – و التوجس.
قاد بيتهوفن أول عرض،  و هو مسن، مهمَل و أصم تماما. لم يتمكن من متابعة الإيقاع بشكل صحيح. فكان لا يزال يلوح بذراعيه بينما توقفت الأوركسترا عن العزف. وعندما أنتهت النغمة الأخيرة، لم يسمع رعد التصفيق الذي رحب بعمله. لبضع ثوان وقف أمام الأوركسترا. ثم أخذته المغنية الكونترالتو ” كارولين أونجر ” Karoline Unger بلطف من كتفيه و وجهته ناحية الجمهور  الذي حياه و صفق له بحرارة  خمس مرات.
فنتج على ذلك ضجة كبيرة دفعت بشرطة فيينا – التي كانت دائما تتبع أي تظاهرة تحتمل أن تكون خطيرة – للتدخل لوضع حد لها ، حيث أن الإمبراطور نفسه لم يحضى بأكثر من ثلاثة تحيات. ألا يعتبر كل هذا الحماس جريمة في حق جلالة الملك؟
كان رد الفعل الغريزي للشرطة صحيحا، حيث كان هناك بالفعل شيء ثوري عميق في السيمفونية التاسعة، من أول إلى آخرنوتة موسيقىة عزفت.

كانت السمفونية التاسعة ناجحة، لكنها لم تجلب الكثير من المال. و كان بيتهوفن يعاني من مشاكل مالية وتدهور صحته حيث أصيب بإلتهاب رئوي واضطر إلى إجراء عملية جراحية ، دون جدوى و من ثمة دام احتضاره  فعرف أربعة أشهر.
توفي بيتهوفن في فيينا في 27 مارس 1827، في سن ال 56 عاما ، و توفي ” غويا ” في نفس العام، و كان أصم أيضا. شارك 25000  شخص في جنازة الموسيقي – مما يدل على إعتراف الناس بعبقريته خلال حياته. وحتى يومنا هذا، لا يزال بيتهوفن حيا أكثر من ذي قبل. يشعر المرء أن هذا الرجل موجود بكل كيانه في مؤلفاته الموسيقية. و كل واحد منا يعتقد أنه عرفه و أحبه دائما.
عظمة موسيقى بيتهوفن هي أنها تتيح  للفرد أن ينصهر  في البعد الكوني ، فهي توحي دوما تقترح بالنضال كوسيلة لتجاوز العقبات و الرقي إلى مستوى أعلى. لقد كانت تلك الموسيقى ثورية، لأنه رغم تعبيرها عن الألم و التمزق، إلا أنها تكشف النقاب عن جوانب من الحالة الإنسانية لم تعبر عنها أي موسيقى قبل ذلك. كانت تلك الموسيقى تعبيرا عن الحقيقة.

خلاصة

كانت السيمفونية التاسعة الكلمة الأخيرة لبيتهوفن و تحديا للقوى الرجعية، التي بدت منتصرة بعد هزيمة الجيوش الفرنسية في عام 1815. وكان هذا الانتصار قد أثار موجة من الإحباط والانهزامية خنقت آمال الذين بحثوا الخلاص في الثورة الفرنسية. فيإس العديد من الثوار السابقين ، وانتقل العديد منهم إلى معسكر العدو. لقد شهد جيلنا وضعا مشابها جدا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
و بدى و كأن  أوروبا إنحنت أمام الرجعية الملكية. من الذي كان يمكنه أن يواجه اتحاد القوى الملكية في أوروبا، مع القيصر الروسي وراء كل عرش  وجواسيس الشرطة في كل الشوارع؟ فقد سحق الاستبداد والظلام الديني كل شيء و ساد صمت القبور في كل مكان. ومع ذلك، في خضم هذا اليأس الشامل، أطلق رجل شجاع رسالة أمل. هو نفسه لم يسمع هذه الرسالة – إلا في رأسه، حيث ولدت.

لم تستطع هزيمة فرنسا واستعادة البوربون لعرش فرنسا أن تمنع صعود الرأسمالية والبورجوازية، ولا إنفجارات ثورية جديدة: 1830، 1848، 1871. و ساد نمط الإنتاج الذي إنتصر في بريطانيا العظمى  و توغل في جميع الدول الأوروبية. وكانت الصناعة والسكك الحديدية والبواخر هي القوى المحركة لتحول عالمي حتمي.
استمرت أفكار الثورة الفرنسية – الحرية، والمساواة، والأخوة، وحقوق الإنسان – في إثارة شغف الجيل الجديد. إلا أن تلك الأفكار قد إمتلأت أكثر وأكثر بمحتوى طبقي. كما أن صعود الرأسمالية رافقه تطور الصناعة والطبقة العاملة، التي كانت تحمل فكرة جديدة ومرحلة جديدة في تاريخ البشرية: الاشتراكية.
كانت أعمال بيتهوفن نقطة انطلاق مدرسة موسيقية جديدة، و هي الرومانسية، التي كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالثورة. في أبريل 1849، أثناء لهيب الثورة الألمانية، قاد المألف الموسيقي الشاب ” ريتشارد فاغنر ” Richard Wagner السيمفونية التاسعة في دريسدن Dresde. حضر الحفل ” باكونين ” الفوضوي الروسي – الذي أثرت أفكاره في ” فاغنر” الشاب -. و قال باكونين بحماس لفاجنر أنه إذا كان من الضروري إنقاذ شيء من أنقاض العالم القديم، سيكون تلك السيمفونية.
بعد 90 عاما فقط من وفاة بيتهوفن، أطاحت الطبقة العاملة الروسية بالقيصر نيكولاس الثاني و لعبت ثورة أكتوبر عام 1917 دورا مشابها  للدور الذي لعبته الثورة الفرنسية. وقد ألهمت أجيالا من الرجال والنساء الذين كانوا يحلمون بعالم جديد أفضل. صحيح أنه في سياق تخلف إقتصادي و ثقافي مروع، تحولت الثورة الروسية إلى كاريكاتير وحشي للاشتراكية، والتي وصفها ” تروتسكي ” Trotsky بأنها بونابرتية بروليتارية. وكما أن ديكتاتورية نابليون أضعفت الثورة الفرنسية وعملت على استعادة البوربون لعرش فرنسا، فإن دكتاتورية البيروقراطية الستالينية ساهمت في عودة الرأسمالية في روسيا.
واليوم، وفي عالم تهيمن عليه قوى الرجعية المظفرة، نواجه حالة مماثلة لتلك التي شهدها بيتهوفن و جيل ما بعد عام 1815. و كما كان الحال في ذلك الوقت، تخلى العديد من الثوار عن النضال . و لكننا لن ننضم إلى معسكر المتخاذلين والمشككين. نحن نفضل أن نتبع مثال ” لودفيغ فان بيتهوفن “. وسنستمر في إعلان حتمية الثورة الاشتراكية. و سينصفنا التاريخ.

و لقد تم تكذيب  مرات عديدة كل أولئك الذين أعلنوا نهاية التاريخ. فالتاريخ لا يتوقف بسهولة! بعد ثلاث سنوات من وفاة بيتهوفن فقط، أطاحت ثورة يوليو 1830 بالبوربون. ثم كانت هناك موجة ثورية سنة 1848- 1849، التي شملت كل أوروبا. ثم كانت هناك ” كوميونة باريس “، أول ثورة حقيقية عمالية في التاريخ، والتي فتحت الطريق للثورة البلشفية عام 1917.
لذلك لا نرى أي سبب للتشاؤم. وتؤكد فالأزمة الحالية تؤكد المأزق التاريخي للرأسمالية. و ما كان سقوط الستالينية سوى مقدمة للإطاحة بالرأسمالية في بلد تلو الآخر، فهو لا يرمز إلى ” نهاية التاريخ “، فهناك موجة ثورية جديدة ذات حجم غير مسبوق مدرجة على “جدول الأعمال”.
إن تراجع الرأسمالية ليس واضحا فقط في التدهور الاقتصادي والسياسي،  بل ينعكس  تدهور و أفول هذا النظام في ركود القوى المنتجة وفي ركود الثقافة بصفة عامة. ولكن ، وكما هو الحال دائما في التاريخ، هناك قوى الجديدة تكافح  تحت السطح لترى النور. و تحتاج هذه القوى إلى صوت و فكرة و إلى راية و شعار جامع لتقاتل. سوف يأتي ذلك، وليس فقط في شكل برامج سياسية. فسيتم التعبير عن هذه الحركة في مجالات الفن والموسيقى والشعر والأدب والمسرح والسينما. لقد أظهر لنا بيتهوفن وغويا، منذ زمن طويل، أن الفن يمكن أن يكون سلاحا ثوريا.
مثل الثوريين الفرنسيين الكبار – ” روبسبيار “، ” دانتون “،”  مارا “، و” سانت جوست ”  Robespierre, Danton, Marat et Saint-Just ، كان بيتهوفن مقتنعا أنه يعمل للأجيال القادمة. غالبا ما كان بعض الموسيقيين يشتكون لبيتهوفن من صعوبة موسيقاه. فأجاب: “لا تقلقوا، إنها موسيقى للمستقبل.” ونفس الشيء يمكن أن يقال عن أفكار الاشتراكية. إنها تمثل المستقبل، في حين أن الأفكار البورجوازية السيئة السمعة و الفاقدة للمصداقية تمثل الماضي. بالنسبة لأولئك الذين يجدون صعوبة في فهم ذلك، نقول لهم: لا تقلقوا ، فالمستقبل سوف يظهر من هو على حق!
وعندما يتطلع رجال و نساء المستقبل إلى تاريخ الثورات والمحاولات المتكررة لإنشاء مجتمع إنساني حقيقي يقوم على الحرية والمساواة والأخوة، سيتذكرون الرجل الذي، بالموسيقى التي ألفها دون أن يسمعها، كافح من أجل عالم لم يتسنى له رؤيته. وسوف يستعيدون نضالات الماضي العظيمة و يفهموا موسيقى بيتهوفن، كلغة نضال عالمية من أجل عالم يكونه رجال و نساء أحرار.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة