بيتهوفن، الانسان، الملحن والثوري (1)

فنون, قضايا

17  سبتمبر  2017

‏”كان بيتهوفن صديقا ومعاصرا للثورة الفرنسية وبقى وفيا لها حتى في فترة ‏الديكتاتورية اليعقوبية؛ تلك الفترة التي أدار فيها الانسانيون ذوي الأعصاب ‏الهشة من أمثال شيلير ظهورهم للثورة وفضلوا تدمير الطغاة على خشبات ‏المسرح بسيوف من كرتون. بيتهوفن هو ذلك العبقري الذي ينتمي إلى العامة ‏والذي كان يحتقر بكل فخر الأباطرة والأمراء والأغنياء وهو أيضاً بيتهوفن ‏الذي نحبه لتفاؤله الثابت، لحزنه الرجولي ولقوة تأثيره المستوحاة من كفاحه و‏من تلك العزيمة الحديدية التي أتاحت له أن يمسك القدر من عنقه.” ايغور ‏سترافينسكي. ‏

إن كان هناك ملحن يستحق لقب “الثوري” فهو بيتهوفن. إن مصطلح “الثورة” ‏‏(‏revolution‏) جاء تاريخياً من اكتشافات كوبرنيك الذي أثبت  أن الأرض ‏تدور ( من اللاتيني ‏‎”revolvere”‎‏) حول الشمس وهكذا قلب رأساً على ‏عقب نظرتنا للكون ولمكاننا فيه. وبنفس المنطق، أحدث بيتهوفن أهم “ثورة” ‏في مجال الموسيقى الحديثة. فمن بين أعماله تسع سيمفونيات،خمس ‏كونشيرتو للبيانو ،كونشيرتو للكمان، رباعيات للوتريات، سوناتات للبيانو، ‏قداسين، ألحان متنوعة وأوبرا ‏. لقد غير بيتهوفن طريقة تأليف وسماع ‏الموسيقى، وحتى مماته، لم يكف بيتهوفن عن خوض أكبر التحديات في ‏مجال التأليف الموسيقي .‏

فبعد بيتهوفن، لم يعد من الممكن الرجوع إلى الوقت الذي كانت تعتبر فيه ‏الموسيقى منوما يستخدمه الأغنياء في بحثهم عن غفوة قصيرة على أنغام ‏سمفونية  قبل أن يعودون إلى مضاجعهم في هدوء. كما أنه لم يعد من ‏الممكن، بعد بيتهوفن، أن يعود البعض لبيوتهم وهم يدندنون بعض النغمات ‏المفرحة. إنها ليست موسيقى تبعث فيك السكينة بل موسيقى تصيبك بالصدمة  ‏و الإرتباك  وتدفعك إلى الإمعان في الشعور والتفكير.‏

السنوات الأولى

في مقارنته لفرنسا وألمانيا، أوضح ماركس أنه خلال الحقبة التي كانت فرنسا ‏تقوم بثورات، كانت ألمانيا تستخدم ذات الثورات في التأمل النظري. في نهاية ‏القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، كانت المثالية الفلسفية تزدهر ‏في ألمانيا. في إنجلترا، كانت البرجوازية تقوم بثورة كبيرة في مجال الإنتاج ‏ومن الناحية الأخرى من المانش، كان الفرنسيون، من ناحيتهم ، يقومون ‏بثورة كبيرة في المجال السياسي. أما في ألمانيا، حيث كانت الروابط ‏الإجتماعية متأخرة عن نظيراتها في فرنسا وانجلترا، لم تقم ثورة إلا في ‏مجال الفلسفة حيث كان كانط، فيخته، شيلينج وهيجيل يتنقاشون في طبيعة ‏العالم وأفكاره بينما كانت شعوب أخرى تغير العالم وأفكار الناس بالفعل. ‏

إن حركة “عاصفة وشغف” (‏‎”Sturm und Drang”‎‏) كانت ظاهرة ذات ‏خصوصية ألمانية بامتياز. كان جوته متأثراً بالفلسفة المثالية الألمانية وخاصة ‏بكانط. ونستطيع أن نرصد هنا صدى الثورة الفرنسية حتى وإن كان صدى ‏بعيدا اقتصر على العالم المجرد للشعر والموسيقى والفلسفة. لقد عكست حركة ‏‏”عاصفة وشغف” تلك الطبيعة الثورية لنهاية القرن الثامن عشر حيث تميزت ‏تلك الحقبة بغليان فكري هائل. فمن خلال هجومهم على إيديولوجية النظام ‏القديم، تمكن الفلاسفة الفرنسيون من استباق أحداث 1789 الثورية. وكما ‏قال إنجلز في كتابه  “الرد على دهرينج”: “إن الرجال العظماء، الذين أناروا ‏العقول في فرنسا للثورة الآتية كانوا هم أنفسهم ثوريين إلى أعلى درجة. ‏هؤلاء الرجال لم يكونوا يعترفون بأي سلطة خارجية مهما كان نوعها. لقد ‏تناولوا بالنقد القاسي كل المفاهيم: الدين، تصورالطبيعة، المجتمع، الدولة؛ ‏فكان على تلك المفاهيم أن تثبت وجودها أمام محكمة  المنطق أو أن تتنازل ‏عن وجودها. أصبح التفكير العقلي الميزان الأوحد الذي يطبق على جميع ‏الأشياء. قال هيجيل عن أنه خلال تلك الحقبة ” كان العالم يمشي على رأسه” ‏ويقصد بذلك أولاً أن العقل البشري والمباديء التي اكتشفها بتفكيره قد ‏أصبحت القاعِدة لكل فعل وتجمع إنسانيان. وفي معنى آخر، يريد هيجيل أن ‏يقول أنه في تلك الفترة كان الواقع الذي يتعارض مع تلك المباديء يتم أيضاً ‏قلبه رأساً على عقب.” ‏

إن تأثير غليان ما قبل الثورة الفرنسية وصل إلى خارج حدود فرنسا حيث ‏أثر ذلك الغليان الثوري على ألمانيا وإنجلترا وصولا إلى روسيا. ففي الأدب، ‏بدأت الأنواع الكلاسيكية تتلاشى تدريجياً. كان ذلك التطور واضحا في شعر ‏أكبر شاعر أنجبته ألمانيا ، فولفجانج جوته   حيث  كانت تحفته الفنية  فوست ‏مشبعة  بروح الجدلية. فلقد جسدت شخصية ميفيستوفيليس فكرة النفي التي ‏تخترق كل شيء. لقد وجد ذلك الإتجاه الثوري صداه في الأعمال الأخيرة ‏لموزارت وخاصةً في صرخة كورس دون جيوفاني المتحمسة: “فلتحيا ‏الحرية!”. ولكن لم تجد الثورة الفرنسية التعبير الموسيقي الأصلي لها إلا مع ‏بيتهوفن.‏

ولد لودفيج فان بيتهوفن يوم 17 ديسمبر 1770 في مدينة بون في ألمانيا. ‏كان والده يوآن- وهو من أصل فلمنكي- يعمل كموسيقي في بلاط رئيس ‏الأساقفة ‏. أجمعت المصادر كلها أن الأب كان صارما، ومتوحشا ومدمنا ‏للكحول. أما والدة لودويج، ماريا ماجدلينا ، فحياتها كانت عبارة عن آلام و‏معاناة وإذعان للبؤس الذي كانت تتسم به حياتها. لم تكن طفولة بيتهوفن ‏سعيدة وذلك يشرح بكل تأكيد طبعه المنطوي والعابس وروحه المتمردة. ‏

كان تعليم لودفيج في أعلى تقدير محدودا حيث أنه ترك الدراسة وهو في سن ‏الحادية عشر. وأول  شخص اكتشف إمكانياته الكبيرة كان عازف الأرغن ‏في البلاط، جوتلوب نيف الذي عرفه على أعمال باخ. ‏

فعندما انتبه يوهان موهبة ابنه المبكرة شرع في تحويله إلى الطفل المعجزة، ‏إلى موزارت الجديد. أصيب  يوهان سريعا بالإحباط لأن لودفيج الصغير لم ‏يكن بموزارت الشاب أبداً. ومن غرائب الأمور أنه لم يكن لبيتهوفن ميل ‏طبيعي للموسيقى وكان من اللازم دفعه. فبعثه والده عند معلمين كثيرين حتى ‏يرغمه على تنمية مواهبه الموسيقية. ‏

بيتهوفن في فيينا

في تلك الفترة، كانت مدينة بون وهي عاصمة ناخبي كولونيا، مجرد مدينة ‏ريفية ساكنة. ولكي يتطور، كان لا بد لبيتهوفن الشاب أن يذهب ليدرس في ‏فيينا بالنمسا. لم تكن العائلة ثرية ولكن تمكن بيتهوفن من الذهاب إلى فيينا ‏المرة الأولى في 1787. قابل هناك موزارت وترك لديه إنطباعاُ قوياً. بعد ‏ذلك، أصبح هايدن أحد معلميه ولكنه سرعان ما عاد إلى بون لأن والدته ‏كانت مريضة جداً. توفيت والدته وكانت وفاتها بداية لسلسلة من المآسي ‏العائلية والشخصية التي سوف تلازم بيتهوفن طوال حياته. في عام 1792، ‏عاد بيتهوفن إلى فيينا وظل هناك حتى مماته.‏

تظهر لوحات تلك الفترة بيتهوفن كشاب عصبي وقلوق تنبىء تعبيرات ‏وجهه بالتوتر الداخلي والطبع الشغوف. لم يكن بيتهوفن حسن المظهر: كان ‏رأسه كبيراً، وكان له أنفا رومانيا ووجها عريضا تغطيه البثور وشعر كثيف ‏كأنه لم يتم تمشيطه من قبل ، وكان يلقب ب “الأسباني” بسبب بشرته ‏الداكنة. كان قصير القامة وسمين وأخرق في تعاملاته مثله مثل أي شخص ‏من العامة. ‏

إن ذلك المتمرد ذو المنظر الرث والمزاج العبوس، لم يكن له أية علاقة برقي ‏الموضة المنتشر في الأجواء الأريستقراطية الرتيبة في فيينا. على غرار ‏جميع الموسيقيين في تلك الفترة، كان بيتهوفن يكسب عيشه من عمولات ‏ومنح الراعين المتبرعين ‏ ولكنه أبداُ لم يتحول إلى ملكيتهم. لم يكن من ‏الحاشية ، مثل هايدن. لا نعلم ماذا كان رأي أريستقراطية فيينا في ذلك الرجل ‏العجيب ولكن عظمة موسياه كانت توفر له عمولات تمكنه من كسب عيشه. ‏

من المؤكد أن  بيتهوفن لم يكن على راحته قط. كان يحتقر الأعراف و‏الأرثوذكسية. لم يكن يعط أي إنتباه لمظهره الخارجي ولا لمحيطه. كان يعيش ‏ويتنفس من أجل موسيقىاه ولم يكن يهتم بالرفاهية المادية.‏

كان بوهيمي وكانت حياته فوضوية. كان مسكنه غير مرتب وكانت تفوح منه ‏رائحة كريهة. كانت قطع الطعام مبعثرة في كل مكان ولم يكن يفرغ مبولة ‏حجرة النوم بشكل منتظم. ‏

تم توثيق موقفه من ناحية الأمراء والأغنياء الذين كانوا ينفقون نقودرهم عليه ‏في لوحة مشهورة نرى فيها بيتهوفن في نزهة مع الشاعر جوته والأرشيدوقة ‏رودولف والإمبراطور.ولكن في حين أن جوته يخلع قبعته ويتنحى جانبا ‏إحتراما للزوجان الملكيان،  يظهر بيتهوفن غير مكترث تماماً ويكمل طريقه. ‏عندما شعر بالإختناق من جو فيينا البرجوازي، كتب بيتهوفن ذلك التعليق ‏اليائس:” طالما حصل النمساويون على البيرة السمراء وعلى النقانق ‏الصغيرة، لن يثوروا أبداً.”‏

الحقبة الثورية

كان العالم الذي كبر فيه بيتهوفن في حالة إضطراب كلي. كان عالم مليئأ ‏بالحروب، بالثورات والثورات المضادة، بالضبط مثل وقتنا الحالي. في ‏‏1776، تمكن المستوطنون الأمريكيون من الحصول على حريتهم في ثورة ‏أخذت شكل حرب تحرير وطنية ضد بريطانيا. كان هذا الحدث بمثابة أول ‏كارثة تاريخية في تلك الفترة. ‏

كانت الثورة الأمريكية تنادي بمثل الحرية الفردية التي أتى بها فلاسفة التنوير ‏الفرنسيين. بعد عدة سنوات، عادت أفكار حقوق الإنسان إلى فرنسا ولكن ‏بشكل أكثر تفجراً. وكان إقتحام سجن الباستيل في 1789 نقطة تحول في ‏التاريخ العالمي. ‏

عندما كانت الثورة الفرنسية في فترة تصاعدها، قامت بإزاحة كل خردوات ‏الإقطاع المتراكمة. لقد أوقفت الثورة شعباً كاملاً على رجليه وتحدت ملكيات  ‏أوروبا بكل شجاعة وتصميم. بدأت الروح التحررية للثورة تنتشر سريعاً في ‏أوروبا. ومن البديهي ان عصور كذلك العصر تتطلب أشكالا وأنماطا جديدة ‏للتعبير الفني. وكانت موسيقى بيتهوفن تلبي تماما ذلك الإحتياج. فكانت تعبر ‏موسيقى بيتهوفن بشكل مثالي عن روح الحقبة. ‏

في يناير 1793، قام اليعقوبيون بقطع رأس لويس السادس عشر فاجتاحت ‏أوروبا موجة من الفزع. وبدأ العداء ضد فرنسا الثورية يتفاقم بشكل ملحوظ. ‏ثم بدأ جزء من “الليبراليين” الذين حيوا الثورة بحماس في البداية، يتراجعون ‏ويتحالفون مع جوقة الرجعية. وأصبح أنصار الثورة محل شكوك ولملاحقات ‏في كل مكان.‏

كانت حقبة عاصفة. فبدأت ، حينها ،الجيوش الثورية للجمهورية الفرنسية ‏الشابة ترد هجوم الجيوش الملكية والإقطاعية في أوروبا بل وانتقلت إلى ‏الهجوم المضاد. كان بيتهوفن، منذ البداية، من أكبر المعجبين بالثورة الفرنسية ‏وكان مستاءا من قيادة النمسا للتحالف الرجعي ضد فرنسا. كانت عاصمة ‏الإمبراطورية مُشبعة بجو من الرعب والشكوك وكثر الجواسيس المأجورين ‏والمدافعين عن النظام ، وسحقت  الرقابة حرية التعبير ولكن ما لم يكن من ‏الممكن أن تقوله الكلمات كان ممكن التعبير عنه من خلال الموسيقى.‏

إن تتلمذ بيتهوفن على يد هايدن لم يكن يسري على ما يرام حيث كان بيتهوفن ‏قد بدأ يطور أفكارا مبتكرة وجديدة والتي لم تكن تعجب ذلك الرجل العجوز ‏المتعلق بشدة بالنمط الأرستقراطي. كان ذلك بمثابة تصادم بين الجديد والقديم. ‏ومع ذلك، بدأ  بيتهوفن يعرف  كلاعب بيانو. كان اسلوبه عنيفاُ، تماماً مثل ‏الحقبة التي كان يعيش فيها. قالوا أنه كان يضرب على البيانو بعنف شديد ‏لدرجة أنه كان يكسر أوتاره. ثم بدأ يُعرَف كملحن مختلف. لقد قام باقتحام ‏فيينا والحصول على نجاح كبير. ‏

أحياناً تلعب الحياة مع الجال والنساء ألعابا قاسية جداً. في 1796، أصيب ‏بيتهوفن بمرض – نوع من أنواع التهاب السحايا غالباً – والذي أثر على ‏سمعه. في عمر الثامنة والعشرين، كان لبيتهوفن شهرة جيدة بالفعل. في ‏‏1800، بدأ يشعر بأول أعراض الصمم. حتى وإن لم يصبه الصمم كلياً فعلاً ‏إلا في نهاية حياته، فإن التدهور الحتمي لسمعه كان عذاباً حقيقياً. أصيب ‏بيتهوفن بالإكتئاب وفكر حتى في الانتحار ولكنه كتب أن موسيقاه فقط هي ‏التي كانت تبقيه على قيد الحياة. إن تلك المعاناة الحادة والصراع من أجل ‏تخطيها قد أثرا على موسيقى بيتهوفن ووهبوها جانباً إنسانياً عميقاً.‏

لم تكن حياته الشخصية سعيدة أبداً. فكان من عاداته أن يقع في حب بنات ‏‏(وزوجات) المتبرعين الأغنياء. كانت تلك القصص توبأ دائماً بالفشل وتقوده ‏إلى فترة إكتئاب جديدة. بعد واحدة من تلك التجارب، كتب بيتهوفن: “إنه الفن ‏والفن فقط الذي حفظني! كان من المستحيل لي أن أترك العالم دون أن أنتج ‏كل ما كنت مهيئاً لأن أنتجه.”‏

في بداية عام 1801، عرف بيتهوفن أزمة شخصية شديدة ‏أوصلته‏ إلى ‏الإنتحار حسب ما ورد  في وصية هيلينجشطاد ‏‎ Heiligenstadt ‎testament‏(وهي عبارة عن رسالة لأخوته). وبعد ما تمكن بيتهوفن من ‏الخروج  من ذلك الاكتئاب اندفع بقوة في طريق الابداع الموسيقي. فكان ‏بإمكان تلك الأزمات التي عاشها بيتهوفن أن تدمر أي إنسان أضعف منه ‏ولكن بيتهوفن حول صممه – وهي إعاقة قوية لدى أي إنسان ولكنها كارثة ‏بالنسبة  لملحن – إلى فائدة. فكانت أذنه الداخلية تقدم له كل ما كان يحتاج ‏إليه حتى يلحن الموسيقى العظيمة. في ذات العام الذي مر فيه بأكثر أزمة ‏مدمرة (1802) لحن سيمفونيته البديعة “البطولية” ‏Héroïque‏.‏

جدلية السوناتا

كان  لموسيقى بيتهوفن ديناميكية جديدة تماما. كان الملحنون، قبل بيتهوفن ، ‏يكتبون مقطوعات هادئة وأخرى عنيفة ولكن الاثنتين كانتا منفصلتين تماماً ‏ولكن مع بيتهوفن فإن المستمع ينتقل من نوع إلى آخر في نفس المقطوعة. ‏كانت تلك الموسيقى تحتوي على ضغط داخلي وعلى تناقض يتطلب أن يتم ‏حله. إنها موسيقى الكفاح.‏

إن السوناتا هو شكل من أشكال العمل على تنظيم المادة الموسيقية. إن ‏السوناتا ترتكز على نظرة ديناميكية للموسيقى: إنها جدلية في جوهرها. في ‏نهاية القرن الثامن عشر، كانت السوناتا تسيطر على الموسيقى الكلاسيكية. ‏فهايدن وموزارت هما من طورا ذلك النمط ودعماه حتى وإن كان وجوده قد ‏سبقهم. في مقطوعات القرن الثامن عشر نرى فقط إمكانيات السوناتا ولكن لم ‏نرى محتواه الحقيقي.‏

إن ذلك يرجع جزئياً إلى التقنية: إن النمط الذي كان يستخدمه بيتهوفن لم يكن ‏بجديد، إنما طريقة إستخدامه لذلك النمط كان مختلفاً. فتبدأ السوناتا بحركة ‏أولى سريعة، تتبعها حركة أخرى أبطأ ثم حركة ثالثة ذو طبع مرح (في ‏البداية كان المينويت ‏menuet، ثم الشيرزو ‏scherzo ‎‏ وهي تعني حرفياً ‏الدعاابة) وينتهي، مثل البداية بحركة سريعة. ‏

ترتكز السوناتا بشكل أساسي على خط التطور الآتي: أ- ب- أ. إنها تعود إلى ‏البداية ولكن بدرجة أعلى. إنه مفهوم جدلي بحت: إنها حركة من خلال ‏التناقض، إنها نفي للنفي ذاته. إن السوناتا بمثابة القياس المنطقي للموسيقى: ‏مقدمة – تطور – موجز (مقدمة ثانية) وفي لغة أخرى: الأطروحة – النقيض ‏‏– الخلاصة.‏

نستطيع أن نرى ذلك التطور في جميع الحركات ولكن يوجد أيضاً تطور ‏جماعي حيث تتصالح فيه  كل المواضيع (التيمات ) المتصارعة. في ‏الcoda ‎‏ الآخيرة (الختامية)، نعود للنغمة الأصلية مما يخلق انطباع بذروة ‏الانتصار. ‏

في نهاية القرن الثامن عشر، كانت السوناتا متقدمة حيث وصلت مع هايدن ‏وموزارت إلى مستوى عاليا جداً. نستطيع إذن أن نقول أن سيمفونيات ‏بيتهوفن كانت بمثابة امتداد لذلك التراث ‏.ولكن تلك الهوية الشكلية تخفي ‏إختلافا جوهريا. ‏

في البداية، كان شكل السوناتا يسيطرعلى مضمونه الفعلي. كان ملحنو القرن ‏الثامن العشر متمسكين باحترام القواعد الشكلية (حتى وإن كان موزارت ‏بمثابة الاستثناء). ولكن مع بيتهوفن، بدأ يظهر مضمون السوناتا الحقيقي. ‏تعبر سيمفونياته بشكل مبهر عن عملية الكفاح والتطور عبر التناقضات. لدينا ‏هنا أحد أرقى أمثلة التوحد بين الشكل والمحتوى. إنه السر لكل فن عظيم. في ‏تاريخ الموسيقى، لم يتم الوصول إلى تلك القمم إلا نادراً. ‏

صراع داخلي

تعتبر سيمفونيات بيتهوفن حداً فاصلاً مع الماضي. حتى وإن بات الشكل كما ‏هو، فإن محتوى وروح الموسيقى كان مختلفاً جذرياُ. بالنسبة لبيتهوفن (ولبقية ‏الرومانسيين الذين تبعوه)، لم يكن الشكل ذو أهمية في حد ذاته بل ولا ‏التناسق والتوازن الداخلي بل المحتوى نفسه كان الأهم. في الواقع، غالبا ما ‏كان التوازن مكسورا في موسيقى بيتهوفن: فكانت هناك مظاهر عدة للاتناغم ‏و الذي كان كان يعبر عن الصراع الداخلي. ‏

في 1800، كتب بيتهوفن سيمفونيته الاولى التي تمتد جذورها إلى هايدن. ‏إنها مقطوعة مشمسة، تخلو من الصراع والنضال اللذان عرفت بها موسيقاه. ‏تلك السيمفونية لا تساعد على التنبؤ بما هو آت. إنما السوناتا للبيانو ‏Pathétique ‎‏ (‏opus 13‎‏) أي المثير للشفقة كانت مختلفة جذرياً عن ما ‏لحنه هايدن وموزارت. كان بيتهوفن متأثراً بنظرية شيلير عن الفن المآساوي ‏‏( التراجيدي) الذي كان يعتبره بمثابة صراع ضد المعاناة.‏

كانت الرسالة واضحة جداً في الحركة  الأولى من‎ Pathétique ‎ذات ‏النوتات اللامتناغمة. إن تلك النغمات ‏ الغامضة يتبعها مقطع مضطرب ‏يعبر عن مقاومة المعاناة. (اسمعوها عبر ذلك الرابط: ‏https://www.youtube.com/watch?v=lq4G3KRAuXc‏). إن ‏الصراع الداخلي الذي تتميز به موسيقى بيتهوفن يعتبر نقلة نوعية بالنسبة ‏لموسيقى القرن الثامن عشر. إنه صوت حقبة جديدة، صوت قوي يطالب بأن ‏يُسمَع. ‏

كيف إذن يمكن شرح ذلك الإختلاف الكبير؟ الإجابة الأولى السريعة والسهلة ‏هي أنه ذلك التطور الموسيقي هو نتيجة لعبقرية ما وذلك صحيح إلى حد ما. ‏إن بيتهوفن هو في الأغلب أعظم موسيقي عرفه العالم ولكن تلك الإجابة غير ‏كافية. لماذا لم تظهر تلك اللغة الموسيقية الجديدة والمختلفة إلا في تلك الفترة ‏وليس قبل قرن مع موزارت وهايدن؟ ‏

إن موسيقى بيتهوفن لا تداعب الأذن فليس من الممكن أن تدندنها وأنت تربت ‏بقدميك. إنها بالأحرى موسيقى هائجة أو إنها انفجار موسيقي، أو ثورة ‏موسيقية تعبر عن روح تلك الحقبة. تلك الموسيقى لا تحتوي فقط  على ‏التنوع بل أيضاً التصادم. كان بيتهوفن يستخدم كثيراً اتجاه الفورساندو ‏forzando ‎‏ الذي يُترجم إلى “هجوم”. إنها موسيقى عنيفة، مليئة بالحركات، ‏وبالإنقباضات والتناقضات.‏

لقد وصلت  السوناتا مع بيتهوفن إلى درجة أعلى نوعياً حيث تمكن من ‏التعبير بقوة وبحميمية عن مشاعره العميقة من خلال ذلك النمط (الشكل ) ‏البسيط. في بعض ألحانه للبيانو، كان بيتهوفن يكتب: “‏sonata, quasi ‎una fantasia‏” أي “السوناتا: تعني تقريباً الخيال” مما يوضح أنه كان ‏يبحث عن حرية تعبير مطلقة. إن بُعد السوناتا تم توسيعه بشكل كبير مقارنةً ‏بشكله الأصلي: أصبحت الإيقاعات (ال‏tempi‏) أكثر مرونة، لدرجة باتت ‏تغير من مكانها. أيضاً، النهاية (الfinal‏)، أيضاً،  لم تعد مجرد تلخيص لمل ‏سبق بل تطوير حقيقي وتتويج لكل ما سبق.‏

وصلت السوناتا في سيمفونيات بيتهوفن إلى درجة من القوة والروعة الغير ‏مسبوقتين. إن الطاقة الرجولية في سيمفونياته الثالثة والخامسة يوضحان ذلك ‏بشكل مثالي. إنها ليست موسيقى مصنوعة من أجل التسلية إنما من أجل ‏تحريك المشاعر والصدمة والدفع إلى الحركة. إنها صوت الثورة. ‏

لم يكن ذلك صدفة: فإن تلك الثورة الموسيقية كانت الصدى لثورة أخرى: ‏الثورة الفرنسية. إن روح الثورة يتخلل جميع نغماته ولذلك فإنه من الصعب ‏فهم بيتهوفن خارج ذلك السياق. ‏

مسح بيتوفن جميع الأعراف الموسيقية القديمة، مثلما فعلت الثورة الفرنسية ‏مع اسطبلات أوجياس الإقطاعية (مظاهرالفساد والعفن السائدان في أزمنة ما ‏قبل الثورة) . لقد كان ذلك النمط الجديد من الموسيقى يفتح الباب للعديد من ‏الملحنين الجدد مثلما فتحت الثورة الفرنسية الطريق إلى مجتمع ديمقراطي. إن ‏جذور تلك الثورة الموسيقية لا  تتوقف عند  الموسيقى نفسها ولكنها تصل إلى ‏المجتمع والتاريخ.‏

السيمفونية البطوليةHéroïque

إن السيمفونية الثالثة لبيتهوفن (البطولية) كانت نقطة فاصلة في حياة بيتهوفن ‏بل في تطور الموسيقى الحديثة ككل حيث أن سيمفونياته الأولى والثانية لم ‏تختلفا كثيراً عما قدماه موزارت وهايدن. ولكن، مع أول نغمات من البطولية، ‏نشعر بسرعة أننا في عالم مختلف تماماً. في الواقع، إن تلك السيمفونية لها ‏خلفية سياسية معروفة.‏

كان بيتهوفن موسيقياً ولم يكن سياسياُ ولذلك فإن معرفته بالأحداث في فرنسا ‏كانت حتمياُ غير مكتملة ومرتبكة. ولكن، حدسه الثوري الغير قابل للخطأ كان ‏يقوده دائماُ إلى الاستنتاجات الصحيحة. كان قد سمع عن صعود ضابط شاب ‏في الجيش الثوري يسمى بونابارت. اعتقد بيتهوفن، مثل الجميع، أن نابلوين ‏هو المُكَمِل للثورة وحامي حقوق الانسان ووفقاً لذلك قرر إهدائه سيمفونيته ‏الجديدة. ‏

لقد أخطأ بيتهوفن– ولكن  كان  خطئه مفهوماً شيئا ما. إنه ذات الخطأ الذي ‏اقترفه البعض عندما اعتبروا ستالين الوريث الحق للينين وبالتالي لمباديء ‏ثورة أكتوبر. ولكن مع الوقت، بدا واضحاً إلى بيتهوفن أن بطله كان بعيداً كل ‏البعد عن مباديء الثورة وأنه كان يعزز نظام يحتوي على أسوأ ميزات النظام ‏القديم. ‏

في 1799، وضع الانقلاب الذي قام به بونابارت نهاية حتمية لفترة الصعود ‏الثوري. في أغسطس 1802، نصب بونابارت نفسه قنصلا مدى الحياة ‏وأعطى نفسه جميع السلطات لاختيار خليفته ثم طلب منه مجلس شيوخ دنيء ‏أن يعيد إدخال مبدأ السلطة الوراثية “من أجل حماية الحرية العامة ‏والمساواة”. هكذا، وبإسم “الحرية” و”المساواة”، قد دعي الشعب الفرنسي إلى ‏أن يضع رأسه في حبل المشنقة. ‏

ولطالما كان الغاصبون هكذا في التاريخ. فلقد حافظ الامبراطور أوغسطس ‏على شكل الجمهورية الرومانية الخارجي وكان يعبر ، برياء ، عن احترامه ‏لمجلس الشيوخ بينما كان ، في ذات الوقت ، ينتهك الدستور. بعد ذلك، جاء ‏كاليجولا- خليفة أوغسطس –  لينصب حصانه عضواً في مجلس الشيوخ. ‏

كان ستالين، قائد الثورة المضادة في روسيا، يعلن نفسه التلميذ الوفي للينين ‏وفي نفس الوقت، كان يحطم كل تقاليد اللينينية. بدأت القواعد السوفيتية ‏للديمقراطية والمساواة العمالية تختفي تدريجياً ويتم إستبدالها بحكم عدم ‏المساواة والبيروقراطية الشمولية. في الجيش، تم استرجاع جميع الرتب ‏والامتيازات التي كان قد تم إلغاؤها في أعقاب ثورة أكتوبر. لاحقاً، أعاد ‏ستالين اكتشاف فضائل الكنيسة الأرثوذوكسية واستعمالها كخادم وفي ‏لنظامه. وبالتالي، فلم يقم ستالين سوى بالسير في طريق كان قد سلكه  قبله ‏بونابارت ، وائد الثورة الفرنسية. ‏

حتى يدين الكل بالاحترام لديكتاتوريته، بدأ بونابارت في نسخ  (تقليد) كل ‏مظاهر النظام القديم: الألقاب الأريستقراطية، الزي الرسمي الخلاب، الرتب ‏وبالطبع الدين. كانت الثورة الفرنسية قد قضت فعلياً على الكنيسة الكاثوليكية. ‏كان عموم الشعب – باستثناء بعض المناطق مثل  منطقة “الفانديه ‏‎ La ‎Vendée‏– يكرهون الكنيسة التي كانت مرتبطة بالنسبة لهم – وعن حق –  ‏بقهر النظام القديم. ولكن، حاول نابليون كسب ود الكنيسة ووقع اتفاقاً مع ‏البابا. ‏

كان بيتهوفن يتابع تطورات الأحداث بقلق. في 1802، كان بيتهوفن بدأ يغير ‏رأيه في بونابارت بالفعل. في رسالة لصديق، كتب في حالة استنكار: “منذ ‏أن وقع نابليون الاتفاق مع البابا وكل شيء يبدو أنه يعود كما كان”. ولكن لم ‏يكن ذلك الأسوأ: في 1804، أصبح نابليون امبراطور الفرنسيين. تم التتويج ‏في كاتدرائية نوتردام يوم 2 ديسمبر. في اللحظة التي سكب فيها البابا الماء ‏المقدس على رأس المغتصب تم القضاء على الدستور الجمهوري. بدلاً من ‏البساطة المتقشفة للجمهورية، بدأت روعة الملكية القديمة المتباهية تظهر من ‏جديد وتمحي ذكرى الثورة التي ضحى من أجلها رجال ونساء كثيرين ‏بحياتهم. ‏

عندما سمع بيتهوفن بذلك الخبر، كان ساخطاً جداً وعلى الورقة التي كتب ‏عليها السيمفونية الثالثة حذف بغضب شديد الاهداء الذي كتبه لنابليون. تلك ‏الورقة موجودة حتى الآن ويمكن رؤية ثقب بها من آثر غضب بيتهوفن ‏عندما حذف الإهداء. ثم قرر بيتهوفن إهداء السيمفونية إلى “ذكرى رجل ‏عظيم” وهكذا ولدت السيمفونية البطولية.‏

لقد أثارت تلك السيمفونية إعجابا كبيرا. قبل البطولية، كانت مدة السيمفونية ‏قرابة النصف ساعة ، بينما تمتد البطولية لقرابة الساعة. كما كانت لتلك ‏السيمفونية رسالة تريد أن توصلها. فللاتناغم والعنف الموجودان في الحركة ‏الأولى هما نداء صريح إلى النضال. كما أن  الإهداء الأصلي كان كافياً ‏لإثبات أن تلك السيمفونية تعبر عن النضال ثوري. ‏

لاحظ تروتسكي أن أغلب الثورات صاخبة بينما الثورة الفرنسية تميزت ‏بفصاحتها وقوة بلاغتها. كان للثورة الفرنسية متحدثين حقيقيين ، مثل ‏دانتون، سان جست، روبسبيار – وحتى ميرابو الذي سبقهم. هؤلاء الرجال لم ‏يكونوا يخاطبون الحشد فحسب، إنما كانوا يخاطبون الأجيال القادمة والتاريخ ‏ولهذا يسيطر اسلوب بلاغي معين على خطاباتهم. هؤلاء الرجال لم يكونوا ‏يتحدثون بل يخطبون ‏. كانوا يبدأون خطاباتهم بجملة لافتة للنظر توضح ‏الموضوع الرئيسي ثم يستطردون بطرق مختلفة قبل أن ينهوا بخاتمة مناسبة. ‏

نلاحظ نفس الشيء في سيمفونية البطولية، حيث أنها لا تتكلم بل تخطب ‏أيضاً. إن النغمتين الأولتين في الحركة الأولى لتلك السيمفونية لا يوجد بينهم ‏تناغم مما يعطي الإيحاء بسماع رجل يطرق على منضدة حتى يطلب انتباه ‏الجمهور- تماماً مثلما يفعل متكلماً في اجتماع ثوري. ثم تنتقل الموسيقى إلى ‏بعض لحظات الصراع والنضال التي تتخللها فترات من التعب العميق ثم ‏ترجع إلى موسيقى الانتصار مجدداً. (اسمعها هنا: ‏https://www.youtube.com/watch?v=tHvztnHOWEQ‏). ‏في تلك الحركة الأولى، نجد أنفسنا في خضم الثورة نفسها بمدها وجزرها، ‏بانتصاراتها وهزائمها، بغلبتها وبمحنها. إنها الثورة الفرنسية في شكل ‏موسيقي. ‏

الحركة الثانية هي بمثابة موكب جنائزي في ذكرى بطل من الأبطال ؛ فهي ‏قوية وصلبة مثل الجرانيت. ويتخلل الحركة البطيئة والحزينة مقطع يذكر ‏بمجد وانتصارات رجلاً قد ضحى بحياته من أجل الثورة. إن المقطع الرئيسي ‏في السيمفونية ، والذي هو بمثابة صرح موسيقي،  يخلق احساسا   غير ‏محتمل بالمعاناة ثم يعود ويختم بالموضوع الرئيسي (التيمة الرئيسية ) ، ألا ‏وهو الموكب الجنائزي ‏la marche funèbre‏. أنه من أعظم لحظات موسيقى ‏بيتهوفن بل الموسيقى بشكل عام. ‏

الحركة الأخيرة لها روح مختلفة تماماً. تنتهي السيمفونية على نغمة تفاؤل. ‏بعد الكثير من الهزائم والانتكاسات وخيبات الأمل، يقول لنا بيتهوفن: “نعم يا ‏أصدقائي، لقد مررنا بخسارة فادحة، لكننا يجب علينا أن نقلب الصفحة وأن ‏نكتب فصلاً جديداً. إن روح الانسان أقوى من أن لا ترتفع فوق الهزائم ‏لتواصل النضال. ويجب علينا أن نتعلم أن نضحك على وقع المحن!” ‏

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة