مليارديرات شعبويون

قضايا

16  سبتمبر  2017

 نشر هذا المقال فى مجلة Jacobins تحت عنوان populist billionaires  وفيه يستعرض الكاتب والمحرر بالمجلة BRANKO MARCETIC التمويلات والدعم المالي الذى قدمه الأغنياء في بريطانيا والولايات المتحدة بالذات للخطاب الشعبوى الأخير ودور هذا الدعم في صعود تلك النزعات اليمينية، سواء في حالة البريكست ، أوفي صعود ترامب . يمكن الاطلاع على النص ألأصليي للمقال عبر الرابط التالي  :-

https://www.jacobinmag.com/2017/08/campaign-finance-alt-right-brexit-donations-ukip-trump

خلال السنوات القليلة الماضية، راقب اليسار الليبرالي برعب شديد صعود مختلف الحركات اليمينية الشعبوية في الكثير من أنحاء أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

فقد كانت زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية (FNF) “مارين لوبان” أحد المرشحين النهائيين لمنصب الرئيس في فرنسا. كما بدا في لحظة ما أن “جيرت فيلدرز”المعادي للإسلام على وشك الحصول على  حصة كبيرة غير مسبوقة من الأصوات في هولندا، وصوتت بريطانيا بفارق أصوات ضعيف لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي. وبالطبع، أصبح “دونالد ترامب” رئيسا للولايات المتحدة.

وقد صُوِرَت هذه الانتصارات الانتخابية كلها، وعن حق باعتبارها نتاج للغضب والنشاط الشعبوي. فبعض الأصوات التي ذهبت لليمين الشعبوي كانت أصوات احتجاج وإحباط في مواجهة ما طُرح باعتباره بديلا اقتصاديا وسياسيا “أفضل”. البعض كان مدفوعا بالقلق من الوضع الاقتصادي وبرفض يائس لسياسات الليبرالية الجديدة التي فشلت مرارا وتكرارا في تنفيذ ما وعدت به. والبعض الآخر كان تعبيرا عن مشاعر قومية قبيحة وكارهة للأجانب. والكثير من الأصوات كان يحمل مزيجا من العوامل الثلاثة.

إلا أن عنصرا واحدا مشتركا بين عدد من هذه الحركات غالبا ما يُترك دون ذكر، وهو دور الأموال الطائلة التي ضخها بعض أغنى أغنياء العالم (خاصة في الولايات المتحدة).

يكمن التناقض الكائن في قلب هذه الحركات اليمينية الشعبوية في أنها رغم كونها نتاج للغضب الشعبي – وتبدو كأنها تمثل رفضا لعالم معولم شديد التواصل  تهيمن عليه النخب – إلا أنها أيضا تمثل قطاعات من تلك النخب التي تساعد في دعم هذه الحركات.

في المملكة المتحدة كانت الحملة من أجل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي وحزب الاستقلال البريطاني ( UKIP) –  الحزب اليميني المعادي للاتحاد الأوروبيوالذي دفع إلى وضع الانفصال على الأجندة السياسية للبلاد، كان الاثنان ممولين من “أرون بانكس” وهو مليونير بريطاني يدير أكثر من 40 شركة . كوّن”بانكس”ثروته بالأساس من  عمله في قطاع التأمينات، رغم أنه يمتلك أيضا عددا من شركات الخدمات الأمنية والمعلوماتية ، وخمس مناجم للماس في إفريقيا، وتقدر ثروته بما يصل إلى 240 مليون جنيها إسترليني،  لكن الرقم الحقيقي لقيمة أمواله يبقي خفيا حيث ارتبط الكثير منها بشبكة غير معروفة من الشركات في ملاذات خارجية منخفضة الضريبة. (ويدافع“بانكس” عن هذه الممارسة بقوله أنه “مواطن أممي”.

دفع بانكس بـ8.5 جنيها إسترليني (حوالي 11 مليون دولارا أمريكيا) من ماله الخاص لدعم الحملة المناهضة للاتحاد الأوروبي، من بينها مليون جنيها إسترليني دعما لحزب الاستقلال و 7.5 مليون جنيها إسترليني للانفصال عن الاتحاد الأوروبي. والأرجح أنه تبرع بأكثر من ذلك، حيث لم تتم مراقبة أو تقييد الإنفاق قبل “فترة مراقبة الإنفاق” التي تنص عليها السياسية البريطانية والتي تمتد لأسابيع أو شهور أو حتى عام قبل أي انتخابات. وقد تبدو هذه المبالغ نقطة في بحر مقارنة بالأموال الطائلة التي تنفق في النظام السياسي في الولايات المتحدة، ورغم ذلك فقد جعلت من بانكس المتبرع السياسي الأكبر في تاريخ السياسة البريطانية.

وبالرغم من استحالة قياس تأثير تلك الأموال على انتخابات حُسمت بفارق قليل في الأصوات لصالح “البريكست”، إلا أن الأرجح أنها دعمت حملة الانفصال عن الاتحاد ألأوروبي التي ركزت على ترهيب المواطنين من المهاجرين وكادت أن تتسم صراحة بالعنصرية. وقد ذكر أحد المشاركين في الحملة “أن ذلك [الدعم] كان حاسما في النتيجة”.

لعب “بانكس”اللعبة الشعبوية جيدا، فقد شكا للنيويورك تايمز  التمايز المشين في مستويات الثراء في المملكة المتحدة. إلا انه في نفس الوقت بدأ في استخدام قاعدة البيانات، التي تشمل ملايين الناخبين والتي وضعتها الحملة، للترويج لنشاطه التأميني.

تعرف“بانكس” على “نايجل فاراج”، القيادي في حزب الاستقلال والوجه المعروف في حمله مغادرة الاتحاد الأوروبي، من خلال  مليونير آخر، هو “جيم ميلون”، الذي صنع ثروته من التنقيب عن اليورانيوم في روسيا في التسعينات، والذي لا يقيم في المملكة المتحدة.  وقد تبرع“ميلون” أيضا بحوالي مائة ألف جنيها إسترليني لحملة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

ليس فيما سبق أي مبالغة. فقد وجدتدراسة أجريت العام الماضي أن عشر متبرعين أثرياء مولوا وحدهم أكثر من نصف تبرعات حملة الاستفتاء الخاص بالاتحاد الأوروبي، من بينهم ست ممولين مؤيدين للانفصال.أحد  هؤلاء الستة كان “بيتر هارجريفس” مؤسس لشركة خدمات مالية، الذي تبرع بـ2.3 مليونإسترليني لصالح حملة الانفصال

إنه نمط متكرر. ففيالماضي كانأكبر داعمي حزب الاستقلال من الأغنياء وملاك الأندية في بريطانيا. على سبيل المثال، “نيل فاراج” الرجل المرتبط ارتباطا وثيقا بحزب الاستقلال والذي يطرح نفسه باعتباره رجل الشعب، هو مليونير كوّن ثروته من التجارة وأثرى كثيرا من فترة عضويته في البرلمان الأوروبي ويكاد أن يكون نموذجا ساخرا لثراء الطبقة العليا البريطانية، فنجد، على سبيل المثال، الفقرة التاليةفي سيرته الذاتية في وصفه لبداية عمله في التجارة:

أكلت العشرات من المحار، وشربت كوكتيلات الشمبانيا واسترخيت وسط الشجيرات، والمشاحنات، والقهقهات والدوائر الجيدة. وقمت بزيارة البورصة وبنك لويدز والغرف المالية أبحث عن مكان لي. كنت أعرف شيئا واحدا فقط. لم أكن أريد أن أعرف باعتباري “صبي شخص ما”، وكان والدي شخصية معروفة في البورصة. . . وقد وجدت الحل حيث توجد الكثير من الحلول، على ملعب جولف.

سوف نجد أمورا مماثلة بين مؤيدين بارزين آخرين لحملة البريكست. “بوريس جونسون”، على سبيل المثال، ربح أكثر من 1.3 مليون جنيها إسترلينيخلال الثلاث سنوات الأولى من عمله كعمدة لندن ، ويصفالـ 250 ألف جنيها إسترلينيالتييحصل عليها مقابل كتابته عمود في جريدة بأنها مثل “فتات الطعام” . كم هو نخبوي ذلك الوجه المعادي للنخبوية!

ولا يقتصر هذا الأمر على المملكة المتحدة. في هولندا كان أكبر داعم مالي لـ “جيرت وايلدرز” وحزب الحرية الهولندي اليميني هو “مركز ديفيد هورويتز للحرية”وهو مؤسسة أمريكية تمول عددا من المؤسسات المحافظة والمعادية للمسلمين مثل  “مرصد مراقبة الجهاديين” (Jihadi watch) . منحت المؤسسة الحزب  مبلغا قدره 108.244 جنيها إسترليني في 2015، وهي أكبر منحة فردية لسنة واحدة شهدها النظام السياسي الهولندي، رغم أنها منحت للحزب عبر عدد من السنوات إضافة إلى تمويل رحلات “وايلدرز” إلى الولايات المتحدة.

وقد تلقى المركز بدوره أموالا من العديد من الممولين الأمريكيين الأثرياء، شملوا “أوبري شرنيك” مبرمج قيمته حوالي بليون دولارا، ومؤسسة “سارة سكايف” التي كان يدرها الراحل “ريتشارد ميلون سكايف، الذي وصفته الواشنطن بوست في عام 1999 “باعتباره الممول الأكثر سخاء للقضايا المحافظة في التاريخ الأمريكي؛ ومؤسسة “برادلي” التي تبرعت ما بين أعوام 2001 و 2009 لدعم مواقف محافظة بأموال بقيمة ما تبرعت به مؤسسة “ساكايف” ومؤسسات “كوش” أخرى مجتمعة.

“ملتقى الشرق الأوسط” هو منظمة يمينية أخرى مدعومة بالكثير من الأموال، تهرع  لى مساعدة “وايلدرز” وقت الحاجة،  ودفعت مبلغا كبيرا من المال لصندوق الدفاع القانوني عن “وايلدرز” حين تمت مقاضاته بسبب اتهامه بنشر خطاب الكراهية . يحصل المنتدى على تمويله من مؤسسة برادلي ، و الممولين المدعومين من مؤسسة كوش ، وكثيرين غيرهم.

نأتي أخيرا إلى الولايات المتحدة وصعود “دونالد ترامب” إلى الرئاسة. لقد كان انتصار “ترامب” بالطبع انجازا سياسيا فريدا، يتحدى نظرية الأموال، حيث انه مدفوع بكل من الغضب الشعبي وغياب الحماس الشعبي لمنافسه [هيلاري كلينتون]. لكن “ترامب” والحركة التي ساهم في إيقاظها كانا أيضا مدعومين من نسبة الواحد بالمائة.

كان الملياردير وعالم الكومبيوتر “ربورت ميرسر”، الذي مثلت ابنته”ربيكا”قوة دافعة وراء صعود ترامب، من أكبر ممولي حملته الرئاسية. كما أنهم اكبر الداعمين الماليين فى حملتة. كما مول بعشرة مليون دولارا أمريكيا “وكالة أنباء برايتبارت”، وهي، بحسب كلمات “ستيف يانون” الخالدة، “المنصة الإعلامية لليمين المتطرف”.

إلا أن دعم “ميرسر” لحركات اليمين المتطرف لم تتوقف عند الجانب الأمريكي من الأطلسي. ففي العام الماضي تحالفت شركة المعلومات التي يملكها “كامبريدج أناليتيكا” مع حملة “غادروا الاتحاد الأوروبي” لتجعل من البريكسيت أمرا واقعا، وهي الخدمة التي قدمها “ميرسر” بدون مقابل. وقبل وقت قليل اتضح أن شركة المعلومات التي استخدمتها حملة “صوّت للمغادرة” – وهي حملة أخرى لصالح البريكسيت – مرتبطة هي الأخرى “بميرسر”. (حين اتضحت هذه الصلة بدأ أعضاء حملة “غادروا الاتحاد الأوروبي”، بدون أي منطق، في إنكار أي دور لشركة  “كامبريدج أناليتيكا”، رغم الترويج لها علنا على مدى شهور).

كذلك تلقى “ترامب” دعما ماليا من العديد من المليونيرات المحافظين، بما في ذلك “بيتر ثيل” و”شيلدون أديلسون“، عوضا عن كون “ترامب” ذاته (فرضا) ملياردير، وأن تثروة “ستيف يانون”، الرجل الذي افتُرض لفترة طويلة انه من يدير الحملة، تصل إلى ما يقرب من 48 مليون دولارا أمريكيا. (كذلك تصادف أن يكون “بانون” نفسه المالك لشركة “كامبريدج أناليتيكا” أثناء استفتاء البريكست .

لكن، وبعيدا عن المال والجهد اللذين ساهما مباشرة ي حملة “ترامب” (والبريكسيت)، فإن أغنياء الولايات المتحدة كانوا، قبل ذلك بكثير، قد هيئوا الشروط اللازمة لصعود “ترامب”. لعقود كان الممولون الأثرياء يدعمون شبكات مهولة من بيوت الخبرة والمنظمات والكتب والمفكرين من أقصى اليمين، مما ساهم في صعود النزعة القومية الجديدة وتوفير السياق الذي أدى في النهاية إلى نجاح “ترامب”.

منذ 6 سنوات،أصدر “مركز التقدم الأمريكي” تقريرا بعنوان “الخوف: جذور شبكة الإسلاموفوبيا فيأمريكا”، الذي أظهر أن مجموعة صغيرة من المؤسسات المحافظة والممولين الأثرياء هم من يغذون شبكة الإسلاموفوبيا في أمريكا”، ومن بين أضخم سبع مؤسسات في هذه الشبكة أسماء أصبحت معروفة لدينا مثل مؤسسة “برادلي” ومؤسسة “ريتشارد ميلون سكايف” وصندوق رأس مال الممولين.

يتشابه الأداء حين يتعلق الأمر بمناهضة الهجرة. فعائلة “سكايف” هي المصدر الأضخم لتمويل حركة مناهضة الهجرة اليوم، بالإضافة إلى مؤسسةكولكوم التي أسستها “كورديليا سكايف ماي” المدافعة عن البيئة والحد من السكان –والتي تبرعت بمبلغ 79 مليون دولارا أمريكيا لجماعات مناهضة الهجرة خلال عقد واحد انتهى في عام 2013، مما جعلها أكبر ممول للحملات المعادية للهجرة. كذلك تبرعت ثلاث من أربع مؤسسات ديرها أفراد في أسرة “سكايف” بأموال طائلة لمجموعات مثل مجموعة “فير” المتطرفة في معاداتها للهجرة ومركز دراسات الهجرة ومؤسسة بروانجليش”.

في سياق متصل كشفموقعبازفيدحديثا دور المليونير السبعينى العنصري “ويليام اتش ريجنيري الثاني” فى دعم الحركات العنصرية البيضاء لما وصلت اليه الآن من سطوة. “ريجنيري”، وريث ثروة هائلة تكونت من نشر الكتب المحافظة، مول عددا من مؤسسات وجماعات النشر من أقصى اليمين، مثل جمعية “شالرز مارتل” (على اسم قائد فرنسي صد تقد المسلمين في أوروبا) التي بدورها أسست “المعهد الوطني للسياسات” على أقصى اليمين. وقد عين “ريجنيري” “ريتشارد سبنسر” لرئاسة المعهد في 2011.

يأتـي نصف تمويل البنية التحتية للمعهد من “ريجنيري” نفسه بما قيمته 380 ألف دولارا أمريكيا، كما يتلقى سنويا تبرعات بقيمة 580 ألف دولارا أمريكيا منذ عام 2001. إنه مبلغ صغير مقارنة بمبالغ أخرى؛ لكن، بحسب “ريجنيري”،”فإن تبرعاته أعطت زخما أكبر للدولارمن من تبرعات مؤسسات أخرى مثل كوش، أو سورس”. وصرح “سبنسر” لبازفيد بأن المعهد ما كان ليتواجد دون دعم “ريجنيري” . كما أن “سبنسر” نفسه، كما هو معروف الآن، هو نتاج ثروة عنصرية عتيقة، ناهيك عن تعليم نخبوي، مثله مثل من نظموا وتظاهروا أخيرا في شارلوتفيل.

يبدو كل هذا للوهلة الأولي أمرا غير منطقي، فالافتراض العام هو أن كراهية الأجانب ومعاداة الهجرة هي مواقف الطبقة العاملة البيضاء، الأمر الذي يفسر نجاح ترامب والبريكسيت بين هؤلاء الناخبين. لكن تحليل البيانات، مثل ذاك الصادر عن فوكس، يرسم صورة أكثر تعقيدا، حيث يكشف أن أكثر نخب الممولين نشاطا يعتنقون آراء أكثر عداءا للهجرة وسلطوية عن الآخرين، بما في ذلك الأثرياء الآخرين الذين لا يمولون السياسة.

ليس المقصود هنا أن نقول أن هذه الحركات والأفكار لا تتجاوز كونها وليدة الأموال، ولا أن أقصى اليمين كان سيفشل دون دعم كبار الممولين. ذلك أن حزبا أسسه نازيون كاد يفوز في انتخابات النمسا رغم أن الانتخابات هناك ممولة من المال العام، كما أن “مارين لو بان” لاقت نجاحا كبيرا رغم القيود المفروضة من القانون الفرنسي لتمويل الحملات (رغم أنها هي أيضا تأتي من أصول أقل من متواضعة)

بل هي حركات قاعدية بوضوح، مثل “حزب الشاي” أو الحركات المحافظة الأخرىفي النصف الثاني من القرن العشرين بشكل عام،ساهم في نجاحها بدرجة كبيرة الأموال الطائلة التي مُنحت لها.

إن صعود أقصى اليمين ليس مرتبطا بمن يقبعون في أسفل السلم الاجتماعي فحسب. بل أن مشاكل أقصى اليمين الشعبوي هي نفسهامشاكل الرأسمالية، والقوانين والآليات القانونية التي تسمح لرأس المال الكبير بأن يمد مخالبه أينما يستطيع.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة