مؤخرات عظيمة

قضايا

15  سبتمبر  2017

    كنت نائمًا كالموتى، فأيقظني “عصام”؛ وكان يحب أن يخبرني بكل شيء  يدعوه للتعجب في هذا السجن اللعين؛ بدأ الحديث من دون مراعاة لكوني نائمًا أو ميتًا:

= جاءني سجين جنائي، وقال أنه من طرف عمّ محمود.

– ما المبهر في هذا؟

= دخل حمام الزنزانة، ووضع يده في مؤخرته.

– أرجوك لا تقل أنه كان يريدك أن..

= لا، ياسيدي، وضع يده في مؤخرته وأخرج شيئًا مغلّف بكيس بلاستيكي، وقال خذ.

– صباح القرف، وأخذت؟ّ!

ضحك عصام وقال:

= نعم أخذت؛ تخيل ما الذي أخذته في الكيس؟

– انجز، أريد النوم.

= موبايل.

انبهرت فعلًا، واعتدلت في جلستي، إن فكرة أن يحمل أحدهم هاتفه في مؤخرته، فكرة مبهرة، خصوصا لنا نحن الذين لا نتحمل وضع اللبوس في وقت المرض.

أكمل عصام: لما عرفت أنه موبايل، فرحت به جدا، وتجاهلت رائحة الخراء، بل وتجاهلت الخراء نفسه، والذي كان واضحًا على الغلاف.

  ظننت أن الأمر قد انتهى، وأن عصام قال ما دعاه للتعجب وانتهى، ولكنه أكمل حديثه:

– أخذت الهاتف المحمول لأحاول إخفاءه، لكن السجين ناداني:- “انتظر يا زميلي”.

– لا تقل أنه كان يريدك، أرجوك.

= يا عمي قلت لأ، أخرج الشاحن بنفس الطريقة ومن نفس المكان!

رغم اعتقادي بأن عصام لديه خيال واسع، وإيماني بأنه لا يمكن لأي مؤخرة في التاريخ أن تتحمل كل هذا، إلا أنه بعد مرور أيام بدأت أصدق القصة، نظرًا لما رأيته من أعاجيب داخل هذا المكان، السجن يحمل بين جدرانه آلاف القصص العجيبة!

عم محمود، رجل أعمال، قبض عليه لأنه يحمل اسمًا شبيهًا لأحد الجناة، ولما بذل مجهودا في إثبات أنه الشخص الخاطئ؛ قالوا له “لا تتعب نفسك، ولا تزعل روحك” وبدلوا الاسم في أوراق القضية وكتبوا اسمه.

كان برفقته سجين جنائي، ولكنه سجن مع السياسين لكونه متهمًا في حرق قسم التبين، يُدعى “بربئ” كان جميع الشاويشية والمخبرين والسجناء الجنائيين يخشونه، وكان سندًا لعم  محمود، ولنا.

جاء “بربئ” يومًا بصحبة أحد الجنائين، وكان لا يمكن أن نرى ملامح وجه هذا الجنائي من كثافة الجروح الطولية التي ملأت وجهه، وهو أسلوب عراك يطلق عليه السجناء “الجرّار”، والجرار عبارة عن حذاء ومثبت في أسفله شفرات عديدة بجوار بعضها، ولما تصيب أحدهم لا يمكن خياطتها نظرًا لقرب الجروح من بعضها.

قدم “بربئ” الجنائي لعم محمود:

– حسن، ولد جدع، من عنبر الجنائيين، وأمين، ولا يمكن أن يبوح بأسرارنا لمخلوق.

 سأله عم محمود:

– هل تستطيع رفع تليفون كبير يا حسن؟ أقصد تليفون يدعم الإنترنت؟

= تصدق بالله يا عم “محمووووأ”.

– لا إله إلا الله.

= عليّ الطلاق، أنا على استعداد تام لأن أرفع هذه الحقيبة.

   وأشار إلى حقيبة ملابس تخص عم محمود، وهي حقيبة كبيرة جدًا. هنا تدخل “بربئ”:

– لا يا .. أمك، لا نريد أن تجعل رائحة الحقيبة كريهة كوجهك، نحن نريد الهاتف.

= تحت أمرك يا كبير.

سأله عم محمود للتأكيد:

–  يعني مالي مؤخرتك؟ (لم يقل مؤخرتك، قالها بالعامية).

وأكد السجين على عم محمود أنه “ماليها”.

وضع “بربئ” بعض قطرات الصابون في إناء كنت أحضّر فيه وجبة “الإندومي” الساخنة التي أحببتها في الشتاء، وكان يمرر بعض الأموال في الإناء، ثم يضعها في مكان جاف. سألته:

– ماذا تفعل؟

= خد شم يا أبو حميد.

أخذت الأموال التي لم تمر على مسحوق الصابون بعد، ووضعتها بالقرب من أنفي؛ فشممت رائحة الخراء تنبعث وكأنها رائحة مركزة صنعت خصيصًا كي تترك أثرًا سيئًا في النفوس نحو 20 عام. ضحك بربئ، وكان رجلًا خفيف الظل جدًا، ولكني كرهته حينها خاصة عندما قال بكل بساطة

= هذه الأموال كانت مخزنة في مؤخرة عمك “بريعة”!

صرخت، ورميت الأموال على الأرض، وانتظرت أن تأتي المياه، ولكنها لا تأتي في مثل هذه المواقف، ولما جاءت بعد صبر طويل بقيت تحتها نحو ساعتين، وكان الجو باردًا جدًا، وفي أثناء نومي حلمت بأنني وقعت في خرارة الحمام.

أجريت أول مكالمة هاتفية لي من داخل السجن؛ كان الهاتف قد خرج طازجا، من مؤخرة السجين الجنائي لأذني مباشرةً. وضعت الهاتف على أذني من دون اكتراث لمصدره، فكنت قد نسيت شكل الهاتف. وهو هاتف صغير صيني الصنع، ويبدو من صغر حجمه أن الصين قد صنعته خصيصًا ليوضع في مؤخرات سجناء مصر، كل شيء محسوب في الصين صدقوني. أجريت مكالمة تخطت دقيقتين، مقابل علبتين سجائر، تحدثت مع أمي؛ بكيت بعدها، حزنا على فراق أمي، وبكيت من رائحة الخراء.

 في سجون دول تحترم الإنسانية لا يضطر السجناء لوضع الهواتف في مؤخراتهم، فقد قرأت “التجربة النرويجية” لـ بلال فضل والتي قال فيها “تصنف 36% من سجون النرويج على أنها منخفضة الأمن، حيث يسمح للسجناء بعدد غير محدود من المكالمات الهاتفية دون حاجة إلى أن يخبئوا شرائح المحمول في أماكن حساسة، بل تسمح لهم بإجازة أربعة أيام شهريا، لحثهم على السلوك الحسن خارج السجن”.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة