ظِل متسق مع ذاته جدا ( قصص قصيرة)

فنون

14  سبتمبر  2017

القاع

‎- ‎يا إخوانا براحة، نساع بعضينا..الخرا هيكفينا كلنا‎.‎
يشير بأعلى صوته في حماسة، كأنه يعطي الأمل لبائسين أوشكوا على الغرق، والعرق يتصبب بشدة عن جبينه، وهو ‏واقف على برميل كبير أمام طوابير من الزحام تتدافع بشدة لأجل اللحاق بالسلعة التي يقوم بتوزيعها مجانا‎.‎
يسمع همهمات غير مفهومة، وصراخ يتعالى من الجمهور المتدافع، فيعلوا صوته مرة ثانية، وهو يتدرع بنبرة حكمة ‏هذه المرة‎:‎
‎- ‎طب براحة..الصبر حلو يا إخوانا، إنت يا عم يا اللي جاي تزق، دورك لو سمحت. ارفع الكارت بإيدك اليمين عشان ‏يبان الرقم. أيوة كده. الله ينور عليك، عايزين نبان متحضرين بقى‎.‎
يتعلق أحد الجمهور بالأسفل في ركابه، مستحلفا إياه، وهو يقول‎:‎
‎- ‎اتوصى بالخرة شوية والنبي‎.‎
‎ ‎ينظر للرجل الخمسيني، الذي يرتدي نظارة قعر كوباية، متربة، تتماهى لمعتها في الشمس مع لمعة صلعته التي تبقَّى ‏عليها بضع شعيرات قام بترجيلها على الجنب الأيسر كي يغطي الصلعة المكشوفة. لكن بلا فائدة، العرق يملأ منحنيات ‏وجهه النحيل الأسمر، فاتحا فاه كاشفه عن صف أسنان صفراء مبقعة. وهو يستغيث‎:‎
‎-‎والنبي والنبي والنبي‎.‎
يهتف فيه رجل البرميل قائلاً بصوت مبحوح، وكأنه يخاطب الجمع بأكمله‎:‎
‎-‎اقفوا في الطوابير يا إخوانا، الناس كلها هتدوق، بس كل واحد يجهز معلقته‎.‎
يرد عليه الرجل الذي يرتدي نظارة، بصوت استغاثي أقرب للبكاء‎ :‎
‎-‎أدوقه، أدوقه والنبي حتى لو من غير معلقة‎

______________.‎

بصمة حضور

ظل ساعة كاملة يُراجع قائمة الديون المتراكمة عليه لأشخاص قريبين وبعيدين عنه مثل أصدقائه بالعمل، وأصدقاء ‏الكُلية القُدامى، وبقال الكشك المجاور للعمارة التي يسكن بها، ومورد البانجو بالمنطقة‎.‎
لا يدري من سيُسدد هذه الديون، لكنه وضع القائمة المنظومة في ورقة تحت وسادته على أية حال لعل أحدًا يتعطف ‏عليه فيدفعها عنه، يخشى كثيرًا من محاسبة الرب إن قابله مع هذا الكم الضخم من الديون للبشر، هذا هو الأمر الوحيد ‏الذي يتذكره من مواعظ أبيه الدينية له قبل أن يَكفُر ببقية مواعظه الأخرى عن النساء والكذب والصلاة وشرب ‏المخدرات والخمر‎.‎
في لا مبالاة شديدة فتح ورقة مغلقة بلاصق بلاستيكي أصفر باهت، تناول منها سم “السيانيد” قبل أن يستلقي على ‏سريره‎ !‎
حَلِمَ أحلامًا جنسية قصيرة متتابعة، ثم استيقظ بعدها على انفجار المنبة المزعج الذي ضرب أذنيه بقسوة، ألقى نظرة ‏طويلة على الورقة الملقاة أسفل سريره والتي كانت تحتوي السيانيد، نظر إليها بشيء من التأنيب والاحتقار، لم يتمكن ‏من الانتحار كالعادة، في هلع شديد أسرع بارتداء ملابسه خوفًا من التأخر على البصم في ماكينة الحضور، والخصم ‏الذي سيناله بعدها‎.‎
_____________

ظل متسق مع ذاته جدًّا

لم يستطع ظلُهُ أن يتحمله أكثر من ذلك‎.‎
منذ فترة أقسم أن يتسق مع ضميره أكثر من اتساقه مع صاحبه، لذا اختار أن يسير في عكس الاتجاه الذي يسير فيه ‏الأخير. عندما كان يذهب للصلاة بالمسجد كي يثبت للناس مدى تقواه، كان يقف ظلُه خارج المسجد يَعُد ويتمعن ببلاهة ‏في أحذية المصلين‎. ‎
عندما كان صاحبه يكتب على الفيسبوك نصا زاجرا يأمر الناس فيه بالتعفف، أو ينشر دعاءا لشيخ شهير، كان ظلُهُ ‏يتفحص في الصدور النافرة بالصور العارية في صفحات السكس التي قام صاحبه بمتابعتها‎.‎
عندما مات شُيِّع إلى المقابر، فيما جرَّ ظله قدميهِ إلى بيت دعارة كان يرتاده صاحبه قبل مماته، كانت المرة الوحيدة ‏التي أراد فيها ظِلُه أن يجرب-منفردا- حتَّى ولو لمرة واحدة‎. ‎
________________

طابور الكِيفْ

بعد زيادة التضخم، وارتفاع الأسعار بشكل موحش اضطر لعمله الحالي بجوار عمله القديم كمراجع في قسم الحسابات ‏في وزارة الزراعة، ونتيجة لزيادة دخله من عمله الثاني، رفع لإدارته طلبا بأجازة بدون مرتب لمدة سنة ليتفرغ للعمل ‏الذي زاد الطلب عليه رغم الكساد الذي عمّ بأنحاء البلاد‎.‎
كان يقف على ناصية الشارع وبجواره صندوق من الخشب المطلي بطلاء رخيص أخضر باهت، يشبه صناديق نذور ‏التبرعات الشهيرة الموجودة بالمساجد، به فتحة ضيقة يمكن من خلالها تمرير العملات المعدنية‎.‎
يضع في جيبه ثلاث علب سجائر محلية رخيصة، فيما يمسك بيده اليمنى سيجارة مشتعلة يضعها في فم شخص أمامه ‏تبدو عليه إمارات الشحوب، يأخذ الشخص الأخير نفساً عميقاً من السيجارة، نفساً واحدا فقط يشده بكامل قوته إلى ‏صدره، ثم يخرجه “دخاناً” كثيفاً من فمه وأنفه، وهو تائه مشدوه‎.‎
ينتحي الشخص الذي أخذ نفساً من السيجارة جانباً ليضع في الصندوق عبر الفتحة الصغيرة عملة معدنية، يقذفها ‏بالصندوق فيُسمع لها دويِّ نتيجة اصدامها بالعملات الأخرى، يتقدم شخص آخر من الطابور، يقترب بفمه وهو يغلق ‏عينيه في ولهٍ ليأخذ نفساً كصاحبه السابق، ينتحي جانباً ليضع عملة معدنية في صندوق العملات، ثم يأتي شخص ‏ثالث من الطابور ليفعل فِعل صاحبيه، كان الطابور طويلا للغاية، ممتدا بالشكل الذي تجاوز مد بصر الشخص الواقف ‏هناك بسجائره وصندوق عملاته‎.‎
_____________

قابيل وهابيل

منذ وجودهما في بطن أمهما وهما لا يكفان عن الصراع، ينظر أحدهما إلى الآخر، وعيناهما تشاهدان في ترقب فتحة ‏الخروج إلى الدنيا، يُجهِّز كل واحد فيهما نفسه لسرعة السبق إليها، يلهثان في شغف للحاق برؤية ومشاهدة والقرب من ‏الكيان “الأكبر” الذي يحتويِّهما، حتى وإن كانا يجهلانا ما وراء العالم الجديد هناك‎.‎
حانت لحظة “الخروج” حيث تم الإيذان بموعدها بصوتٍ قوي تردد في أرجاء الرحم الذي يحتويِّهما، تنساب الموجة ‏ضاربة الرحم بقوة، يهتزان لكن لا يشعران بأي صوت سوى اختلاج عضلات جسديهما بِشدَّة‎.‎
ينتهزان انفراج فتحة الخروج، وقدوم ضوء يتسلل لأول مرة إلى الظلام الذي لفهما طيلة تسعة أشهر، يقفز أقواهما إلى ‏الفتحة وهو يضرب أخيه بقوة فينزل برأسه إلى أسفل، وينساب في الفتحة إلى الخارج، ثم يتلوه أخوه “المنهزم” ورأسه ‏تلامس قدميّ الأول نحو الولوج‎.‎
يخرجان إلى الدنيا، الكِبر والغرور يملآن قلب الأول، والحقد والغِل يملأ قلب الثاني، يتصارعان الآن على امتلاك قلب ‏‏”الأم” وصدرها، ثديان كبيران لهما، لكن للوالدة قلب واحد‎.‎
في الليِّل حيث الظلام، وحيث لا يسمع “الأول” سوى النبضات القوية المنبعثة من قلب الأم، وحيث يدفن رأسه بين ‏صدرها الذي يعلوا ويهبط، وأنفاس بطيئة متلاحقة تعلن نومها بعد تعب وكدٍ شديد، يفكر كيف يتخلص من هذا الكائن ‏الذي يقاسمه القلب واللبن، كما قاسمه من قبل موطئ القدم هناك في “الرحم”، يتخيل وجوده مع أمه وحده، ينعم بلبن ‏دائم غزير، ويد تربت عليه في النوم واليقظة، بدون التفات، أو غفلة، أو انشغال بشريك، يقرر بعدها وضع “السم” ‏على ” الثديّ” الذي يرضع منه أخوه، فيكفي شره، ويشرب من بعدها- وحده- خير أمه‎.‎
ولإنهما توأمان، يسري في أحدهما جزء مِمَّا يسري في الثاني، فكَّر الرضيع الآخر في أخيه بنفس الشكل، تذكر نكزة ‏أخيه له قبل الخروج، في تعاقبه على ثديين خلال رضعة واحدة، واكتفاءه هو-لعفة حاله ونزاهة يده- بثدي واحد طِيلة ‏رضاعته‎.‎
يقرر بعدها وضع “السم” على ” الثديّ” الذي يرضع منه أخيه، فيكفي عنه غروره وطمعه، ويشبع من بعدها من حنان ‏أمه‎.‎
في الصباح الباكر، استيقظت ” الأم” لتجد الطفلان يحملقان إليها بعينين مفتوحتين عن آخرهما بالرعب، ينظران لها في ‏خوف وترقب، وجثة “الأب” مرتمية على صدرها‎

.‎__________________

نعيم الفقراء

يمنع الحاج عاشور تدينه من مصافحة فتيات مصنعه علانية‎.‎
كانت فتيات المصنع يعملن على خط الإنتاج عشر ساعات كاملة من العمل المتواصل، يقطع تلك الساعات راحة ‏يتناولن فيها وجبة فول بعد الظهيرة يُحضرنها معهن في الصباح في أكياس سوداء كلون الدخان الذي يخرج من قمائن ‏مصنع مجاور، وقطع من الجبن أو “المش”، وبعض ثمار الطماطم أو الخيار‎.‎
كان يُراضي الفتيات الصغار بضحكة سمجة باردة، ثم يُحِثهنَّ على فعل المزيد فيما أصابع يديه تجري بسرعة مجنونة ‏على سبحته الياقوتية ذات اللون الأرجواني‎.‎
الحاج عاشور يمتلك رأسا ضخما، وشعرا قصيرا، وشاربا كبيرا يغطي فمه، وجسدا قصيرا مدكوكا، وبطن ضخمة ‏يحاول إخفاءها بصديري ضيق تحت قميص كاروهات، لكن الكرش كان يعلن دائما عن تمرده، بالأزرار التي كانت ‏تنفتح بين الحين والآخر كلما مال عاشور أو تجشأ، أو حتى تثاءب‎.‎
يتحرك الحاج عاشور بين خط الإنتاج ليختار فريسته بعناية هذه المرة.. عبير إحدى أشهر البنات جمالًا بالمصنع، ‏وأكثرهن إغراءً بملامحها الأنثوية الفاتنة وقوامها المتناسق، يلهث بشغف حينما يمر من ورائها فيما يداه تلمس جسدها ‏سريعا، وهو يحك بها من الخلف، تهيمن عليه شهوته، ينتشي باللذة المسروقة، تغلي رأسه وهو يخترق بنظره صدرها ‏الفائر تحت عباءتها السوداء الرقيقة، يقارن بداخله بين جسدها البض البكر الساخن وجسد زوجته المترهل الضخم ذي ‏الانحناءات المتعرجة بفعل كتل الدهون‎.‎
تتململ الفتاة للحظات نتيجة لمساتة الفاضحة، غير أن قدرتها على إظهار فعل رافض ليد الحاج العابثة في جسدها ‏تتراجع لصالح قبض راتبها كاملًا بدون خصم‎.‎
يفعل الحاج نفس الأمر مرتين قبل أن تلاحظه إحدى زميلات عبير على خط الإنتاج، يتراجع باضطراب ووجل، ثم ‏يكمل مسيرته في المراقبة الصباحية لخط الإنتاج، ينحني على مجموعة فتيات يتظاهرن بالعمل الجاد لدى رؤيته، ثم ‏يُحدثهُنَّ بصوتٍ أقرب للفحيح مع نفس الابتسامة الباردة‎: ‎
‎-‎لَكنَّ الله والأجر يا فتياتي؛ من بات كالًّا من عمل يده بات مغفورًا له، الأغنياء أمثالنا سيدخلون بعدكن الجنة بألف عام‎.‎
‎ ‎ثم يعلو صوته ويرفع يديه ثم يهزها -في أداء مسرحي مفتعل- موجها حديثه لهن جميعًا‎: ‎
‎-‎يا ولاد الإيه.. ستتلذون بالنعيم الأبدي ألف سنة كاملة؛ هنيئًا لكنَّ جميعًا‎.‎
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اضافة تعليق جديد