كيف تآكلت قيمة أجورنا منذ ثورة يناير ؟

قضايا

10  سبتمبر  2017

انفعل الرئيس بشدة عندما طلب منه النائب بالبرلمان، أبو المعاطي مصطفى، في لقاء عام تأجيل رفع أسعار الوقود وزيادة الحد الأدنى للأجور إلى 3000 جنيه، وسأله ” أنت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه دا ؟ “، المفارقة أن تعليق النائب الذي بدا عفويا كان يعبر بدقة عن أحوال الأجور في مصر وكأنه مبني على دراسة بالفعل.

حيث ارتفع معدل التضخم في يونيو 2017 عن سنة الأساس في 2010 بنحو 148% وفقا للرقم القياسي لأسعار المستهلكين، وهو ما يعني أننا إذا أخذنا بمؤشر التضخم كمؤشر دال على تآكل القيمة الحقيقية للأجور فإن الحد الأدنى للأجور الذي كانت المعارضة تطالب به قبل الثورة، عند 1200 جنيه، يحتاج لأن يزيد مرة ونصف، ليصل إلى حوالي 3000 جنيه.

ولمن لم يتابع معركة الأجور قبل ثورة 2011، فقد جاء مطلب الـ 1200 جنيه بناء تقديرات قامت بها المعارضة للحد الأدنى لتكاليف معيشة الأسر المصرية، ولم تستجب الدولة لهذا المطلب إلا بعد ثورة يناير.

وبالنظر للبيانات الحديثة لتكاليف المعيشة، تؤكد مؤشرات أسعار الغذاء، كما يرصدها جهاز التعبئة العامة والإحصاء، على الحاجة القوية لتحديث قياساتنا للنفقات الضرورية الأسرة المصرية ووضع تصور جديد للحد الأدنى للأجور، حيث ارتفعت أسعار العديد من السلع الأساسية بين 2010 و2017 بنسب تتراوح بين 150-200%.

والمعروف أن الإنفاق على الطعام والشراب هو المكون الأكبر في نفقات الأسرة لذا فإن تأثير ارتفاع أسعار الأغذية يكون ضاغطا بقوة على الأوضاع المعيشية للمواطنين، هذا بجانب الزيادات في أسعار السكن والمواصلات ونفقات الصحة والتعليم والتي للأسف لايوفر لنا جهاز الإحصاء بيانات مفصلة بشأنها.

هكذا تطورت الأسعار منذ ثورة يناير فكيف كان حال الأجور؟ للإجابة على هذا السؤال سنعود بشكل خاطف إلى معركة الحد الأدنى قبل الثورة، ساهم في تصعيد تلك المعركة آنذاك دعوى رفعها ناجي رشاد العامل بقطاع الأعمال العام ضد الحكومة يشكو فيها من عدم زيادة أجره بما يتماشى مع مستويات الأسعار، ويطالب بتفعيل مواد قانون العمل 12 لسنة 2003، والتي تلزم المجلس القومي للأجور بالانعفاد وتحديد الحد الأدنى للأجور. وأصدرت المحكمة حكما لصالح المدعي،و قامت بعد صدور الحكم، في 2010، بإعلان حد أدنى قومي للأجور، أي يشمل كافة العاملين في مصر، عند 400 جنيه.

وداخل الجهاز الحكومي أخذت الدولة ترفع الحد الأدنى للأجور بشكل تدريجي حتى وصلت به عام 2014 إلى مبلغ الـ 1200 جنيه، من خلال “علاوة الحد الأدنى”، هكذا تحقق مطلب المعارضة بعد ثلاث سنوات امتلأت فيها شوارع القاهرة بالهتاف والثورة، ولكنه تحقق داخل أجهزة الدولة فقط، ولا ندري إلى أي مدى تطورت الأجور داخل القطاع الخاص في تلك الفترة.

المفارقة أن بعد إقرار الحكومة لعلاوة الحد الأدنى بعام واحد شرعت قانون الخدمة المدنية الذي جاء برؤية لكبح معدلات النمو في الرواتب الحكومية، من خلال تجميد الأجور المتغيرة السابقة على القانون، ولا تتوفر بيانات مفصلة توضح لنا الحد الأدنى الحالي للأجور داخل الدولة، وإلى أي مدى تم السماح بمنح أجور متغيرة جديدة للعاملين بعد إقرار قانون الخدمة المدنية وفي أي قطاعات،  لكن معدل النمو في الرقم الإجمالي للأجور الحكومية بالموازنة انخفض بشكل واضح منذ صدور هذا التشريع.

إذا كانت هذه هي أحوال العاملين لدى الدولة فماذا حدث داخل القطاع الخاص والذين يمثلون نسبة 74 في المائة من إجمالي المشتغلين على مستوى الجمهورية؟ هل استطاع عماله أن يرفعوا أجورهم بما يتماشى مع الصدمات التضخمية المتتالية خلال الأشهر الأخيرة؟

من الصعب أن نقدم إجابة دقيقة على هذا السؤال في ظل عدم توفر قاعدة بيانات مفصلة حول أجور القطاع الخاص وتطورها، باستثناء متوسطات الأجور التي يعرضها تقرير جهاز التعبئة والإحصاء في تقريره السنوي، والتي تتوقف بياناتها عند عام 2014.

وبحسب بيانات الجهاز فقد وصل متوسط أجور عمالة القطاع الخاص من الذكور في 2014 شهريا إلى 2116 جنيه، بينما بلغ متوسط الأجر الشهري للعاملات 1676 جنيه.

وفي محاولة، غير علمية، لتقدير المستويات الحالية للأجور في القطاع الخاص، اطلعت على بيانات واحد من أكبر مواقع التوظيف على الإنترنت، وتتبعت الوظائف المطروحة خلال يوم مضى، وظهر أن الوظائف تتركز بشكل أساسي في قطاعات التسويق والمبيعات والوظائف الإدارية ثم وظائف القطاع الصناعي.

وظهر من هذا البحث المبدئي أن العديد من الوظائف المطروحة لا تزال رواتبها الأساسية تقع تحت مستوى، 3000، الحد الأدنى الجديد الذي اقترحه النائب البرلماني والذي يتماشى مع معدلات التضخم.

صحيح أن الشركات المعلنة عن الوظائف تطرح هذه الرواتب كحد أدنى للأجر الأساسي مرشح للزيادة بالحوافز والمكافأت لكن تظل الأجور المتغيرة في القطاع الخاص دخولا غير مضمون استقرارها،مما يضع رب الأسرة تحت ضغط نفسي مستمر بسبب الخوف من عدم قدرته على كسب المال الكافي لتغطية الاحتياجات الأساسية لعائلته.

قد يدفع البعض بأن ظروف الاقتصاد الحالية لا تشجع على زيادة الأجور، وهي وجهة نظر لها وجاهتها في ظل تذبذب وضعف معدلات النمو الاقتصادية، علاوة على أن التضخم الحالي، الذي نتخذه مبررا أساسيا للمطالبة برفع الأجور، لم ينتج عن نمو في النشاط الاقتصادي وزيادة في الطلب على السلع والخدمات ولكنه نتج عن قرارات اتخذتها الدولة وعلى رأسها التعويم بجانب التوسع في ضرائب الاستهلاك مع التحول لضريبة القيمة المضافة والتخارج التدريجي من دعم الطاقة.

لكن في المقابل إذا نظرنا إلى القطاعات الأكثر تشغيلا للعمالة بأجر، باستثناء الزراعة، سنجدها التشييد والبناء وتجارة الجملة والتجزئة والصناعات التحويلية،وقد حقق أول قطاعين معدلات نمو تفوق النمو الإجمالي للناتج المحلي، بينما كانت الصناعة فقط هي الأقل حظا في النمو وتعرضت لتذبذبات قوية.

لذا فمن الصعب أن نصدر حكما معمما بأن كافة المنتجين غير قادرين على رفع الأجور في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، ومن الصعب أيضا أن نقول عكس ذلك، ولكن المعيار الأساسي الذي يمكن من خلاله أن نصل لأجر منصف في كل منشأة مناسب لإمكانياتها الاقتصادية ويتماشى مع الأجر السائد وتكاليف المعيشة في المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها العمال هو الديمقراطية.

 إتاحة الحرية للعمال في تنظيم أنفسهم في نقابات والتفاوض مع صاحب العمل، هو الضمان الحقيقي لسياسات مرنة للأجور تتحدد وفقا للتنوع الاقتصادي والجغرافي، مع إعلان حد أدنى قومي عادل يتماشي مع تكاليف المعيشة الحالية ويمثل حائط الصد الأخير لحماية العمال من النزول عن مستوى أدنى في الأجر.

كما أننا في حاجة إلى تحقيق طفرة بشأن حماية حقوق العمالة في القطاع غير الرسمي والتي لا تستفيد من أي تشريع يخص الأجور وقد تتعرض لأسوأ انتهاكات العمل في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة حاليا وعدم وجود أي حماية قانونية لها.

لا شك أن أجواء تقييد الحريات السائدة في البلاد تنعكس سلبا على قدرة العمال على تنظيم أنفسهم والضغط من أجل تحسين أجورهم في ظل معدلات التضخم المتفاقمة، وهناك العديد من الشهادات العمالية حول تدهور العمل النقابي خلال السنوات الأخيرة تحت وطأة حكم الطواريء والقوانين الاستثنائية، لذا فإن استعادة الأجواء الديمقراطية ليست مجرد مطلبا سياسيا يقتصرعلى قضايا حرية التعبير والعمل السياسي ولكنها قضية وثيقة الصلة بمستوى دخل كل رب أسرة من العاملين بأجر.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الفلاحون والثورة في مصر: فاعلون منسيون إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولا إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ18 يوما، وثانيا إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيرا إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري.

صقر النور

قراءات في ثورة يناير 2011: كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها..

محمد هشام

القانون وشيزوفرانيا الحكم في مصر ثلاث مسائل كانت وما زالت تلح على مصر كدولة ومجتمع، قبل الثورة وبعدها: 1) تشكيل سلطة قوية مصحوبة بآليات قانونية، 2) التحديث (وهنا تحديداً المقصود هو تطوير آليات الحكم ومزيد من كفاءة مأسستها)، 3) مجتمع صاحب مسؤولية سياسية وجنائية ومدنية عن أفعاله.

علي الرجال