الثورة الشيلية 1970- 1973

قضايا

09  سبتمبر  2017

مراجعة المقال:  ستيفاني أمين


25 نوفمبر 2014

المقال منشور في مجلة “ريفولوسيون” الصادرة عن الاتجاه الماركسي الأممي في فرنسا بتوقيع CB

 

في 11 سبتمبر 1973، حدث انقلاب عسكري  بقيادة الجنرال ” أوغستو بينوشيه “، حيث انقلب على حكومة الاشتراكي “سلفادور الليندي” فأوقف مجرى الثورة الشيلية وأدخلها في ديكتاتورية عنيفة مدة عقدين من الزمن.

قد كانت لهزيمة الثورة الشيلية آثارٌ على الطبقة العاملة الشيلية ما زالت مستمرة حتى الآن. ومثل كل الثورات العمالية الأخرى، علينا أن نبحث عن الدروس المستفادة ونحاول أن نجيب عن الأسئلة التي تخصّ حركتنا.
في ذلك الوقت، كان شيوعيو العالم متفائلين للغاية. كانت القيادات الشيوعية تتحدث عن “الطريق الشيلي إلى الاشتراكية”، وكانوا يعتبرونه عملية فريدة من نوعها، ولا يمكن أن تتأثر بدروس الماضي.
و لكن، منذ 1971، مهّدت أخطاء القيادة الأرض لانقلاب عسكري. حتى إن رفيقنا “آلان وودز” كتب يوم 21 سبتمبر 1971 مقال : “شيلي: كارثة قادمة”. في هذا المقال، كان الرفيق يتنبّأ بهزيمة الثورة.

الحركة العمالية الشيلية

منذ بداية القرن العشرين، كانت الرأسمالية مهيمنة على  شيلي، فهي مليئة بالمواد الخام، وأرضها خصبة وواسعة، كما جعل منها تطور الصناعة البحرية بلداً غنيا. أما بالنسبة للبورجوازية الشيلية وملاك الأراضي، فلقد كانوا متّحدين عن طريق شبكات مصالح اقتصادية وعائلية ويشكّلون كتلة واحدة رجعية وخاضعة للإمبريالية. وبالتالي لم يكن في استطاعة تلك البورجوازية إتمام “الثورة البورجوازية الديمقراطية” والتي تتمثّل في ما يلي:

  • مسألة الإصلاح الزراعي: فلقد كان لشيلي مئات الآلاف من الفلاحين بلا أرض يعملون عند أقلية من الملاك الزراعيين
  • مسألة الاستقلال الوطني عن الهيمنة الإمبريالية (الإنجليزية أولاً والأمريكية ثانياً). فمثلاً، كانت الإمبريالية تتحكم في صناعة النحاس، العمود الفقري للاقتصاد الشيلي.
    و بالتالي، لم تلعب الطبقة الرأسمالية الشيلية ولم تستطع لعب أي دور تقدمي. فكان على طبقة أخرى – الطبقة العاملة – أن تلعب ذلك الدور لتطوير المجتمع. فقبل ثورة 1970 – 1973، كانت الطبقة العاملة الشيلية تلعب دورًا مهمًّا في الحياة الاقتصادية والسياسية، حيث كانت مستقلة عن البورجوازية وتعمل ضدها، وتكسب منها تنازلات عبر نضالها.
    وتاريخ الطبقة العاملة الشيلية غنيّ ومثير. فلننظر إلى صعود حزبين كبيرين للطبقة العاملة الشيلية. فلقد تم تأسيس الحزب العمالي الاشتراكي الشيلي عام 1912، وانضم عام 1922 إلى الأممية الثالثة -التي كونها لينين وتروتسكي عام 1919- ليصبح الحزب الشيوعي الشيلي. ولكن في النصف الثاني من العشرينات، تأثر الحزب بسرعة بالانحطاط الستاليني داخل الأممية الشيوعية. فأصبح بيروقراطياً ودافع عن الخط السياسي العبثي المسمى بـ “الفترة الثالثة”، ذي النظرية “الفاشية الاجتماعية” (الاشتراكية الفاشية) التي كانت تعتبر أي اتجاه سياسي داخل الحركة العمالية – باستثناء الشيوعيين – اتجاهاً “فاشياً”. وفي عام 1933، تم تكوين الحزب الاشتراكي على أرضية برنامجية ونظرية راديكالية جدا، وكان ذلك رد فعل على انحطاط الحزب الشيوعي الشيلي وتحت تأثير راديكالية الجماهير المتضررة من أزمة ١٩٢٩.

ولكن في ١٩٣٨، وتحت تأثير السياسة الستالينية لبناء ما سُمِي بـ ” الجبهات الشعبية “، تحالف الحزب الاشتراكي مع الحزب الراديكالي (حزب بورجوازي) مقدّماً تنازلات برنامجية، وبسبب ضغوط “حلفائه”، تم إفراغ برنامجه تدريجيًّا من كلّ ما يهاجم الرأسمالية الشيلية.

  “الديمقراطية المسيحية” 

علينا أن نعرف أن الاستثمارات في شيلي لها نتيجة إيجابية واحدة: وهي أنها طورت القوى المنتجة وبالتالي، زاد  حجم وقوة الطبقة العاملة. وفي بداية الستينيات، كانت هي القوة المهيمنة في البلد، حيث 70% من القوة العاملة تعمل بأجر مما زاد صراع الطبقات قوة.
في عام 1964، فقد اليمين التقليدي الشيلي مصداقيته حيث أثبت أنه لا يستطيع تطوير شيلي وانتزاع حريته من الهيمنة الإمبريالية.
ففي نفس العام ( 1964)، اتجه الرأسماليون والإمبرياليون إلى “الديمقراطية المسيحية”، حزب بورجوازي يستعمل “الديماجوجية  الاجتماعية”.
كان ذلك الحزب هو الملاذ الأخير للطبقة الحاكمة أمام اليسار. وكان رئيسه “إدواردو فراي” مسنودا من الولايات المتحدة ومن كل اليمين السياسى ضد المرشح المشترك للحزبين، الحزب الشيوعي الشيلي والحزب الاشتراكي، ألا وهو “سلفادور ألليندي”.
وانتصر ” فراي ” في الانتخابات، وذلك باستخدام خطاب يساري جدًا، وشرع في إصلاح  زراعي محدود للغاية، وفى اتخاذ بعض القرارت السطحية لتأميم قطاع النحاس، وذلك بدون ضرر بالغ للمصالح الأمريكية.
و في نفس الوقت، لم يلبِّ أي مطلب من مطالب الطبقة العاملة الشيلية، وقمع الانتفاضات العمالية، فازداد صراع الطبقات قوة.
فقد حزب “إدواردو فراي”، المؤيد للرأسمالية، مصداقيته بسرعة. وأدى هذا الوضع إلى  الانتصار الانتخابي لـ “الاتحاد الشعبي” عام 1970، وعلى رأسه “سلفادور ألليندي” .

“الاتحاد الشعبي”

انتصر “الاتحاد الشعبي”، وهو تحالف بين الحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي الشيلي وبعض الأحزاب الصغيرة الأخرى – ومنها الحزب الراديكالي –  في انتخابات 4 سبتمبر 1970، ولكن بتقدم طفيف لا يسمح لـ”ألليندي” بالحصول على الأغلبية في الكونجرس.
بينما حصل اليمين، مثل حزب “الديمقراطية المسيحية”، رغم انقسامه، على أكثر من 58% من الأصوات.
وبالتالي، طلب اليمين من “ألليندي” أن يقبل بعض الشروط حتى يستطيع تشكيل الحكومة. فمنعت تلك الصفقة  الخاصة بـ”الضمانات الدستورية” تكوين الميليشيات العمالية، وتعيين أعضاء القوات المسلحة من خارج الأكاديميات العسكرية، ومنعت أيضا أي تغيير داخل القيادة العسكرية دون إذن الكونجرس.
فتلك الصفقة تعني أن الدولة : “تلك المجموعة من الرجال المسلحين والمدافعين عن الملكية الخاصة” (ماركس) تبقى تحت سيطرة البورجوازية.
ألليندي ” شهيد قضيتنا، ولكنه ارتكب خطأً كبيراً عندما وافق مع رفاقه على تلك الصفقة المجهزة من قبل اليمين الشيلي.
فالدولة ليست فوق الطبقات، و ليست نزيهة، هي أداة هيمنة في يد الطبقة الحاكمة.
أثبت تنفيذ تلك الصفقة الغباء البرلماني لدى قيادي الاتحاد الشعبي، حيث إنهم خسروا وقتا مهما في النقاش والجدال مع نواب اليمين من أجل إقناعهم بدستورية الإجراءات الحكومية، في حين أن نفس هؤلاء النواب كانوا يحضرون – خارج الكونجرس – لانقلاب عنيف ضد الحكومة وسحق الثورة في الدم. ذلك هو “النمط الشيلي للاشتراكية”، ولكنه، في الحقيقة كان نمطا أدى إلى الهاوية.
و زيادة على ذلك، علينا أن نقول أن قيادة الحزب الشيوعي الشيلي كانت مقتنعة بنظرية خاطئة، ألا وهي نظرية “المرحلتين”  (الديمقراطية أولاً، ثم الاشتراكية، يوما ما…)، وكانوا أكثر المؤيدين تشدداً في “احترام الشرعية الدستورية “.

من ناحية أخرى، كان السكرتير العام للحزب الشيوعي “لويس كورفالان” يمدح “الجناح التقدمي للبرجوازية” (وهو غير موجود) و “التقاليد الديمقراطية للجيش الشيلي” (الوهمية)، وذلك من أجل إقناع الجماهير الثائرة باستحالة حدوث انقلاب عسكري.
إن مشاركة الحركة العمالية في الانتخابات التي تعطي شرعية برلمانية بورجوازية شيء، وإصرار قيادة الحركة بغباء على احترام تلك الشرعية الدستورية، شيء آخر، خاصة حين يؤدي ذلك الاحترام إلى تقييد الأيدي أمام العدو. فهو خطأ كبير.
سوف يكرر “ألليندي ” ذلك الخطأ مرات عديدة للأسف، حيث كان يتعثر في مناورات برلمانية مع “الديمقراطية المسيحية” بدلا من أخذ إجراءات تعطي السلطة للعمال. ففي الحقيقة، انتخابات سبتمبر 1970 كانت انعكاسا لعلاقات القوة بين الطبقات، حيث إن 75 % من السكان يعملون بأجر، و أيد بعض العمال بحماس شديد  “ألليندي”، وبعضهم الآخر، الذي انتخب في البداية “الديمقراطية المسيحية “، عاد  وانتخب “الاتحاد الشعبي” في الانتخابات المحلية عام 1971 (51% من الأصوات للـ “الاتحاد الشعبي”).
من المؤكّد أن إجراءات أكثر راديكالية ضد البورجوازية كانت ستحشد الطبقة العاملة بتوسّعٍ أكبر.

إنجازات حكومة ” الاتحاد الشعبي “

أعلنت الحملة الانتخابية لـ “ألليندي” 40 إجراءً كبيراً . حيث قامت الحكومة بإصلاحات عميقة، فبدأت بتأميم صناعة النسيج الكبيرة. وبعد ذلك، خصوصا بعد الانتخابات المحلية عام 1971، ازدادت الإصلاحات قوة وسرعة تحت ضغط الجماهير: تأميم النحاس (80 % من الصادرات)، ومناجم الفحم والنترات، وأيضا  الاتصالات.
تم أيضا تحديد حد أقصى، لا يُسمح بتجاوزه، لأسعار الإيجار والمواد الأساسية؛ وزادت الرواتب ما بين 40 إلى 60%.
كما أنه، وبعد تردد، اتسع الإصلاح الزراعي، خصوصا بعد أن استولت المجالس الفلاحية على الأراضي وصادرت الملكيات الإقطاعية الزراعية من أيدي الملاك (latifundia).
إلا أن قيادات ” الاتحاد الشعبي ” لم تكن  لتثق في التنظيمات الفلاحية، فاتهموها بأنها مسيرة من قبل “مجموعات يسارية  طفولية”.

و بالتالي، أبطأت الحكومة تكوين تلك “المجالس الفلاحية” التي كان بإمكانها أن تحدث  تغييرًا في تنظيم الإنتاج.
و لكن إعادة تنظيم الإنتاج بطريقة قانونية، أي عن طريق الكونجرس، مستحيلة. ورغم ذلك استطاعت الحكومة، في عام 1972، أن تقضي نهائيا على نظام الإقطاع(Latifundium) .
كان حماس الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء يفوق الوصف. وكان من الممكن مشاهدة ذلك عن طريق زيادة عدد أجهزة السلطة العمالية في المصانع والأحياء العمالية: مجالس إدارة الشركات، الجمعيات الشعبية، مجموعات تنظيم التموين، ..إلخ.
وصلت تلك النشوة للقاعدة المناضلة في الـ “وسط”، الذي انقسم حول السؤال : “مع أو ضد الثورة”؟
في ذلك الوقت، خلال عام 1971 ، كانت كل الظروف موجودة  في المجتمع الشيلي، من أجل تغيير عميق داخل المجتمع: حيث كونت القيادات الاشتركية والشيوعية الحكومة الشرعية للبلاد وكانت حاصلة على تأييد القاعدة داخل الجيش.
كان الإعلان عن استفتاء لتغيير الدستور سوف يمرر الانتقال “السلمي” المرغوب للغاية من قبل “الاتحاد الشعبي”، ولكن بسبب ثقته العمياء في عدوه الطبقي، تركت قيادته مقاليد الدولة في يد البورجوازية.
إذا، فهو وضع ازدواجية السلطة داخل  شيلي. فمن ناحية، نرى الدولة في يد الرأسماليين، الذين كانوا يخربون الاقتصاد، وينظمون الندرة والنقص في المواد الغذائية، ويحمون مصالحهم الطبقية ويقمعون “تطرف” الجماهير. ولكن، من ناحية أخرى نرى أجهزة السلطة الشعبية تزداد في المصانع، والأحياء، والأرياف : يكونون “روابط في المصانع” و “لجان للتموين و لمراقبة الأسعار” لمكافحة الندرة والسوق السوداء، ..إلخ.
كانت الثورة الاشتركية تحتاج إلى تطوير وتسليح تلك الأجهزة الديمقراطية، والتنسيق بينهم على المستوى المحلي والوطني – ونقل فعال للسلطة إلى أيديهم. وذلك ما رفضته قيادة “الاتحاد الشعبي” – وخصوصا قيادة الحزب الشيوعي – ممّا أدى إلى الثورة المضادة.

الثورة المضادة

 كانت الثورة المضادة تنظم وتحضر نفسها للضربة منذ 1971، حيث بدأت بالتخريب البرلماني: فبفضل أغلبيته البسيطة داخل الكونجرس، استطاع اليمين الحصول على إقالة مسؤولين كبيرين و٧ وزراء في حكومة “ألليندي”، وذلك خلال ثلاثة أشهر فقط.
ثم خططت البورجوازية لتخريب الاقتصاد الوطني: فنظمت نقص المواد الغذائية والسوق السوداء، ومظاهرات مثل “مسيرة المقالي الخاوية”.
كانت هناك أيضا حملات في الإعلام (الذي كان لا يزال تحت سيطرة الرأسماليين) تتهم “ألليندي” بأنه مسؤول عن الفوضى العارمة.
و ظهرت، أيضا، مجموعات مسلحة تنظم هجمات إرهابية وترهب الناس في الشوارع. كما رأينا أيضا ازدياد العنف في الأرياف واغتيال مناضلين فلاحين.
في أكتوبر 1972، وقع إضراب في قطاع النقل، مموّل من قبل الولايات المتحدة، التي نظمت أيضا حظر ضد شيلي مدة ثلاث أسابيع، وكاد أن يدخل البلد في حرب أهلية.
في مارس 1973، أصبح ” الاتحاد الشعبي ” أكثر قوة عبر الانتخابات البرلمانية، حيث حصل على 43.4 %. جزء مالمعارضة اتهم “الاتحاد” بأنه ربح الانتخابات بالتزوير وبدأ يحشد في الشارع.
بدأتحركة العمل الشعبي الوحداوية، ومعها حركة اليسار الثوري (حزبان داخل “الاتحاد”) وجزء من الحزب الاشتراكي، تنادي بتعميق الثورة وتكوين جمعية ثورية بديلة للكونجرس. وخلال خطاب “ألليندي” في الإستاد الوطني، نادت قاعدة “الاتحاد ” المناضلة : “كفى  مصالحات، حان وقت النضال!” ولكنه لم يستمع إليهم.
من جهة أخرى، بدأت الثورة المضادة في تنظيم وتمويل إضرابات في منجم ” التينيانت – El Teniente “، ممّا أدى إلى مظاهرة ضخمة في نصف شهر يونيو 1973.
يوم 29 يونيو، حدثت محاولة انقلاب على يد الفوج المدرع الثاني للجيش، الذي هاجم القصر الرئاسي ” المونيدا – La Monéda “، ولكن المحاولة فشلت بعد حشد الجماهير وبسبب دعم قليل – آنذاك – من الجيش.
تجمعت الجماهير، حينها، أمام القصر الرئاسي، مطالبة بأسلحة للدفاع عن النفس. إلا أن الحكومة رفضت مرة أخرى، وطلب الرئيس من العمال أن يعودوا إلى العمل. فما كان من رد الفعل هذا إلا أن عزّز وقوّى الثورة المضادة.
في أغسطس، نظم أرباب العمل في قطاع النقل إضرابا آخر، وبدأت البورجوازية الصغيرة تميل نحو اليمين، وانتشرت مظاهرات تحت جناح التنظيم الفاشي ” وطن وحرية “. وفي يوم 23 أغسطس، وتحت ضغط اليمين،  قام “ألليندي” بتعيين “بينوشيه” على رأس الجيش، كما أدخل عضوين للقوات المسلحة في الحكومة. نُظمت مظاهرة ضخمة يوم 4 سبتمبر، في الذكرى السنوية لصعود ” الاتحاد الشعبي ” للسلطة ضمت 800 ألف شخص في “سانتياجو”. وطالب العمال، مرة أخرى، الحكومة بتزويدهم بالأسلحة.
وفي يوم 9 سبتمبر، نادى الأمين العام للحزب الاشتراكي، “كارلوس ألتاميرانو”، بالمواجهة، وطلب بتزويد الشعب بالأسلحة. فرد عليه “ألليندي” بأنه سوف ينظم استفتاءً. ربما كان ميزان القوة، الذي لا يزال في صالح الثورة، من شأنه أن يسمح “للاتحاد الشعبي” بتمرير الاستفتاء.
فلذلك، ضربت البورجوازية بعد يومين، يوم 11 سبتمبر 1973، و ذلك من خلال انقلاب عسكري استخدم عنفًا غير مسبوق في أمريكا اللاتينية.

ديكتاتورية ” بينوشيه “

استولى الجنرال “بينوشيه” على السلطة، وحل البرلمان و بدأ في مطاردة كل النشطاء اليساريين : فسجنهم وعذبهم وقتلهم. فكان عنف القمع العسكري يضاهي قوة الحركة العمالية الشيلية.
أدى الانقلاب العسكري إلى “نظام بونابرتي” وكان يشبه النظام الفاشي: اعتقالات وإعدامات جماعية ومعتقلات… و لكن في الحقيقة، لم تكن لنظام “بينوشيه” قاعدته الاجتماعية الفاشية: فكان يعتمد خصوصا على قوة الدولة القمعية. ولذلك السبب، كان نظامه مصابا بعدم استقرار مزمن أدى إلى سقوطه في أواخر الثمانينات.

صدم نظام “بينوشيه” بالأزمة الاقتصادية بين 1974 و1976، فأنقذته الإمبريالية العالمية (صندوق النقد والبنك الدولي) وقدمت له قروضا كبيرة. وفي المقابل، كان على “بينوشيه” أن يطبق برنامج تقشفي جعل من شيلي “معمل النيو ليبرالية”، فدمر الاقتصاد الوطني وخاصة بالنسبة للطبقة العاملة الشيلية التي عانت من الجوع والفقر والبطالة.
كان العديد من الكوادر العمالية التي عملت في الخفاء شاهدة على الإهانة والمذلة للشعب الشيلي في تلك الفترة.

الدروس المستفادة

لقد أثرت الثورة الشيلية في تاريخ أمريكا اللاتينية وعلى الحركة العمالية العالمية. ولقد أعطينا بعض العناصرالتي توضح أن أخطاء القيادات الشيوعية والاشتراكية أدت إلى الكارثة.
أعطت لنا الثورة الشيلية درساً قيما في أهمية “العامل الذاتي” (الحزب الثوري وقيادته) في الثورة.
كان على حكومة “الاتحاد الشعبي” (وكان في مقدرتها) مصادرة أملاك المجموعات الرأسمالية الكبيرة، وتنظيم وتخطيط الاقتصاد ووضع السلطة الذاتية ( سلطة الدولة ) في يد العمال والفلاحين.
ولكن، رغم تأميم قطاعات مهمة في الاقتصاد، تم تكوين “اقتصاد مختلط”، أتاح الفرصة للثورة المضادة بأن الاقتصاد الشيلي.
خاصة، وكما نرى في العنوان الفرعي للفيلم الوثائقي العظيم الذي قدمه “باتريسيو غوزمان”، “معركة شيلي”، كانت الثورة الشيلية “نضال شعب بلا سلاح”. فتلك الأسلحة كانت لا تزال في يد البورجوازية.


علينا أن نحلل جيدا تلك الهزيمة وأسبابها العميقة، لتحضير الانتصارات القادمة.
CB

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

المقاومة الاجتماعية في “أرض الخوف”… أوجه الضعف والقوة يأتي عيد العمال هذا العام والحركة العمالية في وضع متراجع بسبب عوامل عدة في مقدمتها ارتفاع وتيرة القمع، وبالتالي فالنضال في فترات المد الثوري، يختلف عن المقاومة في ظل انتصار ثورة مضادة تسعى لسحق حركة العمال وتنظيماتهم المستقلة، وهو ما انعكس على مطالب الحركة.

هشام فؤاد

خطيئة الربيع العربي: استسهال الصدام مع الجيوش النظامية ان مسألة التعامل مع الجيوش النظامية مسألة شديدة الدقة والحساسية ولا يجوز التعامل معها بخفة أبدا. إنها مؤسسات تشكل أحد أهم أركان السلطة في أي نظام سياسي.

يزن زريق‎

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد