كوبا.: «تاريخ طبي لقاتل ليون تروتسكي»

قضايا

27  أغسطس  2017

نشر في موقع جريدة: المناضل

كتب الروائي الكوبي ليورناردو بادورا Leonardo Padura  هنا فصلا مجهولا عن نهاية رامون ميركادير Ramon Mercader في العام 1978. ولد ليورناردو بادورا  في هافانا عام 1955، ودرس فقه اللغة في جامعة هافانا. وكان رئيس تحرير مجلة لاغازيتا دي كوبا La Gazeta de Cuba، حتى عام 1995. وفي 1998، بدأ مساره ككاتب متمحورا حول «بطل»، يحمل لقب الملازم-المحقق ماريو كوندي Mario Conde. إن رواياته البوليسية أو«السوداء»، حسب البعض، تتيح له فرص تناول جوانب مختلفة من واقع كوبا. وهو أيضا مؤلف سيناريوهات أفلام عديدة.

إن صيته محدود في كوبا ، بفعل إخضاعه لرقابة صارمة إلى حد ما. أما في العالم الناطق بالفرنسية، فكانت بداية شهرته عقب ترجمة كتابه La novela de mi vida ، والمترجم بالفرنسية تحت عنوان Le Palmier et l’Etoile  (النخلة والنجمة)، دار النشر ميتاييه Métaillé في العام2003. ومن بعد، نشر كتاب L’homme qui aimait les chiens(الرجل الذي كان يحب الكلاب)– 2009 باللغة الاسبانية، وفي عام 2011 عن دار النشر ميتاييه Métaillé، وهي عبارة عن رواية مبنية على السنوات الأخيرة في هافانا من حياة رامون ميركادير، قاتل تروتسكي (ليف دافيدوفيتش برونشتاين)، في 20 آب/أغسطس عام 1940.

 حظي بادورا باهتمام أوسع بعد نشر هذه الرواية. واليوم باتت معظم أعمال بادورا مترجمة إلى اللغة الفرنسية.  إن رامون ميركادير –الذي اشتغل عميلا للمخابرات السوفييتية NKVD (المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية) بقيادة ستالين، منحه نظام ستالين «وسام لينين» تقديرا لجريمته- وكان من أصل إسباني و«شيوعيا». كان يحمل اسما مستعارا، فرانك جاكسون Frank Jacson في المكسيك، و جاك مورنار Jacques Mornard في فرنسا، في سنوات 1930.  انتقل، بعد مغادرته السجن في المكسيك عام 1960، إلى كوبا وروسيا.

 

لا ريب أن طبيب الأورام السرطانية، أنخيل أزكو Angel Azcue ، قضى سنوات قبل علمه حقيقة هوية مريض شخّص لديه دون تردد سرطان لوزتين متقدم. لكن من المرجح أن الطبيب لم يكن بإمكانه بأي وجه معرفة هوية هذا الإسباني الأصفر والمسن الذي أتى به مدير المستشفى الدكتور ثويلو مارينيلو Zoilo Marinello ، وقدمه له من أجل تشخيص دائه ومعالجته. وكي يعرف الدكتور أنخيل أزكو في آخر المطاف، يوم 21 تشرين الأول/أكتوبر عام 1978، من كان في الواقع ذلك المريض الغامض (وستفهمون فيما بعد سبب استعمالي هذا النعت)، كان لازما تلاقي جملة صدف بعيدة الاحتمال لدرجة تدفع الى اعتقاد  أن وراء إعدادها وحدوثها قدر أسمى يرمي أن يكشف للطبيب حكاية غريبة ومقلقة.

جرى أول حدث كان لازما لجعل المونتاج فعليا يوم 20 تشرين الأول/أكتوبر. فقد مات في هافانا رامون ميركادير ديل ريو، المغتال اللامرئي لتروتسكي، بسبب سرطان كان  الدكتور أنخيل أزكو شَخَّصه فورا. ثم كان ضروريا، عكس المتوقع، أن يخترق نبأ وفاة ميركادير الستار الحديدي من الكتمان والصمت المطبقين ليصل الى الصحافة العالمية. إذ يجب قول إن الصحافة في كوبا لم تنشر قط هذا الخبر ولا أي نبأ آخر ذي صلة بهذا الاسباني الذي عاش أربع سنوات في كوبا قبل أن يموت فيها، والذي كان في عام 1940 قد اغتال بوحشية ثاني قادة ثورة أكتوبر.

تضافرت أحداث أخرى مفضية إلى مفاجئة الطبيب، يوم 21 تشرين الأول/أكتوبر عام 1978. الحدث الأول مرتبط بواقعة:  غادرالدكتور أنخيل أزكو، صحبة زميله الدكتور كويباس Cuevas، هافانا نحو بوينس آيرس للمشاركة في مؤتمر الأورام السرطانية الذي جرت دعوتهم إليه. لولا هذا المؤتمر، ولولا تلك الدعوة، لن يتواجد أزكو وكويبيتاس –كما كان الجميع يسمي الطبيب الكوبي خبير الأورام السرطانية- على متن طائرة لشركة الخطوط الأرجنتينية Aerolineas Argentinas التي كانت آنذاك تؤمن مسار هافانا إلى بوينس آيرس. لو سافر الطبيبان على متن طائرة للشركة  الكوبية Cubana de Aviacion  مثلا، لما اكتشفا الحقيقة.

فالشركتان لم تكونا توزعان نفس الجرائد: في طائرات الشركة الأرجنتينية، كانت توزع صحف الأرجنتين؛ فيما تُوزع  بطائرات الشركة الكوبية صحف كوبا. وكما سبقت الإشارة، كان من شأن الجرائد الكوبية أن تسهم في إبقاء أنخيل أزكو على جهله، بعض الوقت بالأقل، أو حتى إلى الأبد. وبالمقابل، كان في الصحافة الأرجنتينية عنوان أثار انتباهه على الفور، ولذلك لأسباب عدة. كان العنوان المقصود هو: «قاتل تروتسكي يموت في هافانا». والحال أنه تعرف، بفضل الصورة المصاحبة للمقال، على المريض ذاته الذي سبق أن شخص لديه، مع زميله كويبيتاس، سرطانا قبل شهور عدة… وهذه واقعة أكدها زميله في مستشفى الأورام السرطانية الجالس قربه في الطائرة الأرجنتينية. وكانت مصادفة أخيرة في هذه الحكاية أن صحفا من بوينس آيرس،وليس من هافانا، هي التي عُرضت على الطبيبين.

في الواقع، كان تاريخ علاقات الدكتور أنخيل أزكو  بقاتل تروتسكي بدأ قبل 38 عاما، في مدينة مكسيكو. فعندما  كان مايزال طفلا، سمع أباه يقول إن «الزعيم السوفييتي» قد اغتيل بمنزله في كويوأَكان. كان أنخيل أزكو ولد في إسبانيا، وصل صغيرا جدا إلى المكسيك، ولم ينتقل إلى كوبا سوى بعد عشرين عاما. ومُذاك ، ظل هذا الحادث حيا راسخا في ذاكرته، لأنه لم يهز مشاعر أبيه، الجمهوري الإسباني، وحسب، بل أيضا ملايين أشخاص آخرين في العالم.

في أثناء هذه السنوات كلها، لم يسعه أن يعلم بصدد اغتيال ليون تروتسكي أكثر من النزر اليسير المعروف في تلك الحقبة: اسم القاتل (المستعار) كان جاك مورنار، وكان يُزعم أنه مناضل تروتسكوي محبط، رغم أن الجميع كان يعلم بأن ذلك كذبة، وقد اغتال تروتسكي بضربات فأس، مع كثير من سبق الإصرار والغدر، وبسبب هذه الجريمة كان أدين وحُكم بقضاء عشرين عاما في سجون المكسيك. ربما كانت هالة الغموض والصمت والتواطؤ والكذب هذه المحيطة بشخصية القاتل هي التي جعلت أنخيل أزكو يولي، على مدى سنوات، اهتماما بهذا الرجل. اهتمام حافظ عليه في المكسيك ونقله معه إلى كوبا، مفقودا تقريبا في زاوية بذاكرته، لكنه حي تماما. وكانت تلك الذكرى ماثلة دوما لما صعد إلى الطائرة الأرجنتينية وفتح الجريدة التي واجهته بحقيقة مثيرة: هو، أنخيل أزكو، شهد ذلك القاتل أمامه، وحدثه ولمسه، وكان قد كُلف بإخباره بموته الوشيك.

كان أنخيل أزكو احتفظ بذكرى لا تنسى، ذات بعد زوال، لما قدم له ثويلو مارينيلو ذلك المريض. إن كون مدير المستشفى هو بالذات من طلب منه، ومن زملائه الآخرين أطباء الأورام السرطانية مختصي « الرأس والرقبة»، فحص ذلك الإسباني، مريضه، أمر أثار فضول أنخيل أزكو. ثم إن هذا الرجل، الذي كان اعترف شخصيا باستشارته أطباء آخرين كُثر (دون تحديد اسمهم ولا مكانهم) دون تمكنهم من تشخيص سرطان اللوزيتين، رغم أنه مرض لا جدال فيه ومنتشر وكان يقتله، حقيقة أثارت اندهاش فرقة المختصين ورسخت الحدث في ذاكرته. وفي الأخير، كانت ثمة حقيقة أن العلاج الاشعاعي المسكن الذي وصفه أنخيل أزكو وزملاؤه بعد الاطلاع على تفاقم مرضه، لم يقدم له في مستشفى الأورام السرطانية، بل في مؤسسة أخرى. وانتهى هذا الأمر إلى أن رسخ في ذاكرة أنخيل أكزو  ذكرى ذلك المريض، الذي كان سيتلاشى، لو جرت الامور على نحو مغاير، بين عشرات ومئات المرضى الذين كان يفحصهم كل عام.

وكانت ثمة أيضا عناصر عديدة تلف طلب مدير المستشفى ستحث ميغيل أنخيل أزكو على إعادة تقييم الوقائع بعد بضعة أشهر، لما اطلع على هوية المريض الحقيقية. وفي الواقع كان الدكتور ثويلو مارينيلو مناضلا شيوعيا قديما، وهو شقيق السياسي وكاتب المقالات خوان مارينيلو، أحد قادة الحزب الاشتراكي الشعبي القديم (حزب شيوعي)، الأكثر شهرة في كوبا. وسيعلم أنخيل أزكو لاحقا بكثير أن رامون ميركادير وأمه، كاريداد ديل ريو Caridad del Rio ، كانا صديقين لبعض هؤلاء المناضلين الشيوعيين الكوبيين القدماء، ضمنهم خوان مارينيلو والموسيقي هارولد غراماتجس Harold Gratmages.. وفيما بعد سيعلم أنخيل أزكو أن كاريداد كانت اشتغلت مع هذا الأخير لما كان سفير كوبا في فرنسا (1960-1964). كان جليا والحالة هذه أنه لم يكن بوسع ثويلو مارينيلو تجاهل هوية هذا الجمهوري الاسباني الذي نخره السرطان وأن الأمر كان يتعلق بطلب استشارة طبية خاصة.

سنوات عديدة بعد وفاة ميركادير وبعد التعرف على هويته، سيهتز الدكتور أكزو مرة أخرى بسبب عنصر جديد يتعلق بهذه الشخصية المخيفة والغامضة. حدث ذلك في منطقة جبلية وسط جزيرة إسكامبراي، حيث يوجد متحف خاص بـ«محاربة قطاع الطرق»، كما كانت تسمى في سنوات 1960 الحرب منخفضة الشدة الدائرة في تلك المنطقة بين العصابات المعارضة للنظام من جهة، والميليشيات والجيش الثوري من جانب آخر. كانت ثمة ضمن صور فوتوغرافية أخرى كثيرة بالمتحف، واحدة تظهر فيها مجموعة مقاتلين من «مطاردي العصابات» بها رجل لا يمكن أن يكون، حسب أنخيل أزكو، سوى رامون ميركادير! هل كان ممكنا أن استقر هذا الأخير في كوبا وتعاون مع المليشيات الكوبية المضادة للعصابات أو مع أجهزة الاستخبارات بينما كان الاعتقاد سائدا أنه يوجد في موسكو؟ ورغم أن البداهة كانت تستبعد هذا الاحتمال، كان الدكتور أنخيل أزكو مقتنعا أن صورة  الرجل( الذي لم يُحدد اسمه في شروحات معرض الصور)  إن لم تكن لميركادير، فهي حتما لتوأمه.

بعد خمسة وعشرين عاما من وفاة رامون ميركادير، فيما كنتُ مقدما على مباشرة بحوث لكتابة رواية حول اغتيال تروتسكي ستكون بعنوان الرجل الذي كان يحب الكلاب، كان من سوء حظي –ومن حظي- لقاء الدكتور ميغيل أنخيل أزكو. كان سبب هذا اللقاء مؤلما ومثيرا للقلق: أثناء بتر ثؤلول صغير في أنف والدي، اتضحت إيجابية الخزعة التي أجريت تلقائيا، حيث كشفت عن وجود خلايا مسرطنة. فورا تحركت سعيا إلى ما يمكن القيام به من أجل والدي، وكما نفعل عادة في كوبا، كان الخيار الأول هو البحث عن طريقة مباشرة لإيجاد الحل الممكن من خلال مناشدة أصدقاء.

لذلك كاتبت زميلي القديم ورفيق الدراسة خوسيه لويس فيري  José Luis Ferrer ، الذي كان يعيش بالولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1989، لأن والدته، الدكتورة ماريا لويزا بوخ Maria Luisa Buch ، كانت نائبة مدير مستشفى الأورام السرطانية (تحت إشراف الدكتور مارينيلو) ، وحتى لو كانت والدته توفيت، قد يكون هناك بالتأكيد حتى ذلك الحين زملاء لها ضمن موظفي المؤسسة. بهذه الطريقة، بعد أيام عدة، رافقت والدي إلى الاستشارة الطبية لدى أزكو، الذي اهتم به فورا، وهنا قسم الحكاية الايجابي، إذ أنقذ حياته.

في اثناء هذه الاستشارات الطبية، وهبت بعض كتبي للدكتور أزكو وربطت معه علاقات ودية خارج الاستشفاء. وخلال إحدى تلك الزيارات في مكتبه أخبرته بأنني قيد تحضير كتابة رواية حول اغتيال تروتسكي. أتذكر أن نظرة الطبيب الجيد انصبت على نظرتي قبل أن يقول لي، بسخرية وفخر: «حسنا، أنا عرفت هذا الرجل، ولي حكاية لا تصدق معه…»

(مقال نشر، يوم 8 أيار/مايو عام 2017، في جريدة مرتبطة بمجموعة كلارين، الجريدة اليومية الأرجنتينية، Revista Ñ؛ ترجمة هيئة تحرير موقع ألونكنتر A l’Encontre إلى الفرنسية)

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

من يناير إلى يوليو: قراءة في ثورة ودولة يوليو بمناسبة مرور ٦٥ عامًا على انقلاب الضباط الأحرار(١) اندفع قادة الثورة يضربون ذات اليمين وذات اليسارببراجماتية عملية يحركها تطور الأحداث. لم تكن القضية لديهم هي التحالف الاستراتيجي مع هذا وضد ذاك، بقدر ما كانت تغييب المجال السياسي في مجمله باعتباره عقبة أمام التعبئة الشعبوية المطلوبة لإحداث قفزة التراكم المستقل المطلوبة للبزوغ على ساحة التنافس العالمي.

تامر وجيه

أوراق من اليسار المصري: وثيقة”طبيعة السلطة البرجوازية في مصر” لقد وجهت الطبقة الجديدة ضرباتها إلى رأس المال الكومبرادوري، والى رأس المال الاستعماري كما عملت على تصفية كبار ملاك الأرض كطبقة، وأدى ذلك إلى الخروج من قبضة السيطرة الاستعمارية الاقتصادية. ونجد أثر ذلك في الريف، فقد فتح الباب على مصارعيه لنمو العلاقات الرأسمالية فيه. وقد نمت الطبقة الرأسمالية الزراعية (من 10 - 50 فدانا) من ناحية العدد، ومن ناحية حجم الملكية، ومن ناحية نسبة ما تمتلك من أرض إلى المجموع العام.

بالأحمر