إحتفال من نوع آخر

قضايا

25  أغسطس  2017

    إن لم تكن قد اعتقلت من قبل أو اعتقل أحد جيرانك أو أقاربك أو أصدقائك -ويعد هذا من النوادر التي يجب أن توثق ضمن إنجازات الرئيس السيسي- ستظن أن كلمة “التشريفة” هي تلك الكلمة التي ظهرت فى عهد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، وإبراهيم باشا قائد جيوش، والتي كانت نوعًا من أنواع البروتوكول والاحتفالات الكبرى بعد اكتمال مقومات الدولة الحديثة، فكان يرتدي رجال الدولة فى المقابلات الرسمية والاحتفالات الكبرى زيًا رسميًا كحلي اللون ومُطررز عليه بخيوط الذهب وعليها وشاح أحمر عريض ومزينة بعدد من النياشين، ويطلق عليها اسم “بدلة التشريفة”.

كل هذا قد انتهى ولكن لفظة “التشريفة” لم تنته، وتغير مفهومها مع الوقت، حتى صارت كلمة في عصرنا الحالي والسابق وقبل السابق، تُطلق على استقبال حافل من  وزارة الداخلية للمساجين سياسيين كانوا أو جنائيين، في أقسام الشرطة أو في معسكرات الأمن المركزي أو في السجون السرية وغير السرية.

وسميت “تشريفة”  بهذا الاسم، لأن وزارة الداخلية تعتبر أن استقبال مسجون ما، يستدعي عمل حفلة استقبال، عليه، لا له.

 لا تُفرّق التشريفة بين جنائي وسياسي، إسلامي أو ليبرالي أوعلماني أو اشتراكي أو مسيحي أو ملحد، أو شخص لا علاقة له بالسياسة، فالجميع سيحضر الحفلة الجماعية برعاية وزارة الداخلية، والحق أن تشريفة المساجين الجنائيين تخلف ضحايا أكثر، وقد ترتوي أرض الجن من  دمائهم،أو يكسر لهم ساق، أو يزحفون على الأرض وتحرق ملابسهم، لأنه لا أحد يسأل عنهم كما يحدث مع السياسيين، ولا صوت لهم في الخارج، ولا صحافة تكتب عنهم ولا منظمات حقوقية تدين تعذيبهم؛ إلا قلة، وفي زيارات حقوق الإنسان يدعي الجنائيون أن كل شئ على ما يرام وأن الحياة تشبه حياة القصور خوفًا من البطش بعد رحيل الوفود الحقوقية الرسمية، فبعد رحيلهم لن يبقى في السجن سوى الأمن والسجناء!

والغرض الرئيسي من التشريفة هو السيطرة على السجين وإشعاره بالذل والإنكسار حتى لا يفكر فى التمرد، مع أن التمرد سيأتي حتمًا، في السجن أو خارجه، وهذا ما يصعب على أصحاب العقول الخاوية فهمه.

فى سيارة الشرطة                                                                    

  أول حفلة تشريف ع السريع يتعرض لها السجناء فى سيارة الشرطة (المدرعة أو البوكس أو سيارة الترحيلات)  وإذا كان السجين سعيد الحظ، سينضم إلى عدد كبير من السجناء داخل السيارة، لأن الأعداد الكبيرة تقلل الضربات الموجهة للسجين نظرًا لتوزيع المجهود على كل العدد قلت؛ أما إذا كان سئ الحظ ووضع وحيدًا بعد القبض عليه في السيارة، وتكدست السيارة بالعساكر بدلًا من السجناء، يكون بهذا قد وقع في أيدي من لا يفهم ولا يعلم ولا يرحم ولا يفعل سوى ما تأمر به القيادة، وأحيانًا تعتقد العساكر أن ما تفعله خفة ظل، حتى أنهم يذكّروني بأطفال الشوارع عندما يتحرشون بأنثى على سبيل الرفاهية وأن هذا هو المسموح لهم من المجتمع والأمن معًا!

سيتعرض السجين فى سيارة الترحيلات لكل أنواع الإهانات، ويصل الأمر أحيانًا إلى التحرش لو بدى أن السجين يبدو عليه الضعف، كلما بكى السجين كان عرضة للبذاءات أكثر. وغالبًا سيُسرق كل ما في حوزته من هاتف أو نقود أو ساعة أو خاتم، وغيرها،

فى قسم الشرطة

فى قسم الشرطة تبدأ ثاني حفلات التشريفة، ويتم تجريد السجين من كل شئ، وأحيانًا من ملابسه الداخلية،بزعم التفتيش؛ وسُيعرض على أمن الدولة معصوب العينين، وموثق اليدين من الخلف، وأثناء استجوابه  سيكون قد حصل على نصيبه من بعض الصعقات الكهربائية الخفيفة عندما ينكر أن والده ملتحي أو أن أمه ترتدي النقاب أو أن شقيقه سافر إلى باكستان وحارب مع الإخوة الجهاديين، وعليه أن يعترف بأنه فجّر برج التجارة أو برج الزراعة أو أي شئ تم تفجيره في أي مكان  كي ينجو من هذا العبث، وأن يعترف بإن “حزام” بنطاله حزام ناسف؛ ويقول أن والده ملتح وأمه منتقبة وأشقائه متطرفين حتى لو لم يكونوا كذلك وحتى لو كان “مقطوع” من شجرة، لا أشقاء له ولا أب ولا أم، كي ينتهي من هذه الأزمة، ويدخل فى أزمة أخرى.

 بعد انتهاء التحقيق سيظل معصوب العينين ووجهه للحائط فى مكان يدعى “الثلاجة” ولا يجب أن يتحرك طوال الساعات الطويلة التي يقضيها في التشريفة، وعند سماع أصوات صعق الكهرباء فعليه أن يحمد الله أنه حتى هذه اللحظة لم يصعق بالكهرباء، وأنه لم يصبه الدور بعد.

التشريفة فى معسكرات الأمن المركزى

 عندما يصل السجين إلى إحدى معسكرات الأمن المركزي غير القانونية، لأنها مخصصة للعساكر لا للسجناء، فهذا معناه أنه قد وقع  في الفخ، وقع بين عدد غفير من العساكر التي تتمنى الفتك به، معسكرات الأمن المركزي لها تشريفة مميزة وبها بعض “الأكشن” لن يرى السجين وجه أحد العساكر، جميعهم ملثمون يرتدون السواد حتى تظن نفسك وقعت في أيادي عصابة “القناع الأسود” في مدينة البط الخيالية التي ابتكرها الأديب الأمريكي من أصل هولندي “كارل باركس”.

جميعهم أغبياء، جميعهم يكرهون السجناء ويتمنون موتهم، والسجناء بالطبع يبادلونهم الشعور ذاته؛ يأمرون السجناء بأن ينعتوا أنفسهم بالعاهرة؛ ونصيحتي لمن يقع في مثل هذا الموقف ألا يفعل لأنه فى كل الأحوال لن ينجو أحد من مصيره (ساعة وهتعدي) لو قبل السجين قدم الضابط أو قال أنه يكره الثورة والثوار ويعشق مبارك ويحب السيسي، لن ينجو من مصيره، لقد وقع السجين فى الفخ حتمًا، وهم لا يريدون إلا كسره، وكما يقولون “كده كده ميت”، فعلى السجين ألا يهين نفسه، وأن يتلقىى الضربات بهدوء.

التشريفة فى السجن

 عندما يفتحون للسجين أبواب السجن ثم يغلقونها عليه، سيجد أناسًا يمسكون العصي وكبيرهم يجلس واضعا قدمًا على الأخرى، وسيجد معاملة أَخرى، بفتح الألف.

 استقبلونا في سجن أبي زعبل وجلسنا على الأرض ساعتين تقريبًا، في حديقة خاصة بمجمع السجون،  وكان المطر يهطل فوق رؤوسنا؛ والعساكر تختبئ تحت الأشجار. كان كبيرهم لم يأت بعد وكنا ننتظره حتى يسمح لنا ويتكرم علينا بالدخول إلى عالمه المغلق. ولما وصل لم يلق السلام على ضباط المأمورية، ونظر لهم باستعلاء.

  فُتح باب السجن، فكان يجلس على الكرسي ينظر إلى الجميع باحتقار أو بغضب أو بـ”هبل” شعرت أنه يمثل فيلم كوميدي، كان يرتدي “ترنك” رياضي واسع جدًا، مما جعله يبدو “عبيطًا، ولكن العبيط الذي يملك السلطة والقوة والسلاح لا بد أن تخشى منه لأنه “عبيط”. واسألوا أهل الحُكم.

    أشار بسيجارته؛ وبدأت التشريفة، أحرقوا الملابس، ووقفنا بملابسنا الداخلية فقط، حلقوا رؤوسنا، وكنت طويل الشعر واللحية والشارب، وأعتقد أنني كنت أشبه إرهابيًا في طريقه إلى الإعدام. ضربونا بالعصي من دون سبب، ربما لم تعجبهم حلقة رؤوسنا الجديدة، ولكن على كل حال عندما تستمع إلى صوت ارتطام العصا على الأجساد فعليك أن تبتهج لأن حفلة التشريفة قد بدأت واقتربت من الانتهاء.

   ارتدينا ملابس التحقيق البيضاء، وتحولت حياتنا إلى اللون الأبيض، وحصل كل منا على عدد 2 بطانية، وخزنونا فى مكان يدعى ” زنزانة الإيراد”. نعم خزنونا كبضاعة، ونحن إيراد ليس إلا.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

سبعة آلاف سنة سجن

أحمد جمال زيادة

إلتزم الجميع الصمت نظر لي أحدهم حاقدًا، لأنني لست موثق اليدين مثلهما، ضحكت على نظرته بصوت عال، ضحكت على أنه يحسدني لأنني سجين ولكن لست مكبل اليدين مثله.

أحمد جمال زيادة

واحد مننا

فاطمة فرج