في إمكانية ومعنى أن يصير المرء شيوعيًا اليوم

قضايا

24  أغسطس  2017

أنطونيو نيجري وملاحظات حول مفهوم وممارسة الشيوعية

ترجمة وتقديم

عمرو عبد الرحمن

 

 هل مازال ممكنًا أن يعلن المرء نفسه شيوعيًا اليوم؟ هل بعد الهزائم التي مني بها المعسكر الذي نسب نفسه للشيوعية، وماتبعه من انحطاط معظم الأحزاب التي دارت في فلكه إلى قوى مناصرة للاستبداد المحلي أو حتى للطائفية الصريحة – كما في حالة منطقتنا العربية- مازال هناك مضمون لهذا الإسم يشبه مضمونه القديم؟ وهل هناك إمكانية في ظل هيمنة منطق الرأسمالية على العالم عبر طيف من التراكيب الأيديولوجية، الليبرالية أو الاشتراكية الديمقراطية أو المحافظة، أن يتبنى المرء على المستوى الفكري والأخلاقي والوجداني نزوعًا لمجتمع تنتفي فيه الملكية الخاصة لأدوات الانتاج، وعلاقة العمل المأجور، ويتم إدارة الإنتاج والتوزيع بشكل ديمقراطي مباشر؟ وإن كانت تلك الإمكانية لا زالت قائمة فأي معنى يمكن أن ننسبه لهذا الإسم: الشيوعية؟ هل هي مرحلة تاريخية تنتظرنا عند نهاية مسار طويل من النضال؟ وما ملامحها؟ أم هي مثال ملهم للنضال يستحيل الوصول إليه؟ هل هي مرحلة تاريخية عاشها البشر يومًا وضاعت في غياهب النسيان؟ أم هي، ربما، حقيقة معاشة أو أحد جوانب وجودنا الاجتماعي التي نغفل عنها دائمًا وأبدًا ونسعي للهروب منها؟ وهل يمكن أن تحيط أسماء “كاليسار” و”الإشتراكية” مثلًا بهذا المعنى المختزن في الاسم؟ أم أن الشيوعية في النهاية لا تكتسب تحديدها المفاهيمي إلا بتمييز نفسها عن مفاهيم كاليسار والاشتراكية بنفس القدر الذي تميز به نفسها عن الليبرالية؟

 كل هذه الأسئلة يطرحها الفيلسوف والمناضل الإيطالي “أنطونيو نيجري” Antonio Negri في أحد محاضراته بالغة التكثيف والوضوح والتي يلخص فيها مسار فكري طويل كان دائمًا مرتبطًا بمسار من النضال في صفوف طيف عريض من المنظمات اليسارية والشيوعية. وهي محاضرة ألقاها الرجل في ربيع عام ٢٠٠٩ في كلية “بيركبك” Birkbek College بجامعة لندن من ضمن أعمال مؤتمر خُصص لإعادة التفكير في معنى الشيوعية في عالم اليوم.

ولكن من هو أنطونيو نيجري؟ ولماذا نهتم به وبأسئلته؟

 شاع إسم أنطونيو نيجري في الكتابات العربية متأخرًا نسبيًا عن الكثيرين من معاصريه ممن بدأوا البحث النظري في هذه الإشكاليات مع منتصف ستينيات القرن الماضي. لم يحذ نيجري في أوساط منتسبي المنظمات اليسارية، أو دارسي العلوم الاجتماعية النقديين والجذريين، بأي اهتمام يوازي ما حصلت عليه أسماء كلويس ألتوسير ومن أثّر بهم من مجايليه أو تلاميذه كميشيل فوكو وجيل دولوز وإتيان باليبار و إرنستو لاكلاو ومدرسته، أو كنعوم تشومسكي واجتهاداته العابرة لحدود الأناركية والفكر الماركسي، أو كسلافوي جيجك وآلان باديو في نقدهم للميل الليبرالي الجديد، أو حتى كدارسي “مابعد الاستعمار” في نقدهم الحاد لتجارب التحرر الوطني وما اقترن بها من خطابات ثقافية. وبالطبع لم يحظ الرجل بأي اهتمام يذكر في أوساط دارسي الاقتصاد السياسي الماركسيين أو اليساريين العرب كذلك.

  لم يظهر اسم نيجري على رادار الترجمات العربية بشكل معقول إلا مع كتابه المشترك مع الأكاديمي الأميركي مايكل هاردت “الإمبراطورية” Empire الصادر في مطلع الألفية. وهذا الكتاب، الذي يتحرك برشاقة بين حقول بحثية مختلفة من الاقتصاد السياسي إلى النظرية السياسية والقانون والنقد الثقافي، حاول أن يقدم تحليلًا ونقدًا لأنماط الإنتاج المهيمنة وما تستند إليه من علاقات اجتماعية وخطابات ثقافية في عالم مابعد الحرب الباردة. صدور هذا الكتاب في ظل ظرف عالمي تميز بصعود ما عرف بحركات مناهضة العولمة انتقل باسم نيجري من هامش الجدل الفكري والسياسي إلى متنه. وانقلب التجاهل إلى اهتمام صاخب أسفر في الكثير من الأحيان عن التشويش على محتوى أفكار الرجل قبل “الإمبراطورية”، إذ تم اختذاله في هذا الكتاب دون إيلاء اعتبار يذكر لمساره الفكري الذي انتهى به إلى هذه الأطروحات. فكان عرض أفكار الإمبراطورية في العالم العربي والحال كذلك مشوشًا مختذلًا. ولكن لا يمكن فهم “الإمبراطورية” وما بعدها، والإمكانيات التي يفتحها هذا النص في فهم الواقع وصياغة استراتيجيات تحويله، إلا بوضع العمل في سياق مسار الرجل الفكري والسياسي. ونص المحاضرة التي نقدمها للقارئ للمرة الأولى بالعربية إنما يقدم تلخيصًا لهذا المسار بشكل وافي.

  بدأ نيجري مساره الفكري والسياسي كجزء من تيار أوسع في الطيف اليساري الإيطالي تبلور مع نهاية خمسينيات القرن الماضي حول مجلة “كراسات حمراء” Quaderni Rossi، وهو ما يعرف بتيار “العمالية” Operaismo أو  Workerism باللغة الإنجليزية. والإسم بالطبع هنا لا يشير إلى ميل كان شائعًا، ومنتقدًا، في صفوف المنظمات الشيوعية في أوروبا منذ بداية القرن الماضي والمهتم بالتركيز شبه الحصري على بناء قاعدة في أوساط الحركة النقابية العمالية على حساب العمل السياسي المنظم. في الواقع فالعكس هو الصحيح. فقد نشأ تيار العمالية الإيطالية في هذه الفترة في مواجهة التيارات الرئيسية المهيمنة على الحركة الشيوعية واليسار في العالم، بما فيها هذا التيار العمالي المُنتقد. ونعني بتلك التيارات المهيمنة كل من الستالينية السوفيتية، الماوية، الشيوعية الأوروبية، وحتى النقد التروتسكي لهذه التيارات الثلاثة. وبالتالي كانت العمالية الإيطالية تيارًا متفردًا بالفعل، وسمح له هذا التفرد بالمساهمة بقدر كبير في التجذير المتواصل في اليسار والحركة العمالية والطلابية الإيطالية والذي انتهى مع نهاية السبعينيات بموجة من الإرهاب الثوري الذي تثور الشكوك والتأويلات حول تورط نيجري نفسه في دعمه. وعلى إثر هذا التورط انتهى الحال بنيجري مسجونًا ثم هاربًا إلى فرنسا ليقضي مايقارب العشرين عامًا في المنفى، في صحبة جيل دولوز وفيليكس جواتاري بجامعة باريس الثامنة، ثم العودة لإيطاليا في مطلع الألفية ليستكمل مدة عقوبته رهن الإقامة الجبرية حتى أُفرج عنه نهائيًا عام ٢٠٠٣.

  نقطة انطلاق منظري العمالية الإيطالية الأوائل، كماريو ترونتيMario Tronti  ورانييرو بانزيري Raniero Panzieri، تمثلت في نقد التيارات الماركسية الرئيسية لجهة عدم إدراكها لعمق التحولات التي حدثت في تكوين العمل المأجور وعلاقاته عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وتداعيات ذلك السياسية. شهدت هذه المرحلة نموًا صناعيًا متصاعدًا وغير مسبوق في إيطاليا اتسم بما اتسم به التكوين العضوي لرأس المال عقب الحرب العالمية الثانية في أوروبا الغربية ككل من حيث ميله إلى الاعتماد على العمل المعرفي للتوائم مع التقدم التكنولوجي المذهل، وليس العمل اليدوي فقط. كذلك أدى تفكيك خطوط الإنتاج الكبرى المركزة في مواقع واحدة إلى تعميم علاقة العمل المأجور نفسها على عموم الجسد الاجتماعي وفرض قدر مذهل بالتبعية من التفاوتات والتمايزات في جسم الطبقة العاملة، سواء محليًا أو على المستوى العالمي، وهو جسم لم يعد على هذا القدر من التجانس الذي سمح في التفكير فيه كفاعل واحد ابتداءًا…. أصبح الكل عمالًا بشكل أو بآخر وغدا المجتمع “مصنعًا مهولًا” وفقًا لتعبير نيجري.

  في المقابل، تميزت هذه المرحلة بصعود الرأسمالية الاحتكارية في أوروبا الغربية وتركز رأس المال في مؤسسات بعضها مختلط، عام وخاص، والتوسع في القطاع العام. كذلك كانت هذه المرحلة هي المرحلة الذهبية للاتحادات العمالية التقليدية والتي نجحت في فرض تنازلات غير مسبوقة على الطبقات الحاكمة في أوروبا الغربية مما سمح بتوافق مجتمعي حول زيادة الإنفاق العام على الخدمات والضمانات الاجتماعية وارتفاع مستوى الأجور وتحول الاتحادات العمالية المذكورة لشريك فعلي في عملية الحكم، وهو ما عرف بنموذج دولة الرفاه.  في المقابل لقيت التجارب اللينينة سواء في طورها الستاليني أو الماوي مصيرًا بيروقراطيًا مأساويًا مقترنًا بغياب الطابع الديمقراطي. فأضيف إلى هيمنة البيروقراطية كطبقة حاكمة طابعًا بوليسيًا وشموليًا قضى على أي إمكانية للانتقال للشيوعية في تلك البلدان وجعل من تحولها الرأسمالي اللاحق قدرًا محتومًا.

  نقطة البدء إذن لفهم هذه التحولات لدى العماليين، وتكوين استراتيجية حركية بشأنها، كانت في البحث في التكوين الجديد للعمل ورأس المال عبر دراسات ميدانية انخرط فيها أستاذ “علم الدولة” الشاب أنطونيو نيجري، وهذه الدراسات سرعان ما فتحت أمام المجموعة أفقًا نظريًا غير مسبوق وسمحت لها بتطوير نقدها على عدّة مسارات نظرية.

  المسار الأول كان محاولة إعادة الاعتبار مرة أخرى للتفكير في “علاقة العمل المأجور” بوصفها المحور الأساسي الذي تدور حوله الاجتهادات الماركسية. في هذا السياق، احتلت إعادة قراءة نصوص ماركس الشاب، وتحديدًا مخطوطات ١٨٤٤ السابقة على البيان الشيوعي، بالإضافة لما يعرف “بأسس نقد الاقتصاد السياسي” The Grundirsse المكتوب في ١٨٥٧، موقعًا متميزًا في انشغالات تلك المجموعة. لم تكن الماركسية بالنسبة للعماليين فلسفة نظرية للتاريخ تضع قوانين وتستكشف حتميات بقدر ما كانت نقدًا  لأشكال محددة  لتنظيم العمل في التاريخ. أما التأطير شبه اللاهوتي اللاحق للمادية الجدلية والمادية التاريخية، من وجهة نظر العماليين، فقد حول الماركسية لنظرية كبرى تضع مراحل حتمية لتطور المجتمعات والتنبؤ بمساراتها. تصوير الماركسية كقانون، يراه العماليون كأثر هيجيلي في فكر ماركس انتعش في المشهد الفكري الإيطالي على يد فلاسفة مثل “جينتلي” و “بنديتو كروتشي”  في خضم الحرب العالمية الأولى.

  بالنسبة للعماليين، فالنقد الماركسي في المخطوطات و”نقد الإقتصاد السياسي” كان يهدف لفهم علاقة العمل المأجور في المجتمعات الرأسمالية كعلاقة اغتراب بالأساس يترتب عليها فقدان العامل لأي محتوى ذاتي خاص به واكتساب محتوى جديد تمامًا يقطع الطريق على العودة للمراحل السابقة على علاقة العمل المأجور ويفتح أفقًا جديدًا للتفكير في شكل مختلف لإدارة مجمل عملية الإنتاج. هذا “الجديد” ليس حتميًا بالضرورة ولا يمكن التخطيط لمساره بشكل هندسي مسبق. وتقييم كل تجربة في الانتقال للاشتراكية يعتمد على معيار مدى اقترابها أو بعدها عن هدف تحرير العمل من علاقة العمل المأجور وتحويل هذا العمل المحرر باتجاه تأسيس علاقات إجتماعية جديدة. ومن هذا المنطلق تبلور نقد علاقات الإنتاج في الإتحاد السوفيتي أو الصين، أو غيرها من الاشتراكيات القائمة بالفعل، باعتبارها شكلًا جديدًا من أشكال اغتراب العمل وليست مرحلة انتقالية ضرورية في مسار تحويل هندسي تاريخي باتجاه الشيوعية. هذه التجارب، من وجهة نظر العماليين، قد أعادت بناء عالم العمل المأجور نفسه تحت مسمى التحويل الاشتراكي الضروري لتحقيق تراكم يفتح الطريق نحو  الشيوعية، وهو ما قاد في الواقع لتكثيف معدلات استغلال العمل بشكل غير مسبوق وفقًا لنفس قواعد التنظيم الرأسمالية حتى مع اختفاء الملكية الفردية لأدوات الانتاج. وتكثيف معدلات استغلال العمل بهذا الشكل كان مسئولًا عن تكون البيروقراطية كطبقة حاكمة في هذه البلدان وغلق الطريق أمام الشيوعية في الواقع.

  المسار الثاني لمنظري العمالية الإيطالية تمثل في نقد الديمقراطية التمثيلية، ومفهوم الدولة بالمجمل. فنقد التمرحل الذي أفضى لتكثيف استغلال العمل وبقرطة منظمات العمال، و”دولهم”،  أدى لنقد أكثر جذرية لفكرة “التمثيل” نفسها. تمثيل الإرادة العامة كممارسة حاضرة في التاريخ الأوروبي استند لتصور، هيجلي مثالي بدوره، عن استحالة التفكير  في الانتقال من حال لحال بدون مفهوم يتوسط هذه العملية. المثال الهيجلي الأشهر كان مفهوم المقياس، الذي يسمح بإدراك تحول الماء لبخار. فوحدات القياس تتيح لنا إدراك أنه عند درجة حرارة معينة يتحول الماء تحولًا كيفيًا لبخار. وبالانتقال لمحيط العلاقات الاجتماعية، كان التطبيق الهيجلي الأشهر هو في رؤية الدولة الدستورية التمثيلية الحديثة كفهوم ضروري للانتقال لحرية الإنسان. بينما في نقد ماركس، فتحويل العمل لسلعة، أو اغترابه بهذا المعنى، لم يكن ليتم بدون توسط مفهوم الدولة الدستورية الممثلة للإرادة العامة نفسها. فالحياة كمواطن مجرد “حُرّ” متساو أمام القانون هي الشرط الضروري لاستغلال قوة العمل عبر ماتمارسه من تعمية على حقيقة التفاوت في جسد هؤلاء المواطنين الأحرار. وتحويل العمل لممارسة أخرى خارج علاقة العمل المأجور، والحال كذلك، يقتضي تجاوز شكل الدولة نفسه، خصوصًا في طوره “الديمقراطي”، عبر مفهوم آخر للانتقال، تحدث عنه ماركس باختصار في البيان الشيوعي بوصفه مرحلة اشتراكية ضرورية سابقة على التحول للشيوعية يتركز فيها فائض قيمة العمل في الدولة الاشتراكية.

 المعضلة من وجهة نظر العماليين الأوائل كانت أن التيارات الشيوعية طورت فكرة ماركس عمليًا باتجاه استبدال فكرة الدولة بفكرة الحزب ثم دولة الحزب. فأصبح الانتقال للشيوعية مرهونًا بتوسط فكرة الحزب الممثل للطبقة العاملة، ثم الدولة الاشتراكية، التي تحولت من مفهوم يساعد على الانتقال للشيوعية لمجرد شكل آخر من أشكال السلطة المنظمة لعملية اغتراب العمل، كما تشير الدراسات العينية لواقع علاقات العمل في المجتمع السوفيتي والصيني. ومن ثم أصبح نقد فكرة “التمثيل” نفسها هاجسًا ملحًا لدى العماليين الأوائل، سواء اتخذ هذا التمثيل مظهر ديمقراطي بورجوازي أو ماركسي لينيني.   المسار الثالث، والحال كذلك، لمنظري العمالية الإيطالية كان البحث في الممارسات المختلفة المتحققة بالفعل لمحاولة تجاوز واقع اغتراب العمل وتحويله لممارسة أخرى متحررة من علاقات العمل المأجور. الفكرة اللينينة المهيمنة كانت تنظر لأي ممارسة سابقة على الممارسة السياسية للطبقة العاملة المنتظمة في حزب واحد متماسك كمحض ممارسة عفوية أو مطلبية أو “اقتصادوية” منزوعة الطابع السياسي.  بينما أن منظري العمالية الإيطالية بدأوا في لفت الانتباه للنضال المتواصل خارج الأحزاب اليسارية والذي يتخذ أشكالًا مختلفة لاتندرج بالضرورة في إطار العمل المطلبي الساعي لتحسين شروط الاستغلال بقدر ما تستهدف تجاوز علاقة العمل المأجور نفسها. كان نيجري على وجه الخصوص مهتمًا بظواهر رفض العمل في حد ذاته والانسحاب من محيط الاستغلال بالكلية والتي لا تتخذ أشكالًا معهودة كالإضراب والاعتصام والتفاوض الجماعي ولا تقتضي عضوية إتحادات عمالية منظمة.

  هذا المسار الأخير هو الذي باعد ما بين العمالية الإيطالية وبين النقد الجذري لتجارب الاشتراكية المتحققة بالفعل أو لتجارب الشيوعية الأوروبية كذلك، خصوصًا النقد الجذري التروتسكي الذي انتقد البيروقراطية السوفيتية، ولكنه أبقى على بذرتها النظرية في فكرة التمثيل الحزبي للطبقة العاملة. كان العماليون الإيطاليون يبحثون عن أشكال أخرى من تحرير العمل تتوافق مع واقع تعميمه وبعثرته وتنوعه وتتجاوز فكرة المرحلة الانتقالية الضرورية. كذلك قاد هذا البحث لتباعد عن أفكار جرامشي التي كان لها قدر غير ضئيل من الهيمنة في الأوساط اليسارية والشيوعية الإيطالية، والأوروبية عمومًا، كما هو متوقع. فأفكار جرامشي عن الهيمنة المضادة أو الكتلة التاريخية المضادة للكتلة الرأسمالية الحاكمة، والتي تتسع لتشمل فئات وشرائح أوسع من الطبقة العاملة الصناعية – وهي الكتلة التي عرفت في أدبيات الحزب الشيوعي الإيطالي في ذاك الوقت بالكتلة “الوطنية الشعبية”- كانت هذه الفكرة تقوم أيضًا على اعتبار التمثيل مرحلة لا غنى عنها لانجاز وحدة هذه الكتلة عبر التوسط بين مصالح ومطالب القوى الاجتماعية المختلفة المشكلة لها في هدف أو برنامج واحد، ومن ثم حتمية بناء الحزب المجسد لهذا التوسط الجديد.

  نقد التمرحل والتمثيل والسياسة الحزبية مهد الطريق لتبلور مفهوم للشيوعية ظل نيجري مخلصًا له حتى النهاية، ويعبر عنه النص المترجم أفضل تعبير، وهو مفهوم مستقى من  كتاب “نقد الإقتصاد السياسي” المذكور. الشيوعية بالنسبة لنيجري، والعماليين، ليست مرحلة تاريخية جديدة أو نمط إنتاج جديد، يقتضي توسطًا ضروريًا للانتقال إليه، وليست فكرة عرضية تنشأ عن تركيب مصالح ومطالب وحساسيات مختلفة، وفقًا للقراءة الجرامشية في أحزاب الشيوعية الأوروبية. الشيوعية هنا هي حالة راهنة قائمة بالفعل في تشابكات العلاقات الاجتماعية الرأسمالية وتسعي هذه العلاقات لكبح نموها والتعبير عن نفسها بأشكال مختلفة. ملامح هذه الحالة هي نفي العمل المأجور والمساواة المطلقة بين البشر في حالتهم السابقة على الاستغلال الرأسمالي والتنظيم الديمقراطي لعملية الانتاج دونما توسط من الدولة. اتصاف المرء بالشيوعية هنا يعني إدراك هذا الواقع القائم وإمكانياته والانتظام في عملية تحرير العمل بناءًا على هذا الإدراك. هذا الإدراك ليس بهوية أو مبدأ شبه ديني، لأنه لا ينطلق من يوتوبيا ماضوية أو قناعة بمسار بعينه للتاريخ، هو في الواقع حالة ذهنية وأخلاقية رافضة للاستغلال وساعية لتنظيم عملية تحرر العمل.

 هنا بدأ نيجري في التباعد عن مدرسة العمالية وانتهاج مسار نظري خاص به منذ نهاية الستينيات في محاولة للإجابة على عدد من التساؤلات في القلب منها: كيف يمكن تنظيم قوة العمل في قوة تأسيسية Constituent Power تستشرف المجتمع الجديد الممكن بدون الانزلاق لفخ سياسات التمثيل النقابية والحزبية والدولتية؟

  منذ نهاية الستينيات كان نيجري على موعد مع مرحلة يمكن وصفها بالتجريبية، وهي الأكثر غموضًا في مساره، والتي تمخضت عن مشاركته في تأسيس وقيادة ما عرف بتيار “الاستقلالية” أوAutonomia مع عدد من المنظرين الشباب كفرانكو بيراردي “بيفو” Franco Berardi. عكس هذا التيار في تكوينه الأفكارالعمالية عن توسع وتنوع جسم الطبقة العاملة خارج حدود المصنع لتشمل عموم المستغلين ممن يبيعوا قوة عملهم نظير أجر، وكذلك عكس الميل للتباعد عن النموذج النقابي التقليدي في تحسين ظروف العمل باتجاه رفض العمل المأجور ككل مباشرة ودونما توسط. فانفتح هذا التيار على الطلاب، كمستغلين في طور التكوين، وغيرهم من العمال الذهنيين في القطاعات الرأسمالية الجديدة. وكان هذا التيار أحد المكونات الأساسية في طيف اليسار الجديد الذي هز أركان الرأسمالية الاحتكارية والدولة الإيطالية وخرجت من عباءته عدد من الجماعات المسلحة أشهرها “الألوية الحمراء”المسئولة عن اختطاف واغتيال زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي الإيطالي الأسبق ألدو مورو عام ١٩٧٧.

  هذا التخبط في الإجابة على السؤال الصعب، وما أعقبه من تطورات درامية قادت نيجري إلى السجن والمنفى كما سبق الذكر، كان مقدمة لأخصب فترات نيجري النظرية في الثمانينيات. اغتنى نيجري في فرنسا من النقد مابعد البنيوي أو مابعد الحداثي للفلسفة المثالية الألمانية، وللماركسية كذلك، دون أن ينزلق إلى تبني الرؤى العدمية التي عادة ما تقترن بهذا النقد ما بعد الحداثي. بل على العكس، استطاع نيجري أن ينتج مركبًا نظريًا متميزًا مابين أفكاره العمالية والنقد ما بعد البنيوي. فعلى سبيل المثال، سمحت اجتهادات فوكو عن مفهوم القوة، بوصفها ممارسة تنبع من كل علاقة اجتماعية وليست محض إمكانية تتركز في الدولة أو المؤسسة، أو الحزب، أن يعيد صياغة مفهوم عن “القوة التأسيسية” للعمل Proletarian Constituent Power. نيجري يتصور قوة عمالية تأسيسية لا تنتظم بالضرورة في اتحاد عمالي واحد أو حزب واحد أو دولة بقدر ما أنها تنتظم في طيف من المؤسسات الديمقراطية والإنتاجية المنفتحة. العمال وفقًا لهذا المفهوم ليسوا مجردين من السلطة في مواقع عملهم وحياتهم اليومية، ولا يقتضي الأمر بالضرورة الانتظام في حزب واحد لممارسة السلطة أو بناء قوة جديدة وازنة. وهذه المؤسسات بالتبعية لا تأخذ على عاتقها هدف تحويل المجتمع على مراحل عبر السيطرة على جهاز الدولة، وإن كانت تقوم بالتحويل الاجتماعي بالفعل بشكل يومي عبر بلورة ممارسات تحويل العمل في شكل أفكار وبرامج وممارسات ومؤسسات جديدة. تشكيل القوة التأسيسية هنا هو عصب الممارسة الشيوعية. وتحويل الفرد لذاته من مجرد ترس في “عجلة الانتاج” لمكون من مكونات هذه القوة الجديدة، أو ذات فاعلة تسندها وتسمح لها بالنمو والتشكل، هو عصب الأخلاق الشيوعية.  

لا يستبعد هنا نيجري فكرة الثورة للاستيلاء على جهاز الدولة، وهنا يتباعد قليلًا عن الأناركيين، بقدر ما أن هذه العملية بالنسبة له لا يمكن التخطيط لها سلفًا ولا تتبع بالضرورة نموذج تاريخي محدد كقانون. هي عملية ممكنة ولكن إمكانيتها، ونتائجها، لا يمكن التنبؤ بها سلفًا ولكنها مرهونة بنمو قوة العمل التأسيسية وليس بوجود حزب ثوري واحد بالضرورة.

  كذلك اختلف نيجري  مع تأويلات جرامشي اللاحقة في اتجاه مابعد ماركسي والتي قادت معتنقيها لاسقاط مفهوم الشيوعية نفسه من اسهاماتهم.  أسست القراءات مابعد الماركسية نفسها على قراءة يسارية لهيجل تحتفي بلحظة النفي المطلق في منطقه الديالكتيكي. وترى أن المركب الجديد الذي ينشأ عن لحظة النفي، ليس نفيًا للنفي في إيجاب جديد، أو مركب فكري جديد يمكن التنبؤ به، بل هو مركب عرضي Contingent بالضرورة لا يمكن التنبؤ بطبيعته. وهذه الفكرة ذاعت بشكل من الأشكال منذ نهاية الستينيات وتأثرًا بقراءات الهيجليين الفرنسيين مثل كوجيف.وبالنسبة لهذا التيار فالشيوعية كانت هي المركب العرضي الناشئ عن لحظة النفي في قلب الرأسمالية في لحظة تاريخية بعينها ولكنها ليست المركب الممكن الوحيد.

  أعمال ككتابات إرنستو لاكلاو وشانتال موف وسلافوي جيجك في مرحلة مبكرة من حياته، والتي دارت في الفلك ما بعد الماركسي، كانت في مرمى نقد نيجري.  يرفض نيجري الموقف المحتفي بلحظة النفي والذي يرى في الشيوعية نتاج عرضي من نواتج الصراع الطبقي إذ أن الموقف الأخير يغض الطرف عن وجود الشيوعية نفسها كواقع في قلب نمط الانتاج الرأسمالي تدركه الطبقة العاملة في صراعها الطبقي. ومن ثم فلحظة النفي لدى نيجري هي لحظة “إيجاب” تتعرف فيها الطبقة العاملة بدون مراحل وسيطة على شكل المجتمع الممكن وتشرع في بلورته على الفور. الشيوعية قائمة فعليًا بشكل من الأشكال وتنتظر تبلورها السياسي بالقوة وليست نتيجة عرضية لنفي مطلق. ومن هنا يبدو نيجري متجاوزًا لمنهج الديالكتيك بالكلية أو على الأقل داعية لديالكتيك “إيجابي” لا يشتمل على لحظة نفي، ولكن انتقال من شكل متعين لشكل آخر بطريقة دائمة وسيّالة دون توسط.

  مفهوم القوة التأسيسية اتخذ منحى جديدًا عبر التعاون مع مايكل هاردت ليعود مرة أخرى في شكل مفهوم “المتعدد” Multitude. والمتعدد هنا في فكر نيجري لا يشير لحالة الطبقة العاملة التي تنوعت من حيث تكوينها الداخلي وفقط، ولكنه يشير بالأساس لطيف عريض من مؤسسات وتشكيلات تنتظم كلها في مسار تشكيل القوة التأسيسية للعمل. ولكن كذلك يختلف “المتعدد” عن تصورات اليسار الجديد، مابعد الماركسي المتأثر بأطروحات مثل أطروحات لاكلاو وموف السابق التعرض لها، والذي يرى أن الفاعل السياسي الجديد هو تعبير عن طيف واسع من الحركات الاجتماعية يتشكل خطابها بشكل عرضي حول دال أو دوال مختلفة في لحظات تاريخية محددة. فعلى الرغم من حماس نيجري الشديد للتنوع في جسم الطبقة العاملة ولكنه كذلك يستأنف في مرحلته تلك جداله مع “اليسار الجديد” حول أن الدال الذي يجب أن تنتظم حوله الحركات المتنوعة ليس تركيبًا عرضيًا بقدر ما هو إسم لإمكانية متحققة بالفعل وناتج عن قراءة موضوعية لتلك الإمكانية كما تتكشف في مسار الصراع الطبقي، وهي الشيوعية.

  بهذا المعنى فنيجري يعود لتدعيم رؤيته عن الشيوعية، بوصفها حالة من حالات الوجود داخل المجتمع الرأسمالي سواء كعلاقة انتاج أو كذاتية فردية وجماعية، ممكنة. كذلك تبدو الإمكانية الشيوعية اليوم، وفقًا لنيجري، أكثر وضوحًا وتحديدًا من أي وقت مضى نتيجة الهيمنة غير المسبوقة لمنطق علاقات الانتاج الرأسمالية وتحطيمها الكامل لكافة أنماط الانتاج السابقة عليها، أو المنافسة لها، كما في حالة النمط السوفيتي أو الصيني. يشبه نيجري هنا ماركس الشاب المتفائل في البيان الشيوعي ١٨٤٨ أكثر ما يشبه نيجري الشاب نفسه الذي بدأ انشغاله النظري في ظل مناخ متشائم تخيم عليه البيروقراطية السوفيتية بظلالها.

راهنية نيجري وعالمنا العربي:

     لم تسلم أطروحات نيجري من النقد بالطبع ولا نعرضها هنا بغرض تقديمها كإجابة وحيدة صحيحة على الأسئلة التي افتتحنا بها هذا التقديم، الذي طال أكثر مما ينبغي. بالعكس، تعرضت أطروحات نيجري لانتقادات محورية، نتفق مع الكثير منها، نبهت لأوجه الغموض والالتباس تحديدًا فيما يخص الانتقال من حالة اغتراب العمل لحالة تشكيل القوة التأسيسية للعمل دونما توسط. بعبارة أخرى، كيف يمكن النزوع لبناء قوة تأسيسية بدون برامج مرحلية وخطابات مرنة تختلف من ظرف سياسي لآخر ومن مرحلة لأخرى؟ وإن كان وجود هذه البرامج والخطابات أمرًا حتميًا فكيف يمكن بلورتها بدون تصور عن “المراحل” أو بدون شكل سياسي يجمع عناصر القوة التأسيسية تلك ويؤطر نضالها باتجاه واحد وهو سلطة الدولة؟ ولماذا يحكم نيجري بشكل قبلي على هذا المسار بالانزلاق الحتمي للدولتية على الرغم مما توافر له من وعي نقدي بالخبرات التاريخية السابقة؟

 كل هذه الأسئلة والانتقادات السابقة في محلها بالطبع. ولكن بالرغم من محورية هذه الانتقادات إلا أنها لا تنفي أن أفكار نيجري مازالت تحتوي  على نفس منعش للذهن وتحدي مثير للسائد من الأفكار في صفوف اليسار العربي الجديد الصاعد، أو يسار ما بعد ٢٠١١ إن جاز التعبير.

  على سبيل المثال، تتميز أطروحات نيجري براهنية ملحة  فيما يتعلق بنقد الميل لتمييع الحدود بين مفهوم اليسار ومفهوم الشيوعية. بينما يشير الأول لموقع سياسي يضم أخلاطًا متنوعة من أفكار ورؤى إصلاحية وثورية، تشير الشيوعية في فهم نيجري لإمكانية محددة وذاتية جديدة في طور التشكيل. وشيوع مفهوم اليسار هنا يستند لتحفظ في استخدام إسم الشيوعية نتيجة لما علق به في مساره الطويل من التباسات أهمها التنكر للديمقراطية وتحوله لعنوان لأحزاب وقوى انحطت تمامًا كما سبق الذكر في البداية. إلا أن شيوع اسم “اليسار” قد أنتج هو الآخر التباسات جديدة في الحركة ليصبح “اليسار”، أو “اليسار الجديد”،  راية يجتمع تحتها قدر غير قليل من المتناقضات تشمل الليبراليين الإجتماعيين مع ديمقراطيين ذوي النزعة المحافظة اجتماعيًا مع طيف عريض من النسويات مثلًا!

  ليس الغرض هنا المصادرة على عنوان “اليسار الجديد” كعنوان ممكن لمشروع سياسي محدد في ظرف تاريخي كالذي تمر به منطقتنا العربية، ولا الغرض بالطبع العودة السلفية لفهم ماركسي صحيح من “منابعه الصافية”- كل العرض السابق يتناقض مع هذه العودة المفترضة بطبيعة الحال- بقدر ما هو دعوة لإعادة اكتشاف مفهوم الشيوعية وفقًا لفهم نيجري بما يتيحه من إمكانيات للفرز والبلورة داخل هذا الطيف العريض المسمى يسارًا.

  كذلك تحمل أفكار نيجري نقدًا مهمًا للأفكار الهوياتية الشائعة في مصر والعالم العربي، سواء كانت وطنية أو عروبية أو إسلامية. فبينما كان النقد لهذه الأفكار إما منطلقًا من موقع ليبرالي يحتفي بالتعدد الثقافي كقيمة مجردة – تعتمد في انتعاشها في الواقع على علاقات الانتاج الرأسمالية ومن ثم تكثيف الاغتراب- أو من موقع عدمي لا يكترث لفكرة الهوية من الأساس، يقدم نيجري نقدًا للنزعات الهوياتية على أرضية فكرية وأخلاقية صلبة. فالعودة لما يُظن أنه هوية نقية  بالنسبة لنيجري هي مهمة مستحيلة نظريًا وعمليًا نتيجة تمكن رأس المال من حياة البشر بشكل أغلق هذه الإمكانية تمامًا وحطم أسسها المادية. فلم يعد هناك إلا ذاتية واحدة لجمهور المستغلين المجرد من أي محتوى آخر كما سبق الذكر. وهي كذلك عودة مستهجنة أخلاقيًا من وجهة نظر “الأخلاق الشيوعية” إذ تقوم حائلًا دون تحويل هذه الذاتيه المفردة المنعزلة لمكون من مكونات “المتعدد” وتطرد بشكل منهجي كل آخرية من محيطها الصافي، وتكبح بالتالي الكرم والانفتاح الضروريين لتأسيس مجتمع جديد. وهو كذلك نزوع يستدعي الدولة باستمرار بوصفها قيمًا على عملية تمثيل الهوية الصافية على النحو الذي يرفضه نيجري بشكل قاطع.

  وبالطبع يقدم إسهام نيجري تأسيسًا نظريًا قويًا لنقد تجارب الاشتراكية السلطوية في التنظيم أو إدارة الدولة وعلاقات العمل. وهو نقد بدأ بالفعل في العالم العربي وإن كان ينقصه التأسيس الفكري الصلب على النحو الذي يقدمه نيجري وغيره.

   المقال المترجم اعتمد على نص المحاضرة المنشور في الكتاب الصادر عن المؤتمر. وهي محاضرة على طابعها المباشر إلا أنها حافلة بإشارات تفترض درجة من ألفة القارئ معها، خصوصًا فيما يتعلق بتاريخ الفلسفة الغربية أو تاريخ الحركات الشيوعية. ولتجاوز تلك العقبة، التي قد تلغز على القارئ الكثير من الأفكار، أضفت العديد من الهوامش الشارحة لتلك الإحالات الفكرية والتاريخية. تشكل تلك الهوامش إذن جزءًا عضويًا من متن المقال.[i]

 

الشيوعية: أفكار عن المفهوم والممارسة

أنطونيو نيجري

  في جذور  المادية التاريخية يكمن افتراض بأن التاريخ هو دائمًا تاريخ الصراع الطبقي. وعندما نبحث في الصراع الطبقي من وجهة نظر مادية تاريخية فإننا نفعل ذلك استنادًا لمنهج ماركس في “نقد الاقتصاد السياسي”. يخلص هذا “النقد” إلى أن الشيوعية هي معنى تاريخ الصراع الطبقي، أي أنها “الحركة الواقعية التي تزيح الحالة الراهنة للأشياء”. وبالتالي فهذا المنهج المقترح في “النقد” هو حالة من حالات الوجود داخل هذه “الحركة”.

  يعترض البعض على هذا الافتراض باعتباره معبرًا عن فلسفة للتاريخ (تُستعمل هنا بمعنى تصور غاية نهائية حتمية للتاريخ- المترجم). ولكني أعتقد أن هذا المعنى السياسي المذكور لا يجب أن يصور خطأً كغاية للتاريخ. فعبر التاريخ، دائمًا ما تنتج قوى الإنتاج  العلاقات الاجتماعية والمؤسسات التي تحتوي وتهيمن على هذه القوى: هذا واضح في كافة المراحل التاريخية. وبالتالي، فلماذا قد يعتقد المرء أن إمكانية تحرير قوى الإنتاج من أسر سيطرة علاقات الإنتاج الرأسمالية (استلهامًا لمعنى الصراع الطبقي السابق الإشارة إليه، أي الشيوعية) هي نوع من التوهم التاريخي، أو الأيديولوجية السياسية، أو الهراء الميتافيزيقي؟ سنحاول أن نبين أن العكس هو الصحيح.

 1_  الشيوعيون يفترضون أن التاريخ هو دائمًا تاريخ الصراع الطبقي…

  بالنسبة للبعض، لم تعد وجهة النظر تلك قابلة للحياة إذ أن التاريخ الآن محدد المسار  بالكامل من قبل رأس المال إلى الحد الذي يصبح معه هذا الافتراض غير فعال ولا يمكن البرهنة عليه. ولكنهم يغفلون عن أن رأس المال هو دائمًا علاقة قوة (أو قهر)، وأنه وإن كان قادرًا على تنظيم هيمنة متماسكة، فلا يمكن لمفهوم رأس المال، ولا لأشكاله التاريخية المختلفة، أن توجد في ظل غياب البروليتاريا والتي تشكل، عبر استغلالها ذاته من قبل رأس المال، قوة العمل الحيوية التي تنتجه هو ذاته. الصراع الطبقي إذن هو التعبير عن العلاقة بين المدير /الرئيس/المالك، من جهة، والعامل، من جهة أخرى: هذه العلاقة تؤسس للاستغلال والسيطرة الرأسمالية كما تطبع المؤسسات التي تنظم عملية انتاج وتدوير الربح بطابعها.

 بالنسبة للبعض الآخر، فالتاريخ لا يمكن اختزاله لتاريخ الصراع الطبقي. هؤلاء يفترضون في الواقع استمرارية ما، أو قدرة دائمة على البقاء، للقيمة الاستعمالية.1 وهم ينظرون لتلك القيمة الاستعمالية بوصفها قيمة قوة العمل، أو قيمة الطبيعة والبيئة التي تحيط بالعمل الإنساني. هذا الافتراض ليس فقط غير مناسب على الإطلاق لفهم طبيعة التطور الرأسمالي، ولكنه كذلك يقدم تفسيرًا خاطئًا للشكل الحالي للرأسمالية على وجه الخصوص.

 فرأس المال الآن قد قهر واستوعب “عالم الحياة”2 بالكامل وغدت هيمنته عالمية. فلا مجال هنا “لنارودنيكي”.3 والصراع الطبقي، بالتبعية، يتطور هنا، وبناءًا على أسس توجد الآن، وليس في ظل زمن أو ظروف مختلفة: العلاقات الطبقية تتأسس على هذه المحددات التاريخية وعبر هذا الانتاج الجديد للفاعلية Subjectivity.4

  لهذا من المفيد أن نلاحظ أنه لم يعد هناك “خارج” في هذا السياق، وأن الصراع (ليس فقط الصراع ولكن كذلك محتوى الذوات الفاعلة في هذا الصراع) هو الآن في “الداخل” بشكل كامل؛ فلم يعد هناك أي وجه شبه أو انعكاس للقيمة الاستعمالية. نحن منغمسين كليًا في عالم القيمة التبادلية وحقيقته القاسية والمتوحشة.

  والمادية التاريخية تشرح كيف ولماذا تحتل القيمة التبادلية مكانة مركزية في الصراع الطبقي: “في المجتمع البرجوازي يقف العامل كفاعل بدون أي مضمون أو محتوى موضوعي؛ إلا أن ما يقف في الاتجاه المقابل هو المجتمع  Gemeinwesen والذي تحاول البروليتاريا أن تجهز عليه بينما يجثم هو عليها ويخنقها”.5  هذا الاستيلاء الخاص بالرأسماليين على فائض القيمة يؤدي لإظهار رأس المال كعلاقة. وفي المقابل، فالشيوعية تبدأ في اتخاذ شكلها عندما تتخذ البروليتاريا من الاستيلاء على هذا المجتمع المتجسد غاية وهدفًا لتحوله لمجتمع جديد.

 ولهذا فالقيمة التبادلية في غاية الأهمية إذ تشكل الحقيقة الاجتماعية المشتركة التي ترسخت إلى الحد الذي أصبح معه من المستحيل  افتراض إنتاجها فقط في عملية تدوير العمل أو النقود أو حتى رأس المال. إنها فائض القيمة الذي تحول إلى ربح متراكم، وريع للأرض أو العقارات، ورأس مال ثابت، وتمويل، وموارد أولية متراكمة، وآلات وأجهزة مُنتجة على ظهر الأرض أو مُطلقة في الفضاء، وشبكات اتصال، وأخيرًا وعلى وجه الخصوص، نقود، أي البراديم المشترك للتبادل: النقود هي نفسها المجتمع متجسدًا والذي لا يتسامح مع أي شئ آخر يعلوه.  القيمة التبادلية هي في الحقيقة منتجة و متاحة في شكل مشترك، كمجتمع متجسد. إنها هنا، إنها العالم، لا يوجد شئ آخر، لا يوجد خارج.

 لنأخذ على سبيل المثال موضوع التمويل Finance: من يستطيع تصور الحياة بدون نقود متخذة شكل التمويل؟ لقد أصبحت النقود اليوم هي الأرضية المشتركة التي كانتها يومًا “المواطن”Heimat  أو المشتركات التي انتظمت عبرها كافة الحيازات خلال العصر القوطي Gothic Period.6 هذه المشتركات و هذه الأراضي أصبحت الآن قيمة تبادلية في أيدي الرأسماليين. إذا أردنا استعادة تلك الأراضي فنحن سنستعيدها على الحالة التي نجدها عليها الآن: وهي في أوج الاستيلاء الرأسمالي، ملطخة بالقيمة التبادلية وبدون أوهام النقاء والبراءة.

 ولهذا، فعندما يخبرنا اسبينوزا أنه بإسقاط كافة الديون في سنة يوبيل الدولة العبرية7 يتم  استعادة المساواة بين المواطنين، أو عندما  يُصرّ ماكيافيلي على أن القوانين الزراعية قد أعطت حياة جديدة للجمهورية الرومانية لأن استعادة العوام للأرض قد جددت العملية الديمقراطية، كان كلاهما في الواقع أسرى وهم إمكانية العودة للطبيعة أو الديمقراطية.  ولكن بالنسبة لنا، فالعزم على تحرير قوة العمل، وكوننا شيوعيون كذلك، يتطلب استعادة الواقع المشترك كما هو؛ وهو واقع ليس “أصلي” أو طواه النسيان أو مرغوب ديمقراطيًا، ولكن استعادته كشئ يقف في مواجهتنا كقوة أو سلطة بعد ما أنتجناه بالجهد والدم.

 وكما علمنا جرامشي خلال قراءته للصراع الطبقي، فالمادية التاريخية تسعى لفهم التحولات المستمرة في شخصية العامل، أو بالأحرى، “أنثروبولوجيا” شخصية العامل، من خلال الخبرات المختلفة الناتجة عن تفاعل البروليتاريا مع التكنولوجيا المستخدمة في الإنتاج وأشكال التنظيم الرأسمالي الاجتماعية. وكما يتحول العامل نفسه في مجرى الصراع، يفرض تحولات واقعية على رأس المال. ومن ثم، فإذا كان هناك حقب أو دورات للصراع، فإن قوامها الأنطولوجي، أو طبيعتها ذاتها، لا يمكن فهمها إلا بالإحالة إلى هذه الأشكال الأنثروبولوجية.8 لا طبيعة، ولا هوية، ولا جندر، ولا عِرق يمكن أن يقاوم حركة هذه التحولات أو الأطوار التاريخية لعلاقة رأس المال بالعمال. فالمتعدد 9Multitude  دائمًا ما يتحدد ويعاد تعريفه عبر هذه الديناميات. هذا أيضًا ينطبق على تعريف الزمن في مجرى الصراع الطبقي. فعندما نفهم الصراع الطبقي بوصفه انتاجًا وتحويلًا للذاتية، ندرك الزمن كعملية ثورية طويلة المدى، كتراكم أنطولوجي للقوة المضادة، كتفاؤل للقوة المادية للعقل البروليتاري، كرغبة تغدو تضامنًا، كحب دائمًا ما يكون عقلاني، وما يستتبع ذلك من قول اسبينوزا “كتشاؤم للإرادة”.10

 ولكن حذار – يقول اسبينوزا- من الشغف عندما يُعبأ باتجاه تأسيس أبنية سياسية للحرية. مرشدنا هنا ليس الانبثاق العرضي للتمرد، أو هذه الومضات المقدسة للأمل التي تضئ طريقًا في ظلمات الليل، مرشدنا هو الجهد الدؤوب والنقدي لتنظيم العمل، أو المخاطرة المحسوبة للتمرد بالأحرى. الخيال الفلسفي يمكن أن يضفي ألوانًا على الواقع، أو يضئ جنبات هذا الواقع، ولكنه لا يمكن أبدًا أن يحل محل الجهد المطلوب لصناعة التاريخ: فالحدث دائمًا ما يكون نتيجة لما سبقه ولا يمكن اعتباره نقطة بداية.

    أن تكون شيوعيًا يعني أن تكون ضد الدولة. الدولة هي القوة التي تنظم – دائمًا بشكل طبيعي ولكن دائمًا أيضًا بشكل استثنائي- العلاقات التي تؤسس لرأس المال والتي تضبط الصراع بين الرأسماليين وقوة العمل البروليتارية

  “ضدية الدولة” هذه موجهة ضد كافة أشكال الملكية الخاصة، والملكية الخاصة لأدوات الانتاج على وجه الخصوص، وضد الاستغلال الخاص لقوة العمل، وضد التحكم الخاص في تدوير رأس المال. ولكنها كذلك “ضدية” موجهة ضد “العام”، أي التَشكُل الوطني أو الدولتي لاغتراب قوة العمل. أن تكون شيوعيًا يستتبع قناعة بأن “العام” هو شكل من أشكال اغتراب واستغلال العمل: العمل المشترك في حالتنا تلك.

  إذن، ما هو “العام”؟ كما قال جان جاك روسو، العام هو عدو الملكية الخاصة، هذا الذي يهب نفسه للا أحد (جان جاك روسو، الخطاب الثاني حول أصل التفاوت). في الحقيقة، من قبيل المغالطة المنطقية، أو السفسطائية، أن نقر هكذا ببساطة باستحواذ الدولة على ما يخص كل الأفراد. فالدولة تقول: المشاع ليس ملكًا لكم، بالرغم من أنكم قد أبدعتموه بشكل مشترك، ونظمتموه بشكل مشترك. إن تحرير هذا المشترك أو المشاع من وجهة نظر الدولة لا يتم إلا تحت شعار الإدارة، والتفويض، والتمثيل.

 

     بالتالي، فالشيوعية هي عدوة الاشتراكية، إذ أن الاشتراكية هي الشكل الآخر لاغتراب القوة البروليتارية، وهو شكل يستتبع كذلك تنظيمًا مشوشًا لعملية انتاج ذاتية هذه القوة البروليتارية. إن انحرافات “الاشتراكية المتحققة بالفعل”(أي التجارب الإشتراكية في القرن العشرين بدءًا من روسيا السوفيتية- المترجم) قد شوشت قرن من الصراع الطبقي، ولكنها كذلك، بتجربتها تلك، قد بددت أوهام فلسفة التاريخ (بمعنى افتراض غاية نهائية حتمية للتاريخ كما سبق الذكر- المترجم). فمن المثير ملاحظة أن تلك الاشتراكية المتحققة بالفعل على الرغم من إطلاقها عملية تجميع غير مسبوقة إلا أنها لم تساءل أنظمة الضبط المختلفة المستخدمة للسيطرة على قوة العمل، سواء كانت أنظمة قانونية أو سياسية أو مستقاة من العلوم الطبيعية والإنسانية. إن البناء المؤسسي للاشتراكية وأقطابها السياسيين قد تم انتاجهم بواسطة أيديولوجية أقامت تعارضًا تعسفيًا بين العام والخاص – وفي الحقيقة قد أفضت إلى تقاطعهم في النهاية كما تشي ملاحظة روسو السابقة – وقد قدّست طبقة حاكمة، أدت وظيفتها في السيطرة، إلى إعادة انتاج وظيفة النخب الرأسمالية بينما إدّعت لنفسها موقع الطليعة المنتخبة ذاتيًا!

  أن تكون ضد الدولة يعني والحال كذلك، وفي المقام الأول، التعبير عن الرغبة والقدرة على إدارة كامل نظام الإنتاج، بما في ذلك تقسيم العمل وتراكم وتوزيع الثروة، بطريقة ديمقراطية جذرية- ديمقراطية الجميع!

 هنا، يتطلب الأمر تعريفات جديدة، فالمادية التاريخية تعني أيضًا “كمونًا” أو “محايثةً” للذاتية الفاعلة. إنها ليست فقط إعلانًا أنه لا يوجد “خارج” لهذا العالم الذي نحيا فيه، ولكنها تعني أيضًا، أنه من “داخل هذا العالم” فالعمال والمواطنون وكافة الفاعلين هم عناصر دائمة الحضور في عمليات مقاومة متفردة ولحظات في بناء طريقة جديدة من الحياة المشتركة.

  إنهم حاضرون حتى في أكثر اللحظات إيلامًا وكآبةً في هذا الركود التاريخي الذي يخنقنا. “المتعدد” هو مفهوم طبقي والمفردات التي تشكله هي أيضِا أنوية مقاومة في علاقتها للإخضاع المفروض من قبل رأس المال. فالمفرد يطيع لأنه مجبر أن يفعل ذلك ولا يسعه أن ينتهج نهجًا آخر، ولكنه أيضًا يوجد كمقاوم محتمل داخل علاقة القوة تلك. كسر علاقة السيطرة هذه هو إمكانية لا تقل معقولية عن إمكانية بقاءها. هنا، وبعيدًا عن أي فلسفة للتاريخ، ندرك أن السخط ضد السلطة، ونظمها وانتهاكاتها، و رفض العمل المأجور (أو العمل المسخر لغاية وحيدة وهي إعادة انتاج المجتمع الرأسمالي)، هو متطلب جوهري لتشكيل نموذج جديد للمجتمع وإلى أي مدى تشير  إمكانية السخط والرفض، للحضور الافتراضي لنظام مختلف، أو رؤية مختلفة للحياة، في قلب الواقع. هذه الاندفاعات تشير إلى إمكانية القطيعة التامة مع المجتمع، أو بالأحرى ضرورتها: تشير إلى أن الثورة ممكنة.

  هذا الإصرار على السخط والرفض والتمرد يجب أن يترجم نفسه إلى قوة تأسيسية Constituent Power. فالكفاح ضد الدولة وكل الدساتير التي تنظمها وتمثلها يجب أن يتضمن القدرة على انتاج قوة أو سلطة جديدة استنادًا لمعرفة جديدة. إنك لا يمكن أن تقبض على صاعقة برق بيدين عاريتين. وحده هذا المتعدد، أو تاريخ كفاح الطبقات المتمردة متجسدًا، يمكنه ذلك. ولكن العلاقة بين الظروف التاريخية وإنتاج الذات الفاعلة تتغير باستمرار. فكما قلنا سابقًا، هذه واحدة من ساحات نمو أطوار مختلفة من أنثروبولوجيا العامل. فالتكوين التقني لقوة العمل في حركة دائبة تتصل بأشكال ملائمة، ومختلفة، من إنتاج الذاتية. وهو في الواقع تكوين سياسي  يجد لنفسه أشكال مختلفة من التعبير والرغبة في الثورة في ظل ظروف بعينها.

 هذه الذاتية، أوالتكوين السياسي الجديد، يمكن أن تستبق الظروف التاريخية والاجتماعية التي يجري عبرها تشكل العملية الثورية، ولكن هناك دائمًا علاقة بين التحديد المادي والتوتر الثوري للرغبة الجماعية: رباط مرن يمكن أن ينفجر أو ينفصم بشكل لحظي ولكنه دائمًا ما يتجدد. فكما قال لينين، لحظة ازدواج السلطة هي دائمًا لحظات لا تعيش طويلًا،11 والقوة المتمردة يجب أن تمسك بهذا الزمن الجديد عبر الاستشراف الذاتي (أو الاندفاع نحو ذاتية جديدة). القوة التأسيسية إذن هي المفتاح لاستشراف وإدراك الإرادة الثورية ضد الدولة.

 في نظرية الدولة التقليدية، عادة ما يجري تقديم الديكتاتورية أو الفوضى بوصفهما البديلين الوحيدين، والحتميين، لنمط السيادة القائم، ولكن عندما نتحدث عن ديمقراطية شيوعية في مواجهة الدولة فإننا لا نطرح أرضيةً وسطًا بين هذين المصيريين الفوضوي والديكتاتوري. بالعكس، إننا نطرح تجاوز هذين البديلين. وذلك لأن الصراع الثوري لا يقتصر على عدم وجود “خارج” له، ولكن لأن “داخله”، كما ذكرنا، يشتمل دائمًا على قوة مدمرة وهي قوة “الأسفل” المواجهة بشكل دائم “لأعلى” السيادة. الوجود الشيوعي يُدرك دائمًا من هذا “الأسفل”، عبر تحويل الرغبة التأسيسية لتعبير عن قوة ومحتوى جديدين. ولهذا يمكن دائمًا أن تكون هناك ثورة، كما علمنا جرامشي، ضد نبؤات ماركس في كتاب “رأس المال”.12

3_ أن تكون شيوعيًا إذن يعني الانخراط في النضال بهدف بناء عالم جديد ينتفي فيه استغلال العمل والخضوع للدولة… ولكن انطلاقًا من ظروفنا الحالية، وبشكل واقعي، وفي ظل المحددات التاريخية التي تسم ظرفنا الراهن، كيف نتحرك قدمًا باتجاه إدراك الشيوعية؟ 

  بادئ ذي بدء دعنا نُذكّر أن أي حتمية يمكن كسرها وتجاوزها عبر بناء قوة تتجاوز قوة من هم في مواقع السيطرة. ولكن كيف نفعل ذلك؟ كما قلنا مسبقًا، الانقطاعات السياسية تظهر عندما ينتج السخط، والرفض والمقاومة والكفاح، قوة تأسيسية تسعى لإدراك ذاتها. فقط بالقوة يمكن دفع هذه الانقطاعة التأسيسية قدمًا وجعلها ممكنة: عبر الإضرابات، التخريب الصناعي، كسر وقرصنة نظم التحكم، حركة المهاجرين وأفعال الشغب، وبناء بدائل متماسكة لسلطة بديلة. هذه هي الأشكال الأولية التي يمكن رصدها لإرادة ثورية جماعية.

  هذه الانقطاعات محورية حيث يتكثف فيها الخيال الشيوعي. ارتفاع مستوى الأجور، إقرار دخل أساسي لا يمكن التراجع عنه في مواجهة الأزمة المالية، ديمقراطية الجميع في مواجهة الديكتاتورية، هذه كلها بعض مخرجات التاريخ الذي يحاول إنتاج هذه السلطة التأسيسية أو القوة المؤسسة الجديدة. إلا أن كل ذلك ليس كافيًا بحد ذاته؛ ليس كافيًا لأنه لا توجد ثورة بدون تنظيم. كما أن التمجيد الدائم لحدث الانقطاع ذاك، ليس كافيًا بدوره في ظل عدم وجود تصميم عقلاني يسعى لتخصيب حركات الانقطاع والتمرد بقوة التنظم.

 ولكن كما كتب اسبينوزا “الرغبة التي تنبعث من العقل لا يمكن أن تكون جامحة أو متهورة”، وهو ما يعني استحالة أي تعريف للرغبة تظهر فيه هذه الرغبة مكبوحة بحدود موضوعية أو عقلانية. إلا أن ما أريد أن أقوله، أنه عندما نفكر أو نجرب في هذا الإطار – أي تنظيم هذه الرغبة-  فنحن لا ننزلق إلى تبني وجهة نظر غائية أو تبني فلسفة للتاريخ تكبح تلك الرغبة، نحن فقط نشير لرغبة جماعية تنظم جموحها هذا عبر عملية من النضالات العفوية: جموح الشيوعية في مواجهة التكرار الغبي والممل لتاريخ الاستغلال.

  بهذا المعنى فالشيوعية أقرب إلينا اليوم من أي وقت مضى (وهو مالا يعني بالطبع أنها توجد على الناصية القادمة!) وذلك تحديدًا لأن فائض القيمة المنتزع من قوة العمل في طورها المعرفي الحالي يصعب للغاية تحويله إلى فائض قيمة منظم على هيئة ربح. العمل المعرفي ببساطة عصىّ على الهضم من قبل رأس المال.

 ولكن، كما يخبرنا البعض، لا يوجد دليل يدعم افتراضنا أن العلاقة بين الجموح الذاتي والمشروع الشيوعي هي علاقة واضحة للعيان أو يمكن الكشف عنها مباشرة في الحركة المتمردة للمتعدد. هذا صحيح بالطبع. ولكننا نجيب بأن المادية التاريخية، وكمون المشروع الثوري، السابق الحديث عنهما، يكشفان بوضوح عن وجود ذات فاعلة وعديد من المفردات التي تنزع للتنظيم كقوة مناهضة للرأسمالية. هي قوة لا تنتظم في شكل رسمي كحزب، أو مؤسسة مكتملة التكوين بالضرورة، ولكنها تنتظم بفضل وجودها ذاته، كمقاومة تزداد قوة وتحددًا بقدر ما أن المتعدد هذا يتحول لمؤسسات متفردة بحد ذاتها. وهذه المؤسسات الأخيرة تشمل أشكال للحياة، أشكال للنضال، مؤسسات اقتصادية وعمالية، إضرابات، انقطاعات في مسار عمليات الاستغلال الاجتماعية، خبرات لانتزاع فائض العمل ومفاصل للمقاومة. في بعض الأوقات، تنتصر تلك الأشكال في صدامات كبرى بخصوص قضايا تحتل مكانة مركزية في مسار التنظم الرأسمالي للمجتمع، وفي أوقات أخرى تخسر، ولكنها دائمًا ما تسفر عن أشكال من العداء أو التضاد التي تستمر كبقايا في كل نمط جديد من أنماط الإخضاع.

 المتعدد إذن هو مجموعة من المؤسسات التي تتخذ أشكالًا سياسية مختلفة مرة بعد أخرى في علاقة دائمة بمضمون وتقلبات علاقات القوى. إنها أكثر من مجرد عناصر في التشكيل التقني للبروليتاريا، وأكثر من مجرد التنظيم العفوي والظرفي للمقهورين: هي بالأحرى لحظات في مسار إعادة تشكيل وتكثيف الذاتية الشيوعية. هي لحظات تعبر عن نفسها في شكل علاقات مختلفة ومتنوعة بين الرغبة في التحرر والمطالبة بالإصلاح السياسي أو الاقتصادي.

 وهذه العلاقة بين الثورة والإصلاح في مجتمع السياسة الحيوية المعاصر13 تختلف عن مثيلتها في المجتمع الصناعي. هذا التحول من مجتمع صناعي لمجتمع السياسة الحيوية هو تحول جوهري ويمكن الاستدلال عليه بسهولة عبر فحص مناهج بعينها في الحكم، أو ممارسة السيادة، يجري تعميمها بشكل دائم، بقدر ما يجري إضعاف ممارسات الحكم الكلاسيكية. تدفق وتبدل علاقات الحكم في المجتمع مابعد الصناعي يكشف عن نطاقات جديدة للصدام بين الحركات وبين الحكومات، ومخرجات جديدة لهذا الصدام كذلك، كما أنها تكشف عن  إحتياطيات جديدة للتنظيم والنضال من أجل بدائل إصلاحية، وتمردات تعود لتضفي شكلًا وقوامًا متماسكًا على هذا المتعدد. هنا نستطيع أن نمسك بأشكال جديدة ممكنة لتنظيم المشاع.

   هذه العملية تنطلق من أسفل، كما قلنا، وتتدعم بالقوة. وعوضًا عن التمسك بالديالكتيك، فهذه العملية مدفوعة بالأساس نحو الإيجاب Affirmation.14 إنها ليست عملية غائية، وإلا نعتنا نظرة وممارسة مكيافيلي المادية مثلًا بالسعي نحو غاية أخلاقية وتاريخية. في الحقيقة، نحن نرى المتعدد منغمسًا في عملية تحول تبدأ عندما “ينقسم الواحد إلى اثنين”15 لأنه، وكما قلنا سابقًا، من الصعب قلب فائض عمل البروليتاريا المعرفية لربح بينما يعرض الأخير نفسه دائمًا كفائض ثوري يمكن الاستحواذ عليه. فبدلًا من تصور هذا التغيير كتحول من مرحلة تاريخية لأخرى، أو من نمط إنتاج لآخر، نرى أن هذا التغيير يتكشف داخل “المتعدد” نفسه؛ وهو يفعل فعله عبر الموقع الذي يربط الأطوار الأنثروبولوجية للفاعلين بالتحولات في مجال المجتمع والسياسة، ومن ثم يطرح إمكانية التحرر الشيوعي.

  المجتمع الذي نحيا فيه قد أصبح مستوعبًا بالكامل داخل رأس المال كما قلنا. ونحن قد أسمينا نمط الاستيعاب أو السيطرة ذاك السلطة الحيوية الرأسمالية. ولكن حتى لو كانت السلطة الرأسمالية الحيوية هي منتج لحركة رأس المال، وحتى في ظل هيمنتها العالمية، فهي يجب أن تتأسس في شكل علاقة: علاقة رأس المال، التي دائمًا ما تكون متناقضة، وربما متضادة. وهي علاقة تتموضع داخل مجال السياسة الحيوية حيث تنتظم الحياة نفسها في مسار العمل وتُخصب كافة جوانبها بأفعال السلطة؛ وحيث يتم التعبير عن المقاومة وتحضر البروليتاريا في كافة عمليات تشكيل العمل الاجتماعي؛ وحيث يعبر العمل المعرفي عن فائض القيمة؛ وحيث يتشكل المتعدد. هذا المتعدد ليس منزوع السلاح، فكل العمليات السابق الإشارة إليها والتي تخترق جسده تصف كذلك تشكله المؤسسي والذاتي وازدياد وتيرة مقاومته.

 وكما قلنا سابقًا، فالمتعدد هو مجموع رغبات ومسارات المقاومة والنضال والقوة التأسيسية. ونضيف كذلك أنه مجموع يتشكل من مؤسسات. والشيوعية ممكنة لأنها توجد داخل هذا التحول، ليس كغاية أو نهاية في حد ذاتها، ولكن كظرف موضوعي؛ إنها نمو للمفردات، إنها توتر، ميل، وطور من أطوار العمل.

   4-  ما هي الأخلاق الشيوعية؟ كما رأينا، إنها، أولًا، أخلاق النضال ضد الدولة إذ تنطلق من واقع السخط ورفض الخضوع للاستغلال. وعلى خط التقاطع بين الخضوع والسخط يتشكل العنصر الثاني من عناصر الأخلاق الشيوعية، وهي “الكفاحية” والبناء المشترك للنضال ضد النبذ والفقر، ضد الاغتراب والاستغلال.

 ان العنصران (النضال ضد الدولة والكفاحية المشتركة) مفتوحان بالفعل على عالم جديد: إنه عالم الفرديات وقد انسحبت من عزلتها وعملت على تحويل نفسها لمتعدد- متعدد ينشد “المشترك” ضد كل من الخاص والعام. هل يمكن وصف هذه الحركة بوصفها سعيًا لانجاز الديمقراطية؟ لما يقرب من ثلاثة قرون نظرنا إلى الديمقراطية بوصفها فن إدارة الصالح العام ومأسسة انتزاع الدولة للمشاع. وإن كنا ننشد الديمقراطية اليوم فإننا يجب أن نعيد تخيلها بشكل جذري بوصفها فن الإدارة المشتركة للمشترك أو المشاع ذاته. لم يعد من الممكن تعريف الديمقراطية اليوم في صيغة عقد إجتماعي حيث كل شئ مملوك للجميع ومن ثم فهو ملك للا أحد في النهاية: الصيغة الجديدة تقول أن كل ما يُنتج بشكل مشترك فهو مملوك للجميع بشكل مشترك.

  هذا التحول لن يحدث إلا باسم تنظيم من نوع ما. لقد أولى تاريخ الحركات الشيوعية عناية خاصة بمسألة التنظيم، إذ أن هذا التنظيم هو تعبير عن شكل مؤسس فعليًا من أشكال الوجود الجماعي، ومن ثم يشكل جوهر صناعة وإنتاج المتعدد. إن حقائق مثل أزمات الليبرالية الجديدة، وأزمات ثقافة الفردية، وكذلك الرفض الطبيعي لعزلة الكائن البشري رغمًا عن ولادته ونموه في جماعات، والإدراك المتنامي أن هذه العزلة تعني الموت، تعبر كلها عن نفسها في أشكال تنظيمية جديدة للمقاومة في مواجهة أشكال العزلة التي تسم أخلاق الفردية والتي يسعى رأس المال لفرضها بشكل دائم على الذوات الفاعلة.

 

     وهكذا نضيف عنصرًا ثالثًا لعناصر الأخلاق الشيوعية لتصبح: النضال ضد الدولة، والكفاحية المشتركة، وكذلك القدرة على إنتاج المؤسسات. وهي عناصر ثلاثة تُخصَب بعاطفتين رئيسيتين: عاطفة ساخطة تنطلق من حالة الحاجة الطبيعية والفقر الاقتصادي باتجاه تحرير قوة العمل والعلم من براثن سيطرة رأس المال؛ وعاطفة الحب التي تنطلق من رفض العزلة باتجاه التأسيس السياسي للمشاع أو المشترك (وليس من قبيل الصدفة أن الأديان، والأخلاق البرجوازية، وكذلك أيديولوجيات العصر الجديد16 تسعى لتحييد هذين العاطفتين). عبر تضامننا  وتطوير أشكال جديدة من الوجود المشترك وتنظيم قوتنا التأسيسية يجري اختراع الشيوعية. ومفهوم القوة التأسيسية هذا لا يتصل بأي شكل من الأشكال بمفهوم السلطة التأسيسية وأبنيتها الدستورية التي نظمها رأس المال ودولته. فسلطة قوة العمل والتعبيرات التأسيسية عن البروليتاريا لا يمكن أن تتطابق مع السلطة الرأسمالية، والغرور البرجوازي الانضباطي والتكوين القمعي الدائم للدولة. وذلك لأن الأخلاق التأسيسية للشيوعية تحفر عميقًا وتخصب كافة أبعاد السياسة الحيوية لعملية إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية، وكذلك لأن الصراع الطبقي، الذي يخلق الوجود التاريخي، ينتشر الآن عبر كافة محددات عصرنا وداخل كافة أجهزة سياسته الحيوية. هنا تتلمس الأخلاق الشيوعية القضايا العظيمة للحياة (والموت) و تظهر كتشكُل كريم ومبدع لقوة الفقراء وللرغبة  المشتركة في الحب والمساواة والتضامن.

   نصل الآن إلى نقطة محورية حيث تعود فكرة وممارسة “القيمة الاستعمالية” للظهور. القيمة الاستعمالية بهذا المعنى لم تعد خارج التاريخ ولكن داخل تاريخ جديد يصنع بالنضال. إنها لم تعد تذكرًا للطبيعة أو استئنافًا للصلة مع أصل تاريخي ما، كما أنها ليست وعيًا، أو استعادة لوعي، في صيغة حدث تاريخي، إنها في الواقع تعبير عن واقع جديد، لغة أو ممارسة جديدة.

  وأخيرًا، لا يمكن اعتبار هذه القيمة الاستعمالية “هوية” تحت أي ظرف من الظروف، أو انعكاس لطابع متماسك متجسد يفترض وجوده في قالب عالمي، ولكنها تشكل خليط مجتمعي، ومتعدد، وممتزج، وهجين. إنها بالأحرى تجاوزًا لكل شئ عُد يومًا “هوية” خلال القرون المظلمة التي تسبقنا. والإنسان الذي ينبثق عن هذه الأخلاق يمكن تصوره كأورفيوس متعدد الألوان،17 كفقر أعاده لنا التاريخ على هيئة ثروة وليس على هيئة أصل مفقود. هذه هي القيمة الاستعمالية الجديدة: المشاع أو المشترك. إن وجودنا يؤشر لجملة من الظروف المشتركة والتي نسعى لانتزاعها من براثن الاغتراب الرأسمالي وسيطرة الدولة. والقيمة الاستعمالية هي الشكل الجديد المنتزع للتكوين التقني للعمل، كما أنها تصبح الشكل السياسي الجديد الذي يكمن في أسس العالم التاريخي القائم. القيمة الاستعمالية الجديدة تتكون عبر هذه التشكيلات الجديدة للمشاع أو المشترك والتي تفتح مسارات جديدة لتنظيم الكفاح باتجاه تدمير السيطرة والاستغلال الرأسماليين.

    

 


[i]اعتمد المترجم على مساعدة كريمة من الزميلة ياسمين شاش في ترجمة العديد من المسطلحات الألمانية ومراجعة النص العربي، ولها جزيل الشكر والعرفان.

1يستخدم ماركس مصطلح القيمة الاستعمالية” Use Value للحديث عن قيمة الشئ أو منفعته في ذاته كموضوع للاستهلاك، سواء كان موضوعًا للاستهلاك في شكل سلعي أو غير سلعي (كالهواء مثلًا). كل شئ له قيمة في ذاته  ولكنها تختلف بشكل جذري بمجرد استثمار قوة العمل لإنتاج السلعة ودخولها للسوق كموضوع للتبادليظهر هنا مصطلح آخر هو القيمة التبادلية” Exchange Value أي القيمة المحددة للسلعة خلال عملية التبادلفالماس مثلًا سلعة قيمتها الاستعمالية بالغة الضآلة ومع ذلك فقيمتها التبادلية باهظة في حين أن الماء سلعة قيمتها الاستعمالية لا تقدر بثمن بينما قيمتها التبادلية زهيدة للغايةما يشير إليه نيجري هنا أن الرأسمالية لم تبق على أي شئ أو قيمة في هذا العالم إلا وحولتها جذريًا لقيمة تبادلية ونزعت عنها أي قيمة حاذتها يومًا في ذاتهالا وجود لقيمة خارج شبكة العلاقات الاجتماعية القائمةكل القيم هي محددة إجتماعية في ظل ظروف تاريخية بعينها وفقدت ما كان لها يومًا من قيمة في ذاتهاوبالتالي فما يظهر في التاريخ كصراعات بهدف استعادة هوية ما أو الدفاع عن قيمة ما هو في الحقيقة محض توهم، من وجهة نظر نيجري، أو مظهر للصراع الطبقي بالمعني السابق تحديده (المترجم).   

2عالم الحياة” Lifeworld هو مفهوم أساسي في الفلسفة الظاهرية Phenomenological Philosophy والمعنية بتحليل أبنية الوعي الإنسانييستخدم إدموند هوسرل المفهوم ليشير لجملة المعاني المشتركة الراسخة خلال اللغة والتي تؤسس لخبرتنا بالعالمفبينما نزع ديكارت وكانط مثلًا إلى التنقيب عن المحددات الأساسية في الوعي الفردي للإنسان والتي تجعل خبرة العالم ممكنة، يتجاوز هوسرل هذا السعي ليشدد أن كل هذه المحددات هي أبنية إجتماعية جرى استيعابها في الوعي وترسبها لتجعل خبرة العالم ممكنة ابتداءًاوعندما يتحدث نيجري عن استيعاب رأس المال لعالم الحياة بالكامل فهو يعني أن بنية المعنى المشتركة بين البشر والتي تشكل أساسًا لخبرتهم بالعالم قد استوعبت بالكامل في علاقة رأس المال إلى الحد الذي يصبح معه من المستحيل إدراك العالم إلا من خلالها كعلاقات تراتبية وسيطرة وهيمنة تحدد معنى أي شئ أو قيمة. (المترجم)

3النارودينية Narodinism هي أحد أوائل وأشهر التيارات الاشتراكية التي ظهرت في روسيا في الربع الأخير من القرن التاسع عشروهي كلمة مشتقة من نارود” Narod أي الشعب باللغة الروسيةهي تيار مزج  الأفكار الاشتراكية بنظرة نوستالجية على ماضي الفلاحين والحياة في المشاعات القروية الروسيةوظهر كرد فعل بالأساس لإلغاء القنانة في روسيا على يد القيصر آلكسندر الثاني في ١٨٦١أحد أفكاره المركزية أن مايسمى بتحرير الفلاحين لم يكن في جوهره أكثر من نقل عبوديتهم من النبلاء للرأسماليينكذلك رأوا – في تمايز عن التيارات الماركسية– أن الفلاحين هم الطبقة الثورية التي يقع على عاتقها في روسيا انجاز التحول للاشتراكيةوذلك عبر استلهام ماضيها ذاته الذي تميز بالحياة المتساوية في المشاعات القرويةوعلى الرغم من اعترافهم باستحالة ولادة الوعي الثوري بشكل تلقائي في أوساط الفلاحين الروس، إلا أنهم عقدوا الرهان على دور الانتلجنسيا الثورية/الوطنية وليس الطبقة العاملة صغيرة الحجم، ووجهتهم كانت التراث الفلاحي الروسي كما سبق الذكر.(المترجم)

4الفاعلية Subjectivity مفهوم مؤسس في الفلسفة الغربية الحديثة تعود جذوره إلى ديكارت ولكنه تطور بالأساس على يد الفلاسفة المثاليين الألمان بدءًا من كانط ومرورًا بهيجل وعبر ماركس بالطبعويشير المفهوم إلى جملة من المعاني تتصل كلها بمحتوى الذات الذي يحولها من مجرد جسد،  أو إسم،  لذات فاعلة أو فاعل Subjectويشمل المحتوى ذاك جملة القوى الحيوية أو الحسية والعواطف والمبادئ العامة والقيم المنظمة لخبرة الواقع وتحديد موقع الذات في الحياة الإجتماعيةوالإسهام الماركسي الرئيسي في هذا الصدد يتجه إلى تصور عملية التكديح Proletarianisation، أو تحويل الأجساد لقوة عمل تبيع عملها في السوق، بوصفها تفريغًا تامًا للجسد من أي فاعلية سابقة على دخوله لسوق العمل وحشوه بفاعلية جديدة تعيد خلقه كعامل داخل، وفي مواجهة، شبكة العلاقات الاجتماعيةهذه الفاعلية الجديدة هي التي يرتكز عليها رأس المال في دورته، أي التحول من نقد إلى سلعة ثم إلى نقد مضاعف، إذ أن الانتاج هنا موكول للفاعل الجديد وهو البروليتارياوموقع الفاعل الجديد ذاك هو الذي يفتح إمكانية للثورة والشيوعية إذ يدرك عبر موقعه الجديد رأس المال” كعلاقة قوة وسيطرة. (المترجم)

5Karl Marx, Grundrisse, Notebook V, trans. M. Nicolaus (London: Pelican, 1973) p. 496.

6العصر القوطي، يستخدم للإشارة إلى الفترة المتوسطة والمتأخرة مما اصطلح على تسميته بالعصور الوسطى الأوروبية، ويمتد من القرن الثاني عشر وحتى بداية ما يعرف بعصر النهضة” في بدايات القرن السادس عشروفيه انتظمت الحياة في الريف على هيئة مشتركات قروية تلتزم بضرائب، في الأغلب عينية، للمولك والنبلاءأما الملكية الخاصة للأرض فلم تكن متجذرة خلال هذه الفترة. (المترجم)

7سنة اليوبيل العبرية تأتي في ختام دورة من السنين السبتية، وقوام السنة الواحدة سبع سنواتبمعنى أن سنة اليوبيل تمر كل ٤٩ أو ٥٠ عامًاووفقًا للعهد القديم، سفر حزقيال، يجب تحرير العبيد في هذا العام وعودة الأراضي لملاكها التي انتزعت منهم واسقاط كافة الديون التي أدت لهذا الانتزاع. (المترجم)

8تستند الفقرة السابقة للتمييز الحاضر في الفلسفة المثالية الألمانية، والفلسفة الظاهرية، ما بين الشكل المتعين للموجودات وبين أفق وجودها ذاته والذي يسمح لها بالظهور أو الذي يُستَدل على وجودها بالإحالة إليهفالكمية مثلًا تقدر بالإحالة لمقياس مجردوالأشكال المختلفة للمادة مثلًا تتشكل كلها في أفق بعينه هو الزمن، وبالتبعية فالأشكال المتعينة، أو الأنثروبولجية، للمشاريع السياسية والأيديولوجيات تتشكل كلها في أفق فكري يسمح لها بالوجود وتعرف نفسها بالإحالة إليهكأن يتم تعريف الهوية العربية، مثلًا، بالإحالة لمفهوم مجرد عن الهوية، أو كما يتم تعريف السوق الاشتراكي” مثلًا، بالإحالة لمعهوم مجرد عن السوقوهنا يحاول نيجري قلب العلاقة عبر تعريف الأنطولوجي بالإحالة للأشكال المتعينة للوجود مسترشدًا برؤية مادية راديكالية لا تحيل لأي أفق إلا خبرة الحواسومن ثم فالصراعات الاجتماعية لا يمكن فهمها بتأويلها بالإحالة لأفق آخر، إنها لا تعبر إلا عن مانراه بأعيننا من صراع بين ذوات أعيد تشكيلها واكتسبت محتواها، أي غدت ذوات فاعلة، في منظومة علاقات الانتاج الرأسمالية في ظرف تاريخي بعينه من تطور القوى المنتجه والفن الانتاجي.  (المترجم)

9أنظر شرح المفهوم في مقدمة المترجم

10يلعب هنا نيجري على مأثور جرامشي الشهير والداعي الثوريين للتسلح بتشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة، أي الابقاء على القدرة على الفعل حتى في ظل أشد التقديرات تشاؤمًا لتوازنات القوى في مجرى الصراع الطبقييقلب نيجري هذا المأثور مستعيرًا فكرة اسبينوزا عن الإرادة الإنسانية بوصفها محددة بشكل كامل بمحددات الطبيعة، وأن السعادة تكمن في إدراك هذه الحدود والعمل من خلالهانيجري هنا يرى أن إدراك العقل لذاته كذكاء جمعي متراكم نتيجة عمل البروليتاريا اليدوي والذهني على مرّ العصور، وعبر أطوار العمل المختلفة، ومن ثم إدراك حدوده، هو ما يفتح الطريق أمام إدراك الشيوعية، أو تحرير العمل، وبناء المجتمع على مثاله، كإمكانية قائمة بالفعل تتأسس على مشتركات من الذكاء والمعرفة الجماعية المشتركةإدراك حدود العقل هنا هو سبيل التفاؤل كما يدعونا سبينوزا في مقابل التفاؤل الذي يراه نيجري بشكل ضمني إرادوي لدى جرامشي. (المترجم)

11ازدواج السلطة” هي أطروحة طورها لينين عقب ثورة فبراير ١٩١٧ في روسيا والتي أطاحت بالقيصر وأسست حكومة انتقالية كانت مهمتها دعوة جمعية تأسيسية للانعقادفي هذا الوقت أشار لينين لحالة نادرة من حلالات ازدواج السلطة حيث الحكومة المؤقتة من جانب، وهي مكونة من ممثلين سياسيين للبرجوازية الروسية بشكل عام، وحكومة عمالية/فلاحية من جانب آخر مكونة من مجالس مندوبي العمال والفلاحين” أو ما يعرف بالسوفيتاتوتلك الأخيرة كانت تكتسب ملامح الحكومة المكتملة على الأرض بالتدريج مع امتداد وتجذر الثورة الروسية، حتى ولو لم يكن ممثلوها أغلبية في الحكومة الانتقالية وما قد ينبثق عنها من مجالس تأسيسيةهذه الحالة هي ما دعت لينين للإلحاح على البلاشفة لتغيير تكتيكهم من ضرورة دعم الحكومة الانتقالية لضرورة قيادة انتفاضة تطيح بالحكومة الانتقالية نفسها وتنهي حالة ازدواج السلطة لمصلحة مجالس العمال والفلاحين“. هذه الفكرة هي التي انتهت إلى انتفاضة أكتوبر ١٩١٧ والإطاحة بحكومة كرينسكي الانتقالية في سياقهاوكان إلحاح لينين ناتج عن إدراكه أن حالة ازدواج السلطة” هي حالة استثنائية لا يمكن أن تدوم طويلًا ولا يمكن أن تتكرر بالضرورة في المستقبل القريب بعد تأسيس سلطة تمثيلية جديدةومن ثم فاغتنام الفرصة لحسم الأمر كان ضرورة ملحة من وجهة نظره. (المترجم)

12وصف الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي الثورة الروسية بأنها ثورة ضد كتاب رأس المال، بمعنى أنها ثورة خالفت توقعات ماركس الذي تنبأ بثورة اشتراكية في الرأسماليات المتطورة والتي استنفذت فيها البرجوازية إمكانيات تطورهاالثورة الروسية في المقابل حدثت في أحد أضعف حلقات النظام الرأسمالي نفسه وفي ظل برجوازية ناشئة، وإن كانت متخلفة عن أسلافها في الغرب، وطبقة عاملة على ضخامتها كانت لا زالت تشكل أقلية من مجموع السكان. (المترجم)

13السياسة الحيوية” Bio-politics مفهوم طوره الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في إطار تحليله لطبيعة السلطة في المجتمعات الرأسماليةبالنسبة لفوكو، فالسلطة أو القوة، لا تتركز فقط في أجهزة الدولة المختلفة ولكنها تنبع بالأساس من ممارسات معرفية عن العالم تحوله لموضوع للتحكم، وتنتج بالتالي مواقع سلطوية مختلفة تشغلها الذوات في هذه العمليةوبينما ركزت أعمال فوكو في جانب منها على الممارسات السلطوية الانضباطية، أي تلك التي تستهدف السيطرة على أجساد السكان والتحكم في حركتها، كالسجن والجيش والحجر الصحي والإصلاحيات، اتجهت أعماله المتأخرة للتركيز على الممارسات السلطوية الحيوية، أي تلك التي تستهدف رفع انتاجية السكان والدفع باتجاه الاستخدام الأمثل لقواهم الحيوية، كالصحة العامة والطب النفسي العاموبينما تنبع الممارسات السلطوية الانضباطية من معارف كعلم الجريمة والعلوم العسكرية، تنبع ممارسات السلطة الحيوية من معارف كالطب النفسي والطب العامويعرف فوكو السياسة الحيوية بوصفها الممارسات الهادفة لإعادة صياغة القوة الحيوية للسكان وتوجيهها باتجاه رفع الانتاجية وإطالة أمد الحياة ورفع جودتهاوبينما كان المجتمع الصناعي، أو مجتمع الرأسمالية البازغة، مجتمعًا انضباطيًا، من وجهة نظر نيجري، أي يستهدف السيطرة على أجساد العمال عبر تقنيات عمل تعتمد على خطوط الانتاج الصناعية العملاقة، يتجه تنظيم العمل في اللحظة الرأسمالية الراهنة إلى الاعتماد على العمل الذهني أكثر فأكثر والعمل المعرفي على وجه التحديد، وما يتربط بذلك من مشآت صغيرة الحجم بالضرورة وإن كانت متشابكة مع بعضها البعض بشكل أفقي ورأسيوبينما تمخض المجتمع الصناعي عن شكل من أشكال التنظيم السياسي المعتمد على منظمات نقابية ضخمة شملت اتحادات الرأسمالية الصناعية والنقابات العمالية والمهنية وتشكلت عبرها الممارسة السياسية الكلاسيكية، ينتج تنظيم العمل في مجتمع السياسة الحيوية أشكال مختلفة متنوعة للتنظيم السياسي لا تتطابق بالضرورة مع الشكل الكلاسيكي القائم على القسمة الصافية بين مجتمع العمل ومجتمع رأس المال.  (المترجم)

14يتحدث نيجري هنا عن لحظات الدياليكتيك الثلاثة في فكر هيجل، والتي عادة ما تسمى بقوانين الديالكتيك، وامتداداتها المادية عند ماركس وإنجلز ثم لينينيبدأ الديالكتيك عند هيجل من لحظة الظهور المجرد للفكرة Abstraction والذي لا يكفي لتحقيق وجودها المتعين بدون لحظة ثانية وهي النفي Negation  الذي يقود بدوره للحظة ثالثة وهي نفي النفي” Negation of Negation حتى نصل لمركب أو إيجاب جديدوهذه الحركة الدائمة للفكرة من المجرد للنفي ثم نفي النفي هي ما يقود هيجل لافتراض أن انشغال الفيلسوف يجب أن يكون بالصيرورة وليس بالشئ في ذاته الذي لا يكون له وجودفالوجود هو صيرورة دائمة حتى تحقق الفكرةوتطبيق هيجل لهذا المنطق الديالكتيكي في  فلسفته للتاريخ هو ما قاده لقراءة مجمل التاريخ الإنساني كصيرورة لفكرة الحرية، وفي قراءة للعقل، حتى تصل لتحققها الأخير في شكل الدولة الدستورية الحديثةوالنفي لدى هيجل والحال كذلك، هو لحظة من لحظات وجود أو تحقق الفكرةيقرّ ماركس بمنهج الديالكتيك وينقده في نفس الوقتفبينما يوافق ماركس هيجل على النظر للوجود كصيرورة، فإنه يرى هذه الصيرورة بمنظور مادي كصيرورة لأنماط الانتاجفيصبح نمط الانتاج العبودي مثلًا في صيرورة دائمة إذ يحتوى على نفيه أو نقيضه والذي يمر عبره بمرحلة تحول إلى وجود آخر يختلف عن اللحظتين العبودية ونفيها“. وكذلك الحال بالنسبة للرأسمالية، إذ أنها تحتوى على لحظة نفيها ولكن الشيوعية هي ليست نفي أو نقيض الرأسمالية – الاشتراكية هي هذا النقيض في الواقع كما أوضح نيجري في قسم سابق من المقال– ولكنها المركب النهائي للرأسمالية ونفيها، أي الاشتراكيةأطلق شُرّاح ماركس على هذا المنهج مسمى المادية الجدلية” أو الجدل المادي” تمييزًا له عن الجدل الهيجلي المثاليوقادت هيمنة الجدل المادي على التاريخ الماركسي لمآلين يرفضهما نيجري بإشارته المختصرة المكثفة في هذه الفقرةالمآل الأول هو نظرية التمرحل” بمعنى استحالة الانتقال للشيوعية مباشرةً وضرورة المرور بمرحلة نفي الرأسمالية” أولًا أي الاشتراكية.ونظرية التمرحل تلك وجدت إشارتها الأولى المبهمة في البيان الشيوعي لماركس وإنجلز والذي تحدث عن مرحلة وسيطة بين الرأسمالية والشيوعية يجري فيها مركزة فائض القيمة في يد دولة جديدة تمثل سلطة البروليتاريا تتولى هي بنفسها تفكيك سلطتها وغرس البذور للمركب الشيوعي الجديدوتجد الفكرة صداها الأعلى كذلك لدى لينين في فكرته عن ديكتاتورية البروليتاريا” كمرحلة نفي ضرورية يجب أن تسبق التحول للشيوعية حيث تضمحل الدولة نفسهاثم تجد تعبيرها الأصفى والمكتمل لدى ستالين في صياغته التي اصطلح على تسميتها بالروسية الدايامات، وهي اختصار لمفهوم الجدل المادي كما قلنا، والتي أصرّت على استحالة التحول للاشتراكية بدون المرور بالمرحلة الاشتراكية التي يتركز فيها الفائض بالكامل في يد الدولة واعتبار كل معارضة لهذه المرحلة كمعارضة يسارية طفولية” تعمل موضوعيًا لمصلحة استعادة الرأسماليةأما المسار الثاني، فهو المسار اليساري الذي يحتفي بلحظة النفي المطلق ويرى أن المركب الجديد الذي ينشأ عنها هو مركب عرضي بالضرورة لا يمكن التنبؤ بطبيعتهوهذه الفكرة ذاعت بشكل من الأشكال منذ نهاية الستينيات وتأثرًا بقراءات الهيجليين الفرنسيين مثل كوجيف، والتي تعتبر أحد تيارات مابعد البنيوية أو ما بعد الحداثةوهذه القراءة المحتفية بالنفي كانت من ضمن الروافد التي اعتمد عليها تيار فكري أطلق على نفسهمابعد الماركسية” وعلى رأسه إرنستو لاكلاو وشانتال موف وسلافوي جيجك في مرحلة مبكرة من حياتهوبالنسبة لهذا التيار فالشيوعية كانت هي المركب العرضي الناشئ عن لحظة النفي في قلب الرأسمالية في لحظة تاريخية بعينها ولكنها ليست المركب الممكن الوحيديرفض نيجري المآلين معًافهو من جهة يرفض بالطبع فكرة التمرحل” إذ يرى الشيوعية” كإمكانية متاحة وقائمة في قلب الصراع الطبقي، كما صدّر مقالته، وأن الطبقة العاملة تنزع إلى بلورة هذه الإمكانية عبر بناء قوتها التأسيسية دون المرور بمرحلة وسيطة من النفي بالضرورة“. ولهذا فهو لا يرى في الشيوعية نتاج نهائي للاشتراكية بقدر ما يرى فيها عدوًا للاشتراكية” كما ذكر في مقالهولكنه كذلك يرفض الموقف المحتفي بلحظة النفي والذي يرى في الشيوعية نتاج عرضي من نواتج الصراع الطبقي إذ أن الموقف الأخير يغض الطرف عن وجود الشيوعية نفسها كواقع في قلب نمط الانتاج الرأسمالي تدركه الطبقة العاملة في صراعها الطبقيومن ثم فلحظة النفي لدى نيجري هي لحظة إيجاب” تتعرف فيها الطبقة العاملة بدون مراحل وسيطة على شكل المجتمع الممكن وتشرع في بلورته على الفورالشيوعية قائمة فعليًا بشكل من الأشكال وتنتظر تبلورها السياسي بالقوة وليست نتيجة عرضية لنفي مطلقومن هنا يبدو نيجري متجاوزًا لمنهج الديالكتيك بالكلية أو على الأقل داعية لديالكتيكإيجابي” لا يشتمل على لحظة نفي، ولكن انتقال من شكل متعين لشكل آخروهو أقرب هنا لمفهوم الديالكتيك الإيجابي” كما يسعى لبلورته الفيلسوف الفرنسي المعاصر آلان باديو. (المترجم)

15يحيل نيجري هنا إلى جدل هيمن على التجربة الاشتراكية الصينية في نهاية الستينيات وهو متصل بقراءة منهج الديالكتيك الهيجليفبينما انحاز فريق من المنظرين الصينيين بدءًا من النصف الثاني من الستينيات إلى قراءة بعينها للديالكتيك ونظرية التمرحل انتهت إلى إمكانية اندماج الرأسمالية والاشتراكية في مركب جديد وصكّوا لذلك فكرة الإثنان اللذان يندمجان في الواحد، استخدم الزعيم الصيني ماوتسي تونج مفهوما معاكسًا وهو الواحد الذي ينقسم لإثنين“. وبينما استخدم المفهوم الأول لترويج التحول نحو آليات السوق كتعبير عن هذا الاندماج، استخدم ماو المفهوم الثاني للدفاع عن استحالة هذا الاندماج على اعتبار أن مجرد وجود الرأسمالية (أو الواحد هنايؤدي لتناقض أو تضاد (إثنانيستحيل جبره أو دمجه مرة أخرى بدون مركب جديد.كان هذا في سياق سعي ماوتسي تونج لتجذير التجربة الاشتراكية الصينية للقضاء على ما رآه نموًا للبرجوازية الصغيرة وأخلاقها، وهو السعي الذي قاد لإطلاق ما عرف بالثورة الثقافية.  استعاد آلان باديو المفهوم الماوي وطوره ليستخدمه في حجاجه مع جيل دولوز دفاعًا عن استحالة تجاوز التناقض أو التضاد داخل البنى والممارسات الإجتماعية. (المترجم)

16أيديولوجيات العصر الجديد New Age Ideologies تعبير يشير لطيف عريض من المعتقدات الدينية التلفيقية والمذاهب الروحية التي ظهرت في المجتمعات الغربية منذ نهاية الستينياتوانتظمت هذه المذاهب جميعًا في مسار استعادة قدر من الروحانية للحياة المشتركة في مواجهة هيمنة النزعات الماديةومن ضمن هذا النزوع انتشار الاهتمام بالبوذية والديانات الهندية القديمة مثلًا. (المترجم)

17أورفيوس هو شخصية أسطورية إغريقية يتجسد على هيئة موسيقي وشاعر قادر على سحر جميع الموجودات بما في ذلك الجمادات بموسيقاه وشعرهوعرف باستعادته لزوجته من عالم الأموات عندما استمعت لموسيقاه الساحرة. (المترجم)

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

دول الإقصاء الدولة القومية ذات الحدود الواضحة هي فكرة حديثة ارتبطت بتطور الرأسمالية. بيد أن العمال والفقراء هم الذين يعانون على جانبيها.

فيل مارفليت

هل الاشتراكية أوروبية الطابع؟ إن الراديكالية التي تعتقد أن الاشتراكية فكرة غريبة على البلدان غير الغربية هي بذلك تنكر رد الفعل الإنساني الأصيل المتمثل في محاربة القهر الممارس مع العمال في هذا الجزء من العالم. فهي نقول إن الشعوب غير الغربية غير قادرة على تصور مجتمع حر يسوده العدل

نيفديتا ماجومدار

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد

ما هي الفاشية؟ إن ما ميز الفاشية تاريخيا هو كونها حركة تشكلت إلى حد كبير من الطبقات الوسطى الدنيا الغاضبة بسبب الأزمة الاقتصادية، والتي كانت موجودة داخل وخارج الإطار 'الطبيعي' للانتخابات والسياسة البرلمانية والتي يمكن أن تستخدم، بل واستخدمت بالفعل، كقوة قتالية في الثورة المضادة ضد 'الشيوعيين'، و"الاشتراكيين" والحركة العمالية ككل.

جون مولينيو