“المحلة” تصلح ما يُفسده صندوق النقد

قضايا

23  أغسطس  2017

استطاع عمال شركة غزل المحلة أن يستمروا في إضرابهم لمدة أسبوعين كاملين، وأن ينتزعوا تعهدا مكتوبا من إدارة الشركة ونواب البرلمان بالاستجابةلمطلب يطمح إليه كافة العاملين بأجر في مصر هذه الأيام، وهو تحسين دخلهم الشامل، أو بمعنى آخر وقف تدهور القيمة الحقيقية لأجورهم أمام معدلات التضخم المتفاقمة، وليس مستغربا أن تحاول الدولة استخدام قواها الأمنية والدعائية بكثافة لإحباط هذا المطلب، إذ أنه يتعارض مع الرؤية الاقتصادية التي تتبناها الحكومة حاليا بمشاركة صندوق النقد الدولي.

الأجور في مواجهة التضخم

يقول صندوق النقد الدولي في نص البرنامج الاقتصادي، الذي أعلنه في 2016 كاستراتيجية مستقبلية تعهدت مصر بتبنيها في مقابل قرض من الصندوق بقيمة 12 مليار دولار، إن سياسة الدولة إزاء القطاع الحكومي “ستحتوي زيادة الأجور لتكون بأقل من التضخم المتوقع”، والمقصود هنا هو ما قام به قانون الخدمة المدنية من تجميد لبنود الأجر المتغير لدى قطاع العاملين بالدولة ممن يخضعون لهذا القانون والذي حد من نمو ميزانية أجور هؤلاء العاملين.

تتعامل الحكومة والصندوق مع الأجور الحكومية باعتبارها أحد مصادر عجز الموازنة، خاصة وأن التعيين في أجهزة الدولة كثيرا ما يكون لأسباب سياسية وليس إنتاجية، وربما تكون “غزل المحلة” نموذجا على ذلك إذ أن الشركة تجني الخسائر سنويا ولا تزال محتفظة بقواها العاملة، لكننا لا نستطيع أن نتعامل مع العاملين في قطاعات الدولة المختلفة باعتبارهم مجرد أرقام تعبر عن أجر لا يقابله الإنتاج الكافي ولكنهم نتاج لفشل الدولة في خلق اقتصاد قائم على التشغيل يستطيع أن يحتوي القوى العاملة المصرية، واستسلامها لتعيين قطاع من هذه القوى العاملة لديها لتخفيف حدة الضغط الشعبي عليها، وفي النهاية فإن العاملين لدى الدولة هم أرباب أسر وحالات إنسانية تستوجب التعامل معهم بحلول إيجابية مثل ما يطرحه عمال الغزل من ضرورة تحديث شركتهم لكي تنافس في السوق، لا أن يكون الحل هو ترك الأجور للانهيار أمام التضخم.

 والواقع أن إصلاحات الحكومة – الصندوق أضرت بأجور العاملين لدي الدولة مرتين، مرة عبر تخفيض معدلات نموها بشكل مباشر، عبر قانون الخدمة المدنية كما أوضحنا،  ومرة أخرى من خلال تبني سياسات ذات أثر تضخمي مثل ضريبة القيمة المضافة ورفع أسعار الوقود وتحرير سعر الصرف.

وقد زادت ميزانية الأجور الحكومية في موازنة 2017-2018 بنحو 4.7% مقارنة بالسنة الماضية، وفقا للبيانات المنشورة في البيان المالي، وقد ترتفع تلك الميزانية قليلا خلال العام بعد إقرار علاوة غلاء استثنائية.

لكن نسبة الارتفاع في ميزانية الأجور تبدو متواضعة للغاية أمام مستويات التضخم، حيث ارتفع الرقم القياسي لأسعار المستلكهين منذ يوليو 2016 وحتى يوليو الماضي، 34.2%.

 وتبرر الحكومة تجميدها للأجور المتغيرة بأنها تكافح مراكز القوى داخل أجهزة الدولة التي ارتفعت رواتبها بفارق كبير عن باقي الموظفين، ولكي نحكم على مصداقية هذه الافتراضات نحتاج للتقسيم الوظيفي لتوزيع الأجور حتى نعرف معدل نمو ميزانية كل قطاع في العام المالي الجاري، وهو ما لم تنشره وزارة المالية على موقعها حتى الآن، لكن البيانات المبدئية تخبرنا أن قطاعا مهما للتنمية مثل التعليم ستشهد ميزانية أجوره هذا العام انكماشا بالمقارنة مع ميزانية الأجور للعام السابق.

لماذا يشعر الشغيلة بالسخط ؟

ولا توجد بيانات مفصلة عن أجور العاملين لدى القطاع الخاص حتى نستطيع أن نكون صورة شاملة عن مدى مواكبة أجور كافة العاملين في مصر مع الموجة التضخمية المستمرة معنا منذ 2016، والتي تجددت هذا بفضل إجراءات تقليص دعم الطاقة ورفع ضريبة القيمة المضافة في مطلع العام المالي الجاري، لكن من يعيش في مصر هذه الأيام يستطيع أن يستشعر بسهولة حالة السخط الشائعة بين العاملين بأجر من الفارق الكبير بين القيمة النقدية لأجورهم وأسعار الأشياء التي يحتاجون شرائها، نحتاج إذن للبحث عن مؤشرات أخرى بخلاف مقارنة الرقم العام للتضخم مع معدل نمو ميزانية الأجور الحكومية لترجمة الضغوط التي يشعر بها كافة المصريين هذه الأيام بلغة الاقتصاد.

ربما يساعدنا في ذلك أحد أهم المؤشرات المنبثقة عن الرقم العام للتضخم، وهو تضخم الطعام والشراب، وتنبع أهمية هذا المؤشر من ما يمثله الإنفاق على هذا البند من ثقل في نفقات الأسر المصرية، حيث تقترب من 35% من إجمالي النفقات في مسح 2015.

ويعكس مؤشر تضخم الطعام والشراب خلال الفترة التالية لإجراءات الصندوق التضخمية، منذ نوفمبر الماضي، تصاعد وتيرة التضخم في هذا البند بسرعة تفوق الرقم العام للتضخم، وهو ما يعني أن الكثير من الأسر المصرية اضطرت الفترة الماضية لأن تتقشف في نفقاتها الخاصة لكي تدبر أموالا تكفي لتغطية احتياجاتها من الطعام بعد الزيادة الجديدة في الأسعار.

ولا تتساوى كافة الطبقات في حجم الأعباء الناتجة عن ارتفاع التضخم في الأغذية ولكن الطبقات الدنيا تتحمل العبء الأكبر، حيث تخبرنا بيانات بحث الدخل والإنفاق لعام 2015 أن نفقات التغذية تستحوذ على أكثر من نصف نفقات الأسر متدنية الدخل في الريف ونحو 44.5% من نفقات الأسر متدنية الدخل في الحضر، بينما لا يتركز الإنفاق على الطعام والشراب بهذا الشكل لدى الأسر الواقعة في الشريحة الأعلى دخلا إذ تصل النسبة في الريف والحضر إلى 27% و 19.5% على التوالي، وهو ما يعني ببساطة أن الأفقر هم من يدفعون الثمن الأكبر للتضخم.

وما يُزيد من ضغوط الفقراء ومحدودي الدخل في فترات التضخم هو أن باقي نفقاتهم تتركز بدرجة كبيرة في مجالات يصعب الاستغناء عنها، وهو ما يضع الفقير أمام اختيارات صعبة للغاية، فبحسب مسح 2015 تنفق الشريحة الأدنى دخلا في الحضر 18.8% من نفقاتها على المسكن ومستلزماته و9.2% على الرعاية الصحية و 4.2% على الانتقالات، بينما تقتصر نسبة “الترفيه” في نفقات هذه الطبقة على 0.9%، بل وتمنح تلك الطبقة للتعليم نصيبا متدنيا للغاية، عند 2.8% من النفقات، يقابله 7.9% إنفاقا على التعليم عند الطبقات الأغنى.

وفي ظل هذه المعطيات نستطيع أن نتخيل أحوال آلاف الأسر التي واجهت اختيارات عصيبة بين التوفير من نفقات مستلزمات المسكن بعد ارتفاع أسعار أنابيب البوتجاز أو التوفير من نفقات الأدوية بعد الزيادات التي سبقت ولحقت التعويم من أجل تدبير المال الكافي للإنفاق على الغذاء الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

ولولا الأجواء البوليسية التي تهيمن على البلاد في الفترة الراهنة لكانت احتجاجات المحلة تكررت بين آلاف الشغيلة في العديد من مواقع العمل، وقد استطاع عمال المحلة أن يتجاوزوا حالة الترهيب التي واجهتهم منذ بدء الإضراب بفضل الخبرة التنظيمية الطويلة لدى عمال هذه الشركة، وبينما قد يتعاطف البعض مع مطالب عمال المحلة في ضوء الضغوط الاقتصادية التي شرحناها في الفقرات السابقة فهناك من يدفع بأن الاقتصاد لا يحتمل مطالبات عمالية بزيادة الأجور .. فهل هذا صحيح ؟

الإصلاح الاقتصادي على طريقة “المحلة”

في رأي صاحب هذا المقال فإن احتجاج المحلة كان نموذجا على ما يحتاج إليه الاقتصاد في الفترة الراهنة، بل إن المحلة تصلح ما يفسده صندوق النقد في اقتصاد البلاد.

بغض النظر عن نقطة الضعف الأكبر في موقف عمال المحلة والتي أشرنا لها مسبقا بأن الشركة لا تحقق أرباحا صافية، لكن في المقابل يشعر العاملون في الشركات الرابحة بالسخط أيضا من تأثير التضخم على أجورهم، وهي الحالة التي انعكست بالطبع على قدراتهم الشرائية، ويؤثر ضعف القدرة الشرائية بالتبعية على النمو الاقتصادي، كما ينعكس سلبا على شهية المستثمرين الأجانب تجاه السوق المصري الذي عادة ما ينجذبون إليه بحثا عن القاعدة الاستهلاكية الكبيرة التي تشمل نحو 100 مليون مواطن.

وتحتاج مصر بقوة خلال الفترة المقبلة لكل من النمو الاقتصادي والاستثمار الأجنبي لخلق الموارد الكافية لسداد المديونية الضخمة، التي استطاعت من خلالها أن تحافظ على استقرار نسبي للعملة المحلية أمام الدولار لكنها ستواجه تحديات كبرى على المدى المتوسط عندما تستحق الديون القائمة عليها السداد.

بعيدا عن الرطانة الإعلامية المؤيدة للنظام لا تقدم لنا وكالة موديز للتصنيف الائتماني بعد زيارتها الأخيرة لمصر رؤية إيجابية للغاية بشأن الوضع في مصر، حيث تقول إن “القوة المالية للحكومة المصرية ستظل ضعيفة للغاية في المستقبل المنظور .. من المرجح أن يرتفع هامش الديون للناتج المحلي الإجمالي إلى 100% خلال العام المالي 2017 وتتوقع موديز أن ينخفض إلى نحو 90% في 2019، وهو ما يظل مستوى مرتفعا للغاية”.

تحتاج مصر إذن بقوة لموارد حقيقية لتغذية الاقتصاد فهي لا تستطيع أن تعيش للأبد على ” مسكنات ” الديون التي أدمنت تعاطيها منذ 2013، كما أن فاتورة هذه الديون ستحل آجالها قريبا وستتراكم تكاليفها، لذا فإن معركة العمال في مختلف المواقع الإنتاجية لتحسين الأجور هي معركة لإعادة توزيع الثروة وتحسين دخول المستهلكين لكي يكونوا قادرين على الشراء، وتحسين المداخيل هو البوابة الرئيسية التي يعبر منها الاقتصاد أزمته إذ أنه يشجع الاستثمارات المحلية والأجنبية على العمل بحثا استجابة للطلب الاستهلاكي من “الشغيلة”.

بمنطق صندوق النقد فإن احتواء عجز الموازين الخارجية هو الأولوية في ظل تفاقم أزمة النقد الأجنبي، وهو ما يدفع صناع القرار حاليا إلى تبني إجراءات تخدم هذا الهدف ولكنها في نفس الوقت تزيد من الضغوط التضخمية على الشغيلة، ويحتاج الاقتصاد لأن لا يسود هذا التوجه وحده وأن يضغط العمال من جهتهم لتحسين الأجور.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

واحد مننا

فاطمة فرج

فوزي محمدين: الذي لا يغيب تلك كانت أول علاقة لي بأفكار اليسار، علاقة توطدت عندما مررت بمعرض طلابي ينظمه الطلاب الاشتراكيين في جامعة القاهرة بمناسبة الانتفاضة الفلسطينية، ووجدت ضمنه لوحتين عن انتقادات الاشتراكيين لمشروع قانون العمل الموحد ومخاطر هذا القانون على العمال وأسرهم.

هيثم محمدين

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

صعود الوحش والمصرفي… فلنحشد في الشارع وفي الانتخابات البرلمانية! على الحركة العمالية أن تحارب الجبهة الوطنية، ولكن بوسائلها الخاصة وعلى أساس برنامج يساري راديكالي يعالج المشاكل من جذرها بالتصدي لتحكم وسيطرة بعض الطفيليين الأغنياء.

مجلة “ثورة”

الثورة أكثر انتشارا مما يرغب حكامنا في أن نعتقد تحدثت سالي كامبل إلى ديف شيري، مؤلف الكتاب الجديد: روسيا 1917، حول أهمية الثورة الروسية اليوم، ولماذا مازال طابعها الديمقراطي الشامل مخفيا داخل السرد السائد.

سالي كامبل  ,  ديف شيري