الأزمة الفنزويلية ومعضلة الاقتصاد في الفكر الاشتراكي

قضايا

21  أغسطس  2017

من الواضح أن المقالين، المنشورين بموقع بالأحمر عن أزمة فنزويلا – تجد رابطهما في نهاية المقال – يتفقان في توصيف أعراض الأزمة الحالية في فنزويلا من انهيار إقتصادي شامل وتدهور حاد في مستويات معيشة أغلبية المواطنين يصل إلى إنتشار الفقر بين أكثر من أربعة أخماسهموصعوبة الحصول على الغذاء، مما إنعكس بدوره في انخفاض وزن السكان بمتوسط ثماني كيلو جرامات للفرد؛ ولكنهما يختلفان في اقتراح المخرج من الأزمة. أحدهما لا يري مخرجا سهلا والثاني يقترح تعميق التحول الاشتراكي،على الأقل على الصعيد المحلي.

لن أدخل في مناقشة قضية الديمقراطية في فنزويلا، فمن الواضح أنها أصبحت قضية خلافية بين المعارضة التي تشكو تزوير الانتخابات والحكومة التي تدعي نسبة مشاركة عالية في انتخابات الجمعية التأسيسية التى أطاحت في أول أعمالها بالمجلس النيابي الذى كانت تسيطر عليه المعارضة.ولكن بعيدا عن خصوصيات الوضع الراهن في فنزويلا، هناك قضية أعم أخفق الفكر الاشتراكي الماركسي في التصدى لها، وهى قضية البناء الاقتصادى للاشتراكية  يمكن إختزالها في مسألة العلاقة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. قسم من الاشتراكيين ذهب إلى أن الأولوية يجب أن تكون لصياغة علاقات إنتاج جديدة، واختصر هذا الفريق علاقات الإنتاج الجديدة في تحقيق الملكية العامة لأدوات الإنتاج دون أن يهتم كثيرا بكيفية إدارة علاقات الإنتاج هذه، والفريق الثاني وجه الأولوية لتطوير قوى الإنتاج باعتبار أن قوى الإنتاج المتطورة هي التي ستؤسس للقاعدة المادية للاشتراكية. وقد واجه الحزبان الشيوعي السوفيتي والصيني من بعده هذه المشكلة، وكان الحل في الاتحاد السوفيتي في ظل ستالين هو بدء عملية التصنيع والتى حولت الاتحاد السوفيتي إلى دولة صناعية ذات طبقة عمالية واسعة خلال الفترة 1928-1953. واستهدف برنامج القفزة الكبري إلى الأمام  في الصين الإسراع بتصنيع الصين بالسير على ساقين وبنقل صناعة الصلب إلى الريف الصيني. وبصرف النظر عن تقييم هاتين التجربتين إلا أن القادة السوفيت والصينيين أدركوا أنه لايمكن بناء الاشتراكية دون أن تكون لها قاعدة اجتماعية وطيدة في طبقة عاملة صناعية واقتصاد عالي الإنتاجية، هو الذي يكفل توفير الحاجات الأساسية للمواطنين وتحقيق تراكم رأسمالي يضمن استمرار توسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. لاشك أن الاتحاد السوفيتي كان أكثر نجاحا في تحقيق هذا الهدف بالمقارنة بالصين في المرحلة السابقة على إصلاحات الاقتصاد في أواخر السبعينيات، ولكن كان التحدى الأكبر هو التعامل مع الاقتصاد العالمي الذى لم يملك أي منهما مقاطعته على الرغم من الموارد الهائلة والمتنوعة في كل منهما، وذلك بحكم أن الدول الرأسمالية كانت أكثر تقدما في تطبيقها للثورة العلمية والتكنولوجية وفي إنتقالها إلى مرحلة ما بعد الصناعة في اقتصادها. كما واجه البلدان أيضا مشكلة تباطؤ معدلات النمو الاقتصادى لأن أساليب التخطيط المركزي التى كانت مناسبة لمراحل التصنيع الأولى، بتركيزها على كم الإنتاج وليس نوعيته، وبتفضيلها الإدارة المركزية الصارمة له، لم تعد مناسبة مع اتساع حجم القاعدة الإنتاجية وكثرة المشروعات وتعقد الروابط فيما بينها، وكذلك عدم رضاء المستهلكين الذين ارتفعت مستويات دخولهم عن نوعية السلع والخدمات المتاحة لهم.

كان الحل الصيني لهذه المشكلات هو ببساطة التعلم من الاقتصادات الرأسمالية وإفساح المجال للملكية الخاصة ولرؤوس الأموال الأجنبية،وكذلك الانفتاح على التكنولوجيات المتطورة في هذه الإقتصادات، ثم تخفيف سطوة التخطيط المركزي الذى أصبح أقرب إلى التخطيط التأشيرى، واطلقوا على هذه الإصلاحات، التى حققت نجاحا كبيرا، نقل الصين إلى مصاف ثاني اقتصاد في العالم اسم “الاشتراكية بخصائص صينية”.ولم يكن في برنامج بيريسترويكا أو إعادة البناء، الذي دعا إليه جورباتشوف في الاتحاد السوفيتي، تصور تفصيلي يختلف في جوهره عما حققه الصينيون. فقد دعا إلى الاقتداء بما سمي في الإتحاد السوفيتي في عشرينيات القرن الماضي بالسياسة الاقتصادية الجديدة والتي منحت الكولاك أو ملاك الأراضي الصغار قدرا أوسع من الحرية في تحديد ما ينتجونه وكيف يسوقونه، وشجعت الاستثمار الأجنبي، وهي السياسة التي أنهاها ستالين في 1928 بالشروع في الانتقال إلى الزراعة الجماعية والإنطلاق على طريق التصنيع الثقيل للاقتصاد السوفيتي.

صحيح أنه كانت هناك أفكار مغايرة مثل تطوير جهازحاسب آلي يمكنه استيعاب الحجم الكبير من البيانات المطلوبة للتخطيط المركزي في اقتصاد ضخم مثل الاقتصاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضى، وإيلاء مزيد من الاستقلال للمشروعات الصناعية والخدمية وللمزارع الجماعية ومزارع الدولة، ولكن سقوط الاتحاد السوفيتي وصعود قيادات الحزب الشيوعي التي تميل إلى الرأسمالية لم يدع فرصة لتطبيق هذه الأفكار.

ما علاقة ذلك بفنزويلا؟

ما لم يحققه تشافيز هو تطوير قوى الإنتاج في بلده بتنويع بنية الاقتصاد والاستفادة من الوفرة المالية التى نتجت عن ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمي لتحقيق هذا التنويع، بل وربما التعلم من دول الخليج العربية في إدخار قدر مهم من هذه الوفرة إحتياطا للمرحلة التى تنخفض فيها أسعار النفط، وهو ما كان أمرا غير مستبعد. صحيح أنه أدخل إصلاحات اجتماعية خففت من حدة الفقر والجوع في بلاده، ولكنه لم يبذل جهدا كافيا لا لتطوير قوى الإنتاج ولا لتغيير علاقات الإنتاج، فقد ظل الاقتصاد الفنزويليفي جوهره إقتصادا رأسماليا تابعا.

كان تصور ماركس أن الاشتراكية ستكون أكثر تقدما من الناحية التكنولوجية عن الرأسمالية، وكان ذلك إعتقاد خروشوف سكرتير عام الحزب الشيوعي السوفيتي في سنة1960 عندما هدد الدول الرأسمالية بأن التقدم العلمي والتكنولوجي والإقتصادى للاتحاد السوفيتي سيدفنهم بعد خمس وعشرين سنة. عندما مرت هذه السنوات الخمس وعشرون كان الاتحاد السوفيتي يعاني ركودا إقتصاديا بل وتقهقرا في حجم ناتجه جعل التحول عن الإشتراكية فيه يمر بدون مقاومة؛ ومع ذلك مازال كثير من الاشتراكيين يصدقون مقولة ماركس ويغفلون أن ماركس تصور أن الإشتراكية ستعقب الرأسمالية، بينما وصل الاشتراكيون إلى السلطة في دول لم تكد تخرج من مرحلة الإقطاع. ومع ذلك فمأساة الثورة البوليفارية تنبهنا- وبعنف- إلى أن ماكان ماركس يفترضه لم يتحقق، ولذلك فإن واجب الاشتراكيين في دول الجنوب هو أن يأخذوا مسألة تطوير قوى الإنتاج في ظل سوق رأسمالي عالمي مأخذ الجد، وألا يختزلوا مسألة علاقات الإنتاج في مجرد الإنتقال إلي الملكية العامة لأدوات الإنتاج.

إقرأ المقالين السابقين عن فنزويلا على الرابطين التاليين:

1- أي سبيل للخروج من الأزمة الفنزويلية ؟
2- مأساة فنزويلا

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

دول الإقصاء الدولة القومية ذات الحدود الواضحة هي فكرة حديثة ارتبطت بتطور الرأسمالية. بيد أن العمال والفقراء هم الذين يعانون على جانبيها.

فيل مارفليت

حروب الإجهاض بات على المشاركين في الحملات المؤيدة للإجهاض العودة باستمرار إلى الحجة الرئيسية وهي أن أي سياسي أو طبيب أو صاحب أيديولوجية، يخبر المرأة بضرورة الحفاظ على حملها غير المرغوب فيه، يتصرف على نحو يتعارض مع حقوق المرأة. لا يمكن التغاضي هذا الطرح باعتباره تقدميا أبدا.

جوديث أور

عن كتاب جوزيف ضاهر “حزب الله: الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني” يهدف كتاب جوزيف ضاهر، الذي يتميز بالبحث الجيد، إلى رسم صورة مكتملة لحزب الله؛ واضعا التنظيم في سياق التغيرات التي شهدتها الدولة والمجتمع اللبناني على مدى السنوات العشرين الماضية.

آن ألكسندر